مدخل الإصدار

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الرحمة والسلام ، ومحرر العباد من الجهالة والظلام ، مَن بذكره تجلى الكُرَب العظام ؛ سيدنا ونبينا وشفيعنا أبي القاسم محمد وعترته خير الأنام وصحبه المنتجبين الكرام ...
وبعد ...
لعله من أبرز السمات الحضارية التي تقدمت بها الأمم هو استذكارها لعظمائها، وإحياء الذكرى ليس من باب التعظيم والتبجيل للأشخاص وإنما هو إحياء للمواقف التي قام بها المحتفى به ، ومحطة تذكير مستمرة للأمم التي تواجه التحديات الصعبة أمام الظلم والاستكبار والأباطرة الذين أنستهم شياطينهم عظمة الله وقدرته وجبروته فأخذتهم العزة بالنفس .
والأمة الإسلامية جمعاء تستذكر دائماً مواقف نبيها الأكرم (ص) فتحتفي في كل أرجاء المعمورة بذكرى ولادته الشريفة ، بل إنها تستذكر هذه الذكرى في كل مناسبة خاصة أو عامة بإقامتها لما صار يطلق عليه اصطلاحاً (المولد)، ولم يتوقف المسلمون عند هذا الحد بل التمسوا كل خطوة خطاها النبي وكل فعل قام به ليتقربوا إلى الله بالتبرك به ؛ فإن وطأت قدما النبي بقعةً أصبحت تلك البقعة موضع تبرك، وإذا صلى ركعتين في موقع ما فستجد المؤمنين يتزاحمون لأداء تلك الركعتين في ذلك المكان، وإذا شرب من بئر فستراهم يأتون من أرجاء الدنيا ليرووا عطشهم إلى رسول الله بشرب ماء ذلك البئر الذي تشرف ماؤه بثغر رسول الله (ص). وهذا ليس حكراً على المسلمين وحدهم، فكل الأديان السماوية تمشي في هذا الطريق، لأنها تؤمن بأن الاقتراب من النبي - وإن تباعدت الأزمان - هو في جوهره يؤدي إلى الاقتراب من الله، وهل هناك مَن هو أقرب إلى الله من النبي ؟
ومن هنا يأتي الاحتفال بمولد سيدة البيت المحمدي الصغرى السيدة زينب (ع) التي شرّف الله تعالى دمشق باحتضان جسدها الطاهر في أرضها، فتقدست الأرض بهذا الاحتضان لجسد السيدة زينب (ع)، فهي ركن من أركان البيت المحمدي.
والاحتفال بمولدها له أهمية كبرى تنبع من الاهتمام الرباني الذي رافق ولادتها، فاسمها جاء من الله سبحانه وتعالى وحياً عن طريق الأمين جبرائيل (ع) كما يروي الكاتب العربي المصري يوسف محمود (1) ، وهبوط الوحي لا يكون إلا لأمر رباني هام يقوم الرسول بتبليغه للمسلمين حتى يطبقوه ، والاحتفال بمولد السيدة زينب هو احتفال بتنـزل الوحي من الله على النبي وابتهاج لما أبداه النبي من بهجة وسرور بهذا المقدم الشريف ، وبالنتيجة يكون هذا الاحتفال إحياء لسنة نبوية شريفة . وتذكر الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في كتابها (السيدة زينب عقيلة بني هاشم) كيف أقبل المهنئون من بني هاشم والصحابة يباركون هذه الزهرة المتفتحة في بيت الرسول ، لكنهم فوجئوا بظلال حزينة تلف المهد الجميل، ظلال لها مكانها في النفس البشرية ووقعها على الوجدان، حيث حدثوا أنَّ نبوءة ذاعت عند مولد الطفلة تشير إلى دورها الفاجع في مأساة كربلاء، وكانت المأساة معروفة قبل موعدها بأكثر من نصف قرن من الزمان، ففي (سنن ابن حنبل : 1/85) أن الأمين جبرائيل (ع) أخبر محمداً (ص) بمصرع الحسين وآل بيته في كربلاء (2) .
ومن جانب آخر فإن هذا الاحتفال تذكير بالأدوار الرسالية التي أنيطت بهذه السيدة العظيمة، عالمة آل محمد. فمن المعروف أن هذه السيدة قد عاشت في فترة مليئة بأحداث كونت مفاصل هامة في تاريخ الإسلام، وفي خضم هذه الأحداث كانت تعتمد على المخزون الهائل الذي ورثته من أهلها وما تحلت به من رجاحة عقل يشهد لها التاريخ. في البداية تخرجت السيدة زينب على يدي رسول الله (ص) نفسه بدليل أن الصحابي عبدالله بن عباس يروي خطبة فاطمة الزهراء بقوله (ع) حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي (ع) (3)، فهو يروي خطبة سمعتها السيدة زينب وهي ابنة ست سنين، أي بعد وفاة الرسول بأقل من عام، وكأن السيدة زينب (ع) كانت وزيرة إعلام البيت المحمدي منذ النشأة، ثم استمرت السيدة زينب بالتعلم على يدي أبيها وأخويها ومارست دوراً ريادياً في الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية حيث افتتحت أول جامعة لتعليم النساء متابعة بذلك دور الإسلام في النهوض بواقع المرأة التي همّشتها الجاهلية ونقلها إلى المشاركة في بناء المجتمع كعنصر فعّال، ثم كانت نجوميتها وتألقها الأكبر في كربلاء، فأدت دورها في مواجهة الظالمين ومحاولتهم في الردة إلى الشرك وفق مبدأ :

لعِبَتْ هاشِـمُ بالملكِ فَلا           خَـــبرٌ جَاءَ ولا وَحيٌ نَزَل

فأدّبت أهل الكوفة المتخاذلين الذين غرتهم الحياة الدنيا، وأدّبت الظالمين ودحرت عنجهيتهم في الكوفة ودمشق، وكانت الغاية القصوى من كلماتها وخطبها أن تعلم الأمة الإسلامية كنه التعقل والحكمة والتمييز بين الحق والباطل. ومن هذا كله أصبحت السيدة زينب (ع) بعد فاجعة كربلاء مشروعاً إعلامياً هادفاً ورؤية مستقبلية مضيئة للأجيال.
إن التدبر في خطب السيدة زينب (ع) يوضح لنا ما ذكرَته من الثوابت التي لا محيص عنها لتثبيت أركان الدين المحمدي بعد ما صمم عليه الظالمون من تهديم لأسس هذا البناء الذي أرسى دعائمه نبي الرحمة وجد السيدة زينب (ع) محمد بن عبدالله (ص)، وهذا التدبر ضروري في هذه المرحلة التي تواجه فيها أمتنا أبشع أنواع الإهانة لمقدساتنا في فلسطين، فالصهاينة الفجرة يدنسون أقصى نبينا محمد ويسفكون دماء أهلنا الأبرياء هناك عدا عن هدم المنازل وحرقها. لقد نظرت السيدة زينب (ع) في وقتها إلى الظالمين وهم يقتلون أولاد رسول الله ويحرقون خيامهم ويعتقلون ويقيدون نساءهم ويدوسون صدر سبط النبي (ع) بحوافر خيلهم في أبشع جريمة عرفها التاريخ ، وحتى لا يحل بالأمة الإسلامية ما حل بآل رسول الله وقفت السيدة زينب تخاطب الأمة الإسلامية وأنَّبَت كل من اشترك في هذه الجريمة النكراء ، وأثمر خطابها الهادف العملي أجيالاً ثائرة غسلت عار جريمة كربلاء عن المسلمين على مدى العصور، فمضت هذه الأجيال تدك الباطل بيد وترفع العقيدة السمحاء بيد ناشرةً فكر سيدنا محمد وعترته الطاهرة في كل أرجاء المعمورة، ومن هذا المنطلق جاء الانتصار المبارك في جنوب لبنان، فهذا الجنوب الذي نهض مستلهماً عقيدة محمد وعترته الطاهرة أذل الطغاة المتجبرين وحطّم جبروتهم وأثبت كيف أن الحق لا تقف أمامه قوة مهما حشدت من إمكانيات، لأن أبطال الجنوب رسموا الشهادة على أجسادهم وخطواتهم ورفعوها عنواناً لمسيرتهم الظافرة وبرهنوا وراهنوا على أنه لا انتصار ولا استعادة لحقوق مغتصبة دون التمسك بهذا النهج القويم.
وهنا يجب أن نستذكر بإكبار مواقف من بذر هذه البذور الطاهرة في نشر فكر أهل البيت في هذا البلد الطيب ، إنه القائد الخالد حافظ الأسد (طاب ثراه)، حيث جعل البلاد شامخة في مقارعة الظالمين وكشف مكائدهم فلم يوقع معهم أي اتفاق، وبنى لسورية مجداً تعتز به وكلمة تصغي لها الدنيا كلها، ورسم شعار (الشهادة أو النصر) مقتدياً بثبات أهل البيت ورباطة جأشهم في مواجهة الظلم والعنجهية مستلهماً مواقف الإمام الحسين والسيدة زينب، فالتفت حوله الأيدي الشجاعة والجماهير المؤمنة بالحق فاسترجع جنوب لبنان وهزم العدو بمؤازرته للمقاومة اللبنانية، وارتاحت نفسه لمرأى رايات النصر قبل أن يرتقي إلى رحمة ربه مخلفاً نجلاً حكيماً شجاعاً سار على نهجه واقتدى بحكمته هو الرئيس القائد الدكتور بشار الأسد حفظه الله، وها هو اليوم يقود الجماهير في مواجهة الغطرسة متمسكاً بقوة الله وحوله فأصبحت سورية بهذا النهج المستمر عنوان العرب ومعقل الأحرار ومصنع الانتصار .
في الختام نسأل الله تعالى أن يجعلنا من السائرين على نهج أهل البيت والمقتدين بهم والمتبعين لخطواتهم ... إنه نعم المولى ونعم النصير ... وكل عام وأنتم بخير .

الدكتور عصام عباس

ـــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
ـــــــــــــــــــــــ

(1) مقال في جريدة الجمهورية المصرية (عدد 31/10/1972)، راجع كتاب المرأة العظيمة للشيخ الدكتور حسن الصفار (ص43).

(2) راجع كتاب الدكتورة (بنت الشاطئ) عائشة عبد الرحمن (السيدة زينب عقيلة بني هاشم) (ص28،29).

(3) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني (ص92).