عروج في رحاب السيدة زينب
15 رجب 1432هـ بقلم – الدكتور عصام عباس
منذ أربعين عاما تقريبا وأنا أحظى بجوار مليكة الصبر وسيدة الحرية وكلمة الله التي هزت عنجهية الطغاة وأخرست بلادة حروبهم ورعونة قراراتهم فكان قرارها هو القرار ..
إنها السيدة زينب سيدة الوطن وراية الحرية التي طُرزت بتوحيد الكلمة والإنسان ..
فأصبحت زينب عيني التي انظر بها وفكري الذي يُنتج كل قراراتي .. بايعتها بعيدا عن صناديق الاقتراع فكان صوتها يشد لهفة قلبي وانكساراته فأوقفتني منتصبا صُلبا شامخا على بردى دمشق وزيتونتها التي لن تنكسر ...
افتتحت لي بيتا مختلفا عن كل البيوت ومنحتني أسرة متميزة عن كل الأسر ،
فكان البيت : بيت النجمة المحمدية وكانت الأسرة : أسرة النجمة المحمدية ..
فالأسرة هي محور هذا البيت التي ضمت في كنفها الإنسان بإنسانيته وإيمانه وتوحيده لله وحده من كافة الديانات السماوية والنخب الفكرية الثقافية..
الأسرة فريدة ونموذجية لم تتخل عن مبادئها وعقيدتها لكنها عرفت معنى الإنسانية من خلال زينب وتذوقت طعم الديمقراطية من خلال مسيرة زينب وناضلت من اجل مبادئ الحرية والعدالة والكرامة من خلال قرار زينب ، فكانت زينب محور هذه الأسرة في كل تحركاتها وقراراتها وتوجهاتها ..
فغدا بيتنا مشرّعا مثل قلوبنا ، فيه كل كلمات الحب والمودة التي خصّها الباري بزينب وأسرتها المطهرة ، لا نخشى سوى الله ولا نسمع إلا آذانه ، نصلي صلاة الصادقين ، وندعو دعاء العارفين ، ونسبح تسبيح الموحدين ، لان زينب مدرستنا ومرشدتنا وقدوتنا التي بها نستبين ... ولأنها شريكة الحسين...
الحسين وزينب موضوع كرامة وعدالة وحرية ، التي هي محور قضايانا الأكثر حضورا والتي يريد الطغاة والجبابرة مصادرتها من خلال استبدادهم وتسلطهم وحماقاتهم ويفرضونها علينا عبر أجنداتهم وأدواتهم من ضعاف النفوس والعقول المريضة بلغتهم التي لا نجد لها ترجمة في كل قواميسنا وغُيبت مصطلحاتها عن كل معاجمنا ..
ففي هذا الوقت وفي بلادنا اليوم نحتاج إلى صرخة زينب وصوتها ونحتاج إلى حضور زينب وسط مجتمعنا ليُفرز الطيب من الخبيث الذي نحتاج إلى مداواته لان الخبيث إنسان غرّته مطامع الدنيا ومغرياتها وظن أن الحياة التي يعشقها ويشقى من اجلها أنها هي المنقذ والديمومة الأبدية ،
هنا نحتاج إلى صدى صوت زينب لتنبيههم وتأديبهم وإعادة تأهيلهم وتعديل سلوكيتهم ..
ليس فقط الذين يُرهبون في الشوارع ويرمون الناس ويعتدون على ممتلكاتهم ويدبون الرعب والذعر في قلوبهم هم من هذا الصنف ،
بل هناك من هم في مكاتبهم يزرعون الفساد بكل أشكاله ويزيفون الحقائق ويعتدون على الحرمات ويدمرون المشاريع البناءة ويخلطون الأوراق لتضليل الجهات المسؤولة وذلك لتحقيق مآرب من قّدّم لهم المال المُذل عبر الطرق المنكرة فأصبحوا من خلال مواقعهم جيوشا لتلك الأجندات الغريبة عن مجتمعنا وحضارتنا وقيمنا ،
حتى زينب استهدفوها لأنها تُخيفهم وتهز مضاجعهم وتكشف أوراقهم المزيفة والمضللة ، فهم يريدون أن يُبعدوها عن مؤسسات العلم والمعرفة والقرار التي يتواجدون فيها ، فهم قد كشّروا عن أنيابهم يصرحون يوما هكذا ويدلون عن حقيقة ذعرهم في اليوم الآخر ، فهم أنصاف مثقفين منبهرين بالحضارات الحجرية ،
يقول الدكتور محمد حبش : ليست السيدة زينب قطعة من التاريخ ، علينا أن نتذكر أن ضريحها الذهبي الدافئ المحبب يجتذب في كل عام أكثر من ثلاثة ملايين سائح إلى سورية ، إلى تلك القرية الصغيرة التي كان اسمها قرية " راوية" والتي هي اليوم من اكبر معالم الحج الديني في العالم وهو اكبر حج ديني تقصد فيه امرأة من خير النساء ..
