حلقات ثقافية أكتبها من ذاكرة المهرجانات الولائية المؤرشفة

الحلقة الحادية عشر    مسيحيوا سورية وكنائسها  -  الجزء الأول

لم ينحصر نشر فكر أهل البيت عليهم السلام الذي تمثل بالحركة الإصلاحية الحسينية الزينبية والذي أشرفت عليه السيدة زينب عليها السلام والذي أخذت مؤسسة بيت النجمة المحمدية على عاتقها نشر هذا الفكر وهذه الثقافة التي غايتها بناء الإنسان وإصلاح الذات والمجتمع والنظام العام ،

لم ينحصر على المسلمين وحدهم أو دين معين أو طائفة بعينها ، بل جالت المؤسسة على كل أطياف المجتمع

فكانت الكنيسة ورجل الدين المسيحي والمثقف المسيحي محطات هامة ولوحة مشرقة في نشاط المؤسسة منذ اللحظات الأولى لانطلاقة هذا النشر وهذه التظاهرة الثقافية الفكرية الحضارية ...

لربما كانت الكنيسة الإنجيلية في محردة أولى الكنائس ، وكان رجل الدين المسيحي القس معن بيطار أو الرجال

ولكن هناك من المتمرسين والخبراء الذين شاركوا بثقافتهم وانصهارهم في إنسانية أهل البيت عليهم السلام وفكرهم وثقافتهم البناءة فكان المثقف الأرمني الدكتور أواديس استانبوليان حركة دؤوبة تحدت الصعاب الكبيرة وحتى الأسروية منها ،

فكان أواديس من مدرسة عرفانية تذوّق فيها الحب الإلهي والدرس العرفاني والفقه الحضاري بمدرسة قلّ نظيرها في المجتمعات العربية ،

مدرسة ضمت المسلم إلى جوار المسيحي إلى جوار العلماني لكنهم اجتمعوا على فكر واحد وتتلمذوا على منهج واحد ، ولربما قد خرج منها من لم تدركه الرحمة فكاد أن لا يستوعب العمل وهذا أمر بديهي  في منهجيات المدارس ...  لكن أواديس استانبوليان بقي يتحدى بحماسته وإيمانه كل الصعاب وذلّلها وتجاوزها وبقي يحمل شفاء ًإيمانيا ،

حقا قلّ نظيره من تلك المدرسة ، فقد حصلتُ على هذه الجوهرة التي انضمت إلى عمل مؤسسة بيت النجمة المحمدية – السيدة زينب عليها السلام فاستحق أن يكون عضوا في الهيئة الاستشارية للمؤسسة بكل جدارة ،

لأنه مضغ الإيمان واستوعب الحقيقة من خلال المدرسة التي تتلمذ فيها ألا وهي مدرسة العرفان وحب أهل البيت وحضارة الرسالات السماوية والتي فُسِّر فيها القران تفسيرا تربويا إلى جانب شرح عصري لنهج البلاغة إلى جانب المئات من كتب المعرفة والثقافة والعلم .. إنها مدرسة الأستاذ الدكتور أسعد علي العارف بالله – مرشد الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية – رئيس مجمع البلاغة العالمي..   فانخرط أواديس استانبوليان إلى كل تحرك تلتزم فيه مدرسته  ،

وما التظاهرة الثقافية الحضارية التي تبنتها ورفعت لواءها مؤسسة بيت النجمة المحمدية إلا واحدة من النشاطات الفريدة التي تؤازرها مدرسة أسعد علي العرفانية وكان  أواديس استانبوليان المثقف الارمني الذي لم ولن أسمع له لغة خلال العقدين من الزمن إلا بلغته القرآنية وأسلوبه الحضاري وطرحه المعرفي ،

وليت من يقرأ ويسمع ليراه كما رأيته عندما يتمسك بضريح السيدة زينب عليها السلام ويشم العطر التي تفوح من هذا الضريح المقدس ، 

ولا أدري ولم يخبرني من قبل عن انجذابه بمشاعره وأحاسيسه كيف يلتصق بهذا الضريح ، وانتظرته ذات مرة لأرى كيف ينفك من هذا الالتصاق لان الزيارة انتهت ويروم الناس لإغلاق المقام فاقتربتُ منه  وهمستُ بإذنه " أسألك الدعاء يا أبا زين "

فابتعد بوجهه قليلا عن الضريح وابتسم بوجهي فقال " الله يتئبل منا" وكلمة يتئبل معناها : يتقبل ...

أكثر من عشر مشاركات في المهرجان الولائي لأواديس استانبوليان لا يمكنني أن اذكرها جميعها ولكني اخترتُ بعضها ليستمتع القارئ بكلام

الارمني الإنسان   " أواديس استانبوليان "

ففي المهرجان العاشر عام 2001م – 1422هـ

كانت له مشاركتان : الأولى في حسينية الزهراء

باسم الله المبدئ المعيد

[قال عيسى بن مريم : اللهم ربنا أنزلْ علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين] .
كهيعص كفاية، حم عسق حماية، يا مقدر الأقدار ويا معلم الأسرار ويا غياث المستغيثين افتح بحنين موائد الأعياد المعيدة لذكرى الروح.
البشرية تروح وتجيء، وبشارة الروح دائمة الشروق، تشرق كالشمس على الرمل والماء معاً، تشفُّ الماء لتلحق بأشعة الشمس الدافئة، فسرعان ما تنسجم مع برد السماء لتعود واهبة الحياة للرمل، ومولد زينب (ع) عيد مائدة ممتدة من السماء إلى الأرض تسابق أشعة الشمس بالخيرات مانحةً أنفسَ الأنامِ إلهامَ التقوى، فمن يفلح في إزكائها؟
كوفئ أيتام آل محمد (ص) من كانوا برفقة زينب (ع) بمائدة من السماء عندما منع عنهم الطعام على مضارب الكوفة، ليلةٌ من ليالي القدر ، تتنزل عليهم الملائكة والروح القدس بأمر الله ، لتتفجر مع كل فجر ينابيع القدس في أجيال أبناء الحسين (ع)، بالفرقان اتحدوا، وبالفرقان ميزوا الأقوام، منها من هاجر مع الرسول من أجل الرسالة السماوية السامية، ومنها من اتخذوها مهجوراً من أجل الجاهلية.
أُخيَّةُ الحسين (ع) مدرسة الإخاء والإخلاص، مائدتها منبر الحسين (ع)، بنبرتها المميزة أحيت أول مجلس عزاء لعزة روح ثورة الحسين (ع)، وبنبرتها أبْرَتْ وأبَرَّتْ أخلاق الإمامة في زين العابدين علي بن الحسين (ع) فأصبح أمير الساجدين لله الأحد الصمد، بنبرتها ذي الفقار لَقَفَت إفك المنحرفين عن الدين والأخلاق، وعلى نبرة نبضة قلبها، ترعرع جيل بني الزهراء، أئمة الهدى، حملوا أمانة دين الله المقدس، فمن ائتم بهم أمَّن الجنة في الدنيا وفي العلى لأنها طريقة علي في الاعتلاء عن الدنيا، والاعتصام بحبل الله، والاتحاد بنور الله.
[وقل ربِّ زدني علماً] صدق الله العلي العظيم

