النجمة المحمدية تكرّم المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق الأستاذ الدكتور محمدعلي آذرشب
كلمة الأستاذ الدكتور محمدعلي آذرشب المستشار الثقافي الإيراني بدمشق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام
على رسول الله وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
يفرض عليَّ الواجب أولاً أن أتقدم بالشكر لأخي الدكتور عصام عباس الذي كان دائماً
يوليني بلطفه وفضله فيدعوني إلى هذه القاعة
المباركة التي برغم صغرها مفعمة بكل ما يقدم العطاء لأهل بيت رسول الله و للفكر
والثقافة فجزاه الله خير الجزاء فإنه إذ يكرمني اليوم فإنه يكرم رجلاً يعتقد بأنه
خادم أهل البيت وهو في الواقع يكرم أهل البيت والسيدة زينب التي أكن لها كل حب
واحترام وحاضرت حولها عدة محاضرات أعجب بها ونشر بعضها في مجلته (النجمة المحمدية)
كما أشكر الأخوة الأفاضل الذين تكرموا بتلبية الدعوة وأخص الأساتذة العلماء الأفاضل
وأستاذنا الدكتور أسعد علي وسعادة السفير الإيراني وسعادة السفير الأفغاني وأخي
الدكتور فاضل الأنصاري الذي لا أستطيع أن أتحدث شيئاً أمامه لأنني تعلمت منه الكثير
ولأنني أرى فيه الشخصية الثقافية الحضارية العميقة التي أعجبت فيها وفي سفري الأخير
إلى الأردن حيث أصابني ما أصابني كنت أذكر دائماً الدكتور فاضل الأنصاري بخير
لاعتقادي بأنه الشخصية التي استطاعت أن تفهم واقعنا الاجتماعي الطائفي وتفهم الفرق
بين المذهبية والطائفية وتحاول أن توجه الحالة الاجتماعية الموجودة إلى حالة حضارية
تدفع بتقدم مجتمعنا وتساعد على نهضته و مشروعة الحضاري, والعمل الذي يقوم به كبير
وهو عمل مؤسسة وأنا معجب بكل كتاباته رغم أنني أختلف معه في بعض ما يكتب لكن عمله
كبير وعظيم والاختلاف لا يعني أنني أبخس من عمله فهو عالم دقيق فاضل ورغم أن عمله
السياسي كبير فإن عمله الثقافي لا يقل عنه فجزاكم الله جميعاً خير الجزاء و أشكركم
على حضوركم.
تحدث أخي عصام عباس عن السيدة زينب وموقعها وحبي الشديد لهذه السيدة. في الواقع أنا
أنظر إلى الإسلام لا كشريعة فقط؛ فيها حلال وحرام وإن كان ذلك من صلب الدين, فأنا
أنظر إلى الدين الإسلامي كمسيرة حضارية جاء الإسلام لكي يوجهها نحو تكاملها المادي
والمعنوي ومتى كانت هذه الجماعة المسلمة متحركة على طريق كمالها المادي والمعنوي
فهي مجتمع إسلامي وتحمل مسؤولية الحضارة الإسلامية ومتى تخلفت عن ركب التقدم المادي
والمعنوي على الساحة البشرية فهي قد ابتعدت عن الحضارة الإسلامية والمهمة التي جاء
بها الإسلام والرسول إلى البشرية.
في الواقع لا يمكن أن نعقل بأن هذه الرسالة الإسلامية العظيمة التي بعثها رب
العالمين إلى هذه الأرض هي من أجل النجاسات والطهارات والحلال والحرام فقط, نعم
الفقه من صميم الإسلام، الإسلام أساساً في نظري ونظر من يحملون نظرة شاملة عنه
ومنهم أنتم, هو المشروع الحضاري لهذه البشرية من أجل أن تتكامل في الجانبين المادي
والمعنوي على حد سواء. الحضارات البشرية التي سادت الأرض حينما لم تكن دينية
مستوحاة من وحي السماء غرقت في التوجه المادي ونسيت التوجه المعنوي فانغمرت في ما
انغمر فيه الفراعنة (أتبنون في كل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون،
وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون) إذا لم يكن هناك تقوى الله في
الحضارة المادية فإنها ستحطم نفسها وتحطم العالم كما نرى بوضوح في الحضارة
الأمريكية والغربية فهي حضارة متقدمة ومتطورة مادياً لكنها تتجه مع الأسف الشديد
إلى هدم كل ما بنته البشرية من معطيات وكل توجه إنساني في هذا المجال وكل ما يظهر
من أميركا من إساءة في هذا العالم إنما هو من هذا التوجه المادي ولكن في داخلها
هناك توجه نحو المعنويات كالتوجه نحو جلال الدين الرومي وابن عربي كما يحدثنا
الدكتور أسعد علي, وهذا يدل على أن البشرية وإن تقدمت في المضمار المادي تظل عطشى
إلى الجانب المعنوي. إذا كان الإسلام هو المشروع الحضاري لهذه البشرية فما الذي جعل
هذا المشروع الحضاري يضعف ولا يستمر ولا يتواصل في حين أنه عندما ظهر فإنه حول
شتاتاً من القبائل المتفرقة إلى أمة رفعت مشعل الحضارة والحرية وهداية البشرية
وخلال قرن واحد فقط بنت أمة من المحيط إلى المحيط واستطاعت أن تقيم مجتمعاً قائماً
على أساس القيم والعزة والكرامة الإنسانية فما الذي أوقف هذه المسيرة؟ أنتم تعلمون
أن هذه الحضارة بلغت مبلغاً عظيماً ونحن اليوم نقرأ ما حققته في مجالات الطب
والفلسفة والهندسة والكيمياء والعمارة ونفخر بذلك وتفخر البشرية كلها فما بالنا
تأخرنا؟ باعتقادي الشيء الوحيد الذي أخر المسلمين عن مسيرتهم وركبهم الحضاري هو
أنهم فقدوا روح العزة والإحساس بها, هذه العزة التي ذكرها أفلاطون في كتابه (نهاية
التاريخ ) ويسميها (التيموس) ويعتقد أنها المحركة للتاريخ. إذا فقدت روح العزة في
المجتمع مات وتوقفت حركة الحضارية وبعد الخلافة الراشدة وفي العصر الأموي بذلت جهود
كثيرة وحدثت ظواهر كثيرة تدل على مصادرة روح العزة في المجتمع الإسلامي وإذا كانت
تلك الظواهر قد استبدت بالمجتمع الإسلامي لكانت حركته الحضارية قد توقفت منذ القرن
الأول ولما أثمرت عن هذه الدولة التي لازلنا نفخر بأمجادها في القرنين الرابع
والخامس. إن الذين استطاعوا أن يبدلوا روح الذل في المجتمع ويحولوها إلى روح العزة
هم أهل بيت رسول الله، ومنهم هذه المرأة العظيمة زينب ذات الخطة الطويلة التي بدأت
من كربلاء وتواصلت في الكوفة ثم استمرت في الشام وبعد ذلك في المدينة ومنها إلى
شمال أفريقيا والقبر الموجود في القاهرة يدل على أنها كانت هناك يوماً وكل ذلك
لتحول حالة الذل في الأمة إلى عز، وبالواقع روح العزة هي التي دفعت هذه الأمة
لتتحرك تحت لواء الرضا من آل محمد لتستعيد القدرة والسلطان ومع ذلك حدثت مشاكل أدت
بالمنحنى الثقافي أن يصعد قليلاً لكنه هبط بعد ذلك في القرنين السادس والسابع. إنني
أنظر لهذه المرأة نظرة حضارية وأنها من عماد حركة الحضارية في القرن الأول وهكذا هم
أهل بيت رسول الله.
أما قصة هذه الكسور فهي قصة عجيبة؛ فقرب مدينة الزرقاء في الأردن تحركت فجأة سيارة
عسكرية لنقل الجنود كانت متوقفة وسدت الشارع أمامي فاصطدمت بها اصطداماً مروعاً
والأعجب من ذلك أنني نجوت وشاركت في المؤتمر الذي كنت مدعواً له, ولا عجيب من أمر
الله فهذا من لطفه وفضله.
نحن في المستشارية الثقافية حاولنا أن ننظر إلى الإسلام بهذه النظرية الحضارية...
نظرة
المشروع
الحضاري فيجب أن نحرك هذه الأمة نحو أهدافها لكي تحتل مكانها على الساحة البشرية
كخير أمة أخرجت للناس ووجدت فيما وجدت أن أكبر شرَّين يعيقان هذا المشروع الحضاري
الإسلامي هما التجزئة الطائفية والتجزئة العنصرية القومية وقد ورثناهما من عصور
التاريخ واشتدّا أكثر وأكثر في النزاع الصفوي العثماني فالعرب كانوا منضمين تحت
لواء الدولة العثمانية في هذا النزاع وجندوا ضد إيران باعتبارهم شيعة وفرساً وامتد
ذلك إلى عصرنا حين سمي الإيرانيون بالفرس المجوس. إن القومية أصالة وانتماء،
فالقومي الحقيقي هو الذي يشعر بانتمائه الواقعي لأمته وأصالة منبته فيها فيسعى من
أجل تقدم قومه ودفع مسيرة حضارتهم. القضية القومية، سواء أكانت هذه القومية عربية
أو فارسية أو تركية، بالمعنى الإنساني هي محمودة إلا إذا أصبحت رافضة لغيرها من
القوميات ومتعالية عليها، كالمشكلة العنصرية التي شاهدنا بعض مظاهرها في حركة
التتريك العثمانية وحركة رضا شاه في إيران، وكل مظاهرها في الحركة الصهيونية، هذا
هو المرفوض، أما إذا كانت روح القومية هي روح الانتماء إلى الأمة والتضحية من أجلها
فهذا هو المطلوب... حب الوطن من الإيمان... وحب القوم من الإيمان. لقد واجهنا هذين
الشرَّين وجاهدنا من أجل تخفيف من هذه المسألة وحققنا بعض النجاحات لكن الطريق لا
يزال طويلاً حتى يكون لدينا مشروع حضاري عربي إسلامي للنهوض بهذه الأمة من حالتها
المختلفة وأنا أمام الدكتور فاضل الأنصاري وهو من أصحاب هذا المشروع الكبير. أما ما
شاهدته في عمان فقد أقام منتدى الفكر العربي ندوة تحت عنوان (الثقافة العربية
الإسلامية أمن وهوية) اجتمع في هذه الندوة جمع كبير من المثقفين العرب وشاهدت حالة
بعثت فيَّ ألماً شديداً وهي انهزام هذه النخبة من المثقفين هزيمة شديدة أمام
الإعلام الأمريكي ويبدو أن هذه الحالة بدأت إثر أحداث 11سبتمبر فالكل يدافعون عن
أنفسهم بأنهم يرفضون هذا الإسلام الذي يتحدث عن العنف ومحاربة الكافرين والدماء
فالإسلام الذي نريده إسلام سمح, وأحدهم قال: (لا يمكن أن تقوم للعالم الإسلامي
قائمة على الإطلاق إلا إذا كنس الثقافة الموجودة في واقعه كنساً تاماً، وأنا أسمع
هذه الأيام كلاماً بأن اليابانيين والصينيين تقدموا انطلاقاً من ثقافتهم الأصيلة،
أبداً هؤلاء تركوا ثقافتهم الأصيلة... كنسوها... تخلصوا منها وبعد ذلك تقدموا).
وكنت قد كتبت مقالاً عن (عناصر الثقافة العربية الإسلامية في مسيرة الحضارة
الإسلامية في إيران) بيَّنْتُ فيها الوجه الحضاري الذي مارسه الفتح الإسلامي في
إيران إلى اليوم وعندما وجدت هذه الحالة قلت للحاضرين: (لقد وزعت عليكم المقالة،
فدعوني أتحدث بحديث آخر، وتحدثت لهم عن الهزيمة النفسية التي وقع فيها المفكر
العربي بعد أحداث 11سبتمبر وما هي عوامل الهزيمة وكيف ينبغي أن نتغلب على هذه
الهزيمة الروحية لكي لا نتراجع أمام الهجوم) فقاطعني أحد المتشددين أثناء كلامي
وقال: (نحن لا نحتاج إلى خطاب وعظي) فأجبته: (لحظة يا أخي حافظ أولاً على آداب
الجلسة، وثانياً أنت وأمثالك وعشرات الفضائيات الأمريكية والغربية تعظوننا صباح
مساء من أجل أن نتخلى عن ثقافتنا وهويتنا وكرامتنا وعزتنا ومقدساتنا وقيمنا فلا
يسمى خطابك وعظياً!، أما إذا طلبت منك الحفاظ على عزتك وكرامتك وقيمك وشرفك فتعد
خطابي وعظياً؟!) والغريب أنني عندما قلت هذا الكلام صفق ثلاثة أرباع الجالسين مما
يدل على أن ثلاثة أرباع المجلس كان يؤيد كلامي لكنه كان مرهوباً ومهزوماً يخشى أن
يقول كلامه والحمد لله انكسر الطوق وأثنى علي الإخوة هناك ووجدت هذه الحالة التي
ألخصها بأن هناك إرهاباً فكرياً تمارسه أمريكا اليوم من أجل هزيمتنا في ساحة
ثقافتنا وهويتنا وعزتنا وكرامتنا.
أشكر أخي عصام عباس على فضله ولطفه زاده الله فضلاً ولطفاً وحباً لآل بيت رسول الله
وأشكر الأخوة الأساتذة والدكاترة الذين شرفونا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.