حلقات ثقافية أكتبها من ذاكرة المهرجانات الولائية المؤرشفة
الحلقة الثانية عشر المؤسسات الرسمية - ج 1
لم يخلو أي عمل مهما كانت هويته وراسمي خططه ومُشرّعي نظامه ومُعدّي أجندته ومُخططي سياسته في أي بلد في الدنيا ما لم يُحمل عبر المنافذ القانونية والأطر الرسمية حتى يصبح عملا نظاميا شرعيا قانونيا ..
والنجمة المحمدية مذ انطلقت فكرتها التزم مؤسسها بإتباع الطرق القانونية وألزم نفسه إلا أن يجعل العمل نظاميا بعيدا عن التساؤلات والمساءلات التي تصدر من أية جهة كانت ..
فحرصتُ كمؤسس لهذه الحركة الثقافية الفكرية أن أدخل في هذا البلد الذي أقيم فيه منذ عام 1974م عبر القنوات الرسمية القانونية لانطلق بحصانة القانون إلى كل الشرائح الاجتماعية بعيدا عن الهفوات أو التجاوزات التي لا يروق لي العمل من خلالها في هذا البلد أو غيره ..
ففي البدايات كان لابد من إعلام السلطات بهذا التحرك الثقافي الفكري ، وسرتُ على مدى السنوات الأولى بحركة هادئة وهادفة كانت المنطلق للتوجه إلى الوزارات المختصة بنقل هذا العمل إلى دمشق وفي المراكز الثقافية الرسمية فكانت المحطة الأولى هي :
وزارة الثقافة
وذلك في عام 2001م التي طلبت وزيرتها وقتئذ الدكتورة مها قنوت الموافقات الرسمية من الجهات المعنية المختصة وتم الحصول على هذه الموافقات بعد أن أطلعتُ الجهات الرسمية التي التقيتها غاية الحركة الثقافية التي أقوم بها وهو نشر فكر أهل البيت عليهم السلام ضمن إطار الأدوار الرسالية الزينبية الممنهجة ، وخاصة أن دمشق هي المحطة التي أصغت لخطابها وبيانها وهي البلد الذي تشرف باحتضان جسدها الطاهر وأصبح مقامها المقدس معقل المناضلين والعلماء والمفكرين ومنها انبثقت ثقافات عديدة ،
والنجمة المحمدية إحدى الثقافات الفكرية الحضارية التي تقدم هذا الفكر النموذجي والمنهجي الذي يبني الإنسان ويؤطر سلوكيته ومنهجيته ضمن المفاهيم الإنسانية التي خصها الله تعالى به ..
من هنا كنتُ حريصا أن أحمل هذا الفكر وهذه المنهجية لكل بيت وكل أسرة وكل طائفة وكل شريحة اجتماعية مهما كان دينها أو مذهبها أو عقيدتها أو انتماؤها أو منابعها ، بعيدا عن أي طرح طائفي أو ديني أو أية تبعية لأي جهة أو نظام أو حزب أو تكتل ،
وإنما الطرح سيكون فكريا ثقافيا حضاريا ليس إلا ..
وهذا ما أوضحته لكافة وزراء الثقافة أو معاونيهم أو رؤساء الدوائر في الوزارة الذين التقيتهم ، فرحب الجميع بهذا التوجه وفتحوا أبواب الوزارة لهذا التحرك الثقافي ..
وكان أول الوزراء هي الدكتورة نجوة قصاب حسن
التي قبلت أول إصدار للمؤسسة " ديوان النفحات الولائية في العقيلة الهاشمية "
ووافقت رسميا على قبول 400 نسخة مهداة من المؤسسة إلى الوزارة وتم توزيعها على 400 مركز ثقافي في كافة أنحاء الجمهورية العربية السورية وذلك في عام 2003م ..
وفي عهد الدكتور محمود السيد وزير الثقافة السابق
تم اللقاء مع معاليه ووجهت له دعوة لحضور المهرجان الرابع عشر مقرونة بالأعداد الخمسة من مجلة النجمة المحمدية ورحب ترحيبا حارا قائلا :
إن أبواب الوزارة مفتّحة أمام عملكم هذا ...
وتقبل إهداءنا لمعاليه أعداد مجلة النجمة المحمدية وأرسل لنا الكتاب التالي: -
|
الجمهورية
العربية السورية السيد الدكتور عصام عباس المحترم التحية الطيبة، تلقينا ببالغ الشكر والتقدير الأعداد الخمسة من مجلة "النجمة المحمدية". نشكر لكم هديتكم القيمة وتعاونكم، آملين لكم استمرار التقدم والنشاط في مجال عملكم. وتقبلوا منا كل محبة واحترام. دمشق في 18/ 5 / 2005م وزير الثقافة
الدكتور محمود السيّد |
وقد أوفد السيد الوزير معاونه الدكتور علي
القيّم ممثلا له في المهرجان الرابع عشر الذي حضر وألقى الكلمة التالية :

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أجمعين...
أيها الأخوة والأحبة الاكارم...
أسعد الله أوقاتكم بكل خير، ويسعدني ويشرفني أن أمثل وزارة الثقافة في هذا المهرجان الكبير الذي يقام سنويا على اسم "النجمة المحمدية"، وتحت عنوان "إصلاح الأمة وبناء الإنسان ركائز أساسية في منهجية السيدة زينب (عليها السلام)". وأجدها مناسبة جيدة أمام هذا الجمع الكبير من السادة العلماء والمفكرين الأفاضل أن أقول أن تاريخ حضارتنا الإسلامية قد أورثنا تراثا هائلا وإبداعات مشرقة، يمكن استلهام خبراتها واقتباس إشراقاتها بما يتحقق مع روح ووسائل عصرنا الراهن، في مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجه الأمة الإسلامية.
إصلاح الأمة وبناء الإنسان في عالمنا لا يمكن أن يقوم بناء على مقولات نظرية تعبر عن معالم الإسلام وحضارته فقط، بل على نظرية علمية تحدد طبيعة الإصلاح المنتظر داخل البيت العربي المسلم، الذي يبدأ بتشجيع الجيل الجديد على ممارسة النقد العقلي، والالتزام بالبحث والتعلم وبأصول المنهج العلمي الحديث في طلب المعرفة، حتى نتخلص من مشاكل كثيرة نعاني منها، وأبرزها:
- مشكلة الاستلاب الحضاري - تعطل الإبداع - نفي الحاضر والعيش في الماضي
مع الإيمان بأن المتاح من الحضارة العالمية لا يمكن أن يكون بديلا لما وصّى به الإسلام لخير الإنسان، ولا يقدم حلا مرضيا تسعد به الإنسانية، فالعولمة الثقافية لا تخرج في حقيقتها عن محاولة لتذويب الثقافات والحضارات، وإلغاء الخصوصيات الحضارية لصالح حضارة الغالب. والأمة الإسلامية هي أول المستهدفين، وحتى نقف بوجه دعوات العولمة لا بد من القيام بإحياء مشروع نهضوي ثقافي شامل يعيد للأمة ثقتها بثقافتها واعتزازها بتاريخها وفخرها بهويتها على أساس الالتفاف حول الفكر الخلاّق النقي الخالص من شوائب الموروث المتخلف، بفهم صحيح يضع الثوابت والمتغيرات في مواضعها الصحيحة، ويوجه عملنا توجيها سليما جامعا بين الأصالة والمعاصرة النافعة.
إن اكتشاف دور الإنسان وفاعليته في منهج التغيير، بدرجة كافية، وحسم هذه القضية أصبح من الضرورات الملحة للعقل في الأمة الإسلامية، ذلك أن العقيدة الإسلامية، جعلت الإنسان مدار الحركة التغييرية ومحورها، وأوكلت إليه مهمة التغيير والبناء، والدور المستقبلي لنا، لن يتم إلا وفق هذا المفهوم الشمولي للإنسان وبإعادة تشكيل صورتنا وفعلنا ابتداء من البنى التحتية المعنوية منها والمادية.
إن التحدي الكبير الذي يواجه الأمة العربية والإسلامية في وقتنا الراهن، وفي السنوات القادمة هو تحدّ ثقافي في المقام الأول، وبقدر معرفتنا وإدراكنا أهمية الثقافة في حياتنا يمكننا الانطلاق نحو تشخيص المرض ووصف الدواء له، وهنا يحضرني القول الشهير للمدير العام السابق لمنظمة (اليونسكو) رينيه ما هو الذي قال: "التنمية هي العلم حين يصبح ثقافة" وربط العلم بالثقافة كان دوما من سنن الشريعة الإسلامية، وهذا ما نطالب به إذا أردنا لثقافتنا الإصلاح والتطور وإعادة الإنتاج والعطاء، في إطار ديناميكي حيوي يراد منه تخصيب المدارك والعقول، وتقوية الوعي والفهم بما ينسجم مع الشريعة الإسلامية السمحة المنفتحة على الآخر... وفق رؤى ومفاهيم تدعو الفرد إلى تحمّل مسؤولياته الخلاّقة في النواحي السلوكية والأمور الاجتماعية، حيث إن الإسلام يتسع في نظامه الشامل إلى ثقافة تستوعب مجالات الفكر والواقع، كما تمتد إلى قضايا المعرفة والوجود والقيم...
جميل أن يتجدد اجتماعنا السنوي إحياء لذكرى مولد السيدة زينب (ع) هذه السيدة العظيمة التي كانت مدرسة كبيرة في الصبر والفهم والوعي والنبل والبطولة والاستقامة، وتتجسد في مسيرتها الحافلة بالعطاء الخالد، ملامح المرأة العربية المسلمة، بكل ما فيها من شموخ العظمة وثبات على الشدائد والمصائب...
تحية صادقة إلى القائمين على هذا المهرجان الكبير ونخص بالشكر الأستاذ الدكتور عصام عباس الذي لم يدخر وسعا من وقته وجهده وعلمه في إحياء هذه الذكرى العطرة على قلوبنا جميعا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وقد شجعني هذا اللقاء "حقيقة " وهذا الاهتمام من قبل السيد الوزير فشرعتُ بإصدار أول درع للنجمة المحمدية
وقد استقبلني معالي السيد الوزير في مكتبه بالوزارة في اليوم الثاني للمهرجان الرابع عشر عام 2005م / 1426هـ بحضور معاون الوزير الدكتور علي القيّم...
وقدمتُ له درع النجمة المحمدية الأول –
وأشاد السيد الوزير بالدور الثقافي الذي تقوم به المؤسسة في نشر الفكر البناء والجامع لكل الشرائح الاجتماعية والوطنية تحت قبة مهرجان المؤسسة الثقافي السنوي ،
وشكرتُ معالي السيد الوزير على استقباله وترحابه وتشجيعه وأثنيتُ على قول السيد الوزير " أن أبواب الوزارة مفتوحة أمامكم في أي وقت " ...
وفي المهرجان الخامس عشر عام 2006م- 1427هـ
أصبح وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان أغا
تقدمتُ بدعوته لرعاية المهرجان وإلقاء كلمة
فيه – حصلتُ على الموافقة وبالنظر لوجوده خارج القطر أوفد معاونه الدكتور علي القيم

لتمثيله في المهرجان وإلقاء كلمة .. حضر السيد معاون الوزير وألقى الكلمة التالية :
بسم الله الرحمن الرحيم
السادة السفراء
الإخوة المسيحيين والمسلمين
الأستاذ الدكتور عصام عباس رئيس اللجنة التنظيمية لهذا المهرجان
السادة رجال الفكر والعلم والأدب
أيها الحفل الكريم
انه لشرف كبير أن امثل الأستاذ الدكتور رياض نعسان أغا وزير الثقافة الذي كان بوده حضور أعمال هذا المهرجان ، ولكن وجوده في مؤتمر كبير في دبي حال من وجوده معنا رغم انه يحضر بروحه وعقله معنا في هذا الاحتفال المهيب .
