الحلقة العشرون
المقالات التي وردتنا في السيدة زينب(ع)
1-
د. كاترين ميخائيل
التاريخ يتكلم الحلقة 21
السيدة زينب(ع)
"في عهد الرسول محمد (ص) كانت المرأة صاحبة قرار تتخذه بحرية مطلقة إذ كانت زوج النبي أم المؤمنين السيدة خديجة (ع) جدة السيدة زينب (ع) الرافد القوي والداعم الرئيسي لمسيرة النبي محمد (ص) ماليا ومعنويا ، وبمالها شاء الله أن توضعُ اللبنة الأساسية لبناء الدين الإسلامي الحنيف ، هذا من الناحية الاقتصادية ودور المرأة في البناء .. وكانت المرأة صاحبة قرار سياسي يصغى إليه ويُعلي قرار الحق ويُهزم الباطل يوم انبرت السيدة الزهراء فاطمة (ع) بفضح الذين قادوا الانقلاب على دين الله وسنة رسول الله فسارت غير آبهة بجهالتهم ولا مكترثة بإيذائهم فذهبت برفقة زوجها الإمام علي (ع) لتعرية أحدوثتهم وفضح انقلابهم وفسخ قرارات جهالتهم وتثبيت ما أمر به الله عز وجل وسنّه أبوها رسول الله (ص) وان لم يحقق شيئا على الأرض وقتها ، لكن حركتها بقيت دستورا يختطه كل مؤمن ويتعامى عنه كل منافق في كل زمن وبكل العصور جيلا بعد جيل ... وبقي هذا الدور السياسي بامتياز الذي قامت به سيدة النساء في بناء الإنسان وإصلاح الأمة إشارة واضحة مع مرور الأزمان في تكريم الله عز وجل للمرأة ومنحها كامل الحقوق والأدوار الريادية في تطوير المجتمع."
اليوم قرأت مقالة الدكتور عصام عباس بخصوص السيدة زينب ( ع) ، هذه المرأة العظيمة التي تحمل إرثا غنيا في التاريخ العراقي و أنا اعتز بهذا الإرث التاريخي الكبير على ارض العراق .ا قارن بين هذه السيدة العملاقة وبين القياديات العراقيات اللواتي ذهبن إلى ( شهر عسل البرلمان) وتركوا الشعب العراقي يتذبح . نسين أو تناسين أن مهد القانون العالمي هو مسلة حمو رابي على ارض العراق . هل تقرأ المتطرفات من الحركات الإسلامية هذه المقالات ؟ حتما إنهن بحاجة إلى مدرسة تعرفهن بتاريخهن الحضاري التي كانت تحمله امراة ذو جرأة وثقافة عالية في زمنها . واضح جدا أن هذه السيدة العظيمة السيدة زينب كانت سفيرة السلام تطالب الأمان والاستقرار في بلدها بالإضافة إلى أنها كانت سياسية وقيادية اجتماعية كفوءة . الم يكن أجدر بنسائنا القياديات السياسيات ان يقتدين بتاريخ غني ويقلدن السيدة الكفوءة بدلا من أن يحولننا إلى جندي شطرنج يتحركن بموجب ما يمليه الحزب الذي جاء بهن إلى هذه الكراسي , وهن خائفات أن يفقدنه لأنه يأتي لهن براتب ضخم وامتيازات كثيرة من سكن وسيارة وسائق وسفرات خارج البلد والعقود الجيدة لأهلهن وأقاربهن . بنظرهن من تكون المرأة العراقية ؟ ولماذا هذا التعب كله ؟ لم نسمع صوتهن ربما كن من قالب ثلج ذاب من شدة الحر في بيت عراقي ليس فيه كهرباء ولا مروحة ولا مبردة !
أقول لغالبية النساء البرلمانيات في العراق بنات جنسي اللواتي يجلسن على هذه الكراسي لن نغفر لكن هذا الموقف الصامت غير الأمين لقضية المرأة العراقية علما أن نضالات وتضحيات المرأة العراقية جاءت بكن بقرار 25% الذي فرض على الحكومة العراقية حينها . لا استغرب آن أجد قياديين وقياديات من الحكومة العراقية من الذين أيديهم ملوثة بسرقة أموال العراق سيكونون في قفص الاتهام عاجلا أم أجلا . من كان يصدق أن أشرس دكتاتور في التاريخ الحديث يجلس أمام العدالة العراقية . ألف تحية إلى القاضي رؤوف الذي يحاكم الطاغية وربما نفس القاضي سيجلس ليحاكم أعضاء في نفس البرلمان أو الحكومة الحالية أو القيادات السياسية التي تلعب بمصير الملايين من الشعب العراقي فقط لأنهم يلبون طلبات الدول الجارة المتخلفة وتمرير أفكارهم القبلية التي ولى عليها الزمن وانقرضت . الذي يصبرنا جميعا أن ميزان التاريخ عادل ولا يرحم . انتظروا هذا اليوم فهو قادم ولن تنجو من حكم الشعب . وأنا أول الناس الذين سيدعمون مفوضية النزاهة العراقية التي تأتي بهؤلاء الحرامية إلى العدالة مهما كانوا من حملوا من درجة وقبيلة وعشيرة ومشيخة وعنفوان وعنجهية إلا إن حكم القانون أقوى من الجميع.
2-
فيالك نفحة من نسل طه
لسماحة
الحجة العلم الشيخ محمد جواد السهلاني
يحار الكاتب لما يريد أن يكتب عن السيدة زينب بنت الإمام علي عليه السلام وهل يقوى هناك كاتب على الإحاطة بما حبا الله هذه الشخصية الفذة من صفات عظيمة تحلت بها هذه السيدة النبيلة بنت علي بطل الإسلام. اجل حباها الله بخصال كريمة يوم العاشر من محرم الحرام .
فأي كاتب يقوى على وصف كل ما قامت به في هذا اليوم لست ادري؟
أليست هي شجاعة بما لهذه الكلمة من معنى الشجاعة وكانت صبورة إلى حدّ لايقوى الصابرون على مثله كيف لا وهي ترى الحسين عليه السلام وقد التف حوله القوم اللئام فأحاطوا به من كل حدب وصوب بسيوفهم ورماحهم ونبالهم حتى أردوه قتيلا فيا له من حادث هز الكون الإسلامي والإنساني أجمع.
ولم يكتب التاريخ عن رجل كما أصاب الحسين عليه السلام من زعانفة بني أمية الذين حاربوا الإنسانية والإسلام وما فيه من تعاليم سامية بدءاً بجدهم أبي سفيان وما تناسل منه ولكن شاء الله أن يكون الحسين عليه السلام منتصراً في هذه المعركة لقوله تعالى (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )[آل عمران : 169]فليت شعري كيف ترى حالة زينب لما تكون على كثب من هذا الموقف المؤلم ولكن نجدها الصبورة الصابرة وليس هذا بمصابها الأول فقد سميت بأم المصائب بفقدها جدها الرسول العظيم وأبيها أمير المؤمنين وأمها فاطمة الزهراء وأخيها الحسن وناهيك عن مصاب يوم العاشر من محرم سنة إحدى وستين مضافا إلى ما رأته بأولادها وأولاد أخيها الحسن كالقاسم وبعض من بني هاشم مضافا إليه ما شاهدته من ويلات وويلات من حرق الخيام والتفاف الأطفال حولها كأنهم لايرون لهم ملجأ من الأعداء الطغاة الذين هم حرب للإسلام والمبادئ الإنسانية في ذلك اليوم الذي اهتز له العالم الإسلامي بقضه وقضيضه .
واعتقد أن الكاتب مهما بلغت فيه البلاغة والفصاحة قاصر عن وصف ما جرى يوم العاشر وتصوير مشاهده المؤلمة والتي لم يذكر التاريخ لها مثيلاً وستبقى هذه الذكرى العطرة لموقف زينب العظيم مدى القرون والأجيال.
فسلام الله عليك وعلى أبيك العظيم وجدك منقذ الإنسانية جمعاء فقد أوجب الباري علينا مولاة هذه الأسرة العظيمة لقوله تعالى( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )الشورى23.
واليك يامولاتي شعوري صغته بالأبيات التالية فتقبلي هذا الشعور ممن والاكم أهل البيت :
|
أزينب يا بنت الطهر الإمام |
|
وبنت
محمد هادي الأنام |
|
واني
لم أجد بين البرايا |
|
كريمةَ محتدٍ بنت الكرام |
|
فيالك نفحة من نسل طه |
|
رعاك
الله حفظا للذمام |
|
فقد
كنت الملاذ لكل طفل |
|
بيوم
فيه جل عن الكلام |
|
تحيط
بشخصك الأطفال حفظا |
|
لأرواح لهم يوم الحمام |
|
ولم
يرعبك جيش من طغاة |
|
من
الأوغاد أولاد اللئام |
|
فكنت
بجانب العباس حينا |
|
وفي
جنب الحسين المستظام |
|
وكنت
بشخصك مثلت حزماً |
|
اسوداً دون موقفك الهمام |
|
عليك
تحية الرحمن تترى |
|
برغم
الحاقدين من الطغام |
3-
زينب (ع) رمز الوفاء بالعهد
الدكتور أحمد الهاشمي ــ رئيس جمعية الإحسان الخيرية ــ تورونتو / كندا
الولادة والنشأة
بعد ولادة سبطي الرسول (ص) في سنتي 2 و 3 للهجرة، رزق الله البضعة البتول إبنة أسمتها زينب، وكان ذلك في السنة الخامسة للهجرة بالمدينة المنورة. ترعرعت الطفلة كأخويها في بيت الرسالة لتتشرب في أدوار نشأتها الأولى بقيم التوحيد من معدنها العذب. فالأب هو مولى الموحدين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ويعسوب الدين ـ ذلك هو وصي رسول رب العالمين الإمام علي بن أبي طالب (عليه صلوات الله وسلامه). والأم هي بضعة الرسول (ص) الصديقة الطاهرة والعالمة (بالعلم اللدني) الغير متعلمه والمحَّدثه الجليله ـ تلك هي قطب أصحاب الكساء المعصومة من الرجس والتى كانت تزهو وهي واقفة في محرابها لأهل السماء، الحوراء الإنسيه فاطمة الزهراء البتول (عليها صلوات الله وسلامه الناميات). لستة سنوات من عمرها الشريف تنعمت زينب (ع) برعاية جدها الرسول المصطفى الذي لم يبق له ذرية إلا أمها فاطمة ـ المنعوتة في محكم التنزيل بالكوثر (إذ أن الأبتر هو العاص بن وائل .(والد عمرو بن العاص
ترعرعت زينب في بيت الطهر وإرتشفت من رحيق الرسالة الصافي وكان جدها يطرق باب بيتها، وهو في طريقه إلى المسجد النبوي، لإيقاظ من فيه لصلاة الفجر في الستة أشهر الأخيرة من حياته ـ بعد نزول آية التطهير الشهيرة والتي خصت والديها وأخويها إضافة إلى جدها، ولم تخص حتى زوج الرسول أم سلمه
(التي نزلت الآية في منزلها) :بعد شهادة الرسول والزهراء البتول عاشت زينب في كنف أم البنين
وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين
سورة آل عمرانسورة 3 - آية 144
وكأن القرآن يصدح بأن حبيب الله وصفيه سيغادر هذه الدنيا الفانية بتخطيط غادر من المنافقين بدس السم في فيه عنوة وهو في حالة ضعف لمرض كان قد أصابه. وسيحدث (مثل ما حدث) إنقلاب على ثورة محمد العملاقه. دع جانبا ما تقرأه في التأريخ المزور أن إمرأة يهوديه كانت قد سممت النبي عن طريق دسها للسم في لحم شاة أكلها قبل عام من وفاته في سنة 11 للهجرة المباركه على مهاجرها السلام. بعض كتب التأريخ المعارض للإنقلاب تذكر بأن صغرى زوجات الرسول زرقت مائعا خلافا لرغبته في فيه وهو في مرضه الأخير، رغم تحذيره لها بأن هذا من عمل الشيطان. وفي الإفاقة الأخيرة للرسول ومعاتبته لزوجته تلك عل فعلتها، أدارت لوم الفعلة المنكرة على عباس عم النبي الذي كان متواجدا في البيت في ذلك الحين. فبرأ النبي المصدق قبيل رحلته عمه كما برأ إبن عمه ووصيه عما سيحدث في معركة الجمل. فبالتبرئة الأولى، طرد الرسول (وهو مسجى على فراش الموت) المرأة التي خالفته من محضره الشريف. وبالتبرئة الثانية كان قد حذر نفس المرأة من نباح كلاب .الحوئب عليها عندما تتمرد على إمام زمانها
إستبدل الإنقلاب الإمام بشخص أسموه "خليفه" إستنطاقا للآية في علة خلق آدم وإستخلافا للرسول الشهيد (على الأعمال) الذي مضى توا. لم يحمل الأول لقب إمرة المؤمنين لكونه هو القائل: "وليت عليكم ولست بخيركم!"، ولكنه مهد الأمر لحليفه بتنصيبه على المسلمين. لم لا وكان الثاني كالأول قد أعطى أبنته للرسول في عقد .نكاح
القرآن يتعرض على تظاهر هذين الزوجين على الرسول (ص) في حياته ويصرح بالأذى النفسي الذي ألحقا به شخصيا، وآية "فقد صغت (أي أثمت) قلوبكما" تخبر .الكثير
وفي الأدب القرآني أطلق الذنب على قبيح العمل لمجاورة ذنب الحيوان نقطة خروج الغائط منه وللحوق الذنب بالحيوان أينما ذهب. وحديث الرسول (ص): "التائب من الذنب كمن لا ذنب له،" فيه تصريح وتلميح. التصريح في شأن التوبة النصوح والتلميح في خصوص أفراد تشربوا بالنفاق وهم في حضرة الرسول (ص) ـ
يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله انى يؤفكون سورة المنافقونسورة 63 - آية 4
ضرب الله مثلا للذين كفروا امراة نوح وامراة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين
سورة التحريم - آية 10
لكون الأمير علي (ع) هو القرآن الناطق ولقربه من الرسول الأكرم (ص) لخص تجربة الإنسان في النساء بإيجاز: "وكن من خيارهن على حذر!" إلا أن زوجي الرسول إستمرا في إفشاء سره لوالديهما. وهذان لم يلتحقا بجيش أسامه، رغم إصرار الرسول، ولم يأتمرا بأمره وهو في مرضه الأخير. فوقع الذي وقع من عدم الإلتزام ببيعة الغدير وكسر ضلع الزهراء البتول وإسقاط جنينها محسن، بعد حرق باب دارها .ولم يمض على إستشهاد الرسول سوى أشهر معدودة
وكأن كليهما لم يسمعا قول النبي (ص): "حب الدنيا رأس كل خطيئة،" و "فاطمة بضعة مني، يرضى الله لرضاها" وفي حديث آخر "من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد .”آذى الله
فإستمرا في ظلمهم لآل الرسول وحرموا فاطمة حتى من فدك ـ النحله التي منحها محمد لها والتي لم يجهز المسلمون جيشا ولم يوجفوا ركابا لإستحصالها من اليهود الذين نقضوا عهدهم مع المسلمين. فردت شهادة علي والحسنيين (سيدا شباب أهل الجنة) وأم أيمن، لتخيب فاطمة من أية نقلة عرفانية في القوم نحو
قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ان الله غفور شكور سورة الشورىسورة 42 - آية 23
قل ما سالتكم من اجر فهو لكم ان اجري الا على الله وهو على كل شيء شهيد سورة سبأسورة 34 - آية 47
سمعت زينب أنين والدتها قبيل إستشهادها مخاطبة أباها: "صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا." فقد الإمام علي (ع) شريكته في الجهاد بُعيد فجيعته بفقد أخاه الرسول (ص)، فذهب إلى أخيه عقيل (العارف بأنساب العرب) طالبا منه أن يخطب له إمرأة ولدتها الفحول. فوقع الخيار على إمرأة شريفة تحمل نفس إسم حبيبته .وحبيبة الرسول ـ فاطمة
كانت هذه المرأة نعم الأم لزينب ولأخويها الحسنيين. التأريخ سجل لها بأسطر من نور نكرانها لذاتها والتخلي حتى عن إسمها الحقيقي لكي لا تثير بالإستفادة منه حفيظة ذراري الرسول بفجيعتهم بفقدان أمهم فاطمة وهم في عمر الزهور. فولدت أم البنين العباس وإخوته الثلاثة سلوة لزينب في صغرها ونصرة لأخيها سيد الشهداء في .كربلاء ـ كما تنبأ الأمير
زينب في الكوفه العاصمه
بناء على وصية الزهراء، أخفى أمير المؤمنين موضع قبر بضعة الرسول بعد دفنها ليلا ليحرم القوم من الإستفادة الإعلامية المغرضة في التسبب في قتلها ومن ثم المشي وراء جنازتها. ولكن الله واقف بالمرصاد لكل الظالمين بالإنتقام منهم. فطـُعن الثانى في نفس العضو الذي ألحق الأذى فيه في الجسد النحيف للزهراء (ع). قبيل هلاكه، عين ستة أفراد وأعطى عبد الرحمن بن عوف بينهم كلمة الفصل لإنتخاب الشخص .الذي يليه
ترك هذا الأخير يد الإمام علي خالية ليبايع عثمان الذي تقوت في عهده لعقد من الزمان شوكة الطلقاء، وأرجع طريد رسول الله (ص) ـ مروان بن الحكم من الطائف .إلى المدينة لينصبه مستشارا له بُعيد مقتل عثمان، آلت السلطة الدنيوية إلى وصي رسول رب العالمين. وكما صرح في شقشقيته، لم يكن عليا راغبا فيها ولكن شعوره بالمسؤلية وإجتماع كلمة الأمة على إنتخابه دفعه لقبولها على مضض. أول شيئ عمله هو نقل العاصمة من المدينة المنورة إلى الكوفة في العراق. ولهذا الإنتقال سببان رئيسيان: الأول أن أرض وادي الرافدين كانت مهدا لحضارات عريقه، وأهلها على إستعدادات فكريه بمراتب أعلى مما عليه البدو الرحل في شبه جزيرة العرب ـ هؤلاء الذين يصفهم القرآن:
قالت الاعراب امنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم وان تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من اعمالكم شيئا ان الله غفور رحيم
سورة الحجراتسورة 49 - آية 14
الاعراب اشد كفرا ونفاقا واجدر الا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله والله عليم حكيم
سورة التوبةسورة 9 - آية 97
والسبب الآخر أن الثاني كان قد عين معاوية بن هند واليا له على بلاد الشام. وكما أشرنا، سار بن عفان على سيرة الشيخين بتثبيت الطلقاء وأبنائهم في مراتبهم. فقـُرب الكوفة من دمشق (مركز قوة معاويه والتي صارت عاصمة للأمويين لاحقا) تعطي الإمام نقطة إيجابية في حسم أمر تشبث القاسط معاويه بالسلطه. وبعبارة موجزة، إن حرب الإمام مع الناكثين والقاسطين والمارقين في كل من الجمل وصفين والنهروان .إستوجبت نقل العاصمه
عاشت زينب مع أسرتها في الكوفة في عهد والدها. كان زواجها في المدينة من إبن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (جواد بني هاشم). والتأريخ يذكر أن عبد الله كان ثريا. إذ إشترى ضيعة في أطراف دمشق ـ المقام الذي هو الآن مثوى لعقيلة بني هاشم بعد أن فرض الحكم الأموي عليها الإقامة الجبرية فيها بُعيد إستشهاد أخيها وصحبه الكرام في كربلاء. [الرواية الأخرى تذكر نفيها من المدينة إلى مصر ووفاتها فيه يوم عاشوراء سنة 62 هجريه]. الثابت أن زينب بقيت صابرة محتسبة وألبت الوضع في مدينة جدها الرسول بعد رجوعها من الأسر للحد الذي لم يتحمله ولاة .الحكم الجائر هناك. فوشوا عليها ونفوها
كأمها التي كانت سريعة اللحوق بوالدها، لحقت زينب بأخيها السبط الشهيد بعد أن .(أدلت بشهادتها هي على الظالمين (من الأولين والآخرين
كان لعبد الله بن عامر أحد أتباع الإمام علي (ع) في الكوفة إبنة إسمها هند. وهند هذه هي زوجة يزيد، والتي فضحته في مجلسه بقصر الخضراء (الملكي) عندما جاء بإبنة .علي وبقية ذراري الرسول (ص) أسرى من الكوفة إلى الشام بعد واقعة الطف
لم يتمكن الذين نصبوا العداء لآل البيت بعد وقفة العقيلة زينب البطولية في دمشق من خداع الجماهير المغفله بأن "سيدنا" يزيد قتل سيدنا الحسين، وكأن الأمر إختلاف على .إمارة دولة أو إحتراب على حطام دنيا
أما إدعاء المبطلين بأن "الحسين قُتل بسيف جده" ليضفوا بالشرعية على وجوب إطاعة ولي الأمر وإن كان فاسقا، فذهب أدراج الرياح ورمي مع جثث الطغاة الفسقة .الفجرة في مزابل التأريخ
وهكذا شمخت تلميذة مدرسة علي لتصبح رمزا للوفاء بالعهد مهما كلف الثمن، وأتممت نهضة أخيها الحسين ببيان حرمة دمه المسفوك بصرخات مدوية في آذان الطغاة عبر التأريخ. فهي بحق وتر في عالم النساء كما كان أخوها وترا موتورا في الخالدين من الرجال. إنتصرت زينب لهابيل على قابيل زمانها وتلت القرآن في نافلة ليلة الحادي عشر من محرم الحرام لتبين: "إنما يتقبل الله من المتقين." وأنه من قتل مظلوما فإن الله قد جعل لولي دمه سلطانا ـ وسوف لا يسرف في القتل، حين ظهوره المرتقب (عجل الله فرجه الشريف) ليضع السيف في رقاب نسل أبي سفيان وأتباعهم. وهذا هو الثائر المقدس للوتر الموتور والموصوف في القرآن بأنه "كان منصورا." وتلك نبوة أفصحت بها بنت النبوَّة زينب على أُذني الثمل يزيد. وبين هذا وتلك سر محفوظ في صدور الذين إنحدروا من بيوت
" أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ .وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ . أولئك هم أهل الذكر فبهداهم إقتد
4-
زينب بين اليقين الإيماني والفعل الرسالي لنهضة الأمة
بقلم الاستاذ بهاء الدين الخاقاني / العراق
زينب ‘ع‘ بنت الإمام علي وأخت الإمام الحسين تحملت مسؤولية المنهج الإصلاحي الإسلامي استمرارا لمنهج الحسين في إعادة الأمة إلى مسارها الصحيح للبعثة النبوية حيث تعتبر الامراة المصلحة الأولى في التاريخ الإسلامي بعيدا عن صفة النبوة والإمامة بل و وريثة علومهم لقربها من التربية الرسالية المحمدية والتربية الأمامية. وهذه المسؤولية باتت موضع التنفيذ في ساحة الأمة وفي المواجهة المباشرة مع السلطة بعد استشهاد الحسين (ع( ولمدة ما يقترب من سنة واحدة حتى وفاتها وحتى استكمل الضر ف لإمامة الإمام علي بن الحسين زين العابدين للاستمرار بالمنهج وإصلاح الأمة التي مازالت تعاني نفس أساسيات تدهور والانحراف. وهذه الاستمرارية اعتمدت العلم الوجداني لتعمل وفق إيمانها النابع من التربية والنشأة النبوية، بعيدا عن الظن بمستلزمات التكليف أو الشك بالمبدأ الإسلامي لتصحيح انحرافات الأمة.إن مبنى التصرف عندها هو المبنى المحمدي والجامع للقران والسنة دون ريب أوشك، لتأخذ منهجيتها لتوضيح الرسالة إلى المكلف من الأفراد والمجتمع والأمة عناصر التكليف للوصول إلى احد مراتب اليقين أو مرحلة من مراحل الأيمان وكل على ضوء استعداداته الإنسانية والثقافية والتربوية وتهيئة لليوم الموعود بان يرث الأرض عباد الله الصالحون في إطار الاستعداد الإنساني بين المحرك العقلي والمحرك الشرعي وفي ثقافة من التوازن بينهما للوصول إلى الحقيقة في توضيح أسباب انحراف الأمة وايضاتوضيح قواعد النهضة وظهور الاستعداد لدى الإنسان للاستقامة واستحقاق الفرد ومن ثم المجتمع ومن ثم الأمة للدخول في المراحل النهائية لدولة الله عز وجل في الأرض على ضوء القران والسنة، وهذا يلمس في منهجيتها الثقافية التبليغية الرسالية وفي حوار مع أبيها (إن الحب لله تعالى والشفقة لنا ), وكانت قد قالت في مورد أخر ( من أراد أن لا يكون الخلق شفعاؤه إلى الله فليحمده, الم تسمع إلى قوله: سمع الله لمن حمده, فخف الله لقدرته عليك, واستح منه لقربه منك ).
إن تصرفها يرتفع عن مستوى المكلف إلى مستوى القدوة والعلمية التي تتصف بالعلة التامة في و جوب الموافقة القطعية على ما كلفت به من مسؤولية في مورد العلم الا جمالي في أن يكون الجهد والمنهج في سبيل الله وليس بمقتضى استشهاد أخيها وليس المورد هو مورد استثارت الناس للثأر وهذا الموضوع بعيد عن منهجيتها كليا والتي هي منهجية الإسلام وكونها هي عليها السلام احد دعاته استمرارا للدعوة النبوية ,ودون لزوم الحكم عقلا بالاحتياط بل باليقين التام كما هو تصرف الرسول (ص)وأوصيائه: ولهذا كونها مصلحة لايعني إن صفاتها في السلوكية هي سلوكية المصلحين في إطار التعامل مع الأحكام العقلية والأحكام الشرعية والاحتياط, إن سكوت الإمام زين العابدين هوا قرار فكري وعملي لمنهجيتها حتى وفاتها لتكون قدوة الإسلام الفكري والعملي بعد رسول الله ورغم وجود الإمام السجاد (ع), وهذا أيضا ما يدلل على سكوت زوجها عبد الله بن جعفر الطيار ابن عمها عن حقوقه الزوجية وهواعمى وهي أولى بالوفاء بالحق الزوجي ليسمح لها التوجه مع أبنائه مع الحسين (ع) واستشهاد أبنائه في معركة ألطف النهضوية لعلمه بالمستوى الشرعي المكلف به في الرسالة النبوية وفي ما ورد من ارث من الرسول (ص) والأئمة (ع) من روايات حول دورها فلايمكن زوجها من تعطيل هذا الدور الشرعي الرسالي, ليدعمه بالموقف لمواصلة الرسالة التي أيضا استشهد من اجلها أبوه في معركة مؤتة ضد الروم في الأردن آنذاك وسيستشهد أبنائه من اجل نفس الرسالة وستكون زوجته عقيلة الهاشميين القدوة وهي حفيدة الرسالة وابنة الإمامة وأخت الوصاية وعمتها قد أكد في استقبال المعزين بعد واقعة ألطف ( والله انه لما يسخى بنفسي عن ولدي, ويهون علي المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسين له صابرين معه.. الحمد لله, لقد عز المصاب بمصرع الحسين أن لا أكون واسيته بنفسي, فقد واساه ولدي. ), وهنا ترتسم وظيفة الرسالة في عبارتها الخالدة وهي على جثمان أخيها الشهيد ( اللهم تقبل منا هذا القربان ). ولابد من لفت النظر إلى إن منهجيتها تكريس وتوضيح لمنزلة أهل بيت النبوة ودورهم القيادي ومميزاتهم الاجتماعية ليس بالمفهوم السائد من ميزة الفوقية للمسئول والقائد أو الأمير بل بميزة المنزلة الإلهية من حيث العزة والكرامة والشجاعة والصبر وفي سلوكية تعكس المنهج التربوي في الرسالة التي تحملت أعبائها لإصلاح الأمة وتوعية أجيالها وكمثال على ذلك وهي توجه الكلام إلى من جهلها وأهل البيت في الأسر والسبي عندما أراد أن يقدم الناس لهم الطعام وهم يتضورون جوعا ( الصدقة محرمة علينا أهل البيت ).
• فهي قد حققت اليقين في مورد العلم الإجمالي من أنها وضحت بسلوكياتها حرمة مخالفة السنة النبوية والقران وهذا بكل تاكيدمنهجية ألائمة الأطهار وما خرج من اجله سيد الشهداء الحسين (ع) لتكون في جانب من هذا العلم المفسر لمبادىء الإسلام في إطار تحرك النبي (ص) في زمانه وتحرك ألائمة في زمانهم, ومفسرة هذا المنهج على ضوْ القران ومن أن القران لسانه ألائمة الأطهار (ع) بالتالي فهو توضيح لحرمة المخالفة لمنهجهم قطعيا إلى جانب الموافقة القطعية لمنهجهم وسلوكياتهم (ع) وهذه الحرمة والجهل بها إحدى مسببات تدهور الأمة وانحرافاتها ولعب المستعمر بها لأنها ليس لها المنهجية التي سنها الله لمصلحتها ليس في إطار التسيد على العرش بل حتى في إطار الفشل في تغير النفس نحو العلى ورب العالمين وهذا هو التوضيح البسيط لمنهج آل البيت (ع) وما سعت له العالمة زينب (ع) لتمثل في حرمة المخالفة ووجوب الموافقة ميزان العدل الإلهي لنصرة الإنسان في الأرض بل منجزية العلم الإجمالي لمقتضى الرسالة في حركة الأنبياء والأوصياء وهذا ما سعت له العقيلة في ثورة الحسين من قبل ومن بعد, وهذه وصيتها للأجيال, في توضيح عناوين منهجية النبوة وهي تواجه ممثل الطاغوت لذلك الزمان (الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه, وطهرنا من الرجس تطهيرا, إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر, وهو غيرنا, ). وهذه العبارة العظيمة هي مراتب العلم الإلهي ومراتب النبوة والإمامة إلى جانب مراتب التبشير لمن يزكي نفسه من عموم البشر ليحدث فيها التغيير والتوعية نحو الأفضل في سبيل الله وفي مبدأ العبودية له في التفكير والعمل والمنهجية والسلوك بمقتضى ما توصل من درجات من الأيمان نحو مراتب من اليقين وما تغلب في النفس منه على الجهل ليعي معنى السلبية ومعنى الايجابية وكيفية العمل بهذا العلم على المستوى الإنساني لإحداث التغيير ولو بدرجات في كيان الأمة والأخذ بيدها نحو النهوض, وابسط مبادىء هذه السلوكية, الأخلاق وهو رسالة الإسلام العملية نحو رقي النفس وتطهيرها من رجس الشيطان والعمل في جهاد النفس لتجاوز مبدأ (ألانا ) المؤدي لانحرافات الأمم واندحار الحضارات وفسادها وبالنتيجة الشرك بالله أو إحداث الردة على المبدأ السماوي وكما حدث لجميع الرسالات السماوية من انحراف الأمم عن رسالة أنبيائها, فعلم العقيلة شكل عملية يقينية لتنجيز هذه المنهجية ويقينا بعلية هذا الحدث الحسيني لاستمرار الرسالة السماوية وهو علة تامة اقتضت الاستجابة لها فعلا وسلوكا, إذا اليقين استدعى كل إمكانية السيدة زينب للسير مع الحسين (ع) وإكمال السبيل بعد استشهاده وإعداد الإمام زين العابدين لمثل هذه المسؤولية كوصية من أخيها الشهيد وهذا ما يدل على الدفاع عنه حتى إلى درجة الموت ليتركوه بالنتيجة كتوفيق ألاهي لاستمرار الإمامة من بعد سيد الشهداء (ع) وهي تخاطب ابن أخيها زين العابدين (ع) ( ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأخوتي, فوالله إن هذا العهد من الله إلى جدك وأبيك, ولقد اخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض, وهم معروفون في أهل السماوات, أنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة فيوارونها, وينصبون بهذا ألطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره, ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام, وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلا علوا... ) , ولم تجد المانع بحكم قضاء الله لها من مواصلة المنهج والتبليغ له.ولابد من التوضيح فهي بموجب نشأتها لا تخضع للموانع الانساتية المعترضة للبشرية في الأحكام الشرعية وعوامل اتخاذ الموقف العقلي, فانه من اليقين لابد أن يكون منهجها هذا الذي اتخذته لنفسها وصية من الرسول (ص) وأبيها وإخوتها ألائمة (ع) لأنه في مسؤوليتها لا ينفك المبدأ الإلهي عن سلوكياتها وفكرها وهي انسانة كباقي البشر, ولكن لها امتداد النبوة والإمامة في توعية البشر كمصلحة دون المصلحين الآخرين, ومن حيث انه لايمكن انفكاك المعلول عن العلة التامة, وقد كان هذا وعيها اليقيني بالحدث الحسيني وتدهور الأمة وكيفية سبل رقيها لتشهد عبارتها بذلك مفسرة استشهاد أخيها كموقف رباني لإصلاح الأمة ( ما رأيت الاجميلا... )
للنظر بما يؤكد الارتباط الوثيق بين النهج الرسالي الإلهي الذي سار من اجله الحسين(ع) والذي استمرت عليه العقيلة زينب إنها أدت صلاة الشكر وحمدت ربها بعد استشهاد أخيها وأصحابه وأهل بيت النبوة وما يدل على صحة هذا المنهج ودلالاته الإيمانية أيضا ما أخبرت عنه آنذاك سيحدث ويكون في يومنا هذا عبارة مهمة وردت في خطابها أمام يزيد( فكد كيدك, واسع سعيك, وناب جهدك, فوالله لا تمحون ذكرنا, ولا تميت وحينا, ولا تدرك أمدنا, ولاترحض عنك عارها ).وبذلك فان العقيلة زينب (ع) هي بالمرتبة الأولى من المراتب الإنسانية القريبة من النبوة والإمامة أو تلك التي تجاهد كيما تصل إلى درجات مقبولة من المنازل الإنسانية القريبة من الرضا الإلهي, وهي الممثل لهذه الرتبة الربانية التي حباها لها ربها فكرا وسلوكا كامتداد لمهمة ووظيفة أهل البيت في تحصين الدين من الانحراف وتعريف الأجيال بكيفية النهوض وهذا ما أكدته الروايات وأهمها ماروي عن خاتم الأنبياء بعد أن سمعها في طفولتها وهي تحاور في التوحيد, وما أكد عليه الإمام زين العابدين في تقرير مواقفها شرعا وفكرا من أنها ( عالمة غير معلمة, وفهمة غير مفهمة )
وهكذا جسدت عقيلة الهاشميين زينب (ع) منهج العدالة الإلهية والحق في توضيح النهضة الفكرية الإسلامية بالعودة إلى الينبوع الأول من الوحي الإلهي والبعثة النبوية وهذا حصن الأمة ودرعها المتين لكي يرث الأرض عباده الصالحون فقد كانت بحق سليلة العترة النبوية والتربية الأمامية والامتداد الحسيني لبقاء الإسلام( إن الله اصطفى ادم ونوحا وال إبراهيم وال عمران على العالمين؛ ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم )
5-
بسم الله الرحمن الرحيم
زينب(ع) ام اخيها
بقلم الاستاذ عامر الخزاعي / العراق
هل يستطع كاتب مقال ان يفي بشئ عندما يكتب عن شخصية عجزت الرجالات ان تأتي ببعض ماعندها وهل يفي كاتب او متحدث ما للافصاح عما تكنه شخصية زينب (ع) تلك الشخصية التي حملت هم الرسالة النبويةبكل معانيها وتجلت بها كل قيم السماء فمثلما كانت حياة جدها الرسول الاعظم محمد(ص) من بعثته الى وفاته حافلة بممارسات بناء الانسان الالهي والمجتمع الحضاري كما يريده الوحي كانت وقفة زينب(ع) في رمضاء الطف وماقبلها وبعدها وقفة استوعبت كل معاني الاباء والبطولة التي قل نظيرها في تاريخ البشرية ففي ملحمة كربلاء مارست كل الادوار الرسالية منذ ان انطلقت من مدينة جدها مع اخيها الحسين(ع) معلنة الوقوف بوجه الظالم وهي تماشي الامام الحسين(ع) بكل خطواته وتؤدي ادوارها المختلفة بكل امانة فحشدت اهل بيت النبوة(ع) عيالا واطفالا وكانت ملاذا لهم في المسير الى ارض الطف وعند احتدام المعارك تجدها تارة تسكن روع العيال عند سقوط الشهداء واخرى تشحذ همم الانصار وبني هاشم لملاقاة معسكر الاعداء وكانت الظهير الاول للامام (ع) وهي ترقب حركاته وسكناته وتتفاعل معها لتشاركه هم المعركة فجاز لنا بحق ان نسميها ام اخيها ولاعجب فهي بنت الزهراء (ع) التي اسماها الرسول(ص) ام ابيها والموقف الاشد الذي تعرضت له بنت الرسالة العظيمة هو بعد استشهاد الحسين(ع) وصحبه وابناء عمومته جميعا اذ بقيت زينب(ع) تنوء بأثقل مصيبة ومن هوان الدنيا ان تسبى هي وبنات الرسالة على ايدي شرار الخلق وتساق الى مجالس الطواغيت لتؤدي دورا لولاه ماكان لنا وللاجيال ان تقرأ كربلاء كما هي فكانت (ع) اربط جأشا من كل منكوبي الحروب ولقد لقنت اعداء الاسلام دروسا ينحني لها تاريخ البطولات لتنتصر بذلك قيم السماء التي من اجلها اريق دم السبط الشهيد واهل بيته وانصاره وقد استكملت الحوراء انتصار القضية الحسينية في خطبها وبيانها للامة المغفلة التي ركنت للظلم والظالمين لتضئ بصيص الصحوة في ظلام ضمائرهم الذي عبر عنه البعض في مجلس يزيد(لع) ففي كل خطاباتها ماكانت لتثأر او تنتقم انما كانت وزين العابدين(ع) انطلقا في الخطاب المفهومي والقيمي للاسلام الذي بعث من اجله الرسول0ص) وكافة انبياء الله فكانا يذكران القوم بالقران والنبي والكعبة والشعائر من حيث تدعي الاقوام انها مرتبطة بهذا الارث وان الخليفة يستمد شرعيته منه فسقطت الاقنعة وكشف الزيف وبانت الحقيقة ساطعة الحقيقة التي اعطاها الحسين دمه واوصلتها زينب الى مغاليق قلوبهم ولكن ..ولات ساعة مندم
6-
السيدة زينب المدرسة و الملحمة
علي
حسين الحداد
/
البحرين
لايكاد أحد منا جمهور المسلمين
قاطبة وحتى غير المسلمين أن لايعرف فضل أهل البيت ومقاماتهم ومكانتهم ودورهم الأمثل
على
جميع الأصعدة و في شتى جوانب الحياة السياسية منها والدينية والعلمية والنفسية
والأجتماعية وغيرها فعلى مرور التاريخ ظلوا وسيظلوا هم النموذج الأول الذي نستمد
ونستلهم منهم أروع التجارب و أسماها.
لعلي سألقي الضوء وسأسهب الحديث
هاهنا عن شخصية من شخصيات أهل بيت العصمة الذي حفهم الله تعالى وفضلهم كما في قوله
عز
وجل من قائل (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير) ألا
وهي
السيدة زينب عليها السلام تلك المدرسة والملحمة التي سطرت لتاريخ أمتنا
الاسلامية تجربة تكاد تكون الفريدة من نوعها على مرور التاريخ وتقلباته فهي القدوة
لكل
امرأة كي تحذو حذوها وتستمد منها حماس البداية ونقطة الانطلاق لتتجاوز من
خلالها الأعارف البالية والمعتقدات الخاطئة من الجهل والتخلف التي ظلت ولازالت
تضيق الخناق على شخصية المرأة وتصيبها بالضمور العلمي والمعرفي وغيرها من حاضرها
الى
مستقبلها!
لو
نظرنا وأمعنا النظر الى سيرة السيدة زينب عليها السلام
منذ
ولادتها و حتى وفاتها لوجدنا فيها الجم الكثير من الدوس والعبر ودلائل الشخصية
الفذة الجليلة فمنذ نعومة أظفارها وهي لم تتجاوز السبع سنوات كانت تروي عن رسول
الله صلى الله عليه واله وعن أبيها أمير المؤمنين عليه السلام و أمها سيدة نساء
العالمين عليها السلام وكان من ضمن ماروته عن أمها عليهما السلام خطبة الزهراء
التي تخص موضوع فدك وخطبة الاحتجاج وغيرها.
كانت السيدة زينب قد تأثرت
جل
التأثير من شخصية والدها عليهما أفضل الصلاة والسلام في الشجاعة والاصرار
والاقدام ورباطة الجأش كما استلهمت منه فصاحة اللسان وقوة البيان وبلاغة الأسلوب
فقد
كان الاقرب الى نفسها كما يروي العلامة الشيخ جعفر النقدي بقوله فاعلم بأن هذه
الفصاحة العلوية ، والبلاغة المرتضوية ، قد ورثتها هذه المخدرة الكريمة ، بشهادة
العرب أهل البلاغة والفصاحة أنفسهم.
لقد
حملت السيدة زينب على عاتقها ومن
خلال ماتميزت به مسؤلية التبليغ والكلمة فكانت قبل كربلاء وبعده تقف بكل بسالة
وصمود وربط جأش وقوة لتنطق بتلك الكلمات لتسطر للأمة أروع الأمثلة وأسماها في
أصعب المواقف وأشدها لتحارب بها الطغيان الأموي بعبارات الاصرار وبدون انكسار
لتحيي به القلوب السقيمة والضمائر الميتة التي سيطر عليها الكفر والنفاق وخيم عليها
الظلم و الجور فكان من ضمن ماقالته سلام الله عليها (يا يزيد اسع سعيك وناصب جهدك
فوالله لا تمحو ذكرنا) (ولئن جرّت عليَّ الدَّواهي مخاطبتك، إنّي لأستصغر قدرك،
وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك , ألا فالعجب كلّ العجب، لقتل حزب الله النّجباء
بحزب الشيطان الطلقاء)، وبعد كربلاء كانت تردد (سينصبون لهذا الطف علماً لا يدرس
أثره ولا يمحى على مرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة على
محوه وتطميسه فلا يزداد أمره إلا علواً ولا شأنه إلا ارتفاعاً).
ان
تلك الكلمات
البليغة وغيرها الكثير قد سطرت للأمة بل للعالم أجمع درسا بأن كيف ينتصر المظلوم
على
الظالم بالكلمة ليشق بذلك درب الانتصار الشامخ الذي قد ربما قد عجزت عنه
السيوف والفرسان.
وكان مما تميزت به السيدة زينب عليها السلام أنها كانت صوامة
قوامة عالمة فاضلة ويكفيها من ذلك كله شهادة ابن أخيها ذلك الأمام المعصوم السجاد
عليه السلام بقوله
‬(أنت
بحمد الله عالمة‮
‬غير
معلّمة وفهمة‮
‬غير
مفهّمة) حتى أنها كانت لاتترك النافلة حتى
في
أيام كربلاء والمصاب وهذه مايرويه الخواص والعوام بالاضافة الى حياتها الحافلة
بالتدريس و التثقيف الديني حيث أنها كانت تدرس النساء بالكوفة وتقيم حلقات التفسير
والحديث لهن وكان الناس يرجعون اليها في الحلال والحرام فترة من الزمن حيث كانت لها
نيابة خاصة عن الامام الحسين حتى برىء الامام السجاد عليه السلام
..
ان
من
يتلمس شخصية السيدة الجليلة يجد فيها جل معاني الصبر الحقيقي والرضا بقضاء الله
وقدره والتسليم له وروح التفاؤل وعنفوان الأمل الذي مكنها من استكمال الملحمة
الحسينية وتأدية الرسالة والأمانة التي أوكلت اليها في ظروف قاهرة من مواجهة مع
العدو الباطش المتغطرس ومسؤلية قيادة الركب الحسيني من النساء والأطفال وغيرها من
الأوضاع التي لم تألو السيدة زينب جهدا في اكمال رسالتها ولعلي أذكر هاهنا موقفها
عندما أدخلت مجلسه عبيد الله بن زياد أسيرةً بعد واقعة كربلاء فقال لها : كيف
رأيتِ صنع الله بأخيك؟ وأطلق عبارات الشماتة فأجابته بأبي هي وأمي:
مارأيت الا
جميلا!
لعلي في هذا المقام لاأستطيع أن أسرد الكثير وان الحديث ليطول عن
تلك
السيدة الجليلة كيف ولا وهي من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي
والتنزيل وبهم فتح الله وبهم يختم وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض الا بأذنه
ولعلي أحس بالتقصير وأنا أقف بهذا القليل اليسير عن شخصية عظيمة وأسطورة فذة فهي
حقا استكمالا للنهج الفاطمي والرسالة المحمدية والمدرسة العلوية والنموذج الحسني
و
الملحمة الحسينية.....
حقا
هي المدرسة والملحمة
هي
المدرسة
والملحمة
هي
المدرسة والملحمة!!!
الخميس 24/5/2007
7-
باقة تهنئة بمناسبة ميلاد السيدة زينب " عليها السلام "
بقلم السيد هاشم الشخص / السعودية
لزينب شعري بميلادهـا
ويزهو القريض جلالاً بهـــــا
ولستُ الجدير بإعجابهـا
فبــــاعي قصيرٌ بإطنابهــــــا
شجـــاعة طه بأهدابهـــا
وطهر البتـــول بأثوابهــــــــا
فعلّقتُ شعري على بابها
ودمعي غزيــرٌ بأعتابهــــــــا
فعزّي يزيــــداً بميلادها
وصلّ على المصطفى الأمجدِ
8-
رسالة زينبية ... بقلم الدكتور أحمد الهاشمي ـ
رئيس جمعية الإحسان الخيرية في كندا
October 19, 2006
Dear Dr. Issam,
شكرا لكم أخي الدكتور عصام عباس المحترم على ذكركم بعض مناقب عقيلة بني هاشم ـ أعلا الله مقامها.
وكيف لا وهي بنت الأطياب ودوحة تلك الشجرة المباركة، إذ الأب علي العلى والأم فاطمة الزهراء. لا يسعني في هذه العجالة أن أبين ما تعلمته من أمها، وأرجع القارئ اللبيب إلى دراسة خطبها في كربلاء والكوفة والشام والمذكورة في الكتب المعتبرة للعلماء الماضين رحمهم الله وأعطاهم جزاء المحسنين لدفاعهم عن آل بيت النبوة. لقربها من ذلك البيت الطاهر المطهر، دعوني أبين نقطة الباء في كلمة الأب علي (ع). هنا لا أريد أن أشير إلى الحديث النبوي الشريف “ يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة،” ولا كون علي (ع) نفس الرسول بموجب آية المباهلة، ولكن أقصد الباء نفسها كحرف من الحروف القمرية في اللغة العربية وأول حروف القرآن الكريم.
كما تعرفون أن الخط الكوفي لا نقاط له، ولا أحد يقدر على قراءة أو إدراك فهم موقع النقطة في حرف الباء إلا بالنقطة نفسها. إذا كان لبعض حروف لغتنا العربية أخوات، فإن الباء لا أخت لها. وإذا ثبت أن علي (ع) هو نقطة باء البسملة، فيمكن الاستقراء بأن القرآن لا يمكن فهمه إلا بعد إدراك علي عليه السلام.
إني لم أنتقل من الحرف إلى الكلمة، لأستعين بعلم الصرف، ولا من الكلمة إلى الجملة، لأستنجد بعلم النحو ـ والذي وضع أساسه الإمام عليه السلام لأبي الأسود الدؤلي عندما قال له الكلمة: حرف وفعل و إسم، وأمره بأن ينحو هذا النحو.
وينقل حبر الأمة ابن عباس أن الإمام علي (ع) ذكر له ذات ليلة في وسط متعلمين آخرين أن رسالة القرآن بأجمعها منحصرة في سورة الفاتحة، وأن فاتحة الكتاب منحصرة بالبسملة، وأن البسملة منحصرة بحرف الباء، وأن الإمام هو تلك النقطة.
لا أراني بحاجة إلى ذكر حديث المنزلة أو حديث الثقلين لبيان تلازم الكتاب والعترة.
ولكني أشير إلى ما أشار إليه الله عندما قال “وابتغوا إليه الوسيلة.”
الله هو الشافي ولكن وضع للشفاء أسبابا، منها ماديه ومنها روحيه. لكونكم طبيبا حاذقا وذو مراس بالمهنة لربع قرن أو أكثر، أنا لا أتجاسر بذكر شيء من المادية منها.
اسمحوا لي ذكر اليسير من الاستشفاء بالقرآن.
كما تعلمون، أن جبرائيل أطلع النبي (ص) حين التنزيل بالخاصية العلاجية لسورة المباركة الفاتحة، وخلوها من حرف الفاء الذي هو أس كلمة آفة. وكان النبي (ص) يقرأها والمعوذتين على سبطيه الحسنين كلما مرضا. إني وعدد من أقربائي وأصحابي قد جربنا أثر هذه السور وحصلنا بفضل الله على النتائج المرجوة. أما أساتذتي في العرفان فيستشفون بالبسملة فقط. هذا إلى أن يصل الإنسان الكامل في سموه الروحي ليستشفي بالاسم المقدس وحده، مجسدا التوحيد ومرددا يا من اسمه دواء وذكره شفاء ...
ونرجع مرة أخرى إلي نقطة البدء أو الباء. النقطة تلقننا كلمات حينما أجريت على لسان كميل إبن زياد النخعي رحمه الله لتكون عونا لنا في الشدائد، ومنها إبتلائنا بالأسقام. وهذا الذي كان ممسوسا بذات الله ـ كإبن عمه الذي كان قاب قوسين أو أدنى ـ هو والد العقيلة الهاشمية المدفونة بجواركم.
أمثال الشيخ النابلسي كثيرون، إذ أنهم لم يدركوا أول القرآن ليفهموا آخره ـ ووالد وما ولد ...
زينب )كأمها( وما أدراك ما زينب. وعندما يتلاقح النور العلوي بالطهر الفاطمي، فكيف تكون الثمرة.
وعندما نظهر الأدب في خطابنا لأخيها السبط الشهيد بكربلاء نقول أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة ... كما تذكر الدكتورة المصرية بنت الشاطئ في كتابها بطلة كربلاء، إن زينب رفعت لواء نهضة السبط الشهيد الحسين (ع) ـ ولولاها لأندرس ذلك اللواء الذي كان في الواقع لواء محمد (ص)- لقول النبي “حسين مني وأنا من حسين.”
وفي قول آخر، أن الله أعطى الحسين مقابل الشهادة ثلاثة خصائص
الأئمة من ذريته،
واستجابة الدعاء تحت قبته،
والشفاء بتربته.
لا عجب من الخالق الكريم تقدست أسمائه أن يمنح شقيقة وشريكة الحسين (ع) بكرامات لتوعية الغافلين من البشر. وهذه سنة الله في الأمم التي خلت، وهذا أبن مريم على نبينا وعليه صلوات الله ينطق “وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا.”
لندع جانبا أصحاب العقول الضيقة ممن يتهموننا بالشرك حين نقصد الله من الأبواب التي أمرنا أن ندخل منها ـ أنا مدينة العلم وعلي بابها ـ ونذكر نقطة إلتقاء أخرى مع إخواننا من قوم عيسى في هذا الزمان. كما تعلمون، إن علم الطب الذي أوجده أبو علي سينا تقدم الآن إلى مستوى راقي في العالم المسيحي. هناك توجه جديد بين المتدينين من الأطباء المسيحيين نحو ما يسمونه بالطب الكلي (Wholestic Medicine)، إشارة إلى ضرورة أخذ الروح والجسد بنظر الاعتبار عندما يقوم الطبيب بتشخيص المرض وتقديم العلاج.
ونبينا قال: “العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان.”
فلننهل من بحر علمه وعلم أوصيائه ما يصح أجسادنا ويشفي ما في صدورنا.
والحمد لله أولا و آخرا، والصلوات على أنبياء الله وأوصيائهم المنصوصين وذرا ريهم المباركين، ومنهم زينب بنت فاطمة الزهراء ـ الكوثر الذي وهبه الله لنبيه ووصف شانئه عاصم بن وائل بأنه هو الأبتر.
وأوقفكم وقارئ نشرتكم النجمة المحمدية المباركة عند أقصر سورة في القرآن،
لنخرج اللآلئ منها بعد ما أخرجت لؤلؤة باء أبيها.
|
ياصاحب القبة البيضاء في النجف |
|
من زار قبرك واستشفى لديك شٌفي |
…
…
|
وقل سلامٌ َ من الله السلام على |
|
أهل السلام وأهل العلم والشرف |
هذا ودمتم لأخيكم ـــ الدكتور أحمد الهاشمي
9-
على هدى كربلاء : نحو قراءة إستراتيجية للملحمة الحسينية
بقلم: م.غريبي مراد عبد الملك(*)
مدخل منهجي :
اختلفت المدارس الإسلامية بكل مذاهبها و مشاربها في طريقة تعاطيها مع واقعة الطف العظيمة، نتيجة التباين الواضح في المنظومات الفكرية والثقافية والاجتماعية التاريخية و التي تمثل ليس فقط ترجمة فعلية لأزمة المنهج التاريخي الإسلامي، و لكن تشكل المرآة العاكسة للمحنة الإسلامية في كتابة تراثها الخالد. في هذا الصدد نجد أن بعض أدباء التاريخ من الطبري إلى ابن كثير مرورا بالنابغة شيخ الإسلام(؟!) ابن تيمية وصولا إلى العصامي ابن حزم و أخيرا السياسي المحنك ابن خلدون، هذه النخبة و غيرها ممن أضفت حللاً من القداسة على بعض الشخصيات، في حين أنها تطيّرت من بعضها الآخر لأسباب عديدة، وتركت ما تبقى من الشخصيات الرائدة في دائرة الاحتشام الديني.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن عمليات التداخل بين التراث والأديولوجيا نتيجة للتراكمات الإستكبارية، جعلت هذه الواقعة تأخذ أنفاقا تأويلية وأنماطاً و مناهجا مغايرة لمنظومة المنطق الإسلامي الأصيل، وهذا ما جعل من الصعوبة بمكان التمييز من قبل شرائح كبيرة من المسلمين، بين الأصيل والدخيل، وربما انعكس ذلك على طبيعة المعتقد الديني، ما قد شكل انحرافاً عن الفهم الحقيقي لجوهر الدين.
ولفض التعتيم و التمويه الحاصل بالنسبة لواقعة الطف، وما تشكله من إطار جامع لأصول الدين و آفاقه الرسالية في الحياة، ومن منطلق السعي لرؤية جديدة لكربلاء الإسلام و الفكر و الثقافة و السياسة و الاجتماع، كان لا بد من لفت النباهة لبعض الإشكاليات الكبيرة و العميقة في أزمة الوعي التاريخي الإسلامي، واستكشاف سبل السلام في عاصمة الوعي الإسلامي التاريخي كربلاء الحرية و العدالة و الرشاد و الرسالية الصادقة، لأجل تحديد ماهية القراءات الجديدة و الشاملة و العميقة لمواطن القلق الإستكباري من كربلاء العزة و الكرامة، وكيفية التعاطي معها نهجاً وأسلوباً و سلوكا وما إلى ذلك.
المحور الأول: إن مشكلة الإسلام، في تجارب المؤرخين المسلمين، من خلال النظرة التجزيئية و الانتقائية المصلحية التي حاولت أن تنظر إلى التاريخ الإسلامي كأجزاء بمقاييس متباعدة ومستقلة، فحين نقرأ عن البعثة فكأن الحديث عن أسطورة و الطامة الكبرى هي في الحديث عن شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم، لا حياء و لا تقوى، كأن النبي شخصية عادية لم تكن تنتظر الوحي فجاءه بغتة فذهل و جاء العارف بخطوب السماء ابن عم السيدة خديجة عليها السلام فثبته و عقله، وعن السيرة النبوية بعد الهجرة فأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام صحابي عادي ، وعن السقيفة فهناك الشورى الإسلامية و مجلس الوفاق الإسلامي الأول، وعن صلح الإمام الحسن عليه السلام فهنا الباب مفتوح للنقد و التجريح، أما عن خروج أبي عبد الله الحسين عليه السلام ففيه غث و سمين من لدن مؤرخينا العظماء الذين حفظوا لنا بعين واحدة وقائع هذه الفاجعة الأليمة التي بكى لها الأنبياء و المرسلين واحمرت من ظلامتها السموات و اهتزت من وقعتها الأرضين...كل هذا و غيره كثير ما أدى إلى بعض الانعكاسات السلبية على واقع الوعي الإسلامي، والعلاقة الحكمية العملية للإنسان المسلم في التزامه بالحق و العدل و العزة والكرامة .
وهذه النظرة تبعدنا عن التصور المتكامل للإسلام؛ لأن القراءة لوقائع كربلاء المنفتحة على ما قبلها من تاريخ إسلامي تختزن في كل جانب من جوانبها، عناصر الوعي الإسلامي السليم .. فنحن مثلاً عندما ندرس شهادة الإمام الحسن عليه السلام و تسلم الإمام الحسين عليه السلام ولاية المسلمين العامة، فإننا لا نجد فيها جوّاً سياسيا بحتا يتحدث عن النظم السياسية، وطريقة انتقال السلطة، وما إلى ذلك، بل نجد ـ إلى جانب حقيقة الولاية السياسية ـ عمقاً روحياً ومنهاجاً أخلاقياً و أدبا إماميا يعطي للحقيقة الإسلامية متنفسا جديدا، وحركةً اجتماعيةً ممتدة في نطاق حركة الإسلام الأصيل في الفرد والمجتمع، كما يوحي لنا بأن تواصل الحجة مع الناس هو لطف الهي يتكامل ليكوّن العلم والحق و العدل في المنهج، وفي النظرية الإسلامية.. وعلى ضوء ذلك فإننا لا نستطيع أن نفصل الجانب الذاتي للإمام عن الجانب الموضوعي في مسألة الإمامة.
كما أننا في حال أردنا أن ندرس واقعة الطف، فإنه ليس عدلا دراستها في نطاق التاريخ الأيديولوجي المرتكز على الجانب الفلسفي السياسي(وهو غير فلسفة التاريخ) الذي يراعي الكليات، بل لابد لنا من استحضار النظرية المعرفية الإسلامية المستوحاة من القرآن و السنة المطهرة التي أغنت المنطق الإسلامي والمنهج الاستقرائي التاريخي بالأسس و المرتكزات التي تنمي الوعي الإسلامي في المجالات الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية كافة، إلى غاية بلوغ مستوى عبادي راق و رفيع ، يتبلور في خطوط أخلاقية ممتدة في الحياة الإسلامية...
هكذا لا نجد الجانب الروحي مفصولاً عن روح التاريخ، بل نجد لوناً من التزاوج الواقعي والعملي، والتفاعل النظري بينهما على مستوى التصور في تركيز النظرية الإسلامية في تفسير الكون والحياة والإنسان و في صياغة منهج الإصلاح و التغيير و العدل و الكرامة و كل القيم الإسلامية الأصيلة.
جرت العادة لدي أن اكتب بعقل ملتهب، لكنني هذه السنة بعد كل ما استجد في واقعنا الإسلامي ككل، لاحظت أن المسألة أكبر من الداخل، حيث هناك تحد سافر من الاستكبار العالمي، الذي أصبح يؤطر خلاياه الإستخباراتية للعب على أحجار التاريخ السياسية-المذهبية، كما لا يخفى على كل أهل المتابعة للإستراتيجيات العالمية، أن الشيطان الأكبر خصص ميزانيات هائلة، لمشروع الفتن الرابحة، وعليه ارتأيت أن يكون الإحياء الكربلائي هذه السنة، إحياءا لا يستغرق في التاريخ فقط و لكن ينفتح على النهضة الحسينية إنفتاحا فيزيائيا ( ما يعرف بالمستوى القطبي الذي يحتوي على معلمين أحدهما ثابت و الآخر متحرك) ليغني تصوره الإسلامي الراهن، بفيتامينات الحكمة الإمامية في كربلاء الرسالة...
إننا ندعو إلى تحليل هذه المسألة بعمقٍ؛ لنصل إلى النتيجة الحاسمة التي نخرج منها بالتركيب الإسلامي الذي يستمد أصالته من إيمانه بفكرة :" الإسلام كيان فكري وتشريعي عملي يتغذى من كل عناصره"، لأن كربلاء ليست ملحمة ماركسية قابعة في المادية ، إنها ملحمة قرآنية تجسدت إماميا فاحتلت التاريخ الإسلامي كله بشهادتها الخالدة...
فكربلاء الرسالة، فيها الحقيقة الإسلامية كلها التي تجدد الحياة و تنقذ الملهوف و تروي العطشان و تحرر أسير النفس و الشيطان وتفتح البلدان و تقهر العدوان و النفاق و البهتان...إنها صدى يستطيع أن يدخل مدخل صدق إلى الواقع الإسلامي للإنسان المسلم فقط، من خلال بعث الوعي التكاملي لتاريخها، لنتحرك إلى مواجهة مسألة كربلاء من موقع المسؤولية التي تحرر واقعنا الإسلامي من الاستكبار كله، فكربلاء لا تريدنا أن ندخل في رحابها لنسجن أنفسنا ونطأطئ رؤوسنا في غمارها كالنعام و نواري سوآتنا في صفحاتها الزكية، لا أبدا ما كانت و لن تكون كربلاء لمثل هؤلاء، إنها تريدنا أن ندخل في رحابها لنتعلم الإسلام الحي الحركي الذي ترتفع فيه الروح لتصافح ملائكة الرحمن و تعانق الأرواح الطاهرة لتعود من جديد إلى الأرض لتملأها قسطا وعدلا و تصلح ما أفسد المبطلون ، إنها كربلاء الإسلام المحمدي الأصيل التي ارتوت من دم السبط الشهيد لتنبت في كل عام أزهار تعبق برحيق الشهادة و الحق و العدالة و العزة و الكرامة و الحرية في نفوس أبية عاشقة لروح الله الذي به تنال المكارم...
لنتخلص من التخلف الفكري و الروحي و المذهبي و الطائفي و الخدع التاريخانية الرهيبة التي أثارها و ركبها الكفر المتدين في وعي الأمة، وحرّكها الاستكبار في حياتها عندما فصل الإسلام عن تراثه الطاهر، من خلال الفصل بين أجزاء الواقع ومفرداته، فجعل القضية المطروحة، هي أن هناك ديناً ودنياً، وأن للدين دائرته، وللدنيا دائرتها، فآفاق الدين هي آفاق الغيب والروح والمثال، التي تنطلق معها العبادة في أجواء الصلاة والصوم والحج والدعاء والابتهال والتصوف وغيبوبة الذات عن الواقع.
أمّا آفاق الدنيا فهي آفاق الحياة العامة والخاصة في أجوائها المادية.. وهكذا دخل الإسلام هذه الدائرة.. وبقيت الدوائر الأُخرى تنتظر الفكر الآخر، والقوة الأُخرى التي لا مكان فيها للإسلام. كما هناك قضية حساسة ، قد تبدو غريبة في الوهلة الأولى بينما هي الحقيقة كلها في تاريخ كربلاء الحق ، لم يقف في صف الإمام الحسين عليه السلام إلا المسلمون الصادقون و لم يقف في صف يزيد إلا المبطلون المجرمون ، أبدا لم تكن قراءة شيعة أهل البيت عليهم السلام توحي بأن من وقف مع يزيد هم السنة ، لأن يزيد لم يكن يمثل الإسلام الذي كان عنوان حق و عدل و صدق و عزة و كرامة، لقد حدث إجرام فكري في الكتابة التاريخية لواقعة الطف من قبل العديد من أزلام الطواغيت و الطائفيين عبر الزمن الإسلامي كله ، بحيث صاغوا الواقعة صياغة استحمارية للمسلم العامي و عملوا على التحكم -من خلال ذلك التمويه التاريخي- بسيكولوجية الجماهير الإسلامية، مما أودى بالمجتمع الإسلامي في القرون الأخيرة إلى إنشطارات و اضطرابات و احتقانات مذهبية و عرقية و طائفية مقيتة...
أيها المسلم ، الإمام الحسين عليه السلام إمام كل إنسان قال لا إله إلا محمد رسول الله حقا و عدلا ، الإمام الحسين سلام الله عليه شئنا أم أبينا هو زين السموات ، و هذا كلام جده المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم و من كان زينا للسموات فحقا هو النور الساطع على التاريخ الإسلامي كله، و النور لا يجتمع مع الظلام فالظلمة الطائفية في الثقافة الحسينية و الملحمة الكربلائية ليس لها مكان لأنها حرجة ضيقة في حين شهادة أبي عبد الله عليه السلام رحيبة منفتحة عارفة صادقة جمعت الإسلام كله فكلما شعت في وجه تائه نبهته للقضية الإنسانية في الإسلام و أثارت بداخله حقيقة الشهادة التي لا تموت لأنها تختزن الخلود الإسلامي ...
المحور الثاني: إنني أريد ـ من خلال شمولية هذه الواقعة للنظرة الإسلامية إلى الحياة ـ أن نركز جيدا في الحديث على كربلاء الإسلام ونقترب من الأخلاق الإسلامية و الآفاق العبادية التي ناقشت الظروف السياسية والاجتماعية و الإستراتيجية في الطف بروح إسلامية اختزلت بدر و الأحزاب و الجمل و صفين و النهروان في بطولات عظيمة حضرها النبي الأكرم (ص) وعلي أسد الله الغالب بأرواح أولادهما الأتقياء، كما لابد أن نغني عباداتنا بالثقافة الكربلائية التي تسعفنا بمقررات الإسلام المختصرة مع بداية كل سنة هجرية ؛ لنصل إلى تأكيد أصالتنا في تكامل الإسلام في كل مفردات حياتنا.. فننهج نهج أبي عبد الله الحسين عليه السلام الذي يؤكد على أن العبادة في الإسلام تلتقي بالسياسة في مفهومها الواسع، كما تطل على ساحة الحياة الاجتماعية.. و المسجد منارة الواقع الإسلامي و رمزه الخالد و عنوانه الرافض للظلم و التشويه و العزل و بالتالي ندخل المسجد المكان و رمضان الزمان والحج الاجتماع للعبادة التي ترشد قلب الحياة، بدلاً من أن تتزمت و تتعصب و تنغلق في الآنا و النحن.
ثم إذا دققنا في أشواط كربلاء الزمنية و المكانية أقصد المسار من المدينة مرورا بمكة إلى الطف، في الشخصيات و العبادات و الكلمات وفي الأفعال، وفي الإيحاءات.. وإذا درسنا هذا كله دراسة هندسية تراعي الترابط الموضوعي و الأخلاقي فيما تثيره من أجواء ثقافية فكرية و نفسية و حضارية، وفيما تؤكده من قوةٍ حركية روحية، ولاحظنا ما في ليلة العاشر من معطيات ومؤثراتٍ وأجواء ونتائج.. فإننا نجد أنها تنتج بزخرفتها الروحية الصفاء الإنساني في أعظم تعابيره و تشكلاته، وترشد بتوجهاتها الإدارية إلى ما يحقق توازن الحركة الإسلامية في كل زلازل الحياة.. لأن سرّ مشكلة المسلم المقهور و المستحمر تاريخيا في علاقته بكربلاء الحسين عليه السلام هو ذلك الانفصام المنهجي الحاصل بداخله بخصوص ثنائية(المذهب/الدين) و فيما حوله من مضاربات الحياة الدنيا، و غفلته عن جوهر الإسلام الأخلاقي و الفكري و الحضاري المتجه نحو هدف العدل و الحق و العزة و الكرامة الكبيرة الذي ينطلق من أصول و مواقع و بطولات القيم الخيّرة في حركة الرسالات.
مسألتنا كسنة و شيعة أن نحيي عنوان المسلمين فكرا و سلوكا... و واقعا هي مسألة القضايا الكبيرة التي تضيع في البلادة المحركة للقضايا الصغيرة، والتي تسجن إنساننا في دائرة شهواته وملذاته وأطماعه الذاتية، حتى أصبح يعرف عن يزيد أكثر مما يعرفه عن الحسين عليه السلام، وهذا ما جعل عوامنا يحزنوا على صدام كما برأ أجدادهم فيما مضى يزيد من دم الحسين، و حاولوا التخندق تحت عنوان السنة و الجماعة و لكنها في العمق هي سنة و جماعة معاوية و أذنابه و ليست سنة النبي الأكرم (ص) و علي(ع) و أبي ذر و عمار و المقداد و سلمان و غيرهم من أهل السنة الحقيقية التي تعنونت بالتشيع و توطنت بالتسنن الأصيل الذي يحمي التشيع من التحوير و المراوغات السياسية و الإستكبارية .
وكانت الوحدة الإسلامية في كربلاء قليلة العدد قوية العزيمة عظيمة الإرادة ناصعة البياض تحركت على أساس أن ترشد دنيا المسلمين إلى الآخرةً، وأن تكون آخرة منطلقةً من حركة المسؤولية في بناء الدنيا على النهج الذي يحبه الله و رسوله...
إنه الحسين بن علي و فاطمة و حب رسول الله و بهجته ، إمام المتقين نصير المستضعفين حبيب الصادقين لا تمثل الآخرة ـ في ثقافته ـ منطقة مستقلة عن الدنيا، بل تمثل أهداف الدنيا الكبيرة التي تخضع لها حركتها الصاعدة إلى الله.
لنفكر إسلاميا كما أرادنا الحسين و آباؤه و أولاده عليهم الصلاة و السلام أجمعين، فالتشيع هو صميم الإسلام و ليس من شيعتهم عليهم السلام إلا من اتقى الله، يريدنا أن نمارس دورنا في الدنيا على أساس الإسلام.. {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(القصص: 77)
ذيل الآية يرشدنا لنظرية العلاقات، فولايتنا للإمام الحسين عليه السلام ليست ولاية اعتباطية وراثية، إنها ولاية رشيدة عاقلة إيمانية نبيهة متطلعة لرضوان الله تعالى، لا تبغ الفساد في الأرض، هكذا علمنا الحسين أن نحب المصلحين و نبغض المفسدين و نجاهدهم لإرساء دعائم الصلاح والإصلاح.. لأن الله لا يحب المفسدين.
المحور الثالث: إننا نستطيع ـ من خلال ما أثرناه في المحور الثاني ـ أن ندنو دنو المخلصين من أجواء كربلاء العظيمة، لنستلهم واجبنا تجاه امتدادات مشروعها الإسلامي الإصلاحي الكبير في عدة جوانب استراتيجية...
سنحاول- بتوفيق من الله و ببركة دعاء الأحبة المؤمنين- في قراءات مقتضبة على طول شهر محرم الحرام و حتى الأربعينية المباركة... أن نبكي البكاء الثقافي النبيه الذي يوقف الضلال الطائفي و يصلح ما أفسد خوارج هذا الزمان و طواغيت هذا العصر...و خير الختام، لبيك يا حسين، لبيك يا شهيد الحق...و لا جعله الله آخر العهد مني إليكم سادتي فبولايتكم أسلمنا الإسلام الحق ...
(*) كاتب و باحث إسلامي جزائري
10 -
كل يوم عاشوراء..رؤية مغايرة
نـــــــــــــــــــــــــــــزار حيدر
ترى، هل عنى الشاعر بقوله؛
كل يوم عــــــــــــــــــــاشوراء وكل ارض كــــــــــــــــــــــربلاء
والذي تحول إلى أنشودة وشعار في وعي ولا وعي الأجيال على مر الزمن، هل عنى به أن نرى الحسين مقتولا كل يوم؟ وأن نرى دماء السبط مراقة كل يوم على كل شبر من وجه البسيطة؟.
هل هي دعوة لقتل الحسين وأهل بيته وأصحابه الميامين، كل يوم وفي كل أرض؟ أينما وجدناه، وأينما حل وارتحل؟.
هل هي دعوة لفسح المجال أمام يزيد بن معاوية ليحكم الناس في كل عصر ومصر؟ ليعيد الكرة فيقتل ريحانة رسول الله (ص) السبط الشهيد؟.
شخصيا، لا ادري بالضبط ماذا عنى الشاعر في بيت الشعر هذا، ولكن دعوني هنا أن افترض ما عناه، من خلال رؤيتي للحدث المهول الذي شهدته ارض كربلاء الطاهرة ظهيرة يوم العاشر من المحرم عام (61) للهجرة، من خلال ما يمكنني أن استقرأه من قول الشاعر الآنف الذكر.
دعونا نبدا من دمعة الحسين في ذلك اليوم، وهي الدمعة التي تختلف بمعانيها كليا عن دمعة العقيلة زينب في نفس اليوم، بفارق ساعات من الزمن فقط.
فالحسين بكى قاتليه، أما زينب فقد بكت الحسين.
لكل دمعة، إذن، رسالة تختلف عن الأخرى.
فلماذا بكى الحسين أعداءه؟ وما هي الرسالة التي أراد أن يبعث بها، عبر التاريخ، إلى كل الأجيال التي سترث الأرض من بعده؟.
ولماذا بكت زينب أخيها الحسين؟ وهل من رسالة في دمعتها؟.
لقد بكى الحسين عليه السلام أعداءه لأنهم (مظلومون) ظلموا أنفسهم، فباؤوا بالخزي في الدنيا واشد العذاب في الآخرة، فالحسين لم يبك ظالما أبدا، والى هذا المعنى تشير الآية القرآنية الكريمة {وإذ قال موسى لقومه، يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم، باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم}.
لقد اختار لهم ربهم الدنيا والآخرة، فخسروا الاثنين، واختار لهم الحياة فاختاروا الموت، واختار لهم السعادة فاختاروا الشقاء، واختار لهم الحرية والعزة والكرامة، فاختاروا العبودية والذل والمهانة، ولكل ذلك باؤوا بغضب من الله تعالى، أولئك الذين يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، بظلمهم انفسهم، فكانت دمعة الحسين عليهم من اجل تنبيههم الى ذلك، ولالفات وعيهم الى الحقيقة.
لقد سعى الامام كثيرا وطويلا لردع اعداءه عن ارتكاب فعلتهم الشنعاء، وبذل جهدا كبيرا من اجل ذلك، من خلال الحوار المباشر تارة وعقد الاجتماعات السرية والعلنية، والخطب العامة، والجدال بالتي هي أحسن، تارة أخرى، حتى لا يعتذر احد منهم يوم القيامة بالجهل بالامور، او انه لم يكن على علم بحقيقة الاحداث.
لقد حاول الحسين عليه السلام رفع الغشاوة عن بصائر الناس، واطلاعهم عن الحقيقة كاملة، كما حاول ان يضعهم امام الامر الواقع، بكامل وعيهم ومعرفتهم، لماذا؟ لأنه يحب الانسان الذي كرمه الخالق جل وعلا، فكان يكره ان يكون سببا لشقاء الانسان مهما كانت هويته وديانته وانتماءه وعنصره وجنسه، ولذلك قاتله (عربا) اقحاحا، و(مسلمين تعرفهم بسيماهم) و(رجالا اشداء) فيما استشهد معه وبين يديه (مسيحيين) ونساء وأطفال، لأن القضية لم تكن قضية سلطة يتقاتل عليها الفريقان، أبدا، كما أنها لم تكن قضية قومية أو مذهبية أو عنصرية أو حتى دينية، وإنما كانت قضية إنسانية مقدسة تجلى فيها معسكران، احدهما يمثل الحق فيما يمثل الآخر الباطل، احدهما يمثل الإنسان وقوى الخير التي أودعها الله فيه، والثاني يمثل كل قوى الشر التي في داخل الإنسان، كما في الآية المباركة {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها} ولذلك لم يغلق الحسين بابه بوجه احد من الناس أبدا، بغض النظر عن دينه او قوميته او جنسه، فكان باب الله تعالى وسفينة النجاة لمن شاء وأحب أن يركبها ليحيا حياة طيبة في الدنيا وينجو بها يوم الفزع الأكبر.
لقد بكى الحسين قاتليه، قبل أن يتورطوا بدمه الزكي، وهو يرى فشل كل محاولاته الإنسانية والدينية التي بذلها من اجل إنقاذهم من النار بسببه، وهم الذين تمثلوا بقول الله عز وجل {أفأنت تنقذ من في النار}.
كانت دمعة الحسين إنسانية، حاول بها إنقاذ الإنسان من الجهل والضلالة وسوء المنقلب والعاقبة، الا ان القوم فهموا الرسالة بالمقلوب، وفسروها خطأ، عندما تصوروا بانه يبكي نفسه، لأنه قريبا سيغدو مقتولا.
ان دمعة الحسين على قاتليه في عاشوراء، تجلي البعد الإنساني في ثورته المباركة وحركته الخالدة في ابهى صوره، والا بالله عليكم، هل رأيتم أو سمعتم قتيلا يبكي قاتليه؟.
ولأن ثورة الحسين انسانية ورسالية، فهو لم يستعجل القتال، إذ لم يكن هدفه القتال لذاته، وإنما من اجل الإنسان، فإذا كان المنطق والحوار والخطاب، طريق إلى حماية الإنسان من نفسه الأمارة بالسوء، فلماذا اللجوء، إذن، إلى السيف؟.
لقد حاول الحسين استفراغ كل طاقته في الحوار قبل ان يرد على رسل القوم (النبال) التي صوبوها باتجاه معسكره ليستعجلوه القتال، ولو كان الامام لا يحب الانسان، لاستعجل القتال ليعجل بقاتليه الى النار، كما يفعل من يكرهون الانسان، ويحبون توريطه من خلال استدراجه الى مكامن الخطا والجريمة، اما الحسين فقد سعى الى تنبيه الانسان الى خطئه وجريمته، في محاولة انسانية منه لانقاذه من براثن الجريمة.
انه فعل ازاء قاتليه، ما فعله ابوه الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، الذي ظل يحاور (الخوارج) حتى عدل عن مقاتلته عشرات الآلاف منهم، كما تذكر ذلك كتب التاريخ، فبالكلمة حقن الامام دماء مغفلين، وبها حاول الحسين ذلك، وبها يحاول المصلحون الانسانيون.
فالمصلح، يوفر على الناس دمائهم، والمصلح لا يحب الولوغ في دماء الناس، ولذلك فهو لا يوفر جهدا لتحريم دم الانسان وصونه من الهدر لا زال هناك متسع من الوقت والجهد والوسائل غير السيف والقتل.
على العكس من الطغاة والمجرمين الذين يبدأون خطوتهم الاولى نحو الهدف، بهدر الدم الحرام وازهاق الروح المحترمة، وهنا يكمن الفارق الكبير بين المصلح والمجرم، فالاول هدفه حياة الانسان، اما الثاني فهدفه ممات الانسان، الاول يموت هو ليحيا الانسان، والثاني يموت الانسان ليحيا هو، وشتان بين الاثنين.
فالمصلح يبدا بالكلمة وقد ينتهي الى السيف، اذا اضطر الى ذلك، اما الظالم فيبدا بالسيف وينتهي اليه، انه يبدا بالدم وينتهي اليه، يبدا بارواح الناس وينتهي اليها.
قد يقول قائل، ويسأل سائل:
ألم يكن الامام على علم بعنادهم وغيهم وضلالتهم؟ فلماذا، اذن، حاول وعظهم ونصيحتهم؟.
وياتي الجواب من القرآن الكريم {معذرة الى الله} كما اجاب المؤمنون الذين استنكر عليهم بعض قومهم وعظهم للكافرين، بقولهم مستنكرين {لم تعظون قوما الله مهلكهم}.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فهي رسالة إلى الأجيال والتاريخ، ودرس للجميع، ليمارسوا الوعظ والإرشاد حتى مع أعدى أعدائهم واشد ضراوة، فما بالك بالمغفلين الذين يعادون المرء عن جهل، قبل أن يقع السيف بين الطرفين، من اجل إلقاء الحجة أولا ومن اجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجهل والتورط بالدم الحرام، من جانب آخر.
لعل من هذا المعنى، يمكن أن نستنبط المفهوم الذي عناه الشاعر في قوله الآنف الذكر.
فهو دعوة متكررة، لك جيل وعصر، للحيلولة دون قتل الحسين كل يوم، ودون تكرار الحدث الذي شهدته كربلاء، على كل ارض، من اجل إنقاذ الإنسان من التورط في الجريمة، إنها دعوة صادقة من الإمام لمنع أعدائنا، وقبل ذلك أعداء أنفسهم، من المغرر بهم الذين غسلت ماكينة الدعاية الأموية المضللة عقولهم وأماتت ضمائرهم وحطمت تفكيرهم، من ارتكاب مثل هذه الجريمة المروعة التي سيحجزون بسببها مقعدهم في قعر جهنم، لأن الإمام، وهو الرحمة الربانية للبشر، يكره أن يكون سببا لدخول إنسان واحد النار، لجريمة يرتكبها بحقه، فكيف يمكن ذلك؟. كيف يمكن أن نحول دون تكرار الحدث المأساوي؟ وكيف يمكننا أن نمنع من تكرار الجريمة؟ وكيف يمكننا أن نكون ممن يحفظ الحسين من القتل ويصون الدماء من أن تراق ظلما على الأرض؟ وكيف لنا أن نكون ممن ينتصر للحسين قبل أن يقتل، ولكربلاء قبل أن يسيل عليها دم السبط، وللآل والأصحاب قبل أن يقتلوا بسيف البغي، وللهاشميين والهاشميات قبل أن يأخذونهم سبايا إلى الشام؟.
الجواب في معرفة أسباب وقوع الحدث المهول، فمن خلال إزالتها، بعد معرفتها، نحول دون تكرار الحدث.
فعندما تساس الأمة براعي مثل يزيد، الذي قال عنه الإمام الحسين عليه السلام مخاطبا الوليد بن عتبة والي المدينة، عندما رفض إعطاءه البيعة (... ويزيد فاسق، فاجر شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور) عندما تساس الأمة بمثل هذا، فعلى الإسلام السلام، وعندما ينزو على منبر رسول الله (ص) رجل كمعاوية بن أبي سفيان، فعلى الإنسان السلام، وعندما يتسلل الإعلام الأموي إلى كل مكان، إلى البيت والمدرسة والمسجد والسوق والى مخادع الناس، فعلى الحرية والكرامة والعزة السلام.
دعونا أولا نمنع من انعقاد سقيفة في الأمة، ثم نجاهد للحيلولة دون أن ينزو على السلطة حاكم كمعاوية بن أبي سفيان يحول الناس إلى عبيد والمال إلى دولة بين الأغنياء فيحرم منه فقراء الأمة ويتخم آخرين، ويسخر خزينة البلاد لتحقيق رغباته الذاتية ونزواته الشخصية، فيصرفها لشراء الذمم وصناعة الدعاية السوداء المضللة واختلاق الأحاديث والروايات الباطلة على لسان رسول الله (ص) كل ذلك من اجل تحويل الحكم الإسلامي إلى ملك عضوض يتوارثه الطلقاء وأبناء الطلقاء، فيحكم الأمة باسم الإسلام، مثلا، رجل كيزيد الذي يشرب الخمر ويلعب بالقرود ويقتل النفس المحترمة، ثم يدعو له أئمة المسلمين من على منابر الجمعة، كخليفة.
أية مهزلة في التاريخ هذه؟ بل أية مهزلة على مر التاريخ هذه؟ ففي كل يوم لنا يزيد حاكما وفي كل يوم لنا معاوية خليفة للمسلمين وفي كل يوم لنا سقيفة وفي كل يوم لنا فتاوى تكفيرية ودعاية سوداء تضلل الناس وتغسل الأدمغة وأخيرا تقتل الحسين؟.
هنا مربط الفرس، إذن، فإذا حكم البلاد رجل كيزيد علينا أن نستعد لسماع نبأ قتل الحسين، وإذا اعتلى منبر رسول الله رجل كمعاوية الذي قال للمسلمين في أول خطبة جامعة في مسجد الكوفة{ يا أهل الكوفة، اتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج؟ وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأأتمر عليكم وألي رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا أن كل دم أصيب في هذه مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين}إذا اعتلى منبر الرسول رجل كهذا، فعلى الأمة أن تتوقع قتل الحسين بين لحظة وأخرى.
لذلك، إذا أردنا أن لا يتكرر المشهد الكر بلائي في كل يوم وفي كل ارض، علينا أولا أن نمنع سقيفة ولا نقبل بمعاوية خليفة أو يزيد حاكما، وان نقاطع الإعلام الأموي ولا نصغ إلى أقوال المرجفين في المدينة، ونسير بركب الحسين، مهما غلا الثمن وكبرت التضحيات، فالحياة بلا كرامة موت في الدارين، والموت بعز حياة في الدارين، أليس كذلك؟.
كذلك، على الأمة أن تقف مع الحسين حيا، ولا تنتظر أن يقتل فتبكيه ميتا، وهذا يتطلب منها أن تنصره وتنتصر له فارسا، قبل أن يترجل من على صهوة جواده، كيف؟.
إن الحسين عليه السلام قيم ومبادئ وأفكار ومناقبيات ورسالة، انه ليس مجرد ثائر من اجل سلطة، أو مغامر من اجل حكم، أبدا، والى هذا المعنى أشار عليه السلام بقوله {ألا واني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي رسول الله (ص) وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا، اصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين}.
هدف الحسين، إذن، كان الإصلاح أولا وأخيرا، إصلاح ما فسد من حال الأمة على يد الحكومات والأنظمة التي تعاقبت على الحكم من بعد وفاة رسول الله (ص) وإصلاح ما أفسدته القوى الاجتماعية التي ملكت المال والإعلام وتاليا السلطة.
لقد جاد الحسين عليه السلام بأغلى ما عنده من اجل تصحيح مسار الأمة، وإعادتها إلى جادة الصواب والحق والعدل والإنصاف، من اجل أن تحيا حرة كريمة وسعيدة بين أمم الأرض.
إن نتيجة حكم السلطات الظالمة للأمة، يمكن تلخيصه بما يلي؛
أولا؛ تغيير مسار النظام السياسي، من نظام يعتمد الشورى والانتخاب والبيعة والتداول السلمي للسلطة، إلى نظام يعتمد الوراثة في اعتلاء السلطة، واخذ البيعة بالعنف والإكراه، وتاليا القتل والاغتيال والتآمر كأدوات يعتمدها المتصارعون على السلطة للفوز بها، وبقراءة سريعة لتاريخ المسلمين، والنماذج الكثيرة التي ترويها كتب السيرة والخلفاء والسلاطين، يتضح لنا هذا المعنى جليا، لدرجة انه يزكم الأنوف بفضائحه، ويخجل منه المرء الذي يكره الانتساب إلى مثل هذا التاريخ، المهزلة.
ثانيا؛ محو القيم الإنسانية التي اعتمدها الإسلام في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الناس أنفسهم، صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، عالمهم ومتعلمهم، نساءهم ورجالهم، وبين أركان الحكم أنفسهم، كقيم المساواة والرأفة ومبدأ تكافؤ الفرص، والتكافل الاجتماعي والحرية والكرامة والصدق والتسامح والتعاون على البر والتقوى والإيثار وغير ذلك من المعاني والقيم السامية التي جاء بها الإسلام العظيم، لتحل محلها، في ظل الأنظمة الفاسدة والمستبدة، سياسات الأثرة والإقصاء والتمييز العنصري والطائفي والعشائري والعبودية والإكراه وروح الانتقام والذلة وغيرها من السياسات التي دمرت الأمة، فتقهقرت إلى الوراء لتصبح في آخر القافلة الإنسانية وفي نهاية مسيرة البشرية.
لقد عنى الشاعر، إذن، أن كل يوم هو زمن مفتوح للصراع بين الحق والباطل، وان كل ارض هي ساحة مفتوحة لهذا الصراع، وان على أهل الحق أن يواجهوا الظلم صغيرا قبل أن ينمو ويكبر فيتمكن من قتل الحسين، وبذلك فقط يمكنهم أن يحولوا دون تكرار تراجيديا كربلاء بكل فصولها المهولة وتفاصيلها المرعبة والأليمة.
أما دمعة زينب عليها السلام، فقد حملت رسالة أخرى، إنها رسالة الرفض الأبدي للظلم، وصرخة المظلوم في قصور الظالمين، لتهدم أواوينها، وتدمر قلاعها.
إنها رسالة الاحتجاج على القتل، وسلاح المستضعفين في مواجهة سلاح التضليل، ووسيلة المظلوم لاستنكار الظلم، وأداة المقهور لاستنهاض الأمة الغافلة والناس النيام والرعاع المغفلين والعامة الجاهلة والصفوة التي أعماها الطمع وأسال لعابها المال الحرام والحظوة الزائفة عند السلطان، إنها الرسالة التي لا يمكن لظالم، مهما أوتي من قوة وجبروت، أن يحجبها عن الفضاء الخارجي، ولذلك امتدت هذه الرسالة الزينبية عبر التاريخ وستظل ممتدة إلى قيام الساعة، إذ سيفشل الظالمون في إخماد أوارها مهما فعلوا، ولنا في التاريخ اكبر دليل وانصع برهان، ولقد صدقت ابنة علي العقيلة زينب عندما خاطبت الطاغية يزيد في مجلسه بالشام قائلة {فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد}.
إنها الرسالة التي فضحت زيف الحاكم الجائر، وكشفت عن حقيقة الأمور التي بذل الظالم من اجل التستر عليها الشئ الكثير، وسخر لها جيوش (المثقفين) و(الإعلاميين) و(فقهاء البلاط) و(وعاظ السلاطين) من المأجورين والموتورين، من الذين يتبعون المطامع.
إنها شجاعة الرسالة وبطولة أهل الحق وصمود الثائرين وقدرة المظلومين.
من هنا افهم؛
إذا أردنا أن نحول دون تكرار الحدث المأساوي، علينا أن نحتفظ بالدمعتين ساخنتين، فهما رسالتان تكمل الواحدة الأخرى، وهما جناحا ثورة السبط الشهيد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
ينبغي علينا ان لا ننخدع بما يقوله المشككون، الذين يحاولون انتزاع حب الحسين من قلوبنا، فالدمعة رسالة وليست عواطف فحسب، وإنها معاني سامية وقيم عظيمة ومناقبيات خلاقة، من يتنازل عنها سيتنازل عن الحسين، ومن يفرط بها سيفرط بكربلاء، ومن يغفل عنها سيغفل عن الهدف والوسيلة في آن واحد.
لنحذر من نسيان الدمعتين، وما حملتا من رسالتين تاريخيتين عظيمتين، من اجل أن لا ننسى الحسين وثورته الإنسانية، وبالتالي، من اجل أن نتذكر أنفسنا، فلا ننسى حالنا وواقعنا وما نحن عليه من وضع لا يحسد عليه، فالحسين عليه السلام عبرة (بفتح العين) وعبرة (بكسر العين) فلا يمكن ان نعيش الحسين بواحدة أبدا، فالعبرة (بفتح) جزء من العبرة (بكسر) والعكس هو الصحيح، وهما متلازمتان لا تفترقان أبدا ما دامت السماوات والأرض.
20 كانون الثاني 2007