بدعوة من السيد رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاسماعيلي بسورية
ألقى صاحب النجمة المحمدية الدكتور عصام عباس كلمة في مهرجان السلمية الكبير بمناسبة عيد الإمامة المجيد. يوم الجمعة الموافق 15/ 7/ 2006م
فقد قدم عريف الحفل : ــ الدكتور عصام عباس ــ بالأبيات التالية :-
تخيركِ الإصباحُ - ياشامُ - ملعبا غداة َ ضممتِ العطرَ والطهرَ : زينبا
وزَهْزهَ دربُ الفوطتين : مفوَّحا لما استاف من أعطافِها .. وتطيّبا
فواطمُ آل ِ البيت : زهرٌ منـوّرٌ وعابقها : فـََوحٌ أندّ ُ من الصبـا
هي السبطةُ الكبرى يضم إزارها أضاميم آل البيت .. غاياً .. ومأربـا
فمن جدها المختار : وهجُ نبوةٍ وطُهرُ جَنان ٍ من أبيها : تخضبَّا
ومن شيبة الحمد الجليل : عراقةٌ ومن أمها الزهراء : ماعُـدَّ أعذبا
مناقب من أمٍّ تجلّـّت .. ومن أبٍ فأعظمْ بها أمًّـا !! وأعظم بـه أبـا
وأما بيان القول : فهـو بلاغــة ٌ تضمّنَ أحلى مـا يقالُ .. وأعجبـا
أطلـتْ .. ولا تلك الشوامخُ والذرى برغم ِ دواه ٍ تجعلُ الطفلَ أشيبا
كأنَّ أمير المؤمنين: أرادها خليفته .. فيمن تبّقى .. وأعقبـا
فهاهي .. ما بعد الطفوف : سبية ً ولكنها ظلـّت سياجاً و أصلبــا
أزينب ... يابنت النبوة والهدى و يا السيف جلاّه الشموخُ فما نبا
سفحتِ على سمع الشآم مقولة ً تبدّت خطابا بارع النص طيـبا
ثم ألقى الدكتور عصام عباس الكلمة
التالية :-
إن تقديم كلمتي كأول متحدث من المدعوين في مهرجان السلمية ليس لعصام عباس وإنما هو تقديم لكلمة سيدتي وسيدتكم السيدة زينب المقدسة عليها السلام.
بسم الله .. والحمد لله.. والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وأهل بيته أولياء الله الأطهار وإخوته أنبياء الله الأبرار وصحبه المنتجبين الأحرار ...
يسعدني أن أقف للمرة الثالثة على منبر السلمية لأقدم لأهلي وأشقائي أهالي السلمية الكرام وللمجلس الإسلامي الاسماعيلي بسورية وشبكة الأغا خان أجمل آيات التهنئة والتبريك بعيد الإمامة المجيد .. وأحييكم من الأعماق حاملا معي تحية الحب والمودة من رحاب سيدتي وسيدتكم.. سيدة الشام بطلة كربلاء السيدة زينب المقدسة عليها السلام .
عندما دعاني السيد رئيس المجلس الاسماعيلي قبل أربعة أيام قلت له كان الأفضل أن تعلمني قبل وقت كي أعد كلاما لهذا المهرجان الكبير وأنا اعرف مهرجان السلمية .. ولكن أنا أوافق متشرفا على التحدث باسم بطلة كربلاء السيدة زينب عليها السلام
وبعد ساعتين وصلتني بطاقة الدعوة فأخذت منها فحوى كلمتي..
فعنوان الاحتفال ذيل باسم من اجتمعنا للاحتفاء بعيده وهو إمام له بالإضافة للعدد الكبير من أتباعه وأبناء طائفته له أعمال تنموية في كل أرجاء المعمورة لخدمة الإنسانية وهذا أمر معروف من خلال نشاطات مؤسساته التنموية والتي تكنى باسمه كشبكة الأغا خان للتنمية وما شابه .. ولكن عندما يطرح هذا الإمام فكره وعقيدته يجرد كل المسميات رغم أنها تستحق التقدير في خدمتها للبشرية يضع هذه المسميات جانبا ويتشرف بنسبه إلى جده وسيده الإمام الحسين عليه السلام ...
نعم أيها الإخوة والأخوات حسين شرف نسب وشرف عقيدة وشرف مسيرة .. حسين يتوسم به كل من يجسد نهضة الحسين الإصلاحية ومسيرة الحسين التنموية في بناء الإنسان وحفظ كرامته يجسدها عملا ومنهجا وفكرا ومسيرة .. لأن الحسين وريث الأنبياء ولم يحصر بنبي واحد فعند زيارتنا للحسين (ع) نقول :
السلام عليك ياوارث ادم صفوة الله .. السلام عليك ياوارث نوح نبي الله .. السلام عليك ياوارث إبراهيم خليل الله .. السلام عليك ياوارث موسى كليم الله .. السلام عليك ياوارث عيسى روح الله .. السلام عليك ياوارث محمد حبيب الله ...
محمد ! الذي توّج هذه الوراثة ببيانه(( حسين مني وإنا من حسين..أحب الله من أحب حسينا ))
الحسين مدرسة علمت الأمم معنى احترام حقوق الإنسان فعندما انتهكت حقوق الإنسان وقوضت حريته وانتهكت حرمات القوانين السماوية قوانين الرحمة والمودة واستبدلت بقوانين الإذلال والقهر والاستعباد بالعنف والإكراه والإغراءات ، لم يقف الإمام الحسين متفرجا ، فثار بثورة بددت الظلم والقهر ، صححت المسار الخاطئ الذي انتهجه المارقون والمرتدون عن شرائع السماء فكان هذا التصحيح محتاجا لقربان عظيم عند الله تعالى لتثبت فيه الشرائع السماوية على الأرض وتطبق عدالة السماء حفظا لكرامة الإنسان وحقوقه ..
يقول الزعيم الهندي غاندي (( لقد طالعت بدقة حياة الإمام الحسين، شهيد الإسلام الكبير، ودققت النظر في صفحات كربلاء واتضح لي أن الهند إذا أرادت إحراز النصر، فلا بد لها من اقتفاء سيرة الحسين )).
وقال أيضا ((تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر )).
أما المستشرق الألماني ماربين يقول :
((قدّم الحسين للعالم درسا في التضحية والفداء من خلال التضحية بأعز الناس لديه ومن خلال إثبات مظلوميته وأحقيته، وأدخل الإسلام والمسلمين إلى سجل التاريخ ورفع صيتهما. لقد اثبت هذا الجندي الباسل في العالم الإسلامي لجميع البشر إن الظلم والجور لا دوام لهما. وان صرح الظلم مهما بدا راسخاً وهائلاً في الظاهر إلا انه لا يعدو أن يكون أمام الحق والحقيقة إلا كريشة في مهب الريح.))
فمن هذا المنبر نقول لحكام العرب كل حكام العرب والدول الإسلامية وكل الشعوب العربية والإسلامية أن تأخذ من مدرسة الحسين دروسا وعبرا وان تقتدي بهذه المدرسة منهجا ومخططا وتطبيقا لتحقق انتصارا مشرفا لشعوبها ، وخاصة إن منطقتنا اليوم تتعرض إلى عدوان شرس من عدو لا يميز بين أحد ...
من هنا كان كل من ينتهج مسيرة الحسين عملا ومنهجا وفكرا يملأ قلبه رحمة ومودة وعطاء وخيرا لبني جلدته بعيدا عن المحاصصات الطائفية والفئوية والحزبية وما شابه ..
وأذكر لكم قبل شهر كان مهرجان النجمة المحمدية الخامس عشر الذي نعقده في دمشق عاصمة السيدة زينب(ع)
ولربما ظروف مفتي الجمهورية قد حالت من عدم حضوره لهذا المهرجان...
فكان لدينا برنامجا لمدة ثلاثة أيام.. يومان في المركز الثقافي بدمشق...
ويوم ثالث في كنيسة محردة بمحافظة حماه .. وهنا أحب أتوقف على هذه السابقة الحضارية التي انبرى فيها قداسة القسيس معن بيطار رئيس السنودس الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان ..
فأول لقاء بيني وبينه تم هنا في السلمية قبل أربعة أعوام واستمع لكلمتي وقتها واستمعت لكلمته وتبادلنا الحديث بعد المهرجان ودعوته في العام القادم إلى مهرجان النجمة المحمدية الثالث عشر فكانت كلمته المعبرة والمؤثرة في النفوس حول قدسية السيدة زينب عليها السلام وأخذ يعض السيدة زينب في كنيسته وقد وضع السيدة زينب فكرا في صف العظام في مكتبته فلفت حديثه اهتمام وإعجاب كل من سمعه وكل من قرأ كلامه عبر موقع النجمة المحمدية ..
وفي العام الثاني تحدث في مسيانية السيدة زينب وكل هذه المحاضرات التي ألقاها سيادته موجودة في مجلة النجمة المحمدية وعلى موقع النجمة المحمدية يمكنكم الاطلاع عليها ..
ولكن هذا العام انبرى بسابقة حضارية لم تشهد لها سورية سابقا ولا الأمة العربية ولا المنطقة أن دعا مهرجان النجمة المحمدية الخامس عشر للاحتفاء بيومه الثالث في كنيسته الإنجيلية بمحردة وكان حضورا متنوعا من مختلف الطوائف الإسلامية والطوائف المسيحية وشرائح متنوعة من المجتمع السوري والعربي وتحدث فيه عدد من رجال الدين الإسلامي والمسيحي ، وعندما حانت صلاة المغرب والعشاء أدى المسلمون صلاة جماعة في بهو الكنيسة بعد أن أذن للصلاة ، وهذا قد حدث لأول مرة في سورية ، فأقول يا سماحة المفتي ويأيها الإخوة والأخوات هذا هو العمل الذي يجري بعيدا عن المحاصصات الطائفية والفئوية والحزبية وما شابه ، وإنما يشكل عنوانا كبيرا للتسامح المنشود .
أما موضوع التسامح ......
عن ماذا نتسامح ؟؟ عن الأخطاء الذي ارتكبت قبل أربعة عشر قرنا يوم اهتزت الأمة بانقلاب مشين على إرادة الله ووصايا رسول الله..
فإذا كان التسامح على فعل الماضي وأخطائه الشنعاء فهذا التسامح غير مجدي ونبقى ندور في حلقة مفرغة...
أما اليوم نحتاج إلى تسامح بناء .. تسامح لا يبنى على غل الماضي وأحقاده لأننا لسنا مفوضين لا من آل البيت ولا من غيرهم أن ننصب أنفسنا محامون وقضاة ندافع ونحكم وفق آراءنا،
فأهل البيت ساروا بمشيئة الله ونفذوا تعاليم المولى بإرادتهم ، لم يجبرهم أحد ولن تملى عليهم إرادة الآخرين فوضعوا إرادة الله نصب أعينهم ، وهذا ما صرح به الإمام الحسين(ع) حسما لكل المجادلات التي طرحت أمامه عند اتخاذه قرار كربلاء شاء الله أن يراني قتيلا وشاء الله أن يراهن سبايا وأكدت شريكة الحسين زينب المقدسة في مخاطبتها المولى عز وجل في ساح النزال وهي ترفع أشلاء أخيها المقطعة : اللهم تقبل منا هذا القربان ، إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى ، فرضاء الله والتسليم بقضائه هو الغاية والهدف التي كانت تصبو إليه سليلة النبي الأعظم زينب المقدسة ، والطرف الأخر تبنى التهديم بالحقد والعنف والإذلال والقهر والاستعباد .
فإذا كانت الحوارات مستمرة على طرح الماضي فالحوار لن يجدي نفعا .. أما الحوار والتسامح يجب أن يكون مبنيا على قراءة الماضي والتمييز بين الخطأ والصواب والتمسك بشرائع الله وسنن أنبياءه في البناء والتقدم والتحرر من العبودية لغير الله وغيرها من الأهداف البناءة التي حرصت الأديان مجتمعة على نشرها وبثها حماية لكرامة الإنسان وحفظا لحقوقه وتكريما من الله تعالى لخليفته في الأرض، والالتزام بسنن أنبياء الله دون سواهم ...
يجب أن ننظر كيف نُخرج امتنا من متاهات الجاهلية وأفكارها الجوفاء في الحقد والضغينة والكره والتبلي بتكفير بعضنا بعضا وتهميشنا لبعضنا البعض ، والقتل الأهوج لا على فعل شنيع ارتكبه المغدور ولا على جرم يستحقه الشعب الجريح إنما على هوية الإنسان وانتمائه وعقيدته كالذي يجري في العراق اليوم ، فهذا هو الجهل حقا
فيجب أن تتضافر كل الطاقات الفكرية والسياسية والعلمائية وكل شرائح المجتمع بمواجهته بالمعرفة ، وان نكون أدلاء للمخطئ على طريق الخير وإعلامه أن طريق الشر لا يجدي نفعا في الدنيا ولا يجلب إلا الخزي والعار له ولأفعاله في الآخرة...
وهكذا فعلت مدرسة الإمام الحسين(ع) في كربلاء يوم وقف الإمام ناصحا ومعرفا بأحكام الله ودليلا لصراط الله وذرف الدمع عليهم لأنهم سيدخلون نار جهنم بسبب ارتكابهم جريمة قتله ، ولما كان الطرف الآخر لم يرعو اضطر الإمام أن ينازل في ساح شرف الجهاد ويقدم دمه قربانا لتثبيت أركان شرائع الله عز وجل ...
وهنا أقف أمام بيان الإمام جعفر بن محمد الصادق مخاطبا جده الحسين عليه السلام :-
(( لعن الله امة قتلتك ... ولعن الله امة ظلمتك .. ولعن الله امة سمعت بذلك فرضيت به ))....
اللهم لا تجعلنا لا من الراضين عن تلك الأمة التي قتلت وظلمت الحسين ولا عن أي امة سمعت بقتله وظلامته ورضيت به .. اللهم إنا نبرأ إليك منهم .. ونسألك أن تهدي الأمة لذلك كي تهدى إلى صراطك السوي وتحقق انتصارا مبينا على عدوها الغاشم...
من مدرسة الحسين خذوا معرفة التسامح وسيروا بها قدوة، ونفذوها عملا ومنهجا وبناء وتقدما لمجتمعاتنا وأساسا لبناء أجيالنا القادمة لأنها مدرسة تكميلية لمدرسة الأنبياء ...
وفي الختام أكرر التهاني من الأعماق إلى المجلس الإسلامي الشيعي الاسماعيلي بسورية ولشبكة الأغا خان التنموية واليكم يا إخوتي أهل السلمية لأنكم أشقاؤنا حقا... وعيدكم هو عيدنا حقا...وكل عام وانتم بخير ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...