المقدمات التي قدّم بها الدكتور عصام عباس
أعداد مجلة النجمة المحمدية الثمانية
التي صدرت بدمشق بموافقة وزارة الإعلام السورية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العدد الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا ونبينا وشفيع ذنوبنا وقائدنا
أبي القاسم محمد وآله الأطهار الأبرار وعلى صحبه المنتجبين الأخيار ...
و بعد ...
ليس من محض الصدفة أن نصدر هذا الإصدار الأول من (النجمة المحمدية) إنما أعد وهيئ
لهذه الفكرة منذ أكثر من عام تحيناً لانعقاد عاشر المهرجانات التي نقيمها سنوياً
بمناسبة مولد السيدة زينب ...
نعم ... لقد مرت عشرة أعوام على الاحتفال لأول مرة في سورية بذكرى مولد العقيلة
الهاشمية واللبوة الطالبية والنجمة المحمدية والسيدة العلوية والوديعة الفاطمية
السيدة زينب الكبرى ...
و احتفاء بمرور هذا العقد الفريد على الاحتفال بهذه المناسبة تشرَّفْتُ بإصدار
النجمة المحمدية لمساعدة القراء الكرام في الاطلاع أكثر على شخصية عظيمة قدَّرها
التاريخ فتابعها من زوايا حياتها المختلفة منذ الولادة حتى الانتقال فلم يترك لحظة
من لحظات عمرها الشريف إلا ودوَّنها وكأنه يعرف حق المعرفة أن كل لحظة من لحظات
حياتها المختلفة هي لحظة مقدسة يجب تدوينها للأجيال...
لقد عبر عنها الكتاب والمؤرخون والخطباء والشعراء بأنها العمد الأساسي الذي أُسند
إليه درء الخطر عن الدين الإسلامي عقب استشهاد أخيها الإمام الحسين وأهل بيته
الأطهار في (واقعة كربلاء) بعد أن أريد لهذا الدين الحنيف الذي أرسى دعائمه سيد
الأنبياء محمد بن عبدالله أن ينهار ويتداعى ، فكان صوتها محطماً لأركان أنظمة
الباطل الظالمة التي أرادت إيصال الإسلام إلى الهاوية بما لهذه الأنظمة من ثأر وحقد
مبيَّت على باني هذا الدين سيد الخلق محمد وعترته الطاهرة التي عملت جاهدة في نشر
فكره وعقيدته السمحاء ...
هذا من جهة ومن جهة أخرى لتغطية المهرجان الولائي السنوي وتدوين المحاضرات والقصائد
الشعرية التي ألقيت في المهرجانات السابقة واللاحقة بإذن الله تعالى...
و بذلك تتكامل الفائدة المرجوة من هذا المهرجان انطلاقاً لتثبيت هذه المناسبة
الكريمة
(الخامس من جمادى الأولى) ذكرى مولد السيدة زينب (ع) عيداً دينياً يتقرب به الخلق
إلى الله تعالى ببركاتها وبركات جدها وأبيها وأمها وأخويها، هؤلاء الذين طهرهم الله
تطهيراً فكان أن لا يمس القرآن ولا يفسره إلا هم...
و تعبيراً عن الولاء المطلق لسيد الخلق محمد وآله الأطهار عليهم الصلاة والسلام.
وخاصة أنّ أرض دمشق قد تشرّفت وتطهرت بحمل هذا الجسد الطاهر لحـفيدة النبي وبنت علي
وفاطمة.
و من الجدير بالذكر أن هذه المناسبة العطرة يحتفل بها المسلمون عامة والعرب خاصة لا
سيما دولة مصر التي تقيم الاحتفالات الكبيرة والمهرجانات البهيجة اللائقة بهذه
المناسبة المباركة حيث أن في مصر مقاماً للسيدة زينب (ع) يتبرك به المصريون لقدسية
بطلة كربلاء وعظمتها ومكانتها المرموقة في البيت المحمدي فهي سيدة البيت المحمدي
الصغرى بعد أمها الزهراء ويواكب ذلك قيام وسائل الأعلام المصرية بنقل وقائع هذه
المهرجانات على مدى أيام الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة ، وهم يهتمون بهذه الولادة
العظيمة لاهتمام سيد الأنبياء محمد بقدومها ومباركة المسلمين له بذلك رغم أن العرب
في ذلك الوقت لا يهتمون بقدوم الأنثى ولكن أية أنثى هذه القادمة لرسول الله (ص)؟!
فهي الوليدة التي هبط الأمين جبرائيل مخبراً بقدومها وتسميتها من قبل الباري عز وجل
وبالمهام الجسام المناطة بها عندما تقضي ستة عقود من التربية المحمدية والسياسة
العلوية والمنهجية الفاطمية لتشارك بالثورة الحسينية قائدة تستلم زمام أمور
المسلمين بعد ما وُضِع من خطط لدحر الدين الإسلامي من قبل الظلمة على مبدأ :
لعبَتْ هاشِمُ بِالملكِ فَلا خَبَرٌ جَاءَ وَلا وَحيٌ نـزَل
هذه القائدة الضرورة يوم لم يبق قائد بعد استشهاد أخيها الإمام الحسين قادت مسيرة الإسلام ببسالة متفوقة وشجاعة مؤزرة فثبَّتت برسائلها البليغة وشجاعتها المعهودة أركان الدين الإسلامي وهدت أركان المعادين له ، وحتى يومنا هذا يُحتَفَى بتلك الرسائل التي شخصت المرض المستعصي الذي كان يعاني منه أولئك الظلمة ألا وهو مرض الشرك المعنّد على المعالجة، وفضحت الأدوار الرديئة التي قاموا بها ، وعالجت النفوس المريضة التي تهاونت مع الظلمة سواء بالترهيب وبالترغيب، ولن ينسى الزمان قولها لظالمها متوعدةً:
(فكِد كيدَك واسعَ سَعيَك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرَنا ولا تميت وَحيَنا)...
فأخرست الطاغية وجعلته
يندم على فعلته الشنعاء ولكن بعد ماذا... فالندم لا ينفع وقد صدر قرار اللعنة
الربانية على الطاغية كما أكد ذلك الإمام أحمد بن حنبل
(1).
إنّ رسائلها تلك تقدم العبر للإقتداء بدين مَن أرسل رحمة للعالمين فكم هم المسلمون
الذين كتبوا عن شخصيتها العظيمة ودورها الرسالي وكم هم غير المسلمين الذين أنشدوا
وخصصوا ساحات واسعة من كتبهم ودواوينهم للحديث عن شخصيتها وبطولاتها وقد أسلموا
حقاً عندما قرؤوا السيدة زينب(ع) قراءة جيدة فعرفوا من خلالها أن الإسلام إن أريد
الدخول إليه فيجب الدخول إليه من باب آل محمد عليهم الصلاة والسلام وهذا ما أكد
عليه سيدنا محمد حين قال:
(إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (2).
نعم كتاب الله وهو الدستور
المصان وعترته أهل بيته وهو باب الأمان، والسيدة زينب (ع) ركن من أركانه حيث أنيطت
بها مهمة جسيمة في تثبيت الدين الإسلامي وهي ما تزال في رحم أمها الطاهر...
هذه العترة هي الخاصة التي أوكل إليها فقه القرآن فهم الذين أخذوا القرآن وتعاليمه
من سيد الخلق محمد وهم البناة الحقيقيون لهذا الدين...
و ما حديث الكساء إلا شاهد حقيقي على خصوصية هذا البيت المقدس حينما طلب النبي أن
يُزَمَّلَ بكساء يكون هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين تحته ويناجي الخالق بأن هؤلاء
أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً فكان جواب الله عز وجل أن نزل
الأمين جبرئيل (ع) يحمل للنبي الآية الشريفة : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
لقد ولدت السيدة زينب (ع) طاهرة فقيهة تحمل في وجدانها وجوارحها وأعماقها فقه
القرآن فتربت في حجر النبي (ص) وتلقت منه ألف باء التعاليم الإسلامية والعلوم
القرآنية، وعاشت في كنف أبيها وصي رسول الله خمسة وثلاثين عاماً أخذت خلالها العبر
والدروس البليغة، وبعدها انتقلت لمصاحبة أخيها الإمام الحسن (ع) وعاشت معه محنة
تأجيج الفتن وانتزاع الخلافة منه بالقوة والخداع، وأخيراً رافقت أخاها الإمام
الحسين (ع) في مسيرة واحدة فكانت صنوه ورفيقته تتلقى منه الكثير وتشاطره المسؤوليات
حتى توَّجت أعمالها بمرافقته وعيالاته إلى كربلاء حيث كانت (بطلة كربلاء) و(القائدة
الضرورة) يوم لم يبق قائد يستحق قيادة الدين المحمدي بعد استشهاد أخيها الإمام
الحسين ومرض الإمام زين العابدين . فكانت كربلاء انطلاقتها ونجوميتها فخفقت لها
القلوب وهوت إليها الأفئدة وأصبحت قبلة كل مؤمن ومؤمنة وغدا من يركن لجوارها يتلمس
الحقيقة ويتقن المعرفة فينبثق فيه الالتزام الحقيقي بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف
فإذا كان مسلماً يزداد إيماناً وإذا كان غير معتنق للإسلام تصبح السيدة زينب (ع)
منارته وواهبة إرشاده...
من ذاك كان الاحتفال بمولدها الأغر في الخامس من جمادى الأولى هاماً ومعبراً يهتدي
به من يريد وجه ربه عز وجل، وشفاعة نبيه وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام.
و هنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة إذ أن هذه الاحتفالات والمجالس التي تختص بنشر
فكر أهل البيت وعقيدتهم النيرة ما كان لها أن تقام في هذا البلد منذ أكثر من أربعة
عشر قرناً لولا التأييد والمباركة التي لاقاها موالو أهل البيت من شخص الراحل
الخالد حافظ الأسد طيب الله ثراه وقيادته الرشيدة لهذا البلد خلال العقود الثلاثة
الماضية وحرصاً من هذا المهرجان الولائي السنوي على الوفاء لهذا السيد الجليل
والقائد الخالد كان إهداء المهرجان الولائي السنوي التاسع لمولد السيدة زينب (ع) في
العام الماضي لروحه الطاهرة ليجد هذه الأعمال الجليلة محفوظة عند سيدة البيت
المحمدي الصغرى السيدة زينب (ع) ... وقد قلت عند رحيله :
انتظرت السيدة زينب (ع) حافظ الأسد مرتين ؛ مرة طال بها الانتظار أربعة عشر قرناً
حتى استقبلته سورية رئيساً لها وحكم البلاد بقيادة لم يسجل تاريخ سورية نظيرها
فأتاح الفرص الكثيرة لموالي أهل البيت بكافة مذاهبهم ومختلف جنسياتهم في نشر فكر
وعقيدة سيدنا محمد وعترته الطاهرة عليهم الصلاة والسلام وصارت سورية محطة اللقاء
وعرين النجباء وموطن كل موالٍ وحتى إن اختار الموالي موطن إقامته في أي بلد غير
سورية فإنه يوصي أن يدفن عند مماته بجوار السيدة زينب (ع) فتصرف الأموال الطائلة
وتقطع آلاف الكيلومترات لهذا الغرض لأن حافظ الأسد رحمه الله حبَّبَ قلوب المؤمنين
بهذا البلد ومنحهم الأمن والأمان في وقت افتقدوا ذلك في بلدانهم، وهذا ما
عَــبَّرْتُ عنه شعراً :
هذا الولاء حراب عند من
وهنـــــوا أما الليـــــوث فتعطي الأمــــن بالودِّ
مودة الآل خط في مناهجــــــــهم ومنهج الآل إيــمـــــــــان بلا حدِّ
فليث تشـــــــرين آوى القوم كلهم وصارت الشــــــــام دار الأمن والقصد
دهذه مرة ، ومرة أخرى انتظرته السيدة زينب (ع) يوم أن أدى المهام على أتم وجه في هذه الدنيا ولكن هذا الانتظار كان لفترة قصيرة بعد ثلاثة عقود في جنان الرحمن ليُبَوَّأ مقعد صدق عند مليك مقتدر ... رحم الله حافظ الأسد سيد الوطن وزعيم العرب وأبا المــُهَجَّرين والمهاجرين من أوطانهم دون ذنب اقتُرِف سوى ولائهم لآل بيتٍ خص الله عز وجل مودتهم بقرآن كريم ...
و لكن نهج حافظ الأسد
ومسيرته تلك مستمرة بإذن الله تعالى لأنها سُلِّمت لخلف صالح وشاب مؤمن وطبيب يفحص
العلة ويداوي المرض والذي كانت يده ممتدة بنقاء للموالين لآل بيت محمد عليهم الصلاة
والسلام فالعمل مستمر والجهود نشطة في نشر فكر وعقيدة سيدنا محمد وعترته الطاهرة
عليهم الصلاة والسلام وستتطور هذه المجالس بإذن الله في عهده الميمون ، إنه الخلف
الصالح للسلف الصالح ... إنه الدكتور بشار الأسد حفظه الله ورعاه وأطال بقاه ومن
خلال هذا الإصدار الأول من النجمة المحمدية في المهرجان الولائي العاشر لمولد
السيدة زينب (ع) نرفع أحر التهاني وأسمى آيات التبريك بهذه المناسبة العطرة لسيادة
الرئيس الدكتور بشار الأسد سائلين المولى بحق محمد وعترته الطاهرة أن يسدد خطاه
ويؤيد مسعاه ويرفع رايات النصر على يديه من قاسيونه العظيم ويوفّقه لخير الدنيا
والآخرة ...
اللهم أحينا محيى محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام وأمتنا مماتهم وعلى ملتهم
ووَفِّقنا للاقتداء بنهجهم القويم والسير على صراطهم المستقيم وارزقنا شفاعتهم
و لا تجعلنا من المغضوب عليهم ولا تجعلنا من الضالين ، اللهم نوِّر قلوبنا وأفئدتنا
وجوارحنا بمحبتهم ومودتهم امتثالاً لأمرك إذ جاء في تنزيلك :
(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) صدق الله العلي العظيم
الدكتور عصام عباس
الهوامش:
1) عن صالح بن أحمد بن حنبل قال : قلت لأبي إن قوماً ينسبوننا إلى
تولي يزيد، فقال : يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله ولم لا يلعن من لعنه الله
في كتابه . فقلت : وأين لعن الله يزيد في كتابه فقال في قولـه تعالى : ( فهل عسيتم
إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم
وأعمى أبصارهم ) . سورة محمد (22-23) ، فهل يكون فساد أعظم من القتل وفي رواية فقال
يا بني ما أقول في رجل لعنه الله في كتابه. (الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني
ج2ص635).
2) سنن الترمذي ، ج5ص329.
ـــ
العدد الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الرحمة والسلام ، ومحرر العباد من
الجهالة والظلام ، مَن بذكره تجلى الكُرَب العظام ؛ سيدنا ونبينا وشفيعنا أبي
القاسم محمد وعترته خير الأنام وصحبه المنتجبين الكرام ...
وبعد ...
لعله من أبرز السمات الحضارية التي تقدمت بها الأمم هو استذكارها لعظمائها، وإحياء
الذكرى ليس من باب التعظيم والتبجيل للأشخاص وإنما هو إحياء للمواقف التي قام بها
المحتفى به ، ومحطة تذكير مستمرة للأمم التي تواجه التحديات الصعبة أمام الظلم
والاستكبار والأباطرة الذين أنستهم شياطينهم عظمة الله وقدرته وجبروته فأخذتهم
العزة بالنفس .
والأمة الإسلامية جمعاء تستذكر دائماً مواقف نبيها الأكرم (ص) فتحتفي في كل أرجاء
المعمورة بذكرى ولادته الشريفة ، بل إنها تستذكر هذه الذكرى في كل مناسبة خاصة أو
عامة بإقامتها لما صار يطلق عليه اصطلاحاً (المولد)، ولم يتوقف المسلمون عند هذا
الحد بل التمسوا كل خطوة خطاها النبي وكل فعل قام به ليتقربوا إلى الله بالتبرك به
؛ فإن وطأت قدما النبي بقعةً أصبحت تلك البقعة موضع تبرك، وإذا صلى ركعتين في موقع
ما فستجد المؤمنين يتزاحمون لأداء تلك الركعتين في ذلك المكان، وإذا شرب من بئر
فستراهم يأتون من أرجاء الدنيا ليرووا عطشهم إلى رسول الله بشرب ماء ذلك البئر الذي
تشرف ماؤه بثغر رسول الله (ص). وهذا ليس حكراً على المسلمين وحدهم، فكل الأديان
السماوية تمشي في هذا الطريق، لأنها تؤمن بأن الاقتراب من النبي - وإن تباعدت
الأزمان - هو في جوهره يؤدي إلى الاقتراب من الله، وهل هناك مَن هو أقرب إلى الله
من النبي ؟
ومن هنا يأتي الاحتفال بمولد سيدة البيت المحمدي الصغرى السيدة زينب (ع) التي شرّف
الله تعالى دمشق باحتضان جسدها الطاهر في أرضها، فتقدست الأرض بهذا الاحتضان لجسد
السيدة زينب (ع)، فهي ركن من أركان البيت المحمدي.
والاحتفال بمولدها له أهمية كبرى تنبع من الاهتمام الرباني الذي رافق ولادتها،
فاسمها جاء من الله سبحانه وتعالى وحياً عن طريق الأمين جبرائيل (ع) كما يروي
الكاتب العربي المصري يوسف محمود
(1) ، وهبوط الوحي لا يكون إلا لأمر رباني هام يقوم الرسول بتبليغه للمسلمين
حتى يطبقوه ، والاحتفال بمولد السيدة زينب هو احتفال بتنـزل الوحي من الله على
النبي وابتهاج لما أبداه النبي من بهجة وسرور بهذا المقدم الشريف ، وبالنتيجة يكون
هذا الاحتفال إحياء لسنة نبوية شريفة . وتذكر الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت
الشاطئ) في كتابها (السيدة زينب عقيلة بني هاشم) كيف أقبل المهنئون من بني هاشم
والصحابة يباركون هذه الزهرة المتفتحة في بيت الرسول ، لكنهم فوجئوا بظلال حزينة
تلف المهد الجميل، ظلال لها مكانها في النفس البشرية ووقعها على الوجدان، حيث حدثوا
أنَّ نبوءة ذاعت عند مولد الطفلة تشير إلى دورها الفاجع في مأساة كربلاء، وكانت
المأساة معروفة قبل موعدها بأكثر من نصف قرن من الزمان، ففي (سنن ابن حنبل : 1/85)
أن الأمين جبرائيل (ع) أخبر محمداً (ص) بمصرع الحسين وآل بيته في كربلاء
(2) .
ومن جانب آخر فإن هذا الاحتفال تذكير بالأدوار الرسالية التي أنيطت بهذه السيدة
العظيمة، عالمة آل محمد. فمن المعروف أن هذه السيدة قد عاشت في فترة مليئة بأحداث
كونت مفاصل هامة في تاريخ الإسلام، وفي خضم هذه الأحداث كانت تعتمد على المخزون
الهائل الذي ورثته من أهلها وما تحلت به من رجاحة عقل يشهد لها التاريخ. في البداية
تخرجت السيدة زينب على يدي رسول الله (ص) نفسه بدليل أن الصحابي عبدالله بن عباس
يروي خطبة فاطمة الزهراء بقوله (ع) حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي (ع)
(3)، فهو يروي خطبة سمعتها السيدة زينب وهي ابنة ست سنين، أي بعد وفاة الرسول
بأقل من عام، وكأن السيدة زينب (ع) كانت وزيرة إعلام البيت المحمدي منذ النشأة، ثم
استمرت السيدة زينب بالتعلم على يدي أبيها وأخويها ومارست دوراً ريادياً في الكوفة
عاصمة الدولة الإسلامية حيث افتتحت أول جامعة لتعليم النساء متابعة بذلك دور
الإسلام في النهوض بواقع المرأة التي همّشتها الجاهلية ونقلها إلى المشاركة في بناء
المجتمع كعنصر فعّال، ثم كانت نجوميتها وتألقها الأكبر في كربلاء، فأدت دورها في
مواجهة الظالمين ومحاولتهم في الردة إلى الشرك وفق مبدأ :
لعِبَتْ هاشِـمُ بالملكِ فَلا خَـــبرٌ جَاءَ ولا وَحيٌ نَزَل
فأدّبت أهل الكوفة
المتخاذلين الذين غرتهم الحياة الدنيا، وأدّبت الظالمين ودحرت عنجهيتهم في الكوفة
ودمشق، وكانت الغاية القصوى من كلماتها وخطبها أن تعلم الأمة الإسلامية كنه التعقل
والحكمة والتمييز بين الحق والباطل. ومن هذا كله أصبحت السيدة زينب (ع) بعد فاجعة
كربلاء مشروعاً إعلامياً هادفاً ورؤية مستقبلية مضيئة للأجيال.
إن التدبر في خطب السيدة زينب (ع) يوضح لنا ما ذكرَته من الثوابت التي لا محيص عنها
لتثبيت أركان الدين المحمدي بعد ما صمم عليه الظالمون من تهديم لأسس هذا البناء
الذي أرسى دعائمه نبي الرحمة وجد السيدة زينب (ع) محمد بن عبدالله (ص)، وهذا التدبر
ضروري في هذه المرحلة التي تواجه فيها أمتنا أبشع أنواع الإهانة لمقدساتنا في
فلسطين، فالصهاينة الفجرة يدنسون أقصى نبينا محمد ويسفكون دماء أهلنا الأبرياء هناك
عدا عن هدم المنازل وحرقها. لقد نظرت السيدة زينب (ع) في وقتها إلى الظالمين وهم
يقتلون أولاد رسول الله ويحرقون خيامهم ويعتقلون ويقيدون نساءهم ويدوسون صدر سبط
النبي (ع) بحوافر خيلهم في أبشع جريمة عرفها التاريخ ، وحتى لا يحل بالأمة
الإسلامية ما حل بآل رسول الله وقفت السيدة زينب تخاطب الأمة الإسلامية وأنَّبَت كل
من اشترك في هذه الجريمة النكراء ، وأثمر خطابها الهادف العملي أجيالاً ثائرة غسلت
عار جريمة كربلاء عن المسلمين على مدى العصور، فمضت هذه الأجيال تدك الباطل بيد
وترفع العقيدة السمحاء بيد ناشرةً فكر سيدنا محمد وعترته الطاهرة في كل أرجاء
المعمورة، ومن هذا المنطلق جاء الانتصار المبارك في جنوب لبنان، فهذا الجنوب الذي
نهض مستلهماً عقيدة محمد وعترته الطاهرة أذل الطغاة المتجبرين وحطّم جبروتهم وأثبت
كيف أن الحق لا تقف أمامه قوة مهما حشدت من إمكانيات، لأن أبطال الجنوب رسموا
الشهادة على أجسادهم وخطواتهم ورفعوها عنواناً لمسيرتهم الظافرة وبرهنوا وراهنوا
على أنه لا انتصار ولا استعادة لحقوق مغتصبة دون التمسك بهذا النهج القويم.
وهنا يجب أن نستذكر بإكبار مواقف من بذر هذه البذور الطاهرة في نشر فكر أهل البيت
في هذا البلد الطيب ، إنه القائد الخالد حافظ الأسد (طاب ثراه)، حيث جعل البلاد
شامخة في مقارعة الظالمين وكشف مكائدهم فلم يوقع معهم أي اتفاق، وبنى لسورية مجداً
تعتز به وكلمة تصغي لها الدنيا كلها، ورسم شعار (الشهادة أو النصر) مقتدياً بثبات
أهل البيت ورباطة جأشهم في مواجهة الظلم والعنجهية مستلهماً مواقف الإمام الحسين
والسيدة زينب، فالتفت حوله الأيدي الشجاعة والجماهير المؤمنة بالحق فاسترجع جنوب
لبنان وهزم العدو بمؤازرته للمقاومة اللبنانية، وارتاحت نفسه لمرأى رايات النصر قبل
أن يرتقي إلى رحمة ربه مخلفاً نجلاً حكيماً شجاعاً سار على نهجه واقتدى بحكمته هو
الرئيس القائد الدكتور بشار الأسد حفظه الله، وها هو اليوم يقود الجماهير في مواجهة
الغطرسة متمسكاً بقوة الله وحوله فأصبحت سورية بهذا النهج المستمر عنوان العرب
ومعقل الأحرار ومصنع الانتصار .
في الختام نسأل الله تعالى أن يجعلنا من السائرين على نهج أهل البيت والمقتدين بهم
والمتبعين لخطواتهم ... إنه نعم المولى ونعم النصير ... وكل عام وأنتم بخير .
الدكتور عصام عباس
ـــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مقال في جريدة الجمهورية المصرية (عدد 31/10/1972)، راجع كتاب المرأة العظيمة للشيخ الدكتور حسن الصفار (ص43).
(2) راجع كتاب الدكتورة (بنت الشاطئ) عائشة عبد الرحمن (السيدة زينب عقيلة بني هاشم) (ص28،29).
(3) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني (ص92).
ـــ
العدد الثالث
الحمد لله والصلاة والسلام
على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وآله الطيبين الأطهار وصحبه المنتجبين
الأخيار وبعد...
منذ اثني عشر عاماً والمهرجان الولائي يحكي في دمشق عاصمة أهل البيت (ع) في عصرها
الأسدي الذهبي حياة نجمة آل محمد شرف دمشق ومنارتها ورمز عزتها وفخارها زينب
المقدّسة (ع).
ويتوافد لهذا المهرجان من كل أرجاء سورية وفود تمثل كافة الطوائف الإسلامية تتحدث
بفكرها وعقيدتها عن أهل البيت (ع) وعن السيدة العظيمة سليلة البيت المحمدي حفيدة
النبي وبنت الوصي وبضعة الزهراء وشقيقة الحسنين وسبطي الرحمة وإمامي الهدى؛ البناة
الحقيقيين للإسلام ورمز عزته الذين ظهرت منهم زينب المقدّسة (ع) حاملة لواء الإسلام
لتكمل المسيرة وتسير بدور رسالي أنيط بها لتحافظ على إسلام محمد (ص) من شرذمة أرادت
تمزيق الإسلام ودحضه إلى الأبد. فاستخدمت عنفوانها وأدبها وثقافتها وإعلامها
وقيادتها المتميزة وتمكنت هذه العظيمة من إرساء دعائم المحافظة على الدين الإسلامي
بعد واقعة الطف في كربلاء عام 61ﻫ.
كذلك يقدم إلى هذا المهرجان الولائي شخصيات إسلامية من كل أرجاء المعمورة تحمل في
أعماقها ووجدانها الفِكَر الهامة عن خطى السيدة زينب (ع) ومسيرتها النضالية.
ومن كل ذلك نستطيع أن نلخص نتاج الأعوام الاثني عشر الماضية بوحدة الكلمة ووحدة
الهدف ووحدة الرأي ووحدة العقيدة وصدق ولاء كل الطوائف الإسلامية التي تتجمع حول
مائدة آل بيت محمد الفكرية أينما دعي لها وحيثما وجدت، فالجميع متشوق أن يحضر
ويحاضر في مثل هذه المهرجانات تودداً لسيد الخلق محمد وعترته الطاهرة وتقرباً لهذا
البيت المقدس.
إن وحدة المسلمين في وقتنا العصيب هذا هامة بل ركيزة أساسية لرص الصفوف وجمع الآراء
على أساس نص المولى عز وجل في قوله: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في
القربى) وبيانه عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا). فالجمع أمر رباني
والوحدة شرط إلهي في تحقيق الأهداف السامية والآمال المنشودة لإبعاد كل المتربصين
وإقصاء كل المعاندين.
والاجتماع في مناسبات مَن خصهم المولى بالمودة والتطهير هو أفضل الأوقات وأنسبها
لطرح الآراء وجمع القلوب مودة ورحمة في رحابهم، وما أجمل أن تعقد مهرجانات كبيرة
ومؤتمرات هادفة في كل المناسبات التي تخص البيت المحمدي الأقدس وتجتمع فيها كل
الطوائف الإسلامية كتلة واحدة يرهبون بها عدو الله وعدوهم لأن الكلمة لا تقل عن
السيف والكلمة الطيبة الهادفة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي
أكلها في كل حين، فتُنتهز هذه المناسبات لإظهار وحدة الكلمة ووحدة الصف ونذكر من
هذه المناسبات المباركة لمثل هذه المهرجانات والمؤتمرات: ذكرى مولد الرسول الأعظم
(ص) وذكرى عاشوراء وذكرى الأربعين وغيرها من المناسبات الهامة التي توحد صفوف
المسلمين الذين يجتمعون على تعظيمها وإحيائها، وقد اخترنا منذ اثني عشر عاماً لأول
مرة في هذا البلد الكريم ذكرى مولد زينب المقدّسة (ع) للاعتبارات التالية:
أولاً: إن السيدة زينب هي حفيدة النبي الأكرم محمد (ص) لابنته الزهراء فاطمة وبنت
علي وصي النبي وفتى الإسلام وسيفه المنصور وشقيقة الإمامين الحسنين سيدي شباب أهل
الجنة.
ثانياً: إن السيدة زينب جامعة ثقافية علمية ودور نضالي يفخر به المسلمون لدحضها
الباطل وإزهاقه ورفعها الحق وإحيائه وقيامها بإرساء دعائم الدين الإسلامي بعد أن
أريد الانقضاض عليه وإنهاؤه فيما بعد الخلافة الراشدية من قبل شراذم من البشر
بعيدين عن الإسلام ورب الإسلام ونبي الإسلام.
ثالثاً: إن الله عز وجل قد قيض لهذا البلد الكريم نعمةً كبيرةً تلبيةً لدعوة نبيه
الأكرم محمد (ص) بمباركة لا مثيل لها بأن يرقد بعاصمة هذا البلد جسد الطاهرة
العظيمة زينب المقدّسة (ع) فتكون منارتها وفخرها ورمز عزتها وبلسم جراحها لاسيما
أنها العاصمة التي أصغت لبيان السيدة زينب (ع) عام 61هـ والذي بدد الإرهاب الفكري
وغطرسة الجبابرة.
فكان هدف المهرجان الرئيسي توجيه أنظار الخلق أجمع نحو هذا الصرح الشامخ والاستفادة
والاستزادة من تاريخ صاحبة هذا الصرح ودروسها فهي قبلة كل الأشراف ومحطة كل
المؤمنين وراية كل المناضلين أينما كانوا وحيثما وجدوا، وإحياء هذه السُّـنّة -ذكرى
ميلاد السيدة زينب (ع) في الخامس من جمادى الأولى من كل عام- هو مباركة منا كمسلمين
لسيد الخلق نبينا الأكرم محمد (ص) الذي استقبل المهنئين يوم الخامس من جمادى الأولى
سنة 5هـ وأولهم الأمين جبرائيل ثم قرابته من بني هاشم وأصحابه الأكارم كما تروي هذه
القصة الدكتورة عائشة بنت الشاطئ في كتابها القيم "السيدة زينب عقيلة بني هاشم"
وغيره من كتب التاريخ المحققة، فحريٌّ بنا نحن المسلمين أن نبارك لسيدنا النبي (ص)
بهذه المناسبة العطرة من خلال اجتماع كلمتنا ووحدة صفوفنا وجمع قلوبنا لنتبارى
بالتهاني والكلمات المثمرة والمذكِّرة والمفيدة في حياة مجتمعاتنا وأجيالنا
القادمة.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الأطهار والحمد لله رب العالمين.
الدكتور عصام عباس
ـــ
العدد الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وخاتم المرسلين سيدنا محمد
وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى أنبياء الله أجمعين وبعد...
يطل علينا عام زينبي جديد والاحتفاء بمولد زينب المقدسة في دمشق مستمر بفضل الله
تعالى، وبعد ثلاثة عشر ربيعا يتجدد اللقاء حول مائدة كريمة أهل البيت الفكرية بين
كافة الطوائف الإسلامية والأديان السماوية في المهرجان الولائي الثالث عشر، والغاية
من ذلك كله وحدة الكلمة ووحدة الرأي ووحدة المفاهيم بفكر وعقيدة ومبادئ البيت
المحمدي المقدس الذي بعث سيده لإكمال مكارم الأخلاق والذي تبوأت فيه السيدة زينــب
(ع) السيادة بعد أمها الزهراء (ع) فكانت سيدة البيت المحمدي الصغرى التي حملت مبادئ
هذا الفكر ومفاهيمه وعقيدته السمحاء وأخلاقه العظيمة وثقافته الشافية لتثبتها في
عصر مظلم فقدت فيه المفاهيم ونشرت فيه الضلالة وأعيدت فيه الجهالة الممرضة وانقلبت
فيه المعادلات وسلبت فيه القيم عند قتل سبط نبينا وريحانته الإمام الحسين (ع) فأشرق
في حينه عبق من نور محمد وفرع من الأصل ونجمة من الكواكب المحمدية مستلمة الوصية
وحاملة الراية فقادت زمام الأمور يوم لم يبق قائد للمسلمين بعد استشهاد الإمام
الحسين (ع) فحركت المشاعر وأنبت الضمائر واعتلت المنابر لتعطي كل ذي حق حقه وتثبت
المفاهيم القرآنية أمام من تحدوا القرآن وربه والحاقدين على مفاهيم القرآن ونبيه
والمستهزئين بالقرآن ووحيه، فصفعت الطغاة بصدق بلاغها وقوة إيمانها ورفعة ثقافتها
(فكد كيدك وأسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك
أمدنا). فالاحتفاء بمولدها هو الاحتفاء بمولد الإسلام المتجدد بعد ما أراده الطغاة
والمارقون من القضاء على الإسلام ديناً وقيماً وفكراً وثقافة على مبدأهم المعروف:
لعبت هاشـم بالملك فلا خبر جـــاء ولا وحي نزل
فأوكلت المهمة للسيدة زينب بالقيام بها وتثبيت أركان دين جدها وانتشال الفكر
الإسلامي من مستنقع الردة وأفكار الجاهلية، فكانت القائدة الضرورة من غير منازع
وكانت العالمة والفهمة بفقه القرآن وسنة النبي والمحدثة بإقناع، فغيرت ببيانها
الموازين وبددت الإرهاب وهشمت هامات المتغطرسين أعداء الإنسانية وسادات الجهل ممن
لفظتهم أحقاد الكفر والزندقة فتجرؤوا على نبينا محمد (ص) بانتهاك حرمته واستباحة
عقيدته، فحفظت بذلك حقوق الناس التي سنتها التعاليم السماوية والتي طرحها وأرسى
بناءها سيدنا محمد (ص) جد السيدة زينب(ع) من العزة والكرامة والعدل والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وحطمت الضعف والتهاون والتخاذل في نفوس الناس التي هددها النظام
المرتد والمتسلط على رقاب الأمة بسيف الحقد الأعمى على دين أضيء بنور سيد الخلق
محمد (ص)؛ هذا السيف الذي ما هدأ يوما من نشر الذعر وجرح الكرامة وفرض الآراء
الوثنية المرتدة بالترهيب والترغيب، لذا قاد الإمام الحسين(ع) ثورة إصلاح الفساد
والخلل الذي أحدثته تلك العصابة الفاسقة في كربلاء فقدم الروح قربانا لترسيخ تعاليم
الله وحرصا على كرامة وعزة وحقوق الإنسان التي سلبها طغاة الجاهلية ووارثيها، ومن
الطرف الآخر قادت السيدة زينب (ع) بذات التضحية عندما فرضت على الطغاة آراء ثورة
الإصلاح وإرساء دعائم الدين الإسلامي الحنيف بعدما انتهك الدخلاء المارقون حرمة
الإسلام بقتلهم الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه وذلك من خلال خطبها في الكوفة
ودمشق اللتان أصغتا لصوت السيدة زينب (ع) الذي بدد إرهابهم وحطم عنجهيتهم، فكانت
الضرورة التي فرضت نفسها في أن تكون وتبقى كربلاء الحسين وشام زينب مدرسة خالدة
لحماية حقوق الإنسان على مر الدهور في كل مكان وبأي زمان.
من ذلك كله كانت السيدة زينب (ع) كعبة دمشق المشرفة والمطهرة للترب والأرواح،
وسيبقى كل مؤمن وكل ذي غيرة بمن فيهم أهل دمشق أولا يكنون الاحترام لشخص السيدة
زينب (ع) وكبريائها وصمودها وصبرها، وسيبقى الخامس من جمادى الأولى يوم ولادة النور
المحمدي والسيف العلوي والفقه الفاطمي والنصر الحسيني السيدة زينب (ع) عيداً
مباركاً ويوما خالداً من أيام دمشق الخالدة التي انقلبت على المرتدين وهمشت أفكارهم
ودحضت جاهليتهم وكنَّتْ وتُكِنُّ كل التبجيل والتقديس لعظيم الخلق وسيده محمد بن
عبد الله (ص) جد السيدة زينب (ع) ومربّيها ومعلمها الأول ومرشدها الروحي ورائد
مسيرتها ومنبع أفكارها.
فسلام وتهنئة لك سيدي أبا الزهراء وللعترة الطاهرة من ذريتك والتي تشمخ دمشق وتتشرف
أرضها ومن عليها باحتضان جسد واحدة من هذه العترة المطهرة ألا وهي بطلة كربلاء
السيدة زينب المقدسة (ع).
الدكتور عصام عباس
ـــ
العدد الخامس
بسم الله الرحمن الرحيم
للعام الخامس على التوالي تطل النجمة المحمدية لمتابعيها الكرام في عددها
الخامس مع حلول الذكرى العطرة لميلاد سيدة أحلت العدل وأقامت الحق ببيانها الرباني،
وبهائها المحمدي، وبلاغها العلوي، وصبرها الفاطمي، ومنهجها الحسيني... سيدة هزت
التاريخ برباطة جأشها وأناقة أسلوبها فأرغمت الطغاة على الإذعان ونبهت الناس من
غفلتهم لتدعوهم إلى انتهاج النهج الصحيح بعيدا عن البطش والمغريات، وقتلت إرادة
الشيطان وأبالسته، وبسطت قوة الرحمن وسيطرته، فكانت الموقف المهيمن والقرار الملزم
سيدة البيت المحمدي السيدة زينب(ع)، فتشرف التاريخ عندما دون مسيرتها النضالية
وحكمتها النبوية وخطواتها السديدة وقيادتها الفريدة، وتزامنا مع المهرجان السنوي
الولائي الرابع عشر الذي سنَّ الاحتفاء بهذه الذكرى العطرة في هذا البلد الذي تشرفت
أرضه باحتضان جسد السيدة الطاهرة زينب المقدسة فتطهرت الأرض ومن عليها بانبثاق نور
محمدي ومشهد علوي وسط العاصمة الزينبية دمشق تؤمه الملايين من الزوار كل عام كما
تصرح وسائل الإعلام السورية، فأطلق عليها اسم مميز شرفها ببنت محمد وآل بيت محمد
الأطهار وأصحابه المنتجبين الأخيار إذ سُمِّيت (شام شريف) وهذه التسمية تحمل معاني
ودلائل رفيعة زيَّنت دمشق بوسام مشرف.
لقد خرجت هذا العام نجمتنا المحمدية بحلتها الجديدة لتقدم التوثيق المختصر لأعمال
المهرجان السابق الثالث عشر ونشاطات بيت النجمة المحمدية للعام المنصرم،ويتمكن
القراء الأعزاء من متابعتها والاطلاع على كافة المهرجانات الولائية السابقة ومعرفة
نشاطات بيت النجمة المحمدية السابقة واللاحقة ومنشورات بيت النجمة المحمدية وذلك
بالدخول إلى موقع بيت النجمة المحمدية على شبكة الانترنيت
www.alnajma.org،وفي
هذا العام احتوت النجمة المحمدية على دراسة تحليلية موسعة في منهجية السيدة زينب
ومسيرتها القيادية الرائدة تنقل القارئ الكريم إلى موقع الحدث في الكوفة ودمشق حيث
زعيمة الموقف المؤيد والمنهج المسدد والسجل التاريخي الموثق والمحقق.
أخيرا أدعو المولى القدير أن يمنَّ بالفائدة على القارئ الكريم وقبول العمل والرضى
والسداد والتأييد... إنه نعم المولى ونعم النصير، وكل عام وأنتم بألف بخير.
-الدكتور عصام عباس-
ـــ
العدد السادس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد
وآله الطاهرين....
عقد
ونصف ودمشق العاصمة الزينبية تحتضن مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الذي
سنّ الاحتفاء بالذكرى العطرة لمولد السيدة زينب المقدسة (ع) في الخامس من جمادى
الأولى لأول مرة في هذا البلد الزينبي.
عقد ونصف ودمشق العاصمة الزينبية يتلألأ مركزها الثقافي وسط العاصمة باجتماع فريد من نوعه يجمع كافة الطوائف الإسلامية والديانات السماوية لتُحيي النفوس وتُعطر الأنفاس بقراءة متدبرة لتاريخ مؤثر مر على عالمنا منذ أربعة عشر قرنا اصطدم فيه طريق السلام بحروب شعواء انتصرت فيها قوى الظلام وقتيا ولكن بقيت كلمة الله هي العليا...
واستدامت قوى الخير التي حملت هذه الكلمة وتبنت مشروع نشرها وبسطها في كل الأرجاء لتحق الحق وتزهق الباطل وتُثَبّتَ القوانين والشرائع السماوية وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزرع الطمأنينة في النفوس وإبعاد القلق واليأس عنها من خلال معرفة الله والإيمان المطلق به وبسننه وشرائعه ممتثلة لأمر بارئها الذي خصها بهذه المهمة المضنية والسير فيها بصبر وتأن وتدبر وحكمة وإيثار...
استدامت صروحا شامخة تؤم لها الأرواح قبل الأجساد معبرة في قصدها عن صدق ولائها والتمسك بصراط الله المستقيم وحبله المتين...
استدامت مدارس تعلّم الأجيال معنى الارتباط بالله وعدم الانحراف عن سننه...
استدامت مقامات في نفوس وأرواح وقلوب المؤمنين...
استدامت محاكم عدل يُقتصُ فيها ومن خلالها من المذنبين والمسيئين فيؤخذ في رحابها حق المظلوم ويرد كيد الظالمين بإذن الله، مهما عملت محاكم الظلم والفساد الإداري وقلبت الموازين...
استدامت مراكز استشفاء للمقهورين وللمصابين بالأمراض التي استعصي علاجها على الطب بأنواعه واختصاصاته المتعددة...
استدامت معاقل نصر وانتصار للشرفاء والمناضلين والمستضعفين...
استدامت محطات لقاء لشعوب الدنيا من أقصاها إلى أقصاها مهما تعددت قومياتهم ومهما اختلفت لغاتهم فكانت هذه المجامع والمحطات نقاط اتصال وتواصل تجمعهم بلغة واحدة وهدف واحد ونشيد واحد ودعاء واحد ينطلق من كل الحناجر بصوت مرهف واحد هو الولاء المطلق لله تعالى ولنبيه الأكرم وعترته الطاهرة عليهم الصلاة والسلام...
وكانت محطة زينب المقدسة J واحدة من تلك المحطات السماوية تقصد لها الأرواح قبل الأجساد، للتقرب لله تعالى بمقامها المطهِّر لأنها واحدة من البيوت التي أذن الله أن يرفع فيها اسمه...
مقام وسط دمشق التي شاء الله أن لا تكون إلا عاصمة لزينب المقدسة J، ودليلُ المعابر الحدودية خير شاهد على رصد وفود الحجيج التي تؤم دمشق قاصدة زيارة كعبتها ومنارتها الشامخة كريمة النبي وسليلة الوصي وبضعة الزهراء وشقيقة السبطين الحسن والحسين وعمة الأطهار الأئمة الأبرار عليهم الصلاة والسلام...
نعم.. انه الإرث الكبير والنسب العظيم ولكن ليس ذلك وحده فحسب..
بل إن زينب مدرسة علمت الدنيا معنى الكفاح ومعنى الجهاد ومعنى التضحية ومعنى الصبر ومعنى الإيمان المطلق بالله تعالى...
وإن زينب مدرسة بذرت بذور النقمة على الظلم والقهر والاستبداد واجتثاثه، والقضاء عليه، ومحاسبة مقترفيه ومؤيديه والمتعامين عنه بجهل أو تجاهل، أسلوبا سياسيا اختطته السيدة زينب في مواجهة فساد الحاكم وفضح السياسة المرتدة الرعناء ، فهي التي حاربت الإرهاب بكل أنواعه وقمعته بكلمة الخالق واللسان الصادق والرهان الواثق فحطمت أرجوزتهم الجوفاء «لا خبـر جاء ولا وحي نزل»، فغدت ثقة الأمة ومرجعها الأعلى وقائدها الروحي يوم غاب قائد الأمة الإمام الحسين (ع).
شرّفت التاريخ الذي كتب عنها وعن مسيرتها ومنهجيتها فكانت صفحة مشرقة أضاءت تاريخ الأمة المظلم الذي كثرت فيه الصفحات المخزية بانحراف مسيرة هذه الأمة يوم سنّت القيادات الرعناء فيها قوانين مغايرة للقوانين السماوية التي سنها رسول الله )ص( وانقلبت على النبي الأعظم وأرست قوانين جهالتها وعصبيتها القبلية الموروثة وبثت قرارات حقدها على أهل بيت النبي بغضا برحمة الله الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، ولكن خفافيش الليل لا يمكنها أن تتحرك وتسطو إلا في ظلام الليل لقصر نظرها وعمى بصيرتها فتغضب على الرحمة وتخشى النور وتبغض المودة وتقلب الحب إلى كره دائم تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل...
نعم.. إنها مسيرة خالدة يمكن لكل قوى التحرر أن تقرأها بتمعن وتحتذي بخطاها وتتعلم منها ـ كيف يمكن أن تُحرر الشعوب المقهورة من براثن العبودية والقهر بالإيمان المطلق بالله كما فعلت سيدة البيت المحمدي زينب المقدسة J..
فلدعاة الديمقراطية وللحريصين على حرية الشعوب وتحريرها نقول: إن المنهجية الإلهية التي تبناها دعاة الحرية والديمقراطية الأوائل أنبياء الله ورسله وخاصة الرسالة التي جاء بها سيدنا محمد (ص) واشرف على تنفيذها أهل بيته الأطهار (ع)، والسيدة زينب المقدسة كانت المدرسة النموذجية لوضع هذه الأسس موضع التنفيذ في تحركها السياسي والإعلامي المميز بعد واقعة كربلاء لهي أفضل وسيلة لنشر مفهوم الديمقراطية وسحق رموز الإرهاب أينما وجدت وبكافة أشكالها وتحرير الشعوب من براثن الهيمنة والقهر والاستعباد.
ونقول لهم: خذوا العبر واتعظوا بنشر مفاهيم الديمقراطية وبث روح الحرية والتحرر بقراءة متدبرة لتاريخ هذا السلف الصالح والسير بخطاهم ومنهجيتهم التي حرصت على حفظ كرامة الإنسان وحقوقه...
فأهل البيت (ع) دون سواهم نموذج فريد خصه المولى عز وجل في نشر قوانينه السماوية وبسط كلمته وعدله على الأرض، فعلى كل ذي لب وحكمة التمترس بمنهجية هذا البيت المقدس..
وبقلب دمشق يشمخ علم من أعلام أهل البيت وصرح من صروحه العظيمة ورمز من رموزه العملاقة متمثلا في حفيدة نبينا الأكرم محمد بن عبد الله (ص)السيدة زينب بنت علي وفاطمة التي غدا مقامها المقدس كعبة دمشق تؤمه قوافل الحجيج على مدار السنة لتتطهر في جنباته الأرواح وتعمر في رحابه النفوس من هنا ومن خلال صوت مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الخامس عشر نقول:
لابد من دور إعلامي ثقافي مميز في الاهتمام بالفكر والمنهج الزينبي بتزامن مع دور السياحة السورية في نهضة التطوير السياحي في منطقة مقام السيدة زينب J ودور المؤسسات التنموية العامة والخاصة في الاهتمام وقدسية المنطقة وإبعاد كل مظاهر الفحشاء والمنكر عن هذه المنطقة المقدسة حرصا من كل المؤمنين والمسلمين بالخاصة على كرامة نبيهم وقدسيته التي لا يهون عليهم المساس بها والذي شرّف الشام بدعائه لها «اللهم بارك لنا في شامنا»، فأي مباركة تريد الشام أكثر من وجود هذه الكعبة المحمدية المشرِّفة التي هي رحمة الله وقبس من نور رسول الله في قلب عاصمتها دمشق؟.
(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين)
الدكتور عصام عباس
ـــ
العدد السابع
افتتاحية العدد
بقلم الدكتور عصام عباس ـ رئيس التحرير
مؤتمر كنيسة محردة الزينبي ـ 
مؤتمراً تأسيسيا لحوار هادف وبنّاء بعيدا عن حوارات المجاملة والكلام
بسم الله الرحمن الرحيم
حدث ليس من وحي الخيال ،
ولا نسج صحفي سطرته وسائل الإعلام التي تنسج الأخبار حدثت أم لم تحدث ،
ولا قضية كتبها التاريخ قبل مئات السنين ونعيد تكرارها بسيناريو جديد وسياق معدل وفق منفعتنا،
ولا سبق افتعله رجل دين أو رئيس طائفة ليظهر كفائتة وسماحته وتسامحه في التقريب بين وجهات النظر المتباينة والمختلفة على مر العصور ،
ولا فعل رجل دولة يريد أن يظهر ديمقراطية نظامه وحرية الرأي التي ينتهجها ...
الحدث هو قرار رباني شاء الله أن ينفذه عباد آمنوا بمشيئته وقدرته ، أحاطتهم رعاية السماء وغمرتهم رحمة الله تحقيقا لأمره وتنفيذا لإرادته وإظهار وعده الحق لمجتمع غاص كثيرا في طمس الحقائق التاريخية المشرفة وصورها على أنها أحداث مرت وانتهت وحفظها التاريخ في مدوناته مع مرور الزمن ، لا تحتاج إلا أن يُحتفى بها إحياء للذكرى وصاحب الذكرى ، فكان الحدث عيد الإنسانية ...
فمهرجان النجمة المحمدية : عندما سعيتُ بسنّه في دمشق عاصمة الحضارات النبوية والديانات السماوية عاصمة لفت بعلمها نجمتين ، قال عنهما شيخ من دمشق وعضو في برلمانها إنهما نجمة لمحمد ونجمة للمسيح (تصريح تلفزيوني للدكتور محمد حبش)،
فأضفتُ على قوله أن نجمة محمد هي حامية دينه يوم قرر الأوغاد طمس معالم الدين الحنيف وإخفاء آثاره إنها السيدة زينب المقدسة (ع)
ونجمة المسيح هي من رعت كلمة الله واحتضنت روح الله بصبر ورضا إنها أم يسوع المسيح
السيدة مريم المقدسة (ع)
فبهاتين النجمتين حما الله سورية وبارك الله بشامها يوم دعا النبي محمد (ص) ربه
(اللهم بارك لنا في شامنا ... ) ،
فأية بركة ومباركة تريدها الشام أكثر من هذه الصروح النبوية الشامخة في عليائها وأرفع من هذه الحضارات النبوية المشرفة لتاريخها ..
فعندما سعيتُ بسن هذا المهرجان قبل خمسة عشر عاما أي في عام 1992م ـ 1413هـ أردتُ أن أتطوع لأكون دليلا مع رجال مخلصين اختارهم المولى بكفاءاتهم وقدراتهم من كافة الديانات ومختلف الطوائف للمجتمع الذي أعيش في كنفه منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن خاصة والمجتمع العربي و الإسلامي عامة ما تذخر به سورية من حضارة خصها المولى وشرفها بها وتجاهلها الناس عن عمد أو غير عمد بسبب تاريخ الأمة الغابر عبر عصورها المظلمة التي زجت عليها أنظمة وحكومات ابتعدت عن طريق الله وهمشت دياناته ونفذت ما أملتها أحقادهم وما ورثوا من جهالات دمرت الأمة وغبّرت الأجيال بحماقاتها وقوانينها الفاسدة وعنجهيتها المتغطرسة وسوء قياداتها فتاهت الأمة عن الموروث السامي والكرم الرباني الذي خصها الله به لتكون دروسا حقيقية تعلم الناس كيف يمكن مواجهة الطغاة وتحطيم أحدوثتهم وتطبيق كلمة الحق على الأرض وجعلها هي النافذة وإزهاق كلمة الباطل إلى غير رجعة ...
هذه الحضارة هُمّشت على مدى أربعة عشر قرنا حيث ترقد السيدة الطاهرة زينب (ع) وسط غوطة دمشق ، فقبل عقدين من زمن إقامة المهرجان قدمتُ إلى دمشق عام 1974م ، كان يومها الرحاب الطاهر بناء متواضعا وكانت يومها المنطقة أكثر من مهملة لا يصح السكن فيها وشاء الله أن يشرف هذا البلد بحافظ الأسد الذي فك أسر السيدة زينب وفتح قيدها وأنهى حصارها ، وشاءت الأقدار أن يبتلى العراق بطاغية العصر الذي حكم كيزيد بالنار والحديد وهُجّر الشعب العراقي دون ذنب فاحتضن الأسد كل العراقيين في عرينه دون استثناء وأتاح لهم الفرص من بينها نشر فكر أهل البيت فقدم العراقيون إلى سورية وحلقوا حول هذا الرحاب المقدس وعمروا وأسسوا مؤسسات دينية وثقافية وإعلامية في جنباته ، فكان الناس يعملون ورشة عمل كخلية نحل في بناء اللبنة الأساسية لهذا العمل العقائدي الحضاري الذي كان الرئيس حافظ الأسد مؤسسه وبانيه وحامي حماه ... واستمر العمل من بعد رحيله لأنه رسم منهجية فكرية وأطلق مسيرة إيمانية عقائدية يجب أن يذكرها التاريخ وتدونه صفحاته ، فمجلة النجمة المحمدية انطلقت في أعوامها الست الماضية ومهرجان النجمة المحمدية انتقل لتحتضنه المراكز الثقافية في دمشق ليكون أوسع انتشارا بين أطياف المجتمع المتنوعة .. وفي أعوامه الخمسة عشر استقطب المهرجان أكثر من مئة وخمسين شخصية فكرية وعلمائية وثقافية وأدبية وسياسية من مختلف الطوائف الإسلامية والديانات السماوية ، فكان أحد اللقاءات المميزة هو لقائي كمقيم للمهرجان برجل دين مسيحي مميز متفهم أعتز بعلاقتي به ، فقد استضاف المهرجان رئيس السنودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان قداسة القس معن بيطار في عامه الثالث عشر وألقى محاضرة مميزة وقيّمة وفي العام التالي استضاف المهرجان قداسته الذي أفاض بمحاضرة مميزة أخرى ، حرصت أن تكون هاتين المحاضرتين مع كلمته في دمشق ومحاضرته في محردة في المهرجان الخامس عشر ضمن هذا العدد الخاص من مجلتنا النجمة المحمدية رغم نشرهما في العددين السابقين ، وفي هذا المهرجان أصر هذا الرجل أن يستضيف أعمال اليوم الثالث من مهرجان النجمة المحمدية الخامس عشر في رحاب كنيسته العامرة في محردة وتشرفنا بدعوته
وتحقق ما لم يتحقق من قبل انه السبق الحضاري بامتياز
إذ لأول مرة في التاريخ تحتفي كنيسة بحفيدة النبي محمد(ص)
وأول مرة في التاريخ تحتفي كنيسة بإحياء ذكرى سيدة أو شخصية من رموز الشخصيات الإسلامية وهي سيدة البيت المحمدي السيدة زينب (ع) يجتمع فيها المسلمون والمسيحيون معا ليتبادلوا التهاني والتبريك ،
ولأول مرة في سورية تحتفي محافظة حماة بذكرى مولد السيدة زينب عليها السلام على الصعيد الرسمي والشعبي وبحضور مسيحي إسلامي ديني وثقافي وشعبي ملفت للنظر وفي كنيسة محردة الإنجيلية المشيخية...
فما الذي حدث إذاً ؟؟أهو لقاء مجاملة ؟ أم هو إظهار للتسامح المنشود والذي تطرحه الفئات الدينية المتنوعة ؟
أهو.. أهو.. أهو..؟؟؟؟ والتساؤلات كثيرة ...
أقول لكم : جوابا من فم النبع ... لا نغوص كثيرا ولا نستغرب كثيرا ولا نستفهم كثيرا كثيرا...
إنها إرادة الله اختارت هذا الحدث ولا فخر ، تحفيزا لكل الشرائح الدينية والفكرية والثقافية والسياسية في الاعتزاز بعقيدة السماء والالتفاف حول أرباب هذه العقيدة وهم الأنبياء وورثتهم والكتب السماوية التي جاؤوا بها وهم حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض فعلينا التمسك بحبله كي نرقى بأمتنا ومجتمعنا إلى التقدم والتطور والانفكاك من قيود الجاهلية الأولى التي غمرتنا بحقدها الأعمى وكراهيتها لخلق الله وترك حماقاتها الضالة فإنها لا توّلد إلا القتل والخراب والتدمير والعدوان ..
إرادة الله التي اختارت هذا الحدث أن تحتضن كنيسة محردة مهرجان السيدة زينب (ع) وفكرها ومنهجيتها
في 12/6/2006م وتحتفي بذكراها العطرة ويتحدث فيها من وفقه الله للحديث ويحضر فيها من وفقه الله أن يحضر هذا الحدث التاريخي، وهنا كانت المباركة مشتركة،
المباركة.. مسيحيون ومسلمون قدّموها للسيد المسيح والنبي محمد عليهما الصلاة والسلام
قدموها للسيدة مريم والسيدة الزهراء عليهما السلام
قدموها للمسيحيين والمسلمين دون استثناء لزيادة تآخيهم وتوادهم وتراحمهم
فالله مودة وتقارب والله رحمة وتحابب ، وما أنزل من كتب سماوية وما أرسل من رسل نبوية كانوا كلمة الله ورحمته الواسعة لخدمة الإنسان وإخراجه من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة ...
المسيحيون يحملون الحلوى ويقدموها لإخوتهم المسلمين ابتهاجا و فرحة، والرهبان يقفون على باب الكنيسة يستقبلون الضيوف من المسلمين والمسيحيين ويرددون عبارات:
كل عام وانتم بخير .. عيدكم مبارك .. أهلا وسهلا !!!
وسيد الكنيسة القس معن بيطار يصرح بان هذا الحدث هو سبق حضاري تشهده سورية اليوم والعالم أجمع...
صدقا انه عيد الإنسانية..
فالإنسان هنا كان محتفيا وقد جرد ذاته من أي انتماء إلا لله وحده لا شريك له ، وتفهم حقيقة أن آل الله هم رحمة للعالمين وليس لفئة معينة من البشر فالأنبياء وورثتهم هم لكل الخلق لو عرف الإنسان ذلك حقا وتفهم حقيقة المحتفى بها هي وريثة النبوة وحامية الرسالة فهي كأخيها الحسين وريث آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ،
إذا ألا يحق للكنيسة أن تحتفي بوريثة أنبياء الله ؟؟
نعم .. كانت الكنيسة هي المكان الذي احتفى واحتضن الذكرى 1422 لميلاد السيدة زينب (ع) ..
خطبة عيد مشتركة ألقاها رجل دين مسيحي ورجل دين مسلم سني ورجل دين مسلم شيعي من على منبر كنيسة بصلاة مشتركة بمناسبة عيد ميلاد حفيدة النبي محمد (ص)
حدث تحقق بفضل الله وكرمه ، بسعي من آمنوا أن الناس إخوة توحدهم كلمة الله وتربطهم روح الله التي نفخت فيهم فعليهم تقديسها وطاعتها،
فنرجو أن يُستثمر هذا الحدث ويكون درسا تنافسيا شريفا للكنائس والمساجد معاً.
لذا وجب عليّ أن اخص هذا الحدث بعدد خاص من مجلة النجمة المحمدية أصدره في غير الوقت الذي تصدر فيه نجمتنا المحمدية لعظمته وخصوصيته والتمعن بمفرداته لأنه حدث فريد من نوعه ستسجله كتب التاريخ وتدونه بسطور لامعة نقدمه بين يدي الله تعالى.. إذ كان :
مؤتمراً زينبياً بحق ...
مؤتمر محردة كان مؤتمراً تأسيسيا لحوار هادف وبنّاء بعيدا عن حوارات المجاملة والكلام
مؤتمر محردة جمع الديانات برغبة السماء وغاية الأنبياء وجهد الإخلاص
مؤتمر فريد بغاياته، ومنطلق إلى نهضة فكرية حضارية تجمع ديانات الله وكلماته وان كره الكارهون
آملين منه عز وجل قبولا ورضاً . آمين .
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين وإخوته كافة الأنبياء والمرسلين سراج الله ورحمته للعالمين.
ـــ
العدد الثامن