ليتهم قرأوا هذا التصريح البرلماني السوري الرسمي ، لكنهم يخشون نظرات زينب ويُصرون على أن تلك المؤسسات لا وجود لزينب فيها لان زينب ترصدهم وهم يعرفوا ذلك حقا لذلك يريدون أبعادها عن مؤسسات الثقافة والمعرفة والقرار ،
ولأنهم لم يعرفوا أن زينب عالمة على غير النمط المألوف لطبيعة استقبال العلم وتلقيه " أي أن مصادر المعرفة عند زينب تختلف عن مصادر المعرفة عند غيرها من الناس
" فزينب تعلمت وتربت بنور الرسالة السماوية فهي عالمة بلا وسائط " ،
و إن العلم عادة يبدأ بالسؤال و البحث عن الحقيقة، وثمة حجب وظلمات تكتنف الإنسان الجاهل وتكوّن لديه جدراناً من الجهل تحول بينه وبين المعرفة،
أما السيدة زينب لم يكن بينها وبين العلم حجاب ولم يكن بينها وبين المعرفة ستار ، فلذلك حرصت أن تفتتح أول مدرسة تعليمية ثقافية في الدولة الإسلامية عام 35هـ في الكوفة خصت فيها المرأة للتعليم والإرشاد إيمانا منها بان المعرفة والعلم والثقافة هي أساس بناء الإنسان والمجتمع .
ربما لم يقرأ هؤلاء المذعورون تاريخ زينب وثقافتها وعلمها وإنسانيتها وقيادتها الحكيمة يوم لم يبق قائد بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) في واقعة الطف سنة 61 هـ وكيف إنها شلّت حكومة استبدادية كادت أن تحرف النظام الرسالي وانتزعت منها كافة الأوراق بفكرها وثقافتها ودورها الرسالي القيادي وأبقت كلمة الله هي العليا والطغاة إلى ثبور.
من هنا فان السيدة زينب عليها السلام باقية في كل موقع ثقافي ومعرفي نظرا لما تتطلبه حاجة الأجيال لثقافتها ومنهجيتها لأنها امرأة رسالية اصطفاها المولى لتلك الأدوار الرسالية القيادية النموذجية الخالدة ،
لأجل ذلك كله طالبنا وقت كانت دمشق تحتفي بعاصمة الثقافة العربية عام 2008م وبعد دراسة مستفيضة لثلة من علماء ومفكرين ومثقفين ومربين من كافة الديانات في سورية بتدريس شخصية السيدة زينب (ع) في المناهج التربوية كشخصية نضالية ثقافية فكرية إعلامية تفخر دمشق باحتضان جسدها الطاهر ويفخر العراق احتضان فكرها ومنهجيتها المقدسة في مناهجنا التربوية مما يجعل القارئ واعيا متفهما حريصا على حاله وحال أمته ،
وبذا نحمي أوطاننا وسيادة أوطاننا ونحمي شعوبنا وأجيالنا وحضارتنا من الانحراف والانخراط في غياهب الفساد والانحراف المسلكي والأخلاقي .
فزينب تنمو كما تنمو الزهور في البساتين وتعلو كما يعلو النهار
فلا بد من استحضارها في صراعنا مع عدو اخترق بلداننا ومؤسساتنا فهز بترهيبه وترغيبه منابع إيماننا وزرع الشك والرعب في مكامن نفوسنا وغيّب الثقة في قدراتنا وسلّط شرار قومنا علينا فزرع في مجتمعنا عقدة الخوف وحالة الهزيمة النفسية ،لا بد من استحضارها من اجل التصحيح والإصلاح والسلام ,
فكان لوجود زينب ضرورة وحاجة ملحة لنتحرر من عقدة الخوف ونتمرد على الهوان والذل الذي يعترينا ، لأننا تعلمنا من زينب كيف يمكننا أن نغير المعادلة دون عنف ودون سلاح ودون ان تُزهق الأرواح شريطة أن نكون أحرارا في أعماقنا ،
بحاجة لكِ يا زيتونة الرب المخضرة على الدوام ويا مليكة الصبر المُبشّر برحمة الله :
استوطني قلوبنا وكوني مفتاح خضرتها وينبوع آمالها وهدئي روعتنا وكوني مغلاق كوابيسها وضمانة إزالتها ، فان صدى صوتك يوحّد شعبنا وامتنا ويلملم جراحاتها ..
فدعونا بهذا الصوت الموحد الذي انطلق هنا في دمشق وهناك في كربلاء دعونا إلى عروج وهجرة روحية إلى الله تعالى رب البلاد والعباد لنرتمي في رحابه نحو مسيرة إنقاذ وإصلاح واعمار من خلال الكلمة الصادقة والموعظة الحسنة نبني أوطاننا وإنساننا ونحمي سيادتنا باعتزاز ،
نحو حركة تصحيحية تُجتثُ فيها مكامن الفساد والخلل من خلال الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...
" ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " ...
ـ