إنها لمناسبة عظيمة الاحتفاء بالذكرى العطرة لميلاد حفيدة النبي الأكرم محمد ص السيدة زينب ع حيث نرسخ لثقافة الاحتفاء ونقيم هذا المهرجان السنوي الذي تتجدد فعالياته وتأخذ أبعادها الفكرية والاجتماعية والفلسفية والدينية السمحة
ويأتي هذا الاحتفاء كجزء من التعبير الثقافي الذي تؤمن به سورية منذ قرون طويلة لأنه تعبير عن الإخاء والتسامح والحوار وديناميكية الحياة الخصبة والإبداعية التي نعيشها جميعا ً
كم هو جميل أن تسلط الأضواء على أعلامنا من شوامخ الفكر في الحضارة العربية الإسلامية وبخاصة هؤلاء الذين يعبرون عن رسالة الإسلام السمحة التي ركزت على تمجيد حضارة الحوار والمحبة والسلام واحترام كرامة الإنسان وحقوقه أنى كان
وها نحن نجتمع اليوم احتفاء بذكرى سيدة عظيمة كانت فاضلة وفاعلة في فعلها وفكرها ودورها الريادي الإنساني في العالم الإسلامي وبالأمس القريب كان الاحتفاء في مدينة حلب عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2006
بذكرى مرور 1700سنة على ولادة مار أفرام السرياني 306-2006 بعض الناس قالوا لماذا في عاصمة الثقافة الإسلامية وهو سرياني وحاول البعض إفشال هذا الموضوع ولكن كان القول الفصل أنها كانت عاصمة الثقافة الإنسانية منذ الألف الثالثة قبل الميلاد عندما اختيرت عاصمة للثقافة الإسلامية لم يكن القصد أنها كانت عاصمة لفترة زمنية معينة إنما لأنها مدينة الإخاء والمحبة والتسامح الديني عبر العصور ففتحت الأبواب والنوافذ على عطاء علم من أعلام الأدب والشعر واللاهوت والأخلاق والمثل العليا في سورية القديمة وهذا أكبر دليل على أن سورية الحديثة كانت وما زالت سورية المنفتحة على العالم تفخر بتاريخها وحضارتها العظيمة وتحمل الرسالة وتحيي ذكرى وتراث السابقين وتضعه في المكان اللائق به
سورية نبع المحبة والتسامح الديني أقدم قصيدة ظهرت في الوجود ظهرت في سورية تعود إلى أربعة ألاف وأربعمائة سنة وأقدم علاقة تاريخية للإخاء والتبادل التجاري والدفاعي ظهرت في سورية في سنة ألفين وأربعمائة قبل الميلاد من هذا المنطلق نحتفل بهذه السيدة في الشهر الماضي السيد الدكتور رياض نعسان أغا كان في مدينة ليوغل تبعد عن فينا 180 كم وكان اللقاء حول ثقافة الإسلام 11 دولة عربية وإسلامية قدمت حوالي 400 قطعة أثرية إسلامية لتعبر عن حضارة الإسلام روح وفكر وعطاء إنساني وكان لقاء جميل جدا ً وخير رد على الهجمة الشرسة التي تعرض لها الإسلام وثقافته ورسوله الكريم من قبل بعض وسائل الإعلام الأجنبية فحضارة الإسلام ليست حضارة عنف وقتل وإرهاب إنها حضارة تسامح وإخاء
إن سورية العربية تدرك جيدا ً أن التحدي الكبير الذي يواجهها هو بالأساس تحد ٍ ثقافي وقضايا الأمة العربية والإسلامية تلح على تعزيز أسباب حضورنا الفعال في ساحات الحراك الدولي وربما أصبح وجود الشعوب في المستقبل مرهونا ًفي المقام الأول بوجودها الثقافي من هذا المنطلق نجد أن تعميق وتعميم المعرفة الموضوعية والنقدية ب ( الذات الحضارية ) وتجديد الخطاب الفكري وتعميم معرفة موضوعية ونقدية ب ( الآخر ) هو الضمان للتفاعل بين الموروث والمستجد بين النقل والنقد وبين إعادة الإنتاج والإبداع وبين ما هو ذهني وبين ما هو اجتماعي ، تاريخي ، واقعي 000
إن الحديث عن الثقافة في ميلاد النجمة المحمدية السيدة زينب ع يقتضي منا القول أن الثقافة ليست محايدة وهي سلاح ذو حدين إذ يمكن أن تستخدم أداة للتغيير ويمكن أن تستخدم في الوقت نفسه أداة لتثبيت الوضع القائم ويمكن للثقافة أن تكون وسيلة لاجترار الماضي أو قاطرة للمستقبل ويمكن لها أن تكون سياج الانغلاق على الذات أو نافذة الانفتاح على الثقافات الأخرى عندما اجتمع السريان في الدولة العباسية قاموا بنقل كل ما لدى الهند والفرس واليونان والدول المجاورة من كتب وفلسفة وعلوم وثقافات وأضافوا عليها وجمعوا هذا التراث وقدموه للبشرية جمعاء وقبل أيام كان الاحتفال على مرور 60 عام من وفاة العلامة ابن خلدون وأجمع العالم على فكر وعطاء ابن خلدون وكان هناك أيضا ً شيء من الفعاليات المميزة للحضارة العربية الإسلامية شاركت سورية فيها بأربع قطع أثرية : حاملة المصحف وقطعة موزاييك تذكر بالفترة التي عاشها ابن خلدون في سورية وبذلك نكون خطونا خطوات كبيرة في تقديم عطاء العالم الإسلامي
الثقافة تصقل العقل وترهف الحس وتقوي الوعي والإدراك في مختلف الميادين الفكرية والعلمية والاجتماعية والتراثية والحضارية ونظرتنا إلى الاحتفال بأعلامنا ورموزنا تنطلق من إيمان بأن التراث هو حصيلة إنتاج العقل العربي المسلم والمسيحي في مختلف الطبقات الاجتماعية والتيارات الفكرية والثقافية بوصفه حاضنا ً لهوية الأمة العربية الإسلامية
وهذا يتطلب منا العمل جميعا ً على إعادة دراسة هذا التراث وتخليصه من شوائبه وفتح باب الاجتهاد في مجالاته المتعددة والحفاظ عليه ونشره بمختلف الوسائل وترجمة روائعه إلى اللغات الحية والتعريف بالثقافة والقضايا الإسلامية المعاصرة
أشكركم جميعا ً وأتمنى لملتقى ثقافة الاحتفاء بميلاد السيدة زينب ع
النجاح والتوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد المهرجان بأسبوع التقيتُ السيد الوزير في مكتبه وكان لقاء وديا وقد شكر سيادته الجهود التي تقوم بها مؤسسة النجمة المحمدية والنشاطات الثقافية التي يسمع بها من خلال معاون الوزير والكوادر الثقافية في الوزارة – وخلال اللقاء قدمتُ لسيادته درع النجمة المحمدية وعدد من إصدارات المؤسسة..



وكان اللقاء يوم 18/ 6/ 2006م .. بعدها أرسل السيد الوزير الرسالة التالية :

وفي المهرجان السادس عشر عام 2007م – 1428هـ
رعى السيد الوزير المهرجان
وأوفد نائبه الدكتور علي القيم نظرا لوجوده خارج دمشق

أوضحها السيد النائب في كلمته التي قال فيها:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ها نحن مرة أخرى نجتمع في رحاب السيدة الفاضلة النجمة المحمدية
السيدة زينب
وها
نحن نجتمع معا لنقول : مبارك هذا الاجتماع – مبارك هذا اللقاء مبارك هذا المهرجان
الذي يضم في رحابه لفيف من عظماء ومفكري وأدباء ورجال الدين والعلم والمعرفة في
سورية وأرجاء شتى من وطننا العربي ومن إيران الصديقة الشقيقة .
نجتمع معا في رحاب سيدة فاضلة أثْرَتْ الحياة والوجدان والمعارف والفكر والقيم النبيلة بكل ما هو عظيم ورفيع ورائع في حياتنا الفكرية والاجتماعية والدينية التي تستحق منا جميعا كل المحبة والتقدير والعرفان .
نجتمع معا في رحاب سيدة كانت غنية ومعطاءة وكانت رائعة في البذل وفي المحبة وفي التسامح وفي الإخاء .
لكم مني كل التقدير وكل المحبة الذي تحملتم هذا العبء وجئتم من
شتى أرجاء سورية وبعض أقطار الوطن العربي لنقول كلمة ولنجري الحوار ولنجري لقاء
المحبة في رحاب سيدة المحبة السيدة زينب
.
وجميل أن يكون هذا اللقاء المتجدد في كل عام تحت هذا الشعار شعار النجمة المحمدية حيث نجتمع لنتباحث على مدى يومين ...
وبصراحة لا أجد الكلمات التي تعبر عن الشكر والتقدير والعرفان لرئيس هذه اللجنة التي تنظم هذا المهرجان الأستاذ الدكتور عصام عباس فله منا جميعا كل التقدير لأنه بإصراره وبمحبته وبعنفوان قلبه وحيويته المتدفقة نجتمع في هذه المناسبة لنكون معا ولنقول كلمات ولنقدم دراسات وأبحاث ولنقدم رؤىً فيها الكثير من العطاء المعبر عن روح هذا البلد وعن حيوية هذا الشعب عبر التاريخ ولنقول دائما أن سورية كانت دائما معطاءة ووفية للرجال والعلماء والنابغين من أصحاب الفكر والإبداع والأدب والسياسة .
زينب الكبرى
كانت
واضحة في رسالتها وهي صفحة مشرقة لكل إنسان في هذا الوطن الرائع الذي اجتمعت على
أرضه رسالات الأنبياء وكانت هذه الأرض منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى يومنا الراهن
مأوى الأفكار وملتقى التلاقح الثقافي والفكري والديني وأيضا لقاء المحبة من الإنسان
لإنسان ، ولذلك ليس غريبا أن تكون دائما هذه اللقاءات لقاءات محبة ورسائل محبة مهما
حاول المستعمر الغاشم والامبريالية الأمريكية أن تُحبط هذه اللحمة عبر السنوات لا
تستطيع أن تغير من عنفوان وحيوية هذا الشعب وحيوية هؤلاء الناس الذين اجتمعوا على
ارض سورية
ختاما : احمل لكم تحيات السيد الوزير الدكتور رياض نعسان أغا الذي تعذر عليه الحضور لوجوده في مسيرة البيعة وفي العرس الجماهيري الذي أقيم اليوم في محافظته محافظة إدلب واشكر كل من جاء واجتمعنا به وأتمنى لكم ولهذا المهرجان كل التقدم وكل النجاح والتوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
بعدها
تسلم السيد نائب الوزير درع النجمة المحمدية من الدكتور عصام عباس
وتسلم درعا آخرا مقدّم لوزارة الثقافة
وقبيل المهرجان السابع عشر عام 2008م – 1429 هـ
تم اللقاء بمعالي السيد
وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان أغا بمكتبه وتسلم معاليه درع النجمة المحمدية
الكبير

المُقدم لفخامة السيد رئيس الجمهورية العربية السورية بمناسبة احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية ..
ونظرا لتواجده في دولة
اليمن أوفد السيد معاون الوزير الأستاذ محمد تركي السيّد الذي ألقى كلمة قال فيها:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحق يكفي أن أكون على هذا المنبر لا لألقي كلمة بل لأحمل تحيات ومحبة الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة الذي شرّفني بتكليفه لي بالحضور في هذه
الندوة نيابة عنه لكنه تكليف بشروط، والحق كان بوده أن يكون موجوداً، ليتحفنا كما تعلمون بآرائه، وبنتائج ثقافته الثرة، لكن السفرة أخذه منا إلى صنعاء،
لحضور الأسبوع الثقافي.
وليس من وجه للاستغراب في أن أقول هنا بأنني لم أكلف هنا لألقي كلمة في هذه المناسبة، وأمام هذا الحضور الرائع الكريم من السادة العلماء، أمر ليس
ميسوراً، فهم الذين سوف يحيون هذه المناسبة، ونحن سنتلقى منهم وهم أساتذتنا.
لهذا تحت سلطان الوقت، سأوجز ببضع كلمات وأنتهي. أقول: وهذه الكلمات سوف تكون في مجالين اثنين:
الأول: كرجل عربي مسلم كأيّ واحد من أبناء هذا الدين، أقول: ثبت في ذهني كما هو في ذهن أو أذهان الملايين، بأن الله واحد جلّ جلاله، هو الذي خلق ورزق
وأبدع
وصوّر، وبالتالي الإله الواحد له دين واحد، أنزله على نبيه محمد
.
إذن نحن مع دين واحد، الدين الذي يجمع، الدين الذي يبني، الدين الذي يأتي، فهي رسالة النور الإلهية التي تتضمن كل المعاني السامية في حياتنا وفي دنيانا،
فلسنا مع التشعب، ولسنا مع التفرق، ولسنا مع التيارات المتعددة، ولسنا مع طوائف متناحرة، نريد وحدة أبناء هذا الدين، لنبني هذا الوطن، هذا الوطن الغالي،
بل الأمة جميعها يجب أن تكون هكذا، فبناء الوطن أمر أكثر أهمية من أكلنا وشربنا،. والسلام عليكم.
وفي اليوم الثاني للمهرجان حضر السيد معاون الوزير لتسليم دروع النجمة المحمدية إلى أكثر من أربعين شخصية فكرية وثقافية وعلمائية من سورية والدول العربية والإسلامية ..
وقد تسلم في البداية درع
النجمة المحمدية المقدم للسيد معاون الوزير

أما المحطة التي سبقت وزارة الثقافة فهي :
وزارة الإعلام
التي استوعبت العمل الذي مضى عليه عقد من الزمن وقتذاك , طلبنا إليهم إصدار مجلة باسم " النجمة المحمدية"
والتقيتُ وقتها السيد معاون الوزير الأستاذ أديب غنم الذي أعجب بهذا الطرح الفكري الثقافي الذي قال بالحرف الواحد الحقيقة لا يمكن أن يُصدق المرء إن هذا النتاج بإدارة شخصية فعلا أن مثل هذا الشخص هو رجل بمؤسسة متكاملة .. شكرته على طيب اللقاء وحفاوة الاستقبال وتمنيتُ أن نحظى برجال دولة تستوعب العمل وتؤازر الطروحات البناءة ..
فحصلنا على الموافقات الرسمية لإصدار هذه المجلة ولدينا لحد الآن تسعة أعداد صدرت بموافقة وزارة الإعلام السورية ...
وهنا لابد من أوجه جزيل شكري للعناصر المؤمنة التي هيأت لإيضاح مضمون العمل وغايته وثباته وثقافته ونزاهته كالدكتور عبد الكريم عجيب
و الدكتور نبيل عمران والأستاذة الإعلامية مريم خير بيك التي أضافت بصمة أخرى وضعتها في
المهرجان
السابع عشر عام 2008م-1429هـ فقمتُ بدعوتها للكلام فحضرت وألقت الكلمة التالية :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيداتي ـ سادتي الأفاضل
في هذا المكان المشاد لأجل الثقافة والعلم، وهذه المناسبة الجامعة للقلوب القادمة من كل حدب وصوب، وفي هذا الزمن العربي الأشبه بالأمس، نجتمع وكلنا مسلمون لله في عاصمة الثقافة العربية، ساعون إلى محرابٍ تعطره ذكرى ولادة سيدةِ البيتِ المحمدي، زينب عليها السلام، التي حطّت بها الرحال في شامة الدنيا وقد أضناها المسير، فأبت إلا أن تقتدي بجدها رسولِ اللهِ (ص) وأمها فاطمة الزهراء (ع)، فتقف وقفة عزٍّ وثباتٍ لا تحيدُ، تنير بوقفتها درباً لكلِّ امرأةٍ عربية، ولكلِّ امرأة في دوحة الإنسانية ترفض العبودية بأي شكلٍ أُريدت لها، ومن أيِّ دربٍ أتتها.
أجل، ما أشبه اليوم بالأمس، وبلاد العرب محاطة بالطامعين، يقبضون على ديننا ليذروه رماداً في عيوننا، رماداً يغشى أبصارنا بمذاهب ما كانت في يومٍ من الأيام إلا فسحة للعقل تخرج بالدين من دائرة الجمود إلى دائرة حوار العقول، تعززِّه ولا تخنقه، تماماً كما خرج الأنبياء من بين جموع البشر في مراحل التاريخ، ثائرين على ضيق العقول وطمع النفوس، وتشتت الأرواح، يحاربون فيها الظلم والقهر والجهل والمطامع الشخصية، ومؤسسين لمجتمع إنساني، يتنامى بقوة العقل مسَربَلين بروح الإيمان لإغناء جذور شجرته بقوة الساق كي تتفرع أكثر وأكثر، وتصبح الساحة الأكبرَ للإيمان. . .
ما أشبه اليوم بالأمس، وقد وقفت سيدة هذا البيت المحمدي تنافح عن آلها ودينها فتسري الركبان تحكي أخبارها، حتَّى يأتي هذا الزمن فيعود المسلمون فرِقاً ينشدون الوحدةً، وحدةَ المسير والهدف كي لا تذروهُمُ ريح الفرقة ويصبحوا هباءً منثوراً في أودية الحياة ومجاهلها، ويقومَ على آثارهم من لا يؤمنون بدينٍ أو رسالة أو مبدأ ولا يحافظون على عهدٍ. . .
إننا وإن كنا في دوحةِ آل البيت عليهم السلام نحتفي بذكرى ميلاد سيدته وقد تنوعت مشاربنا فهذا يؤكد أن الإسلام يجمع ولا يفرق، تتسع دوائره ولا تضيق حتّى لتشملَ الكون، وتجمع الناس بكل انتماءاتهم حول الرموز العظيمة التي ما كانت عظمتها وقدسيتها إلا بما قدمته للإنسانية من مثالٍ بانٍ للمجتمع الإنساني بالعقل والحكمة والروح الإنسانية، مثالٍ رافض للتسلط والاستعباد وقتل الحرية في النفوس، وهو المؤمن بأن الناس قد ولدوا أحراراً وأنَّ الأديان لم تأت إلا ثورة على ظلم الإنسان وقهره، وعلى الجهل الذي حاربه الأنبياء كما حاربه الرسول العربي (ص) وآله وصحابته بالعلم، أجل، بالعلم الذي يوسِّع مدارك الإنسان فيجعل الدين واحة علم ومعرفة وأخلاقٍ كلما استزاد منها الإنسان سما بمعارفه ونُضْجِ عقلهِ، وعمق إيمانه، وكلما ابتعد عنها زاد بطشه وغروره واستعظامه لنفسه.
ولعلَّ هذا ما حاربه النبيُ وآله وصحابته وكلُّ من آمن الإيمان الحَقَّ بالله، وهذا ما رفضته حفيدة رسول الله(ص) حين حاصرتها النوائب فكانت تدحض القهر والظلم ببليغ الكلام، وفصيح القول، وعِزَّةِ الموقف، وقوة الصبرِ، مؤمنة بأنَّ للسياسة وجوهاً باطلة لا تُكشَفُ إلا ببليغ القول وصادِقِهِ وجريئة .
إنني وأنا في هذا الموقف، وفي حضرة هذه المناسبة أسير في مجاهل التاريخ ودروبه، أقرأ سطوره متعظةً، معتبرةً، وقد ارتسمتِ الأحداث حاضرة في الذاكرة، فأستعرض ثقافة آل البيت، وأتوقف عند رمزٍ لهذه الثقافة، إمام من الأئمة العلماء، أرى فيه تاريخ العظماء من أُمتي فأشعر وكأني في ذاك الأمس، أو كأنَّ الأمس طغى على حاضري، وشخوصه أنصت إلى عظيم القولِ، فأرى أبا المذهب الجعفري، الإمام أبا عبد الله الصادق عليه السلام وحوله جابر بن حيان وأبو حنيفة ومالك (رضي الله عنهم) وقد جمعهم حوار العقل والإيمان، أليس الإمامُ جعفرٌ الصادقُ إمام اليسر الذي تتمثل به مدينة رسول الله، وعنوان العلم الذي اتصف به الرسول وهو مدينة العلم وعليٌّ بابُها؟!! وأسمع، وأعرف أنَّ الإمام عالِمَ الكيمياء قد عاصر انقسام المسلمين إلى فرق سياسية تتوسََّل المذاهب الدينية لإثبات موقع، أو دعم حكم، أو تثبيت رأي، وبات الإسلام مسخراً لخدمة الأمور السياسية اليومية الآنية التي يجب أن تكون (أي هذه السياسية) على الوجه الأصح مسخرةً لخدمة الدين " الذي وُجدَ ليبني ويقضي على المندسين على الإسلام كي يفسدوا على المسلمين عقيدتهم. هذا الإمام يتصدى لكلِّ هذا واضعاً الأمور في نصابها، منبهاً إلى مبادئ الحق التي تضمن سيادة القانون، وارتفاعَ شأن القيم الإنسانية، واستقلالَ القضاء، وأمانةَ الولاة، ونزاهةَ الإدارة، واحترامَ العامة، وإلزام الخاصة بأن تكون قدوةَ الأمةِ".
كل هذا وضعه الإمام في دستور " أشار إلى دقة الحكم، ومكانة العدل، وأثر الحكام في رفع شأن الناس، ورعاية أمور الشعب، وتحقيق الشورى، وإرساء قيم الخير والصدق والتعاون، وحب العمل والإخلاص في الحياة ".
أفلا نحتاج إلى هذا الدستور في كل زمانٍ ومكانٍ لنرقى بالأمة والشعب والوطن عبر نشاطَين خطَّهما هذا الإمام الصادق بمسيرته:
1- نشاط علمي ترقى به الأمة.
2- ونشاطٍ ٍ تبليغيٍّ يتصدى من خلاله للقضايا الفقهية، ومسائلِ الشريعة.
وبهذا حدَّد للعلم دوره ومكانته، وللدين قيمته وأهميته، ليس هذا فقط بل عني بعلم الكلام الذي كان ميداناً للجدل العقائدي والمذهبي، فتسامت جوانب المجتمع القائمة على العلم والدين والحوار، وارتبطت بفقهٍ سياسيٍّ سما بقضايا الشورى فأعطى العصر الذي كان يمور بالكثير من الصراعات السياسية والدينية والمذهبية كثيراً من الثقافةِ الموقظةِ للروح، وكثيراً من التنوير للعقول، وبهذا أُرسيَتِ الأصالة الفكرية والثقافة العقائدية التي كانت هدفاً في بناء الفرد في زمن الصراعات الطاحنة وقد أدرك الإمام أنَّ الصراع السياسي الذي قسَّم الأمة، وشتَّت شملها اعتمد فيه المتسلطون على سياسة تفريغ الناس من العلم، وعزلهم عن الفكر، وإدخالهم في المجالات الضَّيقةِ والنظرات الجزئيةِ محدودةِ الآفاق حتّى يفقدَ الناس دورهم وفاعليتهم وتجعلهم يخسرون كلَّ شيء.
أليسَ الأمسُ أشبهَ باليوم؟!. .
ألسنا ونحن في هذه الذكرى مدعوين إلى استذكار ما فعله إمام من الأسرة المحمدية، الإمام الصادق عليه السلام، من كشفٍ للغشاوة عن العيونِ، وفتحٍ للطريق إلى القلوب المضعضعة ، وتأكيدٍ بأنَّ قمة الفكر في الحياة هي القدرة على رؤية الحقائق العلمية بأبعادها المختلفة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، على صعيد الفرد والجماعة، وفي إطار الأسرة والمجتمع، وعلى الساحة الإنسانية والعوالم الأخرى المحيطة بالإنسان. .
ومدعوين أيضاً إلى التعمق بنظرته السياسية المنقسمة بين التوازنية والواقعية حيث كان يوازن بين مشروع وحدة الأمة الإسلامية التي تعاني من كثرة الانقسامات، وبين واقع مشروع وحدة الأمة الذي يتجاوز المذهبَ والفرق الكلامية، والاتجاهات الفقهية بما لا يسيء إلى التنوع، أجل نحن مدعوون إلى كلِّ هذا في زمن عربيٍ تُستباحُ فيه المقدسات، وتُهانُ الرموز، ويُشوّهُ التاريخ، وليس أنسب من هكذا وقت في هكذا مناسبةٍ، لسيدةٍ من آل البيت كي نستذكر ولادتها محتفين بها، ومن ولادة مجتمع عربي قويٍّ بمسلميه، أكانوا مسلمين بالإنجيل أم مسلمين بالقرآن، وولادة نساءٍ عربيات يتخذن قدوة لهنّ حفيدة رسول الله في هذا الزمن الذي يستبيح ديارهن وأنوثتهنَّ وأوطانهن، ويسلبهنَّ الكرامة والحرية مورثاً الحزن والقتل والدمار.
وفي النهاية لا يسعني إلا أن أشكر الدكتور عصام عباس منظم هذا المهرجان الجامع لكلِّ الثقافات، لاسيما ودمشق محط رحال هذه السيدة عليها السلام هي عاصمة الثقافة العربية. كما أشكر كلَّ من ساهم في إقامته، وسعى إليه وهو مؤمن بأن سعيه ومسعاه عبادة طالما هي لخير المجتمع الإنساني .
وفي نهاية
المهرجان تسلمت درع النجمة المحمدية

وهي اليوم عضو في الهيئة الاستشارية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية
وكان لقاء طيبا مع إعلامي من الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون العربي السوري وهو الأستاذ رمزي نعسان أغا الذي تفهم حقيقة العمل وخلوه من أي أجندة إلا الأجندة الفكرية الثقافية الزينبية اللاطائفية ، فرحب بالعمل وانخرط بمؤازرته ودعمه عبر المحدود مما يتملكه ويتمكن عليه ،
فقد تمكن في احد الأعوام من تغطية للمهرجان وضعت ضمن برنامج في التلفزيون السوري وكانت هذه التغطية اليتيمة التي أتحفنا بها التلفزيون السوري ، مع أن المهرجان يقام في مركز ثقافي رسمي ولا يبعد عن التلفزيون إلا بضعة أمتار ولكن المشكلة هي أن الجهة التي تقيم المهرجان تتمثل بشخص اسمه"عصام عباس" وانه ليس حزبا ولا طائفة ولا جهة رسمية ولا مدعومة من إحدى السفارات أو الحكومات ولا أدري ما هي التحفظات الأخرى التي يتملكها مسؤولوا التلفزيون الذي نوجه لهم الدعوات للمهرجان كل عام وحتى أني التقيت ذات مرة مع مدير التلفزيون بصحبة الأستاذ رمزي ورحب ترحيبا حارا ووعدني انه سيحضر شخصيا للمهرجان ويغطي أعمال هذا المؤتمر ، ولكن للأسف لم تحضر حتى الكاميرة لتصوير بضعة لقطات لهذا التجمع الثقافي الكبير ..
ولكن رمزي نعسان أغا انفرد من هذه الهيئة بشخصه دون أن يُمثّل أية جهة بل جاء إعلاميا مثقفا مستوعبا طبيعة وغاية العمل للحضور والمشاركة من خلال كلمتين كانتا في المهرجانين الخامس عشر عام 2006م – 1427هـ
والسابع عشر عام 2008م- 1429هـ التي
اخترتها للنشر هنا حيث قال في كلمته:

السلام عليكم ورحمة الله..
لن يكون أي إنسان اعتنق الدين الإسلامي مسلماً مؤمناً حقاً إلا بالإيمان بالأنبياء والرسل، فقد جاء الرسول الأعظم (ص) مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، هذا
هو الإسلام الواسع الذي على صفاءه تتسع الآفاق.
أيها السادة..
هنا في ربوع دمشق رقد الجسد الطاهر في نومته البديعة، وانطلق الفكر والمنهج برسالته وديمومته.. إنه فكر ومنهج المدرسة المحمدية التي تربّى عليها
وتمثّلها آل بيت الرسول الأعظم محمد (ص) ولعل من أبرز العبر في ذكرى السيدة زينب()ع أنها المدرسة الجامعة للرؤية الإسلامية للتربية الصحيحة للمرأة المسلمة،
ابنة كانت، زوجة كانت، أو أختاً، ولنا في سيرتها العطرة ما يثري الجامعات والأسر لهذا الخلق العظيم، وهذا النضال، وهذه الصرخة، صرخة الحق في وجه الظالم.
ومما نجده في حياة المرأة العربية المسلمة، وما نحب أن يترسّخ هو صورة المرأة الزينبية، التي تجاهر بالحق وتتخذه سلاحاً تدفع به قوى الظلم، ولعلّي أقف قليلاً عند
صورة المرأة العربية في الإعلام التي أرادت لها بعض الأيدي أن تخرّب صورتها وتشوّهها، وتقدمها سلعة لا تستطيع أن تبني الحياة إلا من خلال الغرائز، وصورة
أخرى تطلّ علينا من واقع الحياة تنقلها وسائل الأعلام، ولا تصنعها صورة المرأة المناضلة التي تقدّم للوطن وللإنسان كل الخير، وتناضل ضدّ عنف الظالمين، فها هي
في كل مكان ، في مكان من أراضينا المحتلة تقف بشموخ أمام آلة التدمير التي لا تفرّق بين رجل وامرأة وبين طفل وشيخ.
وأسوق لكم من خلال تجربتي الإعلامية لقائي بإحدى الأمهات اللواتي تعرّضن للظلم حين قصف بيتها في القنيطرة عام سبع وستين، واضطرت لمغادرة المدينة المعذّبة،
وتحت جناحيها خمسة أطفال حملتهم معها في رحلة نحو دمشق، ولكنها وبإصرار من المرأة التي تمثّلت سيرة حياة جدتها العربية المؤمنة بوعيها الحضاري، أنها لن
تستسلم للظلم كما جدّتها الزينبية، وعدت قنيطرتها بأنها ستكثر من الأولاد، وستعلمهم في شامنا الأدبا.
هذه الأم أنجبت اثنا عشر ولداً علّمتهم، فصاروا جميعهم أطباء أخصائيين يرفدون الحياة بالأمل، ويثبتون مع أمهم أنّ إرادة العدو لم تستطع أن تكسر فيها العزيمة والدفاع
عن الحق، والإصرار على الإعداد للنصر.
لقد أعددت أبنائها اثنا عشر طبيباً (وبورد ما شاء الله)، يقول الشاعر عيسى أبو علوش في هذا المشهد الدرامي الذي صنعته التلفزة عن واقع هذه المرأة، عندما تقف
على رمية قريبة مطلة على القنيطرة، وهي ترحل عنها تنزح عنها، تقول:
عهداً قنيطرتي أني سأكثر من ولدٍ أعلّمهم في شامنا أدبا
هذه المرأة، وهذا النهج، هو مستقىً من فكر ونهج المرأة المسلمة، سليلة بيت النبوة، الصابرة القادرة على تجديد الحياة بفكر ووعي.
نحن نتلمس الحاجة إلى هذا الفكر في كل ملمح من ملامح حياتنا، في صراعنا مع عدونا، وفي حاجتنا إلى هذا الفكر في إشادة صروح البناء الداخلي للإنسان العربي، أياً
كان موطنه.. نحن في الشام نفخر باحتضان هذا الصرح المبارك، هذه المدرسة الجامعة المفتوحة التي تنهل منها الأجيال الثقة بقدرة الحق على دحر الباطل.
أيها السادة الأفاضل.. إنّ في منهجية السيدة زينب (ع) دروساً يستفاد منها في تطوير الإعلام وثقافة الإعلام، وهي الصورة المشرقة للمرأة العربية المسلمة التي ما زالت
تعطي للحياة قدسيتها، وتعطي للأسرة العربية مكانتها.
أيها الأحبة.. على حب سيدنا رسول الله (ص)، وعلى حب آل بيته الكرام، واحتفاءً بذكرى مولد سيدة بيت المحمدي زينب (ع)، نلتقي في كلّ عام لنجدّد الولاء لآل بيت سيدنا
رسول الله (ص) ولنؤكّد على أن مسيرة الحب تنبع من فيض حبنا لرسول الله وآل بيته الكرام.
أشكر لكم حضوركم، وأشكر لأسرة النجمة المحمدية جهودها في إحياء هذه الذكرى العطرة، وإتاحة الفرصة لي ولكم لهذا الحضور الكريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وفي نهاية المهرجان تسلم
درع النجمة المحمدية 
هؤلاء هم اعلاميوا النجمة المحمدية والثقافة الزينبية البناءة ..
المحطة الأخرى من المؤسسات الرسمية كان:
البرلمان السوري
حيث اعتلى المنبر الثقافي الزينبي نخب مهمة من البرلمانيين السوريين كان أولهم الدكتور محمد حبش الذي خصصنا له الحلقة السادسة من هذه السلسلة من الذاكرة .. أما بقيت البرلمانيين فسأذكرهم حسب حضورهم في تسلسل المهرجانات الولائية :
المهرجان الثاني عشر 2003م – 1424هـ
النائب
الأستاذ عبد الله الأطرش من السويداء كانت له الكلمة التالية

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة
والسلام على سيد المرسلين وآله وبعد...
أستعين بالله في أول مداخلتي، لكنني ما جئت محاضرا فهذا شأن من نقدر ونحترم من
السادة العلماء والباحثين والأدباء، غير أنني جئت منتميا إلى حيث توضعت مكارم
الأخلاق في بيت ملأت الطهارة جوانبه، وكسا العفاف أركانه، وطيبت نظافة النفس واليد
واللسان أهله، وزينه حر الشمائل وعظيم الفضائل، وحباه نبي الله محمد(ص) بحبه
ورعايته وجميل مزاياه. سرّه بسكانه، يرعاه علي وتكلؤه الزهراء ويزينه الحسن والحسين
وتشرق النور فيه زينب، وقد خصه العلي القدير بالطهر والتطهير بقوله الكريم:
(إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
ألم يكن علي (ع) وليد البيت العتيق وباب مدينة العلم وأول من لبى وأجاب وأعلن نصرته
لرسول الله، قاد البررة وقاتل الفجرة؛ فهذا المشرك مرحب مجندل في معركة خيبر، وذاك
عمرو بن عبد ود العامري صريع في معركة الخندق التي يقول فيها النبي محمد (ص):
(لـَمبارزة علي بنِ أَبي طالِب لِعمرو بن عبد ودّ يَومَ الخَندَق أَفضلُ مِنْ
أعمَال أُمَّتِي إلى يَوم القيامَة) ويؤكد لعلي أنّ (أنت مني وأنا منك) و(أنت أخي
وصاحبي). وأيضا ألم تكن (ستنا) فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين من الأولين
والآخرين بل سيدة أهل الجنة وبضعة من سيد الرجال، أليست والدة الحسن والحسين(ع)
ريحانتي الرسول الأعظم وقد بشر جبريل (ع) بأنهما سيدا شباب أهل الجنة. أما إشراقة
النور في زينب فهي تنير سموا ورفعة أن اختار الله لها هذا الاسم وما كانت تلك
التسمية لتكون إلا وعدا وقدرا لرسالة خالدة ولإشراقة لا تغيب عن الوجود أبدا، وهي
التي جمعت مع جميل الاسم وعراقة النسب وشرافة الحسب لأفضل جد وأب وأم وأخ وخال حر
الشمائل وبديع السجايا وكريم الفضائل وعمق الإيمان وفصاحة اللسان والقدرة على الفهم
والإفهام والجرأة في قول الحق والذكاء الوقاد الذي يعبر عنه المنطق السليم والقول
الرخيم والتفسير الأمين لآيات الله البينات. لقد تعلمت منها وعلمت، واهتدت بنورها
وهدت بلا وسيط ولا وسائط إلا قلب يفقه وعين تبصر وأذن تسمع لتكون حاضرة أبدا في
مدينة العلم وقائمة على الدوام على أبوابها، عالمة بأخبار ما قدر لأبيها من شهادة
وما كتب على أخويها وأهلها من محن ومآس في كربلاء، وكأنما القدر كان يؤهلها كي تعيش
هذه الأحداث الصعبة وتتصدى لها حاملة للأمانة مؤدية للرسالة برؤية العالمة غير
المعلمة ووعي الفهمة غير المفهمة. فما حدث في كربلاء من فظائع ومآس فاق خيال التقول
والتنبؤ عن مقتل الحسين وأهله فلقد بلغت تصرفات الجيش الأموي بقيادة السفاح ابن
زياد وزبانية الرشوة والغدر والخيانة من البشاعة والوحشية والتنكيل والطغيان حدا
يندى له جبين الإنسانية ووصمة من العار أخجلت تاريخ الحرب والمحاربين وشنارا تلعنه
الأجيال حينا بعد حين؛ تحز فيه الرؤوس وتقطع الأوصال ويقتل الرضيع في حضن أبيه
وتساق النساء سبايا وكلهم من أهل بيت نبي الله! لا حرمة لوصية ولا شفاعة لشفيع. فهل
جرب الله خائفيه في كربلاء؟ حيارى فيما يرون ويسمعون والوعد أنهم أحباء محمد (ص)،
ومن أحب محمدا أحبه الله فكيف يفسر ذلك وكيف يمكن أن يكون؟ إنه الإحباط. أفيكون بعد
الإيمان ردة؟ أتزوغ النفوس؟ وبعد الإيمان يكون النكوص والنكول؟ لا، لا... لا والله
لم يكن هذا ولا ذاك في يقين زينب بنت علي حفيدة رسول الله إنما كان هناك تمسك
بعبادة الله ورضى وتسليم بمشيئته وادخار لأرواح الشهداء في خزائن الله الواسعة
وتضرع ودعاء أن يتقبل مالك السماوات والأرض من آل البيت هذا الكم من الشهداء البررة
الأكبر عددا والأعظم شأنا، قربانا على مذبح الإيمان والحق الجهاد بحيث يكون بداية
لمشوار طويل من الجهاد واليقين ووعي واستيعاب للسبب والواقعة والنتيجة. أما السبب
فهو عدالة القضية، والعدل يقضي أن يعلو الحق ولا يعلى عليه أما الواقع أن لا تعني
خسارة معركة خسارة الحرب في نصرة الله والقضية، أما النتيجة فهي أن لا يتمكن الباطل
أن ينتصر على الحق وأن لا يكون هناك إمكانية لضياع حق وراءه مطالبة أو مطالب، فلا
بد لعقيلة بني هاشم من الثبات على المبادئ والقيم والشيم ومكارم الأخلاق من أجل
بناء خير أمة أخرجت للناس والتصدي للمحرفين والقاسطين على حدود الله وتسييس الدين
لما يؤمن مصالحهم وأهواءهم ولا بد من الرفض للهزيمة ولأنواع الرعب والهلع الذي
أراده ابن زياد من عرض لأجسام حزت رؤوسها وأجساد قطعت أوصالها ومن رفض لحقد سافر
موجه من ابن زياد إلى عقيلة بني هاشم لما تراه من فعله بأخيها بردها الحاسم: (ما
رأيت إلاّ جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع
الله بينك وبينهم، فتحاجّ وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة)
فكان هذا الرد امتلاكا منها لزمام المبادرة والسيطرة على ما يدور حولها من ظروف
وأوضاع وتأكيدا على أن هذا القربان المرفوع إلى السماء سيخلد ذكرى الأحرار ويمحو
ذكرى الطغاة والأشرار كما ورد في مخاطبة السيدة زينب ليزيد بن معاوية بأعلى الصوت
والتحدي:(فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا،
ولا يرحض عنك عارها. وهل رأيك إلاّ فند؟ وأيّامك إلاّ عدد؟ وجمعك إلاّ بدد؟) فإن
كان الله أيها السادة يمهل ولكنه لا يهمل فمن عمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن عمل
مثقال ذرة شرا يره، فأين هو يزيد الآن وقد تبدد جمعه في جحيم جهنم وطويت أيامه بلا
عدد وانطمس ذكره في دياجير الظلام بينما زينب وآل بيتها في أعلى عليين تحج لمثواها
الأنام وتستنير بهديها الأيام وتخلد مع الخالدين في جنة الرحمن، اسمها على كل لسان
ومكرماتها في كل مكان.
أيها السادة الأكارم...
بعد هذا إن انتميت فلي فخر الانتماء، وإذا رغبت فإلى الله أضرع بطلب الشفاعة
والرحمة السمحاء، وإن رجوت فلأمتي العون والاقتداء بسيرة المجاهدين الأتقياء ذبّا
عن حقنا وعرضنا وأرضنا من رجس المعتدين الدخلاء.
أيها الأخوة الأكارم...
إن المعتدين الدخلاء يحتاجون في أيامنا هذه إلى أمثال زينب لتقف وقفة تحدّ، وقفة
الأقوياء، وقفة الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، يقولون أولا لأبناء جلدتنا...
لأبناء إيماننا: (اصدقوا مع نفوسكم قبل أن تصدقوا مع الآخرين) ولعمري ما صدقت نفس
مع ذاتها إلا وانتصر صاحبها... اصدقوا بقول الحق لأنفسكم أولا ثم لشعوبكم. الشعوب
دوما صادقة... الشعوب دوما معطاءة... الشعوب دوما مستعدة لإبداء الحق...الشعوب دوما
مستعدة لتقديم الضحايا. وما على من نحتاجه للقيادة والريادة والعمل بالسياسة وحشد
الجهود إلا أن يكونوا بحاضرة زينب كما كانت عليه زينب أمام يزيد وابن زياد وكما
كانت عليه في دعوتها إلى المحبة لأنها كانت تعطي المحبة فالله نور المحبة، وإن
أحببنا بعضنا بعضا سكن الله فينا، فكم هو جدير بنا أن نطلب من السيدة زينب وهي في
عليائها أن تكون حاضرة معنا وهي دوما حاضرة معنا كيف لا وها هي تشمخ في دمشق لتقول
لدمشق اصمدي كما هي عادتك... قودي كما هي عادتك... علمي كما هي عادتك. إن الوطن
بحاجة لأبنائه، وإن أبناء الوطن بحاجة إلى عطائه، فإن تكاملت الأبناء مع الأوطان لا
يمكن أن يصح إلا الصحيح خاصة وأن دمشق فيها فارس معطاء... فيها شاب تعلم من أبيه
كما تعلم من السيدة زينب... يقول الحق والحقيقة الواضحة الشفافة أمام شعوب العرب
والعالم ليعرف العالم أن الحقيقة في الجرأة بقول الحق. وهاهو يقف كما وقفت السيدة
زينب في المحافل الدولية ليقول لكثير من إخوانه اتقوا الله فينا وفي شعوبكم فإن
اتقيتم الله فينا وفي شعوبكم لا بد أن يتحقق النصر.