والثانية في المركز الثقافي بالمزة

بسم الله المبدئ المعيد

[وإذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به أيمسكه على هُون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون]... هذا حال الأنثى في الجاهلية فكيف أصبحت مع الإسلام في بيت آل محمد؟ وكيف السبيل لتطوير الأنثى في مجتمعاتنا؟...
عنوان موضوعي اليوم (السيدة زينب (ع) العباءة الجامعة)...
كهيعص كفاية... حم عسق حماية...
يا مقدر الأقدار ويا معلم الأسرار ويا غياث المستغيثين افتح بحنين بأسرار الفاتحة التي تنير الطريق إلى صراطك بمساطر أنبيائك وأوليائك ومن الأولويات أن تكون العبادة لك والاستعانة بك وحدك يا صمد. بك تتوحد كل الأوجاد ومنك تصدر كل الأنوار واليوم احتفال صدور نور زينب (ع) في صدور أبناء الزهراء المخلصين لأصولهم بالاحتفال شكلاً والالتزام مضموناً بأخلاق محمد وآل محمد (ع). زينب أسطورة الحياة فاسمها مسطر في اللوح المحفوظ فكيف نحفظها في قلوبنا ذاكرة وحياة تُقتَدى؟
حياتها ملحمة فهي العباءة التي بها أجمع النبي أهله وفيها أجمعت زينب ذرية آل محمد(ع). بحياتها التي صارت ملحمة تتلاحم فيها المعاني الظاهرة من حروف اسمها التي لا تنتهي، والمعاني الباطنة من صفات شخصيتها التي جبل عليها وقارها، عظمتها، عفتها، فصاحة بلاغتها، حلمها، صبرها، شجاعتها، ورباطة جأشها. ثمانية صفات تفتح الأبواب على المربين لاستخلاص دروس تربية لإنشاء الأجيال من الإناث والذكور. بهذه الأخلاق يمكننا أن نبني صرح الأوطان، وطن الذات، وطن الأمة، وطن السماء.
[وقل ربّ زدني علماً] صدق الله العلي العظيم

وهذه ليست البداية بل شارك عدة مرات في

المهرجان الخامس عام 1996م والسابع عام 1998م

والثامن عام 1999م والتاسع عام 2000م

 

وفي المهرجان الحادي عشر عام 2002م – 1423هـ

باسم الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم العلي العظيم...
(إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك و انحر، إن شانئك هو الأبتر)...
كهيعص كفاية، حمعسق حماية، يا مقدر الأقدار ويا معلم الأسرار ويا غياث المستغيثين، افتح بحنين موائد الوعي المنير كي نفهم سر الدم المدرار؛ عندما يدور في أوردة الجسم يمد الأعضاء حياة، وعندما يدور في الأكوان يمد الأنفاس وجداناً، والنفس واحدة وإن كانت الأمم مختلفة، وميثاق طاعة الله واحد والمطيعون قلائل، ميثاق زينب موثق، ميثاقها مسطر على عباءة جدها، عبَّأها ثقة بالنصر المبين، ثقتها بالنجوم زينتها برحمة جدها المصطفى، ألبستها حكمة أبيها المرتضى، لفحتها شعاع أمها الزهراء أبداً، عطّرها بالطيب الحسن، و توّجها بكربلاء الحسين، زينتها تاج مرصع بالأزهرين، صرعت به حجر الحجى لصناديد الكفر، رشفت من حوض كوثر فارتوت علماً لدنياً، لتروي به الأجيال، وكل جيل يروي لجيل، حتى إن جلا لغز الألغاز واختلى ليوم خلافة الأخلاق، فيا خلائق الأرض و السماء اشربوا من معين كوثر وتسنيمه بكؤوس أهل الشموس، واستبشروا باليوم الذي وُعدتم.
(و قل رب زدني علماً).
صدق الله العلي العظيم

 

وفي المهرجان الثاني عشر عام 2003م – 1424هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

سلام عليكم من طفلة... من طفلة عمرها ساعة واسمها زينب تسلم عليكم كل ثانية من عمركم وأنتم بألف خير...
باسم الله الهادي القاهر الغني الرزاق...
(قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم، لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير)...
لذلك عنونت الموضوع (السيدة زينب قدرة تقود الأقدار بالقدير)...
كهيعص كفاية... حمعسق حماية...
يا مقدر الأقدار ويا معلم الأسرار ويا غياث المستغيثين افتح بحنين بأسرار سورة الفاتحة التي تفتح آفاق الوعي وتنير ظلمات التاريخ في الوجدان إلى خيرات، لنقرأ صحائفه بوعي حضاري، تلهمنا دروسا في صدق التوجه وإخلاص الأداء للفوز برضى الله في جنات الخلد مع الخالدين. وفي اليوم الموعود كانت السيدة زينب(ع) صادقة في توجهها مع أخيها ومصدقة بالرسالة التي كلفت بتوصيلها إلى أجيال المستقبل مع المعرفة المسبقة بالمخاطر التي تحيط أداء المهمة بحضرة زين العابدين(ع) فازدانت الأرض الموعودة ببردة أرجوانية تكريما لإخلاص الأداء، واحمرت وجنة السماء خجلا على الجاحدين بآيات الله ولكن لا مبدل لكلمات الله.
كلمات زينب كانت أمضى من سيوف الجبابرة... أجبرت السيوف لتعود إلى غمدها، وجبرت جراح الأبرياء من آل محمد (ص)، وكبّرت الله فاجتازت صغائر الهموم لتفوز كبائر الهمم والمهام ليرضى الباري مالك السماوات والأرض قاهر العباد الحكيم الخبير.
(وقل رب زدني علما)...
صدق الله العلي العظيم

وفي المهرجان الثالث عشر عام 2004م – 1425هـ

كان الدكتور استانبوليان خارج القطر ، أبى إلا أن يترك بصمته الإيمانية فأرسل الكلمة التالية

بسم الله الودود الرحيم، الحسيب الوكيل

(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) سورة الأنعام 54

كهيعص كفاية، حم عسق حماية...

يا مقدر الأقدار، ويا معلم الأسرار...

ويا غياث المستغيثين... افتح بحنين شآبيب رحمتك ليصلك دعاؤنا، وما دعاؤنا إلا امتثالا لأمرك.

اللهم ألف بين قلوب أبناء وبنات آدم ليعم السلام على الحواس وعلى القارات الخمس...

تقبل منا هذا الدعاء كما قبلت دعاء عبد المطلب(ع)، فحفظت الكعبة برد جيش أبرهة عن الكعبة وبمولد محمد(ص) في السنة نفسها، ليحفظ الكعبة إلى الأبد بجعلها منسكا ومسكنا لأبن الناس...

بمولد علي(ع) في بطن الكعبة ليحفظ سر الكعبة الباطنة عبر أجيال الأئمة ...

تقبل منا دعاءنا يا إلهي كما قبلت دعاء زينب(ع)، وباسم الودود نتودد إلى كلمات زينب(ع) الممتدة على مدى مائدة الوجود، والتي تؤكد أن السعادة تتحقق بالشهادة، وأن الرحمة الإلهية تتحقق بالمغفرة، فإذا امتلكنا المقدرة على المغفرة لبعضنا البعض على طريقة زينب(ع) فسوف تعم الرحمة الإلهية على مجتمعاتنا، وسوف تتحقق السعادة الحقيقية في نفوسنا.

إذا تعلمنا كيف نضحي على طريقة زينب(ع) من أجل أن نكسب الثواب الإلهي ونتحرر من الخلاف المفرق...

وهذا الثواب الإلهي هو الجلباب المجلب والموجب لمزيد من الإحسان الإلهي على عبده الذي يجعل العبد خليفة النفخة الإلهية المقدسة على الأرض...

دعاء زينب دعوة للورى... من أراد هذه الخلافة فليدع مع زينب دعائها المشهور:

(الحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل).

فالدعوة الصادقة مستجابة إن شاء الله...

(وقل ربي زدني علما)

صدق الله العلي العظيم

وكل عام وأنتم بخير بمولد السيدة الكبرى (ع)

وإذا غيبه السفر أيضا في المهرجان الرابع عشر

حضر بقوة في المهرجان الخامس عشر عام 2006م – 1427هـ ليلقي كلمته التالية مرتين في المركز الثقافي العربي وفي كنيسة محردة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الحميد المجيد قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد

موضوع عنواني:  عقل العقيلة عقال الأئمة   - كهيعص       كفاية  -  حمعسق         حماية

يا مقدر الأقدار ومعلم الأسرار ويا غياث المستغيثين افتح بحنين قلوبنا لنفقه أسرار حكمتك من صور الأقدار أنت تقدرها وإلا فكيف نستوعب عذاب الأنبياء ومعاناة الأولياء فوق الأرض ممن أرادوا لهم خيرا ً زينب عليها السلام مولودة جمادى كتبت بمعاناتها سطور المجد بعناية المجيد لأبناء الفجر وليال عشر الأيام تعدو قدحا ً وتارة مغيرة على ذاتها للتغير

أين القبور المبعثرة أين الصدور الظالمة تمعق عين اليقين ،  زينب عليها السلام الشجاعة السجاعة بشجاعتها صمدت فصارت عاصمة لكربلاء في عصمتها علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وفي معصمها علم جدها المعصوم بلا تعليم عصامي الأداء سجعت به في وجه من أرادوا إطفاء نور الله في القلوب سجلت للتاريخ أرقى أدب لحوار المواجهة

زينب عليها السلام عقيلة بني هاشم أضحت بعقلها العقلي عقال أهل بيت الرسالة السماوية للرحمة الإلهية في المنازل الكونية .

 وقل ربي زدني علما  - صدق الله العلي العظيم

وكل عام وأنتم بألف خير  

 

وفي المهرجان السابع عشر عام 2008م – 1429 هـ       أدار الجلسة العلمية الثانية للمهرجان

وفي نهاية المهرجان تسلم درع النجمة المحمدية

 

هذا هو المسيحي الأول في مباريات التظاهرة الثقافية الفكرية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية ...وهو اليوم عضو الهيئة الاستشارية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية..

 ـــــــــــــــــــــــ

 

أما رجل الدين المسيحي الأول فهو نيافة القس معن بيطار

وهنا تبدأ قصة أخرى من قصص المهرجانات النجموية الزينبية ...

 

كان لقاء بالصدفة حيث كنت ألقي كلمة مؤسسة النجمة المحمدية في حفل كبير بمنطقة السلمية احتفاء بعيد الإمامة عند الطائفة الإسماعيلية الكريمة وهذا ما حدث  لأول مرة في عام 2003م ،

فكان القس معن بيطار يستمع إلى الكلمة الزينبية التي كنت ألقيها وكان القس صاغيا تماما لمفرداتها وعباراتها فحدث لقاء بيننا على هامش الاحتفال وتم التعارف وأخبرني : هو يسمع بالنجمة المحمدية  وكانت صدفة طيبة أن نتعارف عن قرب وقال من الضروري جدا أن نلتقي وان يكون لنا حديثا في مهرجانكم القادم  ..

 

 

 

رحبتُ على الفور وتم اللقاء قبيل المهرجان الثالث عشر وأهديته كتاب المرأة العظيمة وشرح هذه القضية في كلمته الأولى

بمهرجان النجمة المحمدية الثالث عشر عام 2004م – 1423هـ  التي قال فيها

بسم الله الرحمن الرحيم

عبارة قلتها في كنيستي منذ أسابيع -واستغرب الناس- وأتبعتها (الخالق المتجسد الحاضر أبدا في كل مكان)...

قبل كل شيء أود أن أثني على ما قاله هذا الأخ الشيخ الدكتور محمد حبش -والذي كنت أتمنى أن نصبح أصدقاء لولا بعد المسافة، وربما أشعر بالقرب منه بسبب الشباب أو شيء من هذا-: (لو أننا عملنا لنحيي ذكراها بحق لكان علينا أن نرى أكثر مما نراه من النسوة المشاركات)، وأنا عملت على ذلك فنصف وفدي نساء، وأردت أن آتي بابنتي التي هي في الرابعة عشرة من عمرها ولم أستطع ذلك لاعتنائها بالصغار، لكنها قرأت لي الكثير عن هذه السيدة العظيمة في كتاب أعطاني إياه الدكتور عصام عباس واسمه (المرأة العظيمة)، فلضيق وقتي أردت أن أقرأ بعض الكتب قبل وصولي إلى هذا المكان، خاصة أن البعض قال لي: (ستحدّث مثقفين)، وحديث الإنسان مع المثقفين يختلف عن خطاب الجماهير. عندما ذهبت إلى بيروت رافقتني ابنتي في الطريق وقرأت لي فصولا من ذلك الكتاب، وقبل البارحة قرأت لي زوجتي مقاطع أخرى في الطريق من اللاذقية إلى محردة، فالعائلة كلها تحتفل بذكرى هذه السيدة العظيمة.

كيف تُجمع في دقائق حقائق ومآثر تضيق بها الساعات؟! إنها المهمة الصعبة لمتحدث عن هذه السيدة تعرف على دورها العظيم منذ فترة فاقتحمت هذه السيدة -دون استئذان- مكتبة العظماء في فكر هذا الإنسان، ولمع نجمها في سماء المؤمنين والأتقياء الذين لم تزل أنوارهم تضيء ليالي الظلمات.

كيف تجمع في دقائق هذه الحقائق والمآثر؟! لكني سأبدأ بصلب القضية في جوهرها -وقد اخترت بعدا واحدا من أبعاد كثيرة-، فأقول:

أين المرأة العربية منك؟ وأين أنت منها؟

وأين المرأة المسلمة منك؟ وأين أنت منها؟

وأين المدرسة الأسرية الإسلامية التي تخرجت منها؟ وأين مدارس أسر مجتمعنا اليوم؟

أين اللاتي يلبسن ثوبك كاللاتي يلبسن ثوب مريم العذراء بنت عمران؟ فإن كان ثوب بنت عمران يلبس من قبل الصبايا والنسوة هنا وهناك علامة ظاهرية لتقدير لها واحترام وتقديس -حتى لو خلا ذلك من فهم عميق للمعاني والبيان-، فكيف لا يلبس ثوبك من كل امرأة مسلمة؟!... وحتى مسيحية؟!... فتلك -بنت عمران- اختارها الله من دون أسرتها، بينما أنت من أسرة عظيمة وأسرة عريقة... أسرة تلك لم يسطر شيء عن أفرادها دورا أو فعلا أو تأثيرا-بل عن ابنها فقط-، وأفراد أسرتك تضيق بهم أسطر الكتب إنصافا وتقديرا، لكنكما معا -أنت، وبنت عمران- حملتما صليب رسالة الحق وحق الرسالة حتى النهاية في التزام عجيب.

كنت أسأل نفسي -وأنا أقرأ-: (ما سر هذا الالتزام؟ وكيف توجد نساء من هذا النوع؟) فجاءني الجواب: قوة هذا الالتزام عندكما في حمل صليب رسالة الحق وحق الرسالة حتى النهاية هو أن لكما قوة إلهية تجعل صاحبها ماردا جبارا صلبا في وجه الإهانة البشرية للإرادة الإلهية.

رأيتها وأنا أقرأ -فأنا عندما أقرأ أتخيل وكأني أعيش مع الشخص الذي أقرأ عنه-... تخيلتها... نسيت في كثير من الأحيان أكانت هذه الإنسانة امرأة أم رجل... كنت أنظر فأرى ماردا جبارا صلبا في وجه هؤلاء الذين كانوا يهينون الرسالة؛ فتلك شهدت بعينيها مسامير صليب الجلجزة تدق في جسد الحقيقة، وأنت نظرت إلى هامة الحسين على رأس رمح في منظر يدب في الأبدان أبشع وأعنف قشعريرة. صمدتما معا لأنكما ابنتا مدرسة الحقيقة الإلهية، وسيدتان حمل كل منكما عنوانا ومثلا للبشرية، فجسدتما مبادئ هذه المدرسة ودروسها ومعانيها ومنهجها، فكنتما منارتين لنساء ورجال الأرض بأسرها، وقد رأيت هذه المنارة بنفسي، وصحيح أنه في المسيحية لدينا بولس الرسول وبطرس وغيرهم، لكنني رأيت شأنها أكبر.

كنتما منارتين لنساء ورجال الأرض بأسرها تهديانهم جميعا لبناء الإنسان، ونحن نريد بمثلكما أن نبني الإنسان على صخرة التربية الصالحة في أزمنة الظلم والمهانة والمؤامرات والذل والاستعباد لمن ولدتهم السماء هياكل لروح الخالق في هذه الخليقة، ومن لا يهتدي بنوركما -أيتها السيدة العظيمة وأيتها العذراء- فيبني هذا الإنسان في هذه الأسرة أو تلك لا يحق له أن يدعي الإيمان بخالق البرية، ولا معنى لصلاته مهما تعددت أو طالت في هياكل مصنوعة بأياد بشرية.

كم نحن اليوم بحاجة إلى أمثالكما لنسمع منطقكما، وخاصة جمال وقوة وعمق تعابير لغتك يا زينب في البيان الذي يقزم المدعين الفارغين الخونة المتسلطين وأبناء الأبالسة الملاعين.

كم نحن بحاجة لعطركما الذي جني من الإيمان بالحاكم الأعظم الإله الذي به نحيا ونتحرك ونوجد... كم نحن بحاجة لعطركما الذي جني من الإيمان للتخلص من رائحة القبور في بيوتنا وقرانا ومدننا ومجالس التدين الشكلي في بلادنا... تلك الحاجة العليا للبشرية بأسرها -لأمثالكما- في مواجهة صلبان الشياطين المنجرة للسلام والحرية في كل مكان... للأخيار والمحبين الحالمين بحياة حقيقية لكل إنسان وأي إنسان؟ عنوان تلك الحاجة والحياة الحقيقية (كما في السماء، كذلك على الأرض).

وفي الختام... أعاهد زينبكم لتكون زينبي... أعاهدك -لها ضريح، ولكني أراها حية- بعد أن عرفت عنك ما عرفت أن أعظك في كنيستي، وأدعو كل امرأة مستمعة ورجل، شابة أو جدة، أن تتعرف عليك، ويكون لك مع مريمها منزلة علهن وعلنا نبني الإنسان والأسرة ليكون الإنسان كابن مريم، والأسرة كأسرة زينب.

وفي العام التالي بالمهرجان الرابع عشر عام 2005م – 1426هـ دعوتُ القس لإلقاء كلمة

لبى الدعوة وألقى الكلمة التالية

مسيانية زينب

أريد أن أقف معكم أيها الأحباء بإحدى محطات تاريخ هذه المرأة المميزة وهي محطة القدوة، والتي تشكل موقع القلب والمركز في حياة العظماء الذين حملوا رسالة المقاومة للباطل في جهاد مرير ضد كل تبعاته، فكانت فلسفة القدوة لديهم قوة ثورتهم وأساس تأثيرهم في أتباعهم ومنهاج علم لبناء الإنسان في معركتهم لإصلاح الأمة.

هذه الإنسانة التي كرست حياتها للإصلاح شكلت نموذجا استثنائيا في تاريخ الإنسانة المرأة والتي تصلح أن تكون مادة دراسية للمساهمة في بناء المرأة الحرة بكل معنى الكلمة وبشكل حقيقي وواقعي في مواجهة الكلام الفارغ من الحقيقة عن حرية المرأة، إذ وقتها نكون سعاة حقيقيين لإصلاح المجتمع والوطن والأمة. وإذا دعونا المرأة وقتها لتكون عنصر كمال وتكميل لحركة الأمة وثقافتها ودورها ونهضتها لا نكون دجالين أو مراوغين، فليس إصدار قوانين تعطي المرأة حقوقا وحرية من نوع ما هو الإصلاح، بل بناء تلك المرأة الزينبية هو البداية السليمة التي تجعلنا نضع الحصان أمام العربة وليس العكس.

إذن، لبناء هذا الإنسان رجلا كان أم امرأة يجب أن يوجد أمامه النموذج والقدوة ويكون له أن يحاط بجو من الانفتاح والحوار لإيجاد إمكانية لديه لقبول الآخر، فعندما يأتي إلى بيتي شخص من دين آخر أو فكر آخر فأستقبله وأحاوره وأحترمه في الحضور كما في الغياب، فسيلاحظ أبنائي هذا الانفتاح وأبدأ من هذه النقطة بتربيتهم على الانفتاح ثم قبول الآخر ثم الحوار، وبعدها نتوصل إلى حقائق في معرفة الإنسان.

إن بناء الإنسان قضية جوهرية أساسية، وهو موضوع واسع يمكن تأليف كتب عديدة حوله، لكنني أختار جانبا منه، فإذا أردت أن أبني إنسانا إصلاحيا ثوريا مقاوما فيمكن إنجاز ذلك بدءا من البيت فصاعدا، حيث من الواجب أن يجد الطفل إنسانا في محيطه يكون قدوة له، ووجود هذا القدوة ضرورة أساسية إلى جانب الوعظ والتعليم، وإذا لم تكن هناك قدوة من هذا النوع لهذا الطفل ولهذا الشاب وهذه الفتاة فلا قيمة للحديث عن بناء الإنسان.

إن هذه العظيمة عاشت في بيت من هذا النوع، فكان بيت القرآن في قدوته بيتها، وقد وجدتها أنا أيضا في بيت الإنجيل فرأيت قدوة الإنجيل فيها، وتحسست (مسيانيتها) فكانت ملتقى لما يراه كثيرون لا يلتقي، ملتقى القدوة القرآني بالإنجيلي فكيف يكون ذلك؟

إنها معادلة لا يستطيع كثيرون حلها أو لا يريدون، لذلك أقول: قرآنية السيدة زينب لا جدال فيها فأين نجد إنجيليتها؟ ماذا تعني مسيانية زينب؟

بهذه العجالة، وبقضية بهذا الحجم، لا يمكنني إلا أن أترك معكم فقط بعضا من أسرارها للتأمل...

عندما نقول (مسيانية عيسى) فنعني أن هذا الشخص جسّد الفكرة التي تقول أن هناك من يأتي من الله ممسوحا معينا لرسالة محددة ويمسح من السلطة الروحية أو الدينية ليكون (المسيا) أو المسيح المنتظر. وعليه فعندما أقول (مسيانية زينب) فهذا يعني أن هذه الإنسانة ممسوحة ومعينة لرسالة من نوع رسالة المسيا المنتظر. وعندما نقول من نوع (رسالة المسيا) فهذا يعني أن رسالة المسيح يسوع وجدت لها عند هذه السيدة مقرا وتجسدت قيم ومبادئ من هذه الرسالة فيها فأصبحت عبارة (ما من المسيح في زينب) ومقابلها (مسيانية زينب) عبارة تستحق الدراسة والتأمل لسبر سرها.

لست أجامل أو أساير في ذلك بل بالعكس فأنا بكل جدية أعلن ما سبق وأتمنى أن ألاقي من يحاور في هذا حوارا حقيقيا. إن ما قرأته عن السيدة زينب أعطاني أن أتحدث بسلطان عن هذه المعادلة، وقد وعظت وتكلمت عن ذلك في الكنيسة كما وعدت في العام الماضي، وعندي من الحضور بينكم شهود على ذلك، وقد يحلو للبعض أن يرد على هذا الانفتاح بالقول (نحن أيضا نتكلم عن السيدة مريم العذراء وربما بأكثر مما تكلمت عن السيدة زينب) فأقول أنا هنا أصبحت بمجال أكبر من موضوع المجاملات والانفتاح والانفتاح المقابل، وأكبر من موضوع القول أن هذا طبيعي أن يتحدث القرآن عما في الإنجيل إذا جاء محملا لتراث الأديان التي سبقت. أنا هنا أدعو لتبادل المعرفة المشتركة في حوار معمق يكتشف كل مشارك فيه، بانفتاح وإيمان ومحبة، أن الإسلام في مكيته يشهد للمسيحية، والمسيحية في إنجيليتها تعيش في زينب وأمثالها.

هل يمكن أن نجعل هكذا قضايا مادة للوعظ في كنائسنا وجوامعنا؟ أنا فعلت ذلك، فهل من يرفض ذلك يحق له أن يتشدق بأنه يبني الإنسان ويعلن نهارا وليلا أنه يقاوم الحرب الضروس التي يشنها علينا من يريد أن يستغلنا ويبقينا في حالة تردٍّ وتخلف وخصام.

أعود وأقول: عندما أستعمل تعبير (مسيانية زينب) أعلن السلام فيها، هذا السلام الذي فيها هو سر السلام عليها وأول صفة من صفات السيد المسيح فيها، فكأني بها كانت تعيش في أعماقها سلاما مع ذاتها أساسه إيمان معين لم تهزه قوة، ولم ترهبه سلطة، فكان هذا الإيمان أساسه السلام الذي يفوق كل العقل، حتى ليقول القائل: (لقد نزلت هذه السيدة من السماء). لم تنزل السيدة زينب من السماء بل إن سلام السماء كان فيها فبدت وكأنها نزلت من السماء. كل من يرغب بأن يمتلك هذا الإيمان الذي جعلها لا تتزعزع، ومستعدا لرحلة الثورة والجهاد في سبيل التغيير والإصلاح وبناء الإنسان، لا بد أن يكون لديه هذا السلام، هذا السلام الذي يقول عنه يسوع المسيح: (سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا، لأن السلام الذي أعطيكم إياه، لو علقتم على خشبة أو قطعت رؤوسكم لن تتراجعوا)، أليس هذا ما عاشته هذه السيدة العظيمة؟ إن يسوع المسيح يقول بأن سلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في الحق الذي لا يحبه أبناء هذا الدهر، ألم يحفظ فكرها في الحق وهي تواجه سلطان هذا العالم؟ نعم، لقد حفظت أفكار هذه المرأة من أن تزوغ نتيجة التحدي أو تتراجع، من الذي حفظ لها كل هذا؟ إنها السماء... عقيدة وإيمان وسلام من السماء... لقد كانت قدوة فلم تتراجع ولم تتقهقر وسلاحها كلمة الحق وحق الكلمة وهذا أيضا وجه آخر لمسيانيتها.

إن استمرار السيدة زينب في دعمها وتشجيعها لأخيها الحسين العظيم ليبقى صامدا في رحلة الإصلاح والثورة على الباطل وعدم التراجع مهما كان الثمن، لهو أشبه بموقف العذراء في سيرها وراء ابنها دون أن يثنيه شيء عما عزم عليه في السير على طريق الآلام ـ طريق الجلجثة ـ طريق الشهادة لنصرة الرسالة، كلاهما لم تخفهما لا المؤامرة ولا الخيانة وهما تسيران وراء قدوتهما، هكذا نرى في الثبات الزينبي ـ كالمريمي ـ مسيانية الانتصار المؤسس على سلام سماوي وإيمان إلهي عظيم، فيسوع المسيح بسبب هذا الإيمان، وهذا السلام، دخل أورشليم وهو عالم بما ينتظره ولم يتراجع.
هذه هي محطة القدوة، فأنا لا أؤمن بالسيد المسيح لأن هناك من قال لي بأنه (كلمة الله المتجسدة)، يمكنك أن تقول ما تشاء، إن أساس إيماني به أنه كان يقول ويفعل إلى الختام مهما كان الثمن... كان يعلم ويطبق إلى الكمال... كان القدوة بكل معنى الكلمة وأبعادها. لقد دعا للثورة على الكتبة والفريسيين كما الحسين وزينب، وعاش هذه الثورة حتى النهاية ولم يخش الصلب، وهكذا كان الحسين وزينب أيضا، هذه هي المحطة التي يجتمع فيها العظماء وتختلط فيها أسماؤهم.

إن محطة القدوة هي التي نحتاجها اليوم، ونحن نحتفل بذكرى ميلاد إنسانة لا أستطيع أن أزيد على مدح المادحين لها، لكنني أستطيع أن أزيد فكرا بالغوص في مواقفها ومنهجيتها لأتمثلها كقدوة وأكتشف كيف استطاعت أن تكون كذلك فتقف في هذه المحطة وتصعد من المكان الصحيح مكان القدوة إلى قطار الثورة دون النظر إلى الثمن كما فعل المسيح الذي أعطيتها اسمه.

مسيانية زينب تعني أنها إنسانة تجسد فيها شخصا في قدوته وسلامه وتضحيته، فكانت:

أولا: قدوة كما المسيح، مع آل بيتها وفي حياتها...

وثانيا: ابنة السلام، سلام السماء في قلوب البشر، والذي يفوق فعله تصورات العقل ومقاييس الناس والذي كان في قلبها فلم يستطع شيء أن يقهرها...

وثالثا: دافعة للثمن الذي تفرضه تلك الثورة في الحق وذاك النضال في وجه الباطل وهذا الإصلاح لعيش القيم وبناء الإنسان المقاوم مهما كان الثمن.

في الختام أشكر الله على هذه الذكرى التي جمعنا فيها هذا الفكر الواحد في مسيانية زينب لجهة بناء الإنسان وإصلاح الأمة وسلام العالم، وشكرا.

 

وذاع خبر القس وكلماته فأصبح القوم يبحثون عنه ،

وجاء عدد من علماء إحدى الحوزات  إلى العيادة يريدون دعوته ظنا منهم أن القس أصبح مسلما شيعيا ،

قلتُ للزائرين : أخوتي أن عملي ليس عملا طائفيا وهذا ما عهدتموه بطرحي للفكرة من الأساس  ،  وليست لدي رغبة في أن أطرح فكرة التمذهب أو التدين أو الانتماءات من خلال طرحي هذا ..

وإنما أتمنى أن أصل أنا والآخرين إلى قاسم مشترك كما طرحته الرسالات السماوية وكما بشر به الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام وتبناه أهل البيت عليهم السلام في معاملاتهم ومسيرتهم ومنهجيتهم وطروحاتهم وثقافاتهم ،

فأتمنى أن يوصّل القس وكذلك بقية أصحاب المذاهب الإسلامية والمسيحية هذا الطرح الذي نعمل به وهذا الفكر الذي نتبناه ، وأن  يعظ القس مشتركاتنا هذه في كنيسته والشيخ في مسجده والمثقف في أطروحاته

وبالتالي الغاية : هي العدالة واحترام حقوق الإنسان والحفاظ على كرامته وعزته وإلغاء التهميش والإقصاء الذي تفرضه الأنظمة والتحزبات والطائفية المقيته ،  والتي كان أهل البيت عليهم السلام هم أول من تصدى لها من خلال تبنيهم الأدوار الرسالية التي اختصهم الله تعالى بها ولاقوا صنوف العناء والمشقة من اجل تثبيت كلمة الله تعالى وجعلها هي العليا ودحض كلمة الباطل وجعلها السفلى وان كره الكارهون ..

من هنا كانت رؤيتنا في طرح ثقافة أهل البيت عليهم السلام بعيدا عن أية طائفية أو حزبية أو أية تبعية لهذا أو ذاك ..

ثقافة أهل البيت عليهم السلام ثقافة سمحاء لا نضير لها ..

إذ حملوا الرسالات مجتمعة بقوانين الله تعالى ودستوره الدائم ،  ووضعوه موضع التطبيق العملي لان فيه حماية  كرامة الإنسان الذي جعله الله تعالى خليفته في الأرض وتحفظ حقوقه وتمنح حريته ويعطى الديمقراطية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ،

هذا ما أراده الله للإنسان أن يعيش حرا كريما مهما كان توجهه ومهما كانت آراؤه ..

المهم أن توحد الله وبهذا التوحيد تدافع عن الإنسانية وتحارب الطغيان أينما حل وكيفما وقع  ، وتشير له بالبنان رفضا وتوبيخا وتحقيرا ودحرا بكل ما أوتيت من قوة ..

أما أن تهادن الطغاة لمصالحك ونزواتك ورغباتك وطموحاتك الضيقة ، فهذا ما اختلف معه أهل البيت عليهم السلام وحاربوه فكرا وثقافة ونضالا..

من هنا كانت استذكار المرأة العظيمة زينب عليها السلام لأنها جسدت هذه الأدوار الرسالية في أصعب الظروف وأقسى المعاناة ..

فإذا أردتم يا أخوتي قلتُ للعلماء الزائرين :  إلى تشييع القس أو إدخاله إلى الدين الإسلامي فهذه ليست سياستنا واعلموا أن الرجل تحدث بإنسانيته وثقافته واستيعابه لتوجهاتنا وفهم زينب من منظورها الحقيقي وصورتها الواقعية وحركتها الإصلاحية ليس إلا .

لكن القوم شكلوا وفدا وذهبوا إلى محردة حيث كنيسة القس ووجهوا دعوة له في إلقاء كلمة بإحدى احتفالاتهم ، وجاء الرجل متحدثا وحضرتُ لاستمع لكلامه فحياني من على المنبر واستمعتُ له ، وكان الذي كان .. هي دعوة واحدة ولقاء يتيم لم يكرر إذ خاب سعيهم وفشلت صفقتهم ..

وبقي القس مسيحيا زينبيا يطرح بإنسانيته فكر زينب ورسالتها دون ملل أو كلل في مهرجانات النجمة المحمدية وفي محاضر شتى ومناسبات مختلفة ،

بل أحدث سنّة حضارية لم يسبقه رجل دين مسيحي لا في سورية ولا في الدول العربية أو حتى الإسلامية ،  إذ أقام مهرجانا للسيدة زينب عليها السلام في كنيسته اجتمع  فيها المسلمون بكل طوائفهم والمسيحيون معا ، وكانت الدعوة رسمية بحضور محافظ حماه ورجال الدولة فيها ،

فشهدت سورية عرسا حضاريا لم تشهده من قبل

إذ احتفلت كنيسة محردة الإنجيلية باليوم الثالث لمهرجان النجمة المحمدية الخامس عشر عام 2006م – 1427هـ

وكان القس معن بيطار رئيس السنودس الإنجيلي في سورية ولبنان قد افتتح الجلسة بالكلمة التالية :

 

 أهلا بكم أيها الحضور الكريم من مسؤولين ورجال دين مسيحيين ومسلمين علمانيين ومؤمنين بالحق وبالقيم الإلهية  والإنسانية. أهلا بكم في رحاب هذه الكنيسة التي تعتبركم من أهل البيت. هكذا أعلم الذين يتعلمون مني في الكنائس التي أرعاها في محافظة حماه وهكذا يعرفني أبناء سينودسنا الذي هو مجموع الكنائس الإنجيلية المشيخية في سوريا ولبنان.

إننا جميعاً أهل بيت إلهي هو الأرض التي نوجد عليها، وجميعنا أبناء ملكوت تحكمه الإرادة الإلهية في النهاية.

مهما اختلفت تسمياتنا فنحن في أساس وجودنا أسرة إنسانية سيدها واحد وسلطانه إلى دهر الدهور على هذا الأساس أعلم وأعظ السامعين لي وأتعامل وأنظر للآخر.

دعوني أصارحكم بشيء من العفوية والبساطة مع الصدق والواقعية أنه رغم كل ما ذكرت إلا أنني لم استطع حتى الآن أن أجعل جميع من يحيط بي على ذات المستوى من هذا التوجه وإن كان الكثير منهم يقترب من ذلك شيئاً فشيئاً.

هذا اللقاء اليوم هو أشبه بصدمة خلاقة علها تؤدي إلى دفع سفينتي مع الذين على ظهرها نحو الأفق المنشود. لذلك أقول لكم بصراحة أن البعض جاء يراقب والبعض يتساءل وربما بيننا من يستهجن ولكن الذين أسست عليهم هذه الدعوة للاحتفال بذكرى ميلاد هذه السيدة العظيمة زينب القائدة المميزة في تاريخ الإنسانية يؤيدون ويباركون ويحلمون معي بالنتائج الجميلة والمفيدة لهذا اللقاء.

ونحن بانتظار وصول وفدنا من دمشق أقول أيضاً ربما يهمس البعض: ماذا يفعل هذا القس؟ وهل يعلم أنه يمثل طائفة وسينودساً على مستوى سوريا ولبنان؟!

داعٍ مشايخ ومسؤولين ليحتفل بذكرى ميلاد سيدة من سيدات الدين الإسلامي. ماذا حصل؟ هل انقلبت المفاهيم واختلطت الألوان فأصبح هذا القس لا يميز بين النسوة وانتماءاتهم؟

في الحقيقة لم يحصل عندي عمى ألوان وأنا أعلم أن هذا الاحتفال هو الأول من نوعه منذ وجد الإسلام إلى اليوم وأنه ليس بالأمر البسيط  وليس خطوة من نوع تحتاج لقليل من الانفتاح أو الديمقراطية واحترام الآخر حتى تحصل عند هذا المسؤول الروحي أو ذاك، إلى آخر ما هنالك من مبررات.

الحقيقة أيها الأحباء أن هذه الخطوة ليست بهذه البساطة فهي تقوم على صدق كامل مع الذات وقناعة حقيقية بها في المضمون وليس الشكل ودون أي مجاملات أو اعتبارات أو تكتيكات ... الخ فإن نجحت هذه الخطوة وكان لها أثرٌ إيجابيٌ وفعلٌ حقيقيٌ في نفوسكم ونفوس من يطلع عليها فهذا يعني أن أسس قيامهما - كما ذكرت-  حقيقية.

دعوني أتابع على هذا الأساس من الصدق والقناعة فأطلعكم على بعض الأمور:

قالت لي سيدة: "ما علاقتنا نحن بالسيدة زينب لنحتفي في الكنيسة بذكرى ميلادها؟" قلت لها: هل تعرفين شيئاً عن هذه السيدة؟  قالت: "لا" قلت: إذا كيف تحكمين على أمر لا تعرفين عنه شيئاً؛ على أي أساس تحكمين؛ على أي أساس نحكم على الأشياء والأمور والأشخاص والمفكرين والقادة والمسؤولين والحقائق والأفكار.. الخ؟ أين كل ما علمتكم إياه عن أسس الحكم الصحيح والعادل الذي قال عنه يسوع المسيح: "لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكماً عادلاً... تعرفون الحق والحق يحرركم" قالت: " لا تفهمني خطأ يا قسيس أنا لست ضد ذلك ولكن ليكن الأمر مشاركة وليس دعوة للكنيسة. ليكن اللقاء في المركز الثقافي مثلاً ونحن نشارك." قلت: لا بل في الكنيسة وستدركون في يوم من الأيام قيمة ما أنا فاعل وحاسبوني وقتها.

 

أيها الحضور الكريم سأذكر لكم في نظام كنيستنا كيف يُحاسَب المخطئون لكن دعوني أذكر أيضا قبل ذلك ما قاله لي آخر: "يا قسيس أنت تحاول أن تصنع شيئاً تـُظهر فيه للناس الانفتاح وقبول الآخر وما إليه ولكن هذا الآخر هو نفسه لا يقبلنا". سألته: بأي معنى لا يقبلك؟. أجاب أجوبة تقليدية وغير مركزة منها: "لا يؤمنون بما نؤمن به نحن من صلب المسيح ولاهوته وغير ذلك". قلت له - والبعض كان يسمع- هل تعلم أن أخوتنا المسلمين وحسب القرآن الكريم لا يمكن لهم أن لا يقبلوا يسوع المسيح، فهم يؤمنون أنه من روح الله وأنه مقتدر بسلطان الله. ألا تعتقد معي أن هذا باب عظيم إن دخلنا معاً منه قد نصل إلى كثير من التقارب والتلاقي والتفاهم الذي يزيل سوء الفهم المشترك بين المسيحيين والمسلمين على قضايا عقائدية وما إليه!. وكنت صريحاً معه فقلت له: هم أفضل من المسيحيين فهم يحترمون ويجلون يسوع المسيح بينما أغلب المسيحيين لا يبادلوهم ذات الموقف من نبيهم، فأنا أخطو خطوة على طريق طويل ولكنه في الاتجاه الصحيح.

أيها الحضور الكريم قد يقول بعضكم ما حاجتنا إلى هذا الكلام؟. سأقول لكم بذات الصراحة التي حدثت بها العديدين ممن سبق وذكرت أنه إن بقينا نقول ما حاجتنا للحديث في العلن عما نهمس به في المخادع أو وراء الستائر فإنه لا مستقبل لنا ولا لوطننا ولا لمجتمعاتنا التي تريدها أن تكون عصية على المتربصين بنا شراً والذين يريدون أخذنا من الداخل لأنهم أدركوا أن أخذنا من الخارج قضية باهظة الثمن.

من يقرأ واقعنا الاجتماعي والديني يلاحظ أن المسيحي أو المسلم المؤمن بالفطرة وحتى بالخبرة صُنِع من كل منهما عبر التاريخ شخصاً يفكر بطريقة معينة تجاه الآخر. فيرى أن هناك آخر يختلف معه وقد يعاديه. هذا الواقع يجب أن نغيره من خلال نظرة ايجابية صادقة للتلاقي.

هذه النظرة التي نحتاج لتحقيقها إلى القيام بعمليتين كل منهما أصعب من الأخرى، كما قال لي صديق رحل من هذا العالم منذ فترة وهو يراقب الجهود التي أضعها لبناء عقلية جديدة عند المؤمنين تجاه الآخرين: " يا قسيس أمامك مهمة بناء صعبة جداً فأنت أمام نوع من البناء يواجه عملية هدم ثم إعادة بناء فعليك أن تغير مفاهيم عمرها قرون لتبني مفهومك الجديد للعلاقة الروحية والإنسانية مع الآخر.

أيها الأحباء.. عندما فكرت بدعوتكم هيأت الكنيسة لذلك، لأنه في نظام كنيستنا هناك تصويت ديمقراطي على القضايا الكبرى من قبل أعضاء الكنيسة لنيل الموافقة والقبول بحسب نسب التصويت التابعة لنظام محدد مرتبط بنوع القضية المصوت عليها. إذاً ما قمت به إن كان فيه خطأ يمكن أن أحاسب عليه سواء كرئيس طائفة في محافظة حماه أو كرئيس للسينودس في سوريا ولبنان.

من هنا يجب أن يكون القائد في كنيستنا المشيخية حكيماً قادراً على الدفاع عن روح الإصلاح والتطوير التي عنده عندما يأخذ قرارات متعلقة بذلك. وأنا اليوم مُراقَب من أعضاء الكنيسة الذين يسمعونني دائماً ويعرفون طريقة تفكيري ومن قبل زميلين قسيسين معنا هنا وللجميع أن يشهدوا الآن إن كنت أقول في السر غير ما أقوله أمامكم، فمصداقيتي وجرأة هذه الخطوة تحت الأضواء.

هذا اليوم الثالث من أيام الاحتفال بذكرى ميلاد السيدة زينب والذي أدعو فيه إلى بناء الإنسان الحر المقاوم – المحب – العادل – السباق لملاقاة أخيه الإنسان والتفاعل معه بكل ما تحمله هذا الكلمة من معان وما تتطلبه من عناصر. وأدعو فيه أيضاً كل مؤمن مسيحي أن يقرأ القرآن الكريم وكل مسلم أن يقرأ الأناجيل وأن نهتم حتى بدراسة ما نقرأ خاصة كرجال دين لنحصن أنفسنا ومجتمعنا وبلدنا فيكون الآخر عالماً حقيقياً أدخله بصدق لأنه عالم أخي. وعندها من يحاول أن يخوفني من عالم أخي - بعد أن أكون قد تعرفت عليه-  أعرف كيف أجيبه وأقطع الطريق عليه.

دعوتكم لهذا اللقاء ليس كسبق صحفي ولا إعلامي بل لأجعل معكم هذا اللقاء سبقاً حضارياً متمنياً أن يسبقني على ذلك رجال دين أرثوذكس وكاثوليك ومشايخ وعلماء دين مسلمين أو غيرهم، على مبدأ: "أتمنى أن الجميع يزيدون وأنا أنقص" لمنعة مجتمعاتنا المختلطة وبلداننا المستهدفة، ومحققاً لمبادئ سينودسنا في إرساليته التي تهدف إلى تحقيق العدالة والسلام وكرامة خليقة الله وبناء الإنسان المتكامل كأساس لمجتمع أفضل مع التأكيد على تكافؤ دور الرجل والمرأة في امتداد ملكوت الله والانفتاح على الآخر والتعاون معه في سبيل خدمة الإنسان دونما تمييز بين عرق أو دين أو لون أو جنس كما جاