الافـتـتــاحيَّة

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا ونبينا وشفيع ذنوبنا وقائدنا أبي القاسم محمد وآله الأطهار الأبرار وعلى صحبه المنتجبين الأخيار ...
و بعد ...
ليس من محض الصدفة أن نصدر هذا الإصدار الأول من (النجمة المحمدية) إنما أعد وهيئ لهذه الفكرة منذ أكثر من عام تحيناً لانعقاد عاشر المهرجانات التي نقيمها سنوياً بمناسبة مولد السيدة زينب ...
نعم ... لقد مرت عشرة أعوام على الاحتفال لأول مرة في سورية بذكرى مولد العقيلة الهاشمية واللبوة الطالبية والنجمة المحمدية والسيدة العلوية والوديعة الفاطمية السيدة زينب الكبرى ...
و احتفاء بمرور هذا العقد الفريد على الاحتفال بهذه المناسبة تشرَّفْتُ بإصدار النجمة المحمدية لمساعدة القراء الكرام في الاطلاع أكثر على شخصية عظيمة قدَّرها التاريخ فتابعها من زوايا حياتها المختلفة منذ الولادة حتى الانتقال فلم يترك لحظة من لحظات عمرها الشريف إلا ودوَّنها وكأنه يعرف حق المعرفة أن كل لحظة من لحظات حياتها المختلفة هي لحظة مقدسة يجب تدوينها للأجيال...
لقد عبر عنها الكتاب والمؤرخون والخطباء والشعراء بأنها العمد الأساسي الذي أُسند إليه درء الخطر عن الدين الإسلامي عقب استشهاد أخيها الإمام الحسين وأهل بيته الأطهار في (واقعة كربلاء) بعد أن أريد لهذا الدين الحنيف الذي أرسى دعائمه سيد الأنبياء محمد بن عبدالله أن ينهار ويتداعى ، فكان صوتها محطماً لأركان أنظمة الباطل الظالمة التي أرادت إيصال الإسلام إلى الهاوية بما لهذه الأنظمة من ثأر وحقد مبيَّت على باني هذا الدين سيد الخلق محمد وعترته الطاهرة التي عملت جاهدة في نشر فكره وعقيدته السمحاء ...
هذا من جهة ومن جهة أخرى لتغطية المهرجان الولائي السنوي وتدوين المحاضرات والقصائد الشعرية التي ألقيت في المهرجانات السابقة واللاحقة بإذن الله تعالى...
و بذلك تتكامل الفائدة المرجوة من هذا المهرجان انطلاقاً لتثبيت هذه المناسبة الكريمة
(الخامس من جمادى الأولى) ذكرى مولد السيدة زينب (ع) عيداً دينياً يتقرب به الخلق إلى الله تعالى ببركاتها وبركات جدها وأبيها وأمها وأخويها، هؤلاء الذين طهرهم الله تطهيراً فكان أن لا يمس القرآن ولا يفسره إلا هم...
و تعبيراً عن الولاء المطلق لسيد الخلق محمد وآله الأطهار عليهم الصلاة والسلام. وخاصة أنّ أرض دمشق قد تشرّفت وتطهرت بحمل هذا الجسد الطاهر لحـفيدة النبي وبنت علي وفاطمة.
و من الجدير بالذكر أن هذه المناسبة العطرة يحتفل بها المسلمون عامة والعرب خاصة لا سيما دولة مصر التي تقيم الاحتفالات الكبيرة والمهرجانات البهيجة اللائقة بهذه المناسبة المباركة حيث أن في مصر مقاماً للسيدة زينب (ع) يتبرك به المصريون لقدسية بطلة كربلاء وعظمتها ومكانتها المرموقة في البيت المحمدي فهي سيدة البيت المحمدي الصغرى بعد أمها الزهراء ويواكب ذلك قيام وسائل الأعلام المصرية بنقل وقائع هذه المهرجانات على مدى أيام الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة ، وهم يهتمون بهذه الولادة العظيمة لاهتمام سيد الأنبياء محمد بقدومها ومباركة المسلمين له بذلك رغم أن العرب في ذلك الوقت لا يهتمون بقدوم الأنثى ولكن أية أنثى هذه القادمة لرسول الله (ص)؟! فهي الوليدة التي هبط الأمين جبرائيل مخبراً بقدومها وتسميتها من قبل الباري عز وجل وبالمهام الجسام المناطة بها عندما تقضي ستة عقود من التربية المحمدية والسياسة العلوية والمنهجية الفاطمية لتشارك بالثورة الحسينية قائدة تستلم زمام أمور المسلمين بعد ما وُضِع من خطط لدحر الدين الإسلامي من قبل الظلمة على مبدأ :

لعبَتْ هاشِمُ بِالملكِ فَلا                        خَبَرٌ جَاءَ وَلا وَحيٌ نـزَل

هذه القائدة الضرورة يوم لم يبق قائد بعد استشهاد أخيها الإمام الحسين قادت مسيرة الإسلام ببسالة متفوقة وشجاعة مؤزرة فثبَّتت برسائلها البليغة وشجاعتها المعهودة أركان الدين الإسلامي وهدت أركان المعادين له ، وحتى يومنا هذا يُحتَفَى بتلك الرسائل التي شخصت المرض المستعصي الذي كان يعاني منه أولئك الظلمة ألا وهو مرض الشرك المعنّد على المعالجة، وفضحت الأدوار الرديئة التي قاموا بها ، وعالجت النفوس المريضة التي تهاونت مع الظلمة سواء بالترهيب وبالترغيب، ولن ينسى الزمان قولها لظالمها متوعدةً:

(فكِد كيدَك واسعَ سَعيَك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرَنا ولا تميت وَحيَنا)...

فأخرست الطاغية وجعلته يندم على فعلته الشنعاء ولكن بعد ماذا... فالندم لا ينفع وقد صدر قرار اللعنة الربانية على الطاغية كما أكد ذلك الإمام أحمد بن حنبل (1).
إنّ رسائلها تلك تقدم العبر للإقتداء بدين مَن أرسل رحمة للعالمين فكم هم المسلمون الذين كتبوا عن شخصيتها العظيمة ودورها الرسالي وكم هم غير المسلمين الذين أنشدوا وخصصوا ساحات واسعة من كتبهم ودواوينهم للحديث عن شخصيتها وبطولاتها وقد أسلموا حقاً عندما قرؤوا السيدة زينب(ع) قراءة جيدة فعرفوا من خلالها أن الإسلام إن أريد الدخول إليه فيجب الدخول إليه من باب آل محمد عليهم الصلاة والسلام وهذا ما أكد عليه سيدنا محمد حين قال:

(إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (2).

نعم كتاب الله وهو الدستور المصان وعترته أهل بيته وهو باب الأمان، والسيدة زينب (ع) ركن من أركانه حيث أنيطت بها مهمة جسيمة في تثبيت الدين الإسلامي وهي ما تزال في رحم أمها الطاهر...
هذه العترة هي الخاصة التي أوكل إليها فقه القرآن فهم الذين أخذوا القرآن وتعاليمه من سيد الخلق محمد وهم البناة الحقيقيون لهذا الدين...
و ما حديث الكساء إلا شاهد حقيقي على خصوصية هذا البيت المقدس حينما طلب النبي أن يُزَمَّلَ بكساء يكون هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين تحته ويناجي الخالق بأن هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً فكان جواب الله عز وجل أن نزل الأمين جبرئيل (ع) يحمل للنبي الآية الشريفة : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
لقد ولدت السيدة زينب (ع) طاهرة فقيهة تحمل في وجدانها وجوارحها وأعماقها فقه القرآن فتربت في حجر النبي (ص) وتلقت منه ألف باء التعاليم الإسلامية والعلوم القرآنية، وعاشت في كنف أبيها وصي رسول الله خمسة وثلاثين عاماً أخذت خلالها العبر والدروس البليغة، وبعدها انتقلت لمصاحبة أخيها الإمام الحسن (ع) وعاشت معه محنة تأجيج الفتن وانتزاع الخلافة منه بالقوة والخداع، وأخيراً رافقت أخاها الإمام الحسين (ع) في مسيرة واحدة فكانت صنوه ورفيقته تتلقى منه الكثير وتشاطره المسؤوليات حتى توَّجت أعمالها بمرافقته وعيالاته إلى كربلاء حيث كانت (بطلة كربلاء) و(القائدة الضرورة) يوم لم يبق قائد يستحق قيادة الدين المحمدي بعد استشهاد أخيها الإمام الحسين ومرض الإمام زين العابدين . فكانت كربلاء انطلاقتها ونجوميتها فخفقت لها القلوب وهوت إليها الأفئدة وأصبحت قبلة كل مؤمن ومؤمنة وغدا من يركن لجوارها يتلمس الحقيقة ويتقن المعرفة فينبثق فيه الالتزام الحقيقي بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف فإذا كان مسلماً يزداد إيماناً وإذا كان غير معتنق للإسلام تصبح السيدة زينب (ع) منارته وواهبة إرشاده...
من ذاك كان الاحتفال بمولدها الأغر في الخامس من جمادى الأولى هاماً ومعبراً يهتدي به من يريد وجه ربه عز وجل، وشفاعة نبيه وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام.
و هنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة إذ أن هذه الاحتفالات والمجالس التي تختص بنشر فكر أهل البيت وعقيدتهم النيرة ما كان لها أن تقام في هذا البلد منذ أكثر من أربعة عشر قرناً لولا التأييد والمباركة التي لاقاها موالو أهل البيت من شخص الراحل الخالد حافظ الأسد طيب الله ثراه وقيادته الرشيدة لهذا البلد خلال العقود الثلاثة الماضية وحرصاً من هذا المهرجان الولائي السنوي على الوفاء لهذا السيد الجليل والقائد الخالد كان إهداء المهرجان الولائي السنوي التاسع لمولد السيدة زينب (ع) في العام الماضي لروحه الطاهرة ليجد هذه الأعمال الجليلة محفوظة عند سيدة البيت المحمدي الصغرى السيدة زينب (ع) ... وقد قلت عند رحيله :
انتظرت السيدة زينب (ع) حافظ الأسد مرتين ؛ مرة طال بها الانتظار أربعة عشر قرناً حتى استقبلته سورية رئيساً لها وحكم البلاد بقيادة لم يسجل تاريخ سورية نظيرها فأتاح الفرص الكثيرة لموالي أهل البيت بكافة مذاهبهم ومختلف جنسياتهم في نشر فكر وعقيدة سيدنا محمد وعترته الطاهرة عليهم الصلاة والسلام وصارت سورية محطة اللقاء وعرين النجباء وموطن كل موالٍ وحتى إن اختار الموالي موطن إقامته في أي بلد غير سورية فإنه يوصي أن يدفن عند مماته بجوار السيدة زينب (ع) فتصرف الأموال الطائلة وتقطع آلاف الكيلومترات لهذا الغرض لأن حافظ الأسد رحمه الله حبَّبَ قلوب المؤمنين بهذا البلد ومنحهم الأمن والأمان في وقت افتقدوا ذلك في بلدانهم، وهذا ما عَــبَّرْتُ عنه شعراً :

هذا الولاء حراب عند من وهنـــــوا           أما الليـــــوث فتعطي الأمــــن بالودِّ
مودة الآل خط في مناهجــــــــهم           ومنهج الآل إيــمـــــــــان بلا حدِّ
فليث تشـــــــرين آوى القوم كلهم          وصارت الشــــــــام دار الأمن والقصد

دهذه مرة ، ومرة أخرى انتظرته السيدة زينب (ع) يوم أن أدى المهام على أتم وجه في هذه الدنيا ولكن هذا الانتظار كان لفترة قصيرة بعد ثلاثة عقود في جنان الرحمن ليُبَوَّأ مقعد صدق عند مليك مقتدر ... رحم الله حافظ الأسد سيد الوطن وزعيم العرب وأبا المــُهَجَّرين والمهاجرين من أوطانهم دون ذنب اقتُرِف سوى ولائهم لآل بيتٍ خص الله عز وجل مودتهم بقرآن كريم ...

و لكن نهج حافظ الأسد ومسيرته تلك مستمرة بإذن الله تعالى لأنها سُلِّمت لخلف صالح وشاب مؤمن وطبيب يفحص العلة ويداوي المرض والذي كانت يده ممتدة بنقاء للموالين لآل بيت محمد عليهم الصلاة والسلام فالعمل مستمر والجهود نشطة في نشر فكر وعقيدة سيدنا محمد وعترته الطاهرة عليهم الصلاة والسلام وستتطور هذه المجالس بإذن الله في عهده الميمون ، إنه الخلف الصالح للسلف الصالح ... إنه الدكتور بشار الأسد حفظه الله ورعاه وأطال بقاه ومن خلال هذا الإصدار الأول من النجمة المحمدية في المهرجان الولائي العاشر لمولد السيدة زينب (ع) نرفع أحر التهاني وأسمى آيات التبريك بهذه المناسبة العطرة لسيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد سائلين المولى بحق محمد وعترته الطاهرة أن يسدد خطاه ويؤيد مسعاه ويرفع رايات النصر على يديه من قاسيونه العظيم ويوفّقه لخير الدنيا والآخرة ...
اللهم أحينا محيى محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام وأمتنا مماتهم وعلى ملتهم ووَفِّقنا للاقتداء بنهجهم القويم والسير على صراطهم المستقيم وارزقنا شفاعتهم
و لا تجعلنا من المغضوب عليهم ولا تجعلنا من الضالين ، اللهم نوِّر قلوبنا وأفئدتنا وجوارحنا بمحبتهم ومودتهم امتثالاً لأمرك إذ جاء في تنزيلك :
(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) صدق الله العلي العظيم

الدكتور عصام عباس


الهوامش:
1) عن صالح بن أحمد بن حنبل قال : قلت لأبي إن قوماً ينسبوننا إلى تولي يزيد، فقال : يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله ولم لا يلعن من لعنه الله في كتابه . فقلت : وأين لعن الله يزيد في كتابه فقال في قولـه تعالى : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) . سورة محمد (22-23) ، فهل يكون فساد أعظم من القتل وفي رواية فقال يا بني ما أقول في رجل لعنه الله في كتابه. (الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني ج2ص635).

2) سنن الترمذي ، ج5ص329.