سلام عليك أيتها السيدة الفاضلة... سلام عليك يا بنت (ستنا) فاطمة، واسمحوا لي أن
أكرر هذا الكلام، لأنني أكرره بتعاطف ملؤه الحب والحنان والشوق إلى رعايتها وحنينها
وصدقها.
بوركت هذه المناسبة العطرة التي تدفعنا إلى المزيد من اجتماع الكلمة وتوحيد الصفوف
وجمع القلوب على المحبة والإيمان وشكرا لمن حقق لنا هذا الاجتماع العظيم وصلى الله
على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين والحمد لله رب العالمين... وشكرا لإصغائكم.
وفي المهرجان الثالث عشر 2004م – 1425هـ
ألقى الكلمة التالية
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين نبينا محمد وآله الطاهرين...
أيها الإخوة الاكارم... من قصيدة للدكتور عصام عباس (نجمة الشام)
[دمشـق
انطقي ما قالته زينبنا من موقع الحق أنت الشاهد النضر
قالت دمشق: لنا سلطانة وقفت تفند الجهل والفســـاق تندحر
بل إن زينــب تهذيب وتربية منها المواعــظ والأحكام والعبر]
ونحن في دمشق نقول:
وأنا بالأمس أتيت الست منتميا واليوم يشدني التأهيل والتسبيح والظفر
نعم أيها الإخوة... يشدني التأهيل والتسبيح والظفر لهذه الظاهرة الإنسانية الفريدة التي توجتها مع جميل الاسم عراقة النسب وشرافة الحسب لأفضل جد وأب وأم وخال ووقرها حسن الخُلق ورفيع الخَلق المتحصن بالعفة والعفاف وحر الشمائل وكريم الفضائل والقدرة على الاستيعاب والفهم والإفهام بذكاء متوقد ومنطق سليم وقول رخيم وتصرف حكيم ومعرفة بمن تكون وإلى من تؤول حافظة للقران وعارفة بأحكام الإسلام. ظاهرة إنسانية حشرت فيها بازدحام هذه المقومات المبدعة الخلاقة التي استقطبت البعيد والقريب والتي ما اجتمعت في إنسان دفعة واحدة إلاها بعد الأنبياء والرسل والمبعوثين، من العناية الإلهية لأمر قدره الله وأمضاه من أجل خير البشر والإنسانية. الشك يقطع باليقين بأن هذه الصفات الكاريزمية السامية لم تكن مجرد طبع واكتساب إنما تأهيل رباني سيتصدى لكل انحراف عن الصراط المستقيم وللدفاع عن كل تأويل سقيم كما كان الدفاع من قبل عن كل تنزيل عظيم من أمثال الوليد الذي جاهر بالإثم والفسق وهو يخاطب القران بكل سوء وقول لئيم :
إذا لاقيت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد
وممن استهزأ بالحديث الشريف ووعد الله بالجنة لأهل بيت رسول الله كقول ابن زياد لعقيلة بني هاشم (كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين...) وهو يعني رأس الحسين وقد حز وأوصاله قد قطعت.
إن محنة كربلاء كانت لتهز مسار الإيمان وتخلط الأوراق في ما ترسخ في الأذهان عن مكانة وحصانة ورفعة أهل البيت وما وعدوا به لو لم يقيض الله سبحانه وتعالى وجود السيدة زينب(ع) في هذه المسيرة الجهادية منذ أن أصرت على مرافقة أخيها وأبنائها وأقاربها وحشد المؤمنين وهي عالمة ومعرّفة بحقيقة رؤى النبي(ص) بما سيحل بزين شباب أهل الجنة سيدنا الحسين العظيم الذي ردد بدوره أمامها وأمام بعض المؤمنين (شاء الله أن يراني قتيلا ويراهن سبايا) إلى أن حدث ما حدث. غير أن هذا الذي حدث فاق مجال التقول والتنبؤ بمصير الحسين وصحبه من أهل البيت وعرض الإيمان والمؤمنين إلى التساؤل والتشكك والانكفاء فلقد بلغت تصرفات السفاح ابن زياد وزبانية الشرك والرشوة والفساد والغدر والخيانة من البشاعة والوحشية والتنكيل والتنكر للإنسانية وحقوق الإنسان حدا يندى له جبين هذه الإنسانية وهذه الحقوق ومن العار ما أخجل تاريخ الحروب والقتال ومن الشنار ما استحق مع الأيام لعنة الأجيال وخزيهم.
انه الإحباط الذي ولّد الحيرة والذهول: أنكوص بعد الإيمان أم ردة بعد اليقين؟ أيدفن في لحد السيوف والرماح تبشير وهداية؟ أينتصر أبو لهب بعد اندحار؟ لا والله لم يكن هذا ولا ذاك، فالتأهيل الرباني أخذ دوره ليعيد بزينب جوهر الإيمان إلى مستقره وترفع بقامات الشهداء صروح الثبات على الإيمان بقوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وقوله تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
وهكذا تبدأ زينب بقلب الموازين من الإحباط إلى شد الرباط، ومن زهوة نصر غادر للمرتدين إلى عار وشنار، ومن غفوة المغررين إلى صحوة المؤمنين، ومن خسارة معركة إلى كسب حرب. فينطلق بزينب الدين الجهادي دين الإسلام الحقيقي الذي ذب ودافع بداية عن التنزيل وبات عليه اليوم أن يدافع عن التأويل وليشق مشوار التصدي والصمود طريقه الذي لا يقل صعوبة وتحديا عما قام به علي(ع) عنه وصحابة رسول الله أجمعين، فهاهي بداية تقطع شرك الشك بإيمان اليقين والمتقين، حين ردت على استهزاء ابن زياد بمصير أخيها قائلا: (كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين؟) بقولها: (والله لم أر إلا جميلا) وقد شرح من سبقني ما معنى هذا الجمال، وما معنى الكمال بأروع صوره، وتذكروا قولتها الشهيرة: (اللهم تقبل منا هذا القربان) تصوروا أن هذا الكم العظيم من الضحايا تقدمه السيدة زينب بكل خشوع وخضوع، ومن ثم تتوجه إلى ابن أخيها زين العابدين الذي حمته من القتل بعد أن افتدته بنفسها وقالت: (إن أردتم قتله فاقتلوني قبله)، وما كان أصدق هذا القول وهذا التنبؤ ونحن نقيم في هذه الساعة بجانب الضريح العظيم لهذه الست العظيمة: (يا بقية جدي وأبي وإخوتي فوالله هذا عهد من الله إلى جدك وأبيك ولقد اخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون عند أهل السماء فيجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لأبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام ولو اجتهد أئمة الكفر وأشياع الضلال على محوه فلا يزداد أثره إلا علوا).
وهاهي ترى أن الفشل الحقيقي ليس في طبيعة الفشل ذاته، بل البقاء حيث يريدها الفشل، وقد انقض المؤمنون من حولها بعد تغرير ورشوة وخداع فتعيد إلى أهل الكوفة ذاكرتهم حيث تهزهم هزا من غفوتهم بقولها: (أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ولقد جئتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض وملء السماء . أفعجبتم أن مطرت السماء دما ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون).
وفي دمشق... دمشقنا هذه... تقف عقيلة أهل البيت السيدة زينب(ع) موقف البطولة في مواجهة الظلم والطغيان والتمادي على حقوق الإنسان في مجلس يزيد بن معاوية لتصيب منه مقتلا إنسانيا فيما تبقى فيه من مشاعر الإنسانية -إن وجدت- وتقول: (صدق الله سبحانه حيث يقول: ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون)، وتستطرد بقولها: (أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوق بنات رسول الله سبايا وقد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك... اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا، فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا يرحض عنك عارها وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد).
أما مكوثها في المدينة المنورة بعد طول صراع لم تكن استراحة المحارب بل استمرارية لثورة كانت شريكة الحسين بها... ثورة تعيد الفرع إلى الأصل... ثورة على التأويل غير الصحيح لآيات الله البينات ولأحكام الدين والصراط المستقيم. ثورة على الفساد والارتداد.. ثورة على التسلط وانتهاك حقوق الإنسانية والإنسان... ثورة على عدم الفهم والإفهام بأن من اجتهد واخطأ له أجر ومن اجتهد وأصاب فله أجران... ثورة على نكران وتجاهل وجود الآخرين والقبول بالرأي والرأي الأخر... دعوة إلى الإخوة والمحبة والتآخي... دعوة إلى التلاقي في سبيل حوار يجمعنا جميعا قول القائد الخالد حافظ الأسد: (إن كل فتوى تجمع المسلمين هي الفتوى التي نقبل ونرحب ونعمل، وكل فتوى تفرق المسلمين هي الفتوى التي نرفض ولانقبل)... دعوة إلى التوكيد أن الإسلام دين جهادي من أجل خير الإنسان والإنسانية، من أجل الكرامة والشرف الرفيع، من أجل تحرير الأوطان من كل رجس أجنبي، وما رأيناه في جنوب لبنان إنما هو بمدد من هذا الدين الجهادي الذي انتصرت به زينب.
وأما انتقالها إلى دمشق حيث تشرفت أرضها وأطيافها على احتواء جسدها الطاهر، فلتقدير منها أن في دمشق شعار ينادي بأن الحياة بدون ثبات على المبادئ والشيم ومكارم الأخلاق غير جديرة بأن تعاش، وأن الله يقيض لها من الأطهار والشرفاء والوطنيين من حين إلى حين أمثال الدكتور بشار الأسد كي تستمر بهم مسيرة الشرفاء... مسيرة الدين الجهادي... مسيرة الصمود والتصدي... لكل تهويل وصلف صهيوني.
رحمة الله عليك يا ابنة وأم وأخت الشهداء.
والشكر كل الشكر للدكتور عصام عباس على سهره وجهده لإحياء هذه الذكرى التي توحدنا في إيمان بتلك المرأة، والامتنان كل الامتنان لإصغائكم.
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
وفي
المهرجان الثالث عشر أيضا ألقى النائب المحامي زكريا مير علم من مدينة دمشق الكلمة
التالية : 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على رسوله الصادق الأمين وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار...
(وسلام على عباده الذين اصطفى) سورة النمل 27/59
(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) سورة الأعراف 7/157
(الذين يتبعون النور الذي انزل معه)، وهو القران الكريم، والذي وصفه مرسله تبارك وتعالى بأنه:
(إن هذا القران يهدي للتي هي أقوم) سورة الإسراء 17/9
وأنه(يهدي إلى الرشد) سورة الجن 72/2
السادة العلماء، السادة الضيوف، الإخوة الحضور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والسلام على سيدتنا ومولاتنا زينب العطر والطهر كريمة آل البيت وحفيدة نبينا محمد(ع) وابنة الأطيبين وشقيقة السبطين الحسن والحسين ومليكة قلوب المؤمنين وأم الصابرين وقدوة المتقين ورائدة الحرية والأحرار ورافعة لواء كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه العسف والظلم والطغيان.
إنه لمن دواعي سروري وغبطتي والشرف العظيم إن أشارك هذا العام بالمهرجان الولائي السنوي الذي يعقد بمناسبة ذكرى مولد السيدة زينب(ع) بهذه الكلمة التي خصني بها الدكتور عصام عباس بهذا المكان الطاهر المجاور لمرقد السيدة زينب صاحبة الذكرى، رغم أنني مازلت طالبا للعلم والثقافة ومكاني الصحيح هناك بين يدي العلماء الأفاضل، وأما في هذا المكان فإن مكاني هو خلف من سيتعاقبون على هذا المنبر الشريف. ولكنني ومع ذلك وتلبية لنداء الإيمان وإجابة لطاعة الله وطاعة رسوله والمحبة العظيمة للرسول الأعظم محمد(ص) وآل بيته الطاهرين أقف خطيبا بينكم وأستذكر معكم بعض النصوص الشرعية التي وردت في الوحيين الكتاب والسنة الشريفة في حق آل بيت النبوة:
ففي القران الكريم؛ فقد خص الله أهل بيت النبوة بكثير من الآيات الباهرة: منها آية التطهير: قال سبحانه وتعالى:(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) سورة الأحزاب 33/33 . وآية المباهلة: قال الله تعالى:(فمن حاجك من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكافرين) سورة آل عمران 3/61. وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في الخمسة الأطهار وهم محمد(ص) وعلي(ع) في قوله:(أنفسنا)، وفاطمة الزهراء في قوله تعالى:(ونساءنا) وفي الحسن والحسين في قوله(أبناءنا). وآية المودة في القربى:(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) سورة الشورى 42/23 ...
وفي السنة الشريفة فقد ورد:
قال رسول الله محمد(ص): - ألا إن مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.
وقال : - إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله و عترتي.
وقال: - أهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف في الدين.
وقال: - أنا مدينة العلم وعلي بابها.
وقال: - أنا دار الحكمة وعلي بابها.
وقال مخاطبا عليا(ع): - ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي؟.
وقال بفضل الحسن والحسين(ع):(اللهم أحببه وأحب من يحبه)،(اللهم إني أحبه فأحبه).
إذن ففضل أهل بيت النبوة عند الله عظيم جليل حتى إنه سبحانه وتعالى جعل الصلاة عليهم جزءا من الصلاة المفروضة على جميع عباده، وفي هذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
يا آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القران أنزله
كفاكم من عظيم الفضل أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
السادة العلماء... الإخوة الكرام...
إذا كانت هذه هي منزلة أهل بيت النبوة بمنهج الوحيين القرآن والسنة...
وإذا كانت عترة بيت النبي(ص) هي من جملة ما أوصى به أمته قبل وفاته...
وإذا كانت وصية النبي(ص) بأن أهل بيته أمانة لدينا بالمفهوم الديني والحقوقي للكلمة...
وإذا كان الإنسان الذي هو أعظم مخلوق في هذا الكون، يستمد عظمته من قبوله بحمل الأمانة التي عرضها الله عز وجل على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها بقوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) سورة الأحزاب 33/72 ...
وإذا كان الله تعالى قد حدد الأمانة بأنها من أبرز الصفات التي يتحلى بها المؤمنون بقوله: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) سورة المؤمنون 23/8 ...
وإذا كان الرسول(ص) قد قال بالحديث الشريف: (لا إيمان لمن لا أمانة له)...
فإنني أسأل وبلسان السيدة زينب حفيدة الرسول الأعظم(ص) كيف تسنى لهؤلاء الظلمة أن يفرطوا بآل بيت رسول الله ويفتكوا بهم وكم كانت دماء المسلمين رخيصة لديهم؟!
إن الحديث عن شخصية هذه السيدة العظيمة زينب(ع) سليلة شجرة النبوة ومعدن الرسالة كما وصفها شقيقها الإمام الحسن المجتبى(ع): (إنك حقا من شجرة النبوة ومن معدن الرسالة)، سواء في العبادة والدعوة والفقه واليقين والصبر والرضا والشكر، فيصعب حتى الإلمام بها وليس فقط الحديث عنها في هذا المقام.
ولكن يمكن الحديث عن ثلاثة مقامات تعد من المقامات العالية في الإيمان لديها، وهي الأسس القوية في تكامل الإنسان ومعراجه إلى الملأ الأعلى، ألا وهي الصبر والرضا والشكر، فإن الإنسان بعد مرحلة كمال الصبر يصل إلى مرحلة الرضا بما قضت به حكمة الله، وبعد مرحلة الرضا يصل إلى مقام الشكر.
إن المصائب الأليمة والمفجعة التي انهالت على زينب الشام(ع) بدءاً من ألم فراق جدها الأعظم(ص) ثم فراق أمها البتول فاطمة الزهراء(ع) ثم شهادة أبيها أمير المؤمنين(ع) ثم شهادة أخويها الحسن والحسين(ع) ثم الأسر والسبي والسير من بلد إلى بلد تتقدم محملها رؤوس الشهداء، كان من شأن مصيبة واحدة من هذه المصائب كلها أن تكفي لتشل قواها وتفقدها الصبر، ولكن صبرها كان في سبيل مرضاة الله، وإنها أرادت أن تكون مدرسة الصبر لنساء ورجال هذه الأمة... إنها بحق أم للصابرين على مر الدهور والأيام.
ولكن يبقى هناك الجانب الحضاري والإنساني في هوية وشخصية هذه السيدة العظيمة يتعين الحديث عنه من خلال خطبتيها في كربلاء والشام، ألا وهو فهمها ووعيها للحقوق الجوهرية لحياة الإنسان واللازمة لاستقامة نظام المجتمع والتي تتجلى في الحق والعدل والمساواة، لقد فهمت هذه الحقوق بأنها حقوق ذات قداسة لأنها مستمدة في الأساس من تشريع السماء وبالتحديد من قداسة النصوص التي شرعتها وهي القران والسنة النبوية.
لقد كانت ترى في رعاية هذه الحقوق والواجبات المشرعة والمقررة في أصول الإسلام على أنها نوع من التعبد لله عز وجل مع لزومها لضبط السلوك الاجتماعي وترشيد التعاملات البشرية وكفالة العدل والمساواة بين البشر وإطاعة لأوامر الله ونواهيه، وهي –في نفس الوقت- التزام بقيم العدالة والمساواة المأمور بها والمنهي عما ينقضها.
لقد قام النسق الحقوقي للفرد في الإسلام في واجباته، وإن فكرة ممارسة الحق هي واجب اجتماعي في الوقت ذاته، وإن حقوق الإنسان في الإسلام تبدأ بالعبودية لله وحده وإن المساواة بين الناس تتأكد كقيمة لتحقيق العدل من حيث أن صاحب الشرع الحاكم هو الإله المعبود من دون الخلق جميعا والناس إزاء ذلك جميعهم سواسية كأسنان المشط، حتى إن المساواة في الإسلام لم تقرر لذاتها بل لتحقيق العدالة بوصفها الهدف الأصيل من تقرير المساواة، وإن هذه الحقوق ليست لازمة للإنسان لكونه إنسانا فقط ولكنها لازمة كضرورة لإقامة نظام اجتماعي رشيد.
إن مبادئ حقوق الإنسان التي كرسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولى عام 1948 بأنه: (يولد جميع الناس أحرارا متساويين في الكرامة والحقوق...)، وقبل ذلك بإعلان الاستقلال الأمريكي وبالثورة الفرنسية قد جاءت متأخرة أكثر من ألف ومئتي عام على تلك المبادئ التي شرعها الإسلام والتي قرر أن أصل التساوي بين الناس جميعا حسب خلقهم الأول أي إلى وحدة المنشأ للناس كافة وليس للمؤمنين وحدهم وأن التفاضل يرد بعد ذلك من الفعل الإرادي للبشر وهي التقوى والتي هي جمع خاصتي العمل والإيمان والتعامل والسلوك فقد ورد بالقرآن الكريم: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء...) سورة النساء 4/ 1 ، وقال أيضا:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) الحجرات 49/13 ، والرسول(ص) يوصي الناس في خطبة الوداع بقوله: (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد... كلكم لآدم وآدم من تراب... ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى)، وقول عمر بن الخطاب المشهور: (بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).
إن غالب الحقوق العامة التي صاغها الفكر الغربي بحسبانها من حقوق الإنسان السياسية، نلحظ بأنها ترد في الشريعة الإسلامية على أنها من فروض الكفاية والتي لم يستطع الغرب أن يدرك هذه الفكرة بعد، ولم يدرك أيضا أن الحق عندنا هو واجب اجتماعي لانتا ننظر إلى الفرد في إطار وجوده الاجتماعي، وحق الفرد لا ينحصر في نطاق المزايا وإنما ضمن نظام وصلاحيات شرعية ووظائف اجتماعية.
وفي الختام:
أهنئ الجميع بعيد مولد السيدة زينب(ع) وأقول لهم كل عام وانتم بخير، وأستبيحكم العذر في الإطالة ولكنني أود أن اقرأ لكم هذه الأبيات الشعرية لقصيدة قالها الفرزدق يمدح فيها الإمام علي بن الحسين(ع) عندما همّ باستلام الحجر أثناء الطواف فتنحى له الناس هيبة وإجلالا خلافا لما حصل لهشام بن عبد الملك الذي نفى معرفته بالإمام عندما سأله احد أهل الشام لئلا يعظم في صدور الناس، فأنشد الفرزدق قائلا:
|
هذا
ابنُ خيـــــر عبادِ الله كلهِمُ مُشتقَّة من رسول اللّه نَبْعَتُهُ |
|
هذا النقيُّ التقيُ الطــــاهرُ العَلَمُ طابتْ عناصِرُه والخِيم
والشِّيَم |
وتسلم
درع النجمة المحمدية في المهرجان السابع عشر
وفي المهرجان الرابع عشر عام 2005م – 1426هـ
ألقى
النائب الأستاذ زهير عبد اللطيف غنوم من مدينة حمص الكلمة التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على كامل النبيين
والمرسلين، وبخصوصية على محمد وآله وأصحابه الميمونين.
وقد حاصرتنا اللجنة المنظمة كما نحاصر في مجلس الشعب بالزمن والوقت، فقد اختصرت
كثيرا ولم أقل في كلمتي استعراضا تاريخيا، وإنما أردت أن أبرز ميزات تلك السيدة
العظيمة الكبيرة النجمة المحمدية، هذه الميزات التي لعبت وما زالت تلعب دورا كبيرا
في بناء الإنسان وإصلاحه.
زينب ما فتئت أتخيلها تلك النسمة الرقراقة الصافية التي مرت على تسنيم تلألأ كضوء
القمر وتزهو كعين الشمس كما أودعها شجرة وارفة الظلال، ماتت وهي واقفة دون خوف ولا
وجل حيث ستلاقي ربها منضمة إلى الصف الأول ما بين الأنبياء والصديقين وآل بيتها
الكرام والصحابة الميمونين. وفي هذه الزينب العظيمة التي ولدت من حسب ونسب، كرم
الله هذا الحسب وهذا النسب حيث اصطفى رسول الله (ص) ليكرم الدنيا بأكملها بهذا
الرسول العظيم ويكرم من تبعه من آل بيته وأصحابه. وإن هذه الإنسانة العظيمة التي
نتحدث عنها الآن والتي قدر أن تعيش في فترة تعج بجلل الأحداث وأن تلعب دورا على
مسرح الدولة الإسلامية أقل ما نستطيع وصفه هنا بالدور الكبير ذو الشأن العظيم. فقد
اقترن اسم السيدة زينب (ع) بالتاريخ الإسلامي الإنساني بمأساة فاجعة (معركة كربلاء)
أخطر الحروب في التاريخ العربي والإسلامي والإنساني، وما زلنا حتى الآن نحصد عربا
وإسلاما ذيول تلك الحرب المدمرة والتي كانت أقسى وأعتى مما يتخيله عقل البشرية
بالحروب النووية، فلا يمكن في حرب نووية أن تحصد عائلة بكاملها عن سابق إصرار
وتصميم، يمكن للحرب النووية أن تحصد بلدا لكن بشكل عشوائي والذي يصنع هذه الحرب لا
يعرف هذا من ذلك. أما في كربلاء فكانت العملية مقصودة بآل بيت رسول الله فردا فردا
ومن ذاك الوقت زرعت الفتنة والبغض والحقد بين فئات المسلمين وهنا لو تخيلنا أن تلك
المعركة لم تحدث لرأينا أنفسنا اليوم صفا واحدا نجتمع على شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله فقط. وبهذا السياق إني أدعو الله عز وجل بأن يوحد صفنا وأن
يجعل كل ما مر بتاريخنا من أخطاء ونبذ وأحقاد غيوما زائلة كي نعود إلى الصف الواحد
الذي لا يمكن بدون هذا الصف أن يكون لنا الكيان المرموق والشأن الكبير الذي نستطيع
فيه العيش بكرامة الإسلام والمسلمين. وقد تميزت السيدة زينب (ع) بإيمانها الكبير
بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر ومن خلال هذا الإيمان برزت أخلاقها العالية التي
تشربتها من خلق رسول الله (ص) ومن أخلاق سيدة نساء الجنة الزهراء (ع) وأهم ما برز
في هذه الأخلاق العفة. هذه العفة التي تحتاجها الإنسانية الآن فلو كانت العفة
موجودة الآن بين بني البشر لما شاهدنا تلك الأمراض الاجتماعية والنفسية والجسدية
التي يعاني منها مجتمعنا الإنساني هذه الأيام، لكن أريد أن أعرج على أن عفة السيدة
(ع) عفة أهل البيت وطهارتهم.
من صفاتها أنها من أصحاب العلم والأدب فمنذ أن فتحت عينيها على الدنيا وجدت نفسها
في أحضان جدها الرسول الأعظم (ص) أبي العلم والعلماء إلى يوم الدين ثم ترعرعت وشبت
في بيت كرمه الله بالعلم بيت علي (ع) وهنا أذكر قول رسول الله (أنا مدينة العلم
وعلي بابها). الباب الذي تمر منه كل العلوم وقد كان علي أفصح الفصحاء وأخطب الخطباء
ورغم وصول البشرية إلى أحدث طرق التعلم من خلال الأتمتة والعلوم الحديثة وحتى الآن
لم يأت إلينا خطيب أو فصيح أو عالم كعلي، ومن لا يصدق فعليه بنهج البلاغة حيث الاسم
على المسمى.
ومن مواصفات تلك السيدة العظيمة الصبر، فقد نشأت حياتها على الصبر، تعلمت الصبر مع
أسنانها اللبنية حيث توفي الرسول الأعظم وعمرها خمس سنوات وكانت مولعة به ومولعا
بها وقد شعر من حولها أنها حزنت حزن الكبار وصبرت كصبرهم وتوالت على حياتها الأحزان
لا تعلم من أين يأتيها الحزن حيث توفيت الزهراء (ع) والدتها سيدة نساء الجنة وكانت
من الصابرات إضافة إلى أنها وهي صغيرة تحملت مسؤوليات البيت ومسؤولية إخوتها وأبيها
(ع) وصارت المعارك التي اختلقت على والدها علي (ع) وكل يوم خبر وكل يوم معركة إلى
أن قتل أبوها أمير المؤمنين، حبيب رسول الله، فتى الإسلام. أليست هذه الأحداث تدعوك
للذهول والتعجب في تحمل كل ذلك وما هي إلا سيدة في ريعان شبابها. أدركت بقرارة
نفسها وروحها أن الصبر هو العنوان العريض الذي نستطيع أن تتمسك به من أجل استمرارها
واستمرار إخوتها وأولاد إخوتها وأولادها هي أيضا حيث تزوجت من عبدالله بن جعفر ابن
عمها. ثم بعد أن قتل علي لم تهدأ الأمور فكان معاوية يريد التخلص من أخيها الحسن
وهنا برزت صفة أخرى للسيدة زينب (ع) وهي صفة العقل فقد كانت عاقلة بل حكيمة أيضا،
فكثيرا ما حاولت مع أخيها الحسن كي لا يصطدم مع جماعة معاوية حيث أن معاوية كان همه
أن لا يطالب الحسن بالخلافة، ويقال أنها لعبت دورا في إقناع الحسن بالابتعاد عن
النار المشتعلة وعلى إثرها أقام في المدينة المنورة ثمان سنوات، حتى بلغت الفتنة
قلب زوجته التي دست سم الغدر والخيانة في جوف المجتبى المطهر، الذي لم يسلم جسده
الطاهر من سهام الحقد التي أصابت جنازته، ومنعت أهله وأصحابه من دفنه إلى جانب جده
الرسول الأعظم، عندها أقنعت السيدة زينب أهله بدفنه بالبقيع إلى جانب والدته
الزهراء كي لا تتفاقم الأمور وتشتد الفتنة، فقد كانت حكيمة في كل تصرفاتها ثم رحل
سيدنا الحسن إلى مكة حيث علم أن معاوية جند عددا من الرجال للتخلص منه ولم تستطع
زينب إلا أن لحقت بأخيها الذي ذهب ليقيم بمكة وكان القرار الصعب بعد أربعة أشهر
وعلى ما يبدو أنه قد تم الاتفاق ما بين السيدة زينب وأخيها الحسن للذهاب إلى العراق
ذلك بناء على مراسلات مع مسلم بن عقيل سفير الحسين إلى العراق وإقناعه بأن أهل
الكوفة ينتظرون سيدنا الحسين وآل بيته لكي يستعيدوا حقهم المسلوب في الخلافة وفي
إبعاد المستهترين بالإسلام والمسلمين آنذاك زياد بن أبيه ويزيد بن معاوية الذي تولى
الخلافة بعد موت والده معاوية. ويرون في السير أن سيدنا الحسين رأى جده الرسول في
المنام وقد أخبره بكل ما سيحدث ومن خلال المعطيات التاريخية بأن سيدنا الحسين ترجم
هذه الرؤية للسيدة زينب وذهبا مع عيالهما إلى العراق وهما على إطلاع بما سيحدث لكن
أمر الله على ما يبدو بهدف إبراز الكافر من المؤمن كان هو الدافع الذي ارتضيا به
ولو كان على حساب حياتهم الطاهرة وحياة أولادهم الزكية، وفعلا تم الأمر وبينما وصل
سيدنا الحسين والسيدة زينب إلى العراق حتى شاهدا أن أهل الكوفة انقلبوا على عهودهم
لمسلم وكان ما كان من فاجعة كبرى في كربلاء التي ما زالت حزينة تحمل دماء أهل البيت
بترابها الذي بقي وصمة عار وسيبقى إلى يوم القيامة والدين في جبين أولئك الذين
فعلوا فعلتهم ليس مع أهل البيت وحسب إنما الفعلة كانت مع الله ورسالته السماوية
العظيمة التي ختم الله فيها رسالاته إلى آخر رسول وأعظم رسول في الدنيا محمد (ص).
وبعد الجريمة الكبرى في قتل أحفاد رسول الله قام أولئك المعتدون بسبي نساء آل بيت
الرسول، ولم يكن بقي من الذكور إلا علي زين العابدين وكان مريضا وكانت على رأس
السبايا السيدة زينب التي كانت تلعب دور الأب والأم وتحن على هذه وتضمد جراح تلك ثم
اقتيدوا بعدها إلى الكوفة ومن ثم إلى دمشق ليقفوا بين يدي الطاغية يزيد ليرى بنفسه
ما اقترفت يداه حيث دنس نفسه بالجريمة التي سفك فيها دماء رسول الله التي جرت في
عروق أحفاده، فلذات كبده وقد برزت ناحية كبيرة هي الصمود أمام المآسي والأحزان
وأمام تلك الأهوال الكبيرة والعظيمة ثم برزت ناحية أخرى اضطرت السيدة لإبرازها وهي
الخطابة بالناس من أجل إبراز الحقيقة ولو لم تحدث تلك الأحداث لما استطاع الناس
سماع صوت تلك الشفافة صاحبة الأخلاق والعفة. هكذا أيها الأخوة ومن خلال هذا العرض
الذي يمكن أن يكتب في تفاصيله أكثر مما كتب الكتاب والمؤرخون عن تلك الحياة التي
عاشتها السيدة زينب (ع) سيدة نساء العالمين فقد برزت الصفات الكبرى وهي: الأخلاق
العالية- العفة- الصبر- العقل- الحكمة- السياسة الكبرى.
فنحن الآن أحوج للأخلاق التي تحلت بها تلك السيدة العظيمة، الأخلاق التي اكتسبتها
من بيت رسول الله وكانت جامعة شاملة لكل الرسائل التي نزلت على النبيين والرسل
والتي أتت كلها لتدعو للأخلاق الكريمة والتعامل الأمثل بين بني البشر وكانت السيدة
زينب (ع) في حياتها تمثل كل تلك الأخلاق الفاضلة. والعفة التي برزت بصفات السيدة
متميزة بطهارتها المستمدة من طهارة أهل بيتها وقد أوردت سابقا بأننا الآن أحوج إلى
هذه العفة التي تعني الكثير. العفة عن كل شيء خاطئ حتى نحفظ أنفسنا في الدنيا
والآخرة، وأما عن الصبر فقد بنيت استمرارية حياتها عليه وهذا موضع العبرة لنا
لنطبقه في حياتنا، وهو ما يستعين به أسرانا في فلسطين والعراق وسجون العالم من أجل
الاستمرار في الحياة.
وأما عقل السيدة الكبيرة وحكمتها فهو السر وراء كونها الناصحة لأخويها في حياتهم
والجامعة لشمل الأسرة من بعدهم. وفي السياسة فقد برزت من خلال جانبين مهمين: الأول
حين اضطرت للمثول أمام زياد ويزيد مجرمي الحرب بعرف هذه الأيام، والجانب الآخر
عندما بدأت توضح للناس الحقائق، ولولا هذا الشرح والخطب التي ألقتها في حياتها لما
وصلت إلينا الصورة الحقيقية، عما حدث مع أهل البيت الطاهرين.
وهكذا أيها الإخوة: فإن ما أوردناه هو جزء من منهجية السيدة العظيمة زينب (ع)، وإنه
نهج كبير وكبير جدا نتعلم الدنيا من خلاله، كما إنه عبارة عن ركائز أساسية تتلخص في
الحق والصدق والأخلاق والعقل والسياسة والحكمة. ولو استطاع أي إنسان أو أي مجتمع
جمع كل هذه الركائز لبنيت الأمة بأكملها على أحسن وجه. والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
وتسلم
درع النجمة المحمدية في المهرجان السابع عشر

وفي
المهرجان الرابع عشر أيضا ألقى النائب إبراهيم عباس من مدينة السلمية الكلمة
التالية 
بسم الله الرحمن الرحيم
أيتها الأخوات والإخوة الحضور...
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد عليه الصلاة والسلام، وآله الطاهرين.
نحتفل اليوم بمولد العقيلة زينب، زينب الكبرى الحوراء أم كلثوم، خريجة مدرسة أبيها الإمام علي أمير المؤمنين كرم الله وجهه.
تربت في بيت الحكمة، وتحلت بالمزايا العاطرة. أخذت طفولتها من بيت الكرم والعلم والفضيلة، فكانت كالزنبقة الناصعة تحت القطرة الهاطلة، فنمت في هذا البيت الكريم، بيت الشرف والورع وقوة الإيمان وصلابة العقيدة.
السيدة زينب الكبرى إذ لها أشرف نسب وأسمى حسب وأكمل نفس وأطهر قلب، فهي عقيلة الوحي وربيبة بيت النبوة وريحانة الإمام علي وشقيقة شبليه الحسن والحسين (ع)، وهي رمز الحق ورمز الجهاد في سبيل الله ورمز الاحتفاظ بالمبدأ والعقيدة ورمز الشجاعة والبلاغة، وهي مثال الزهد والورع والعلم والعفاف والشهامة، فالعقيلة الطاهرة منار تهتدي به النفوس لتتحلى بالأخلاق الفاضلة.
السيدة زينب الكبرى حفيدة الرسول (ص) هي أول سيدة في دنيا الإسلام، صنعت التاريخ، وأقامت صروح الحق والعدل، ونسفت قلاع الظلم والجور، وسجلت في مواقفها المشرفة، شرفا للإسلام وعزا للمسلمين على امتداد التاريخ.
لقد أقامت سيدة النساء صروح النهضة الفكرية، ونشرت الوعي السياسي والديني في وقت تلبدت فيه أفكار الجماهير وانحدرت.
لقد ورثت العقيلة من جدها الرسول (ص) ومن أبيها الإمام علي أمير المؤمنين (ع) جميع ما امتازا به من المثل الكريمة، والذي كان من أبرزها الإيمان العميق بالله تعالى.
وقد روى المؤرخون عن إيمانها صورا مذهلة، كان منها أنها صلّت ليلة الحادي عشر من المحرم، وهي أقسى ليلة في تاريخ الإسلام، صلاة الشكر لله تعالى على هذه الكارثة الكبرى التي حلت بهم والتي فيها خدمة للإسلام ورفع لكلمة التوحيد.
وكان من عظيم إيمانها وإنابتها إلى الله تعالى أنها في اليوم العاشر من المحرم وقفت على جثمان أخيها، وقد مزقته سيوف الغدر والكفر ومثلت به، فقالت كلمتها المشهورة الخالدة التي دارت مع الفلك وارتسمت فيه: (اللهم تقبل هذا القربان، وأثبه على عمله). إن هذا الإيمان هو الباقي وهو الخالد إلى يوم الدين، وليس في العالم الإسلامي من يستطيع أن يقول كلمة الحق ويغير مجرى التاريخ غير سبط رسول الله (ص) وريحانته ووارث مثله الإمام الحسين (ع) ففجر ثورته الكبرى التي أعز الله بها الإسلام وجعلها عبرة لألي الألباب تمد المسلمين على امتداد التاريخ بالعزة والكرامة، والتمرد على الظلم، ومصارعة الطغاة، ومناجزة المستبدين.
لقد كانت ثورة الإمام الحسين (ع) من أهم الثورات الإسلامية التي عرفها التاريخ الإسلامي، لقد هزت الضمير العالمي وذلك بصورها المروعة ومآسيها الخالدة في دنيا الأحزان، كما أنها تحمل عطاء فكريا ودروسا مشرفة لجميع شعوب العالم لإنقاذها من ويلات الاستعمار والاستعباد، وستبقى حية مشرقة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ساهمت حفيدة الرسول (ص) السيدة زينب (ع) في الثورة الحسينية وشاركت في جميع ملامحها وفصولها، مشاركة إيجابية وفاعلة، فقد وقفت إلى جانب شقيقها في أول مرحلة من مراحل جهاده وهي على علم لا تخامره أدنى شك في شهادته، وما يجري عليه وعليها من صنوف الكوارث والخطوب. أخبرها بذلك أبوها الإمام أمير المؤمنين باب مدينة العلم كما أسر إليها بذلك أخوها الإمام الحسين (ع) فانطلقت سلام الله عليها بإرادة وعزم وتصميم إلى مساندة أخيها ومشاركته في ثورته الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ وأمدّت العالم الإسلامي بجميع عوامل النهوض والارتقاء.
لقد آمنت حفيدة الرسول (ص) بثورة أخيها أبي الأحرار، وجاهدت جهادا لم يعرف التاريخ مثله في مرارته وأحزانه، وتبنت جميع مخططات الثورة وأهدافها، وهي التي أبرزت قيمها الأصيلة في خطبها التاريخية في أروقة الحكم الظالم، فبلورت الرأي العام، وأوجدت وعيا أصيلا كانت من نتائجه الثورات الشعبية المتلاحقة التي أطاحت بالحكم والظلام، فالحسين وزينب مدرسة التقوى في الكون كله أساسا ومنهجا ومسيرة. من هنا أنشأ الحسين ثقافة التضحية والمقاومة، وأنشأت زينب ثقافة الصبر والحكمة، بأداء مميز وفريد، فأخذ منهما العالم كله كيف تبني الأمم عزتها وكرامتها وحريتها واستقلالها وديمقراطيتها من أسس هذه المدرسة الكونية المرجعية الإلهية المستمرة دائما، التي انتشر تأثيرها إلى باقي الأمم، فهذا غاندي يقول: (تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر). إن أعظم خدمة تؤدى للأمة وأكثر فائدة عليها، هي إبراز القيم الفاضلة والمثل العليا لأهل البيت (ع) وإشاعة فضائلهم ومآثرهم بين الناس، فإن لها التأثير المباشر في نشر الفضيلة، وتهذيب الأخلاق وتنمية السلوك نحو الأفضل، فإنهم سلام الله عليهم أشعة من نور الله في كلامهم وسيرتهم وسلوكهم، وهم سفن نجاة هذه الأمة. إن حياة أهل البيت مدرسة من مدارس التقوى والإيمان والجهاد والكفاح، فقد وهبوا حياتهم لله تعالى وأخلصوا كأعظم ما يكون الإخلاص له. ومن بين أهل البيت الذين رفعوا كلمة الله عاليا في الأرض سيدة النساء زينب، فهي أول سيدة مجاهدة في الإسلام. إن السيدة زينب (ع) بمواقفها البطولية وكفاحها المشرِّف ضد الظلم والطغيان، يجب أن تكون قدوة لجميع السيدات من المسلمين.
في الختام أرجو أن أكون قد قدمت في كلمة موجزة عن حفيدة النبي (ص) بعض فروض المحبة والولاء لأهل بيت النبوة، الذين فرض الله مودتهم في كتابه الكريم بقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) صدق الله العظيم، والسلام عليكم.
في المهرجان الخامس عشر عام 2006م – 1427هـ
ألقى
النائب الأستاذ الدكتور جورج جبور من مدينة مصياف الكلمة التالية
السلام عليكم ورحمة الله
كانت سعادتي بالغة حين اتصل بي الدكتور عصام وسألني أن أتحدث في هذا المهرجان وعدت إلى الكتب عن السيدة زينب وكنت قد قرأت عن السيدة وعن سيدات بيت النبوة بفترات سابقة فعادت إلي تلك العظمة التي كانت بها السيدة زينب وتصديها لما جرى في كربلاء ولما قامت به في سنتين تقل قليلا ً أو تكثر قليلا ً من أجل تخليد ذكرى سيد شهداء أهل الجنة
سئلت أن أتحدث في موضوع عنوانه دور المؤسسات الثقافية والتربوية والإعلامية السورية في طرح الفكر والمنهج والخطاب الزينبي البناء الهادف وفي الحقيقة لم يتيسر لي أن أضع أفكارا ً على الورق لكنني وضعت خطة بحث أرجو أن أملأها في وقت مناسب
خطة البحث : مقدمة ثم ما هو المنهج والفكر والخطاب الزينبي البناء الهادف ثم ما هو دور المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية السورية ثم ملاحظات ختامية
في المقدمة لا أدري لماذا خطرت إلى ذهني كلمات قالها الدكتور صادق العظم أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق لسنوات طويلة في محاضرة للمنتدى الاجتماعي في دمشق ... قال الدكتور صادق العظم : أنه يود أن يقتدي بشخص متواضع إذ سألت قداسة البابا أن يتقدم بمناسبة الذكرى 900 لإعلان حروب الفرنجة بشرح أقرب إلى الاعتذار لأحفاد ضحايا تلك الحروب
قال الدكتور صادق العظم لعلنا نعيد النظر فيما جرى في كربلاء فيتقدم أهل السنة بنوع من الاعتذار لأهل الشيعة بل للإنسانية عامة عما جرى في كربلاء
في عالمنا اليوم نظرات إلى الماضي تعيد النظر في المظاهر التاريخية ترى ماذا يمكن أن يستفاد منها وهذا أمر من المفيد أن نضعه في جدول أعمالنا
من المفيد أن ننظر إليه بدقة من المفيد أن ننظر في جنوب إفريقيا حين جرى انهيار النظام الفصلي العنصري بكلمة اعتذار قالها رئيس وزراء جنوب إفريقيا الأبيض وتعلمون أنه في منطقتنا من العالم نعاني من موضوع التميز العنصري الذي تمارسه إسرائيل وتعلمون أن قرار محكمة العدل الدولية عن جدار الفصل العنصري ما يزال ينتظر قدراتنا لكي نطبقه لكي نعلنه ، لكي نعرف به وتعلمون أيضا ً أن رابطة الأستاذة البريطانيين بمقاطعة أكاديميا إسرائيل لأن هذه الرابطة قالت في بيان لها أن إسرائيل دولة تميز عنصري ولقد اعتبر البعض أن هذا القرار إحياء للقرار الذي لم نعتني به القرار 3970 الذي صدر عام 1975 ولم نعتني به عناية كافية فألغي عام 1991 قبيل مؤتمر مدريد إذا ً علينا أن ننظر إلى التاريخ و إلى كيف يمكن أن نستفيد من التاريخ في بناء المستقبل تلك هي المقدمة .
آتي إلى الخطاب الزينبي البناء الهادف ما هي صفات هذا الخطاب
السيدة زينب ع تحدثت في الكوفة وتحدثت في مجلس يزيد وكان حديثها دائما ً معتمدا ًعلى المقدسات الإسلامية عن التاريخ الإسلامي لكي ينفذ إلى القلب مباشرة خاطبت يزيد : يا ابن الطلقاء !! إشارة إلى الحادثة الشهيرة ،
والخطاب كان يعتمد على الصراحة والجرأة في الحق ليس هناك مهادنة في قول الحقيقة أمام المتلونين المزيفين الذين يريدون تزويرها لكن هناك شيء يجب أن نهتم له في الخطاب الزينبي بالاعتماد على الجو المحيط بالحاكم الظالم ففي خطاب السيدة زينب حيث تشعر أنها تستطيع أن تؤثر في هذا الجو لما كان نجح خطابها هناك إذا ً موازنة دقيقة بين حكمة الإحجام وشجاعة الإقدام وكانت الشجاعة هي التي دفعتها إلى الانتصار
دراسة ظروف القول والعمل والاستفادة مما تتيح هذه الدراسة ذلك أمر يجب أن نهتم له في نجاح الخطاب الزينبي ذلك النجاح يكمن في التعامل مع الظالم دون استجلاب رغبته القاتلة ودون تنازل عن المبادئ تلك نقطة هامة في الخطاب الزينبي
ما هو دور المؤسسات الثقافية والإعلامية والتربوية في سورية في موضوع الخطاب الزينبي : أسأل أولا ً هل الخطاب الزينبي هو زينبي فقط أم هو شيعي أم هو إسلامي أم هو إنساني هو حقيقة خطاب يجمع كل ذلك هو نشأ من السيدة زينب لكننا نجد صداه في الإعلام العالمي لحقوق الإنسان
نجد صداه في كل صرخة حق في كل صرخة عدل تطلق في العالم إذا ً ما هو دور المؤسسات الثقافية والتربوية والإعلامية السورية في هذا المجال الدور واضح جدا ً أن نبشر بثقافة الثورة ضد الظلم أن نبشر بثقافة العدل أن نبشر بثقافة حقوق الإنسان
تحدث البعض ممن سبقني في هذه الندوة عن أمور راهنة وأنا أحب أن أقول أنني مع هذا الأمر الراهن منذ ثلاثين سنة في عام 1975 بدأت أحداث في لبنان وتلك الأحداث تضفي بظلالها علينا اليوم ليس في لبنان فقط وإنما في مناطق أخرى من وطننا العربي فكيف نتعامل مع ما يراد منا ونحن في ثقافة قومية واحدة يراد لها أن تتحلل في ثقافات محلية عدة في عام 1976 بالمركز الثقافي بأبي رمانة ألقيت محاضرة بعنوان الثقافة القومية والثقافات المحلية تناقض أم انسجام ونشرت هذه المحاضرة مرات وأخر مرة في معهد البحوث العربية بوزارة معهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة عام 1977 قلت آنذاك وأحب أن أستعيد ما قلته آنذاك منذ ثلاثين سنة
علينا من أجل صيانة ثقافتنا القومية من ثورة الثقافات المحلية المتناقضة معها أن نقوم بجهد واع منسجم مع موقف التطور لزيادة تمازج الثقافات المحلية هذا يتضمن اجتثاث الفروع الراهنة للخلافات الماضية التي لم تعد لها مبرراتها وهذا يتضمن أيضا ً إخراج الثقافات المحلية من ضيقها لا سيما منهم ما فا ت من وقت مبرراته أو التجاهل المتعمد للتحديد العلمي المستنير ونقلها إلى تحديد واعي ينسجم مع الثقافة القومية العامة
في أيامنا هذه: قلبنا على العراق ، قلبنا على لبنان ، قلبنا على فلسطين ، سلاحنا في المواجهة ، ثقافتنا القومية وحدتنا الوطنية ابتعادنا عن ثقافات محلية تشتت لا سيما في وضع يريد لنا فيه أعدائنا أن نكون في صراع حضارات وأن نكون ضحية صراع تلك الحضارات ، تلك كلمات أحببت أن أقولها بهذه المناسبة التي سعدت أني دعيت إليها وشاركت بها .....
وأود أن أقول أنه بعد أسبوع في هذا المكان ستعقد محاضرة لقاء مع البروفسور ستيفن سايزر القس في كنيسة فرجينيا ورئيس جمعية الإنجيل البريطانية الدولية المهم علينا أن نهتم بصراع الحضارات وحواراتها وأن ننطلق إلى دائرة أوسع فثمة دوائر في الغرب تود أن تقوم بتفسيرات عن الكتب المقدسة كي لا يلغى حقنا فلنتمسك بالثقافات وبالعدل والحرية والمثل العليا ونقدسها وهي تعلي من شأننا
وشكرا ًلكم .
وفي
المهرجان السابع عشر عام 2008م – 1429هـ ألقى أيضا الكلمة التالية :
أيها الإخوة الكرام:
للصديق العزيز الدكتور عصام عباس تحية شكر لدعوتي مجدداً إلى التحدث في هذا المهرجان الوارف. وله معها تحية إعجاب لمثابرة لها شأنها في ترسيخ قيم إسلامية، وهي قيم المسيحية، وهي قيم الإنسان.
وللأخ الكريم الدكتور رياض نعسان آغا، وزير الثقافة، تحية شكر لرعاية المهرجان. وله معها تحية تقدير لاهتمامه بمشروع حفاوةٍ بحلف الفضول، سألني وضعه خلال حديث معه في مكتبه يوم 7/4/2008، ومن المنتظر أن يتم تنفيذه ضمن موسم معرض الكتاب السنوي الذي تقيمه مكتبة الأسد بعد بضعة أشهر. وأذكر هنا أن أدبيات الأمم المتحدة ذكرت – هذا العام ولأول مرة في تاريخها – ذكرت حلف الفضول مرجعية في حقوق الإنسان. وعلى كل معني بتراث العرب والمسلمين أن يفتخر بهذا الإنجاز العالمي، وأن يحتفي به، وأن يعمل على تعميقه.
في كلمتي اليوم، ونحن والعالم نهتم بالذكرى الستين لحدثين مفصليين في حياتنا: ذكرى النكبة، وذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في كلمتي اليوم أحب أن أقف – باختصار والأمر يستحق المطولات – عند نقاط أربع كما يلي:
1ً- ما مفهوم أهل البيت ؟
2ً- ما ثقافة أهل البيت ؟
3ً- ما مكان ثقافة أهل البيت في عاصمة الثقافة العربية ؟
4ً- ما مدى قدرتنا على احترام الإنسان من خلال مبدأي التناظر في الخلق وإقامة العدل؟
وعندي، في النقطة الأولى، أن مفهوم أهل البيت لا يقتصر على من هم من ذرية الرسول العربي الكريم وابنته الزهراء والإمام أمير المؤمنين الذين طهرهم الله تطهيراً. سليمان منهم. ومنهم – عندي – كل إنسانٍ وفيٍّ لإنسانيته، إذ لا يصح أن يستثنى من أهل البيت أي ملتزم بالقيم الإنسانية العليا. كل من كان على خلق قويم هو، عندي، سيد من سادة أهل البيت.
أما ثقافة أهل البيت، وهذه هي النقطة الثانية، فهي المشاركة في الالتزام بالقيم الإنسانية العليا التي جاء بها القرآن الكريم وجاءت بها السنة النبوية الشريفة، وجمعها – أي القيم _ الشريف الرضي في نهج البلاغة. وكلها قيم منسجمة مع المسيحية ومع ما أوحى الله به إلى موسى والنبيين. وهي ذاتها القيم التي استنبطها من تراثنا ومن تراث الإنسانية صائغو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وما تبعه من وثائق يعلو شأنها يوماً بعد يوم، وكأنها تأتي إعمالاً للآية الكريمة: "ولقد كرمنا بني آدم".
آتي إلى النقطة الثالثة وهي مكان ثقافة آهل البيت في عاصمة الثقافة العربية. في دمشق مكان جغرافي لثقافة أهل البيت. مقاما السيدتين زينب ورقية يخصان هذا المكان الجغرافي. في دمشق أيضاً مكان معنوي لثقافة أهل البيت. في دمشق كانت ثورة غيلان الدمشقي ونداؤه بشأن متاع الظلمة. وقبله كانت إشراقة الحقيقة على شاؤول الذي أصبح بولص فنشر من دمشق دين المحبة. وبعده كان الفارابي ومدينته الفاضلة. في دمشق حشد من الذين اعتمدوا ثقافة أهل البيت في مختلف العصور. أليس أن دمشق، كما قال الرئيس بشار الأسد، "تأخذ خيوط النور من أي شمس كانت، ثم تغزلها في نولها الخاص، لتعيدها إلى العالم بساطاً دمشقياً مزركشاً بقيم التسامح والإخاء والمحبة"؟. وفي دمشق الآن جذوة ثقافة أهل البيت وجوهرها التمسك بالحق. تفصلنا أيام عن ذكرى النكبة الكبرى، نكبة فلسطين، بل نكبة الإنسانية في فلسطين. فلتكن وقفتنا اليوم تحية لمبدأي التناظر في الخلق وإقامة العدل.
وأختم بالنقطة الرابعة، وقد صغتها متسائلاً عن مدى قدرتنا على احترام الإنسان من خلال مبدأي التناظر في الخلق وإقامة العدل. شعار الأمم المتحدة في عامنا هذا، عام الذكرى الستين لصدور الإعلان العالمي هو كما يلي: "الكرامة والعدالة لنا جميعاً". كل إنسان في هذا العالم إنما هو – كما علمنا الإمام أمير المؤمنين كرم الله وجهه – نظير لك في الخلق. فلا تكن عليه سبعاً ضارياً بل احفظ كرامته. وكن مع كل مظلوم سواء كان من مكة أو ممن دخلها من سائر الناس، أي أقم العدالة. هلّلا تعهدنا إذن معهداً لثقافة أهل البيت، معهداً للكرامة وللعدل، في عاصمة الثقافة العربية، تمتد جذوره من مكة حلف الفضول، وتنتشر فروعه على هيئة حلف فضول عالمي هو مثابة تحفظ كرامة بني آدم جميعاً وتقيم بينهم العدل؟
ومرة ثانية أوجه التحية إلى منظم هذا المهرجان وإلى راعيه، وإليكم أيها الإخوة الكرام. والسلام عليكم و لكم ولكل بني الإنسان.
وقدم
له درع النجمة المحمدية في المهرجان السابع عشر

تسلمه نيابة عنه نائب مدير المركز الثقافي العربي بالمزة نظرا لإصابة الدكتور جبور بوعكة صحية في اليوم الثاني للمهرجان وتعذر عليه الحضور ..
والدكتور جورج جبور هو أحذ أعضاء الهيئة الاستشارية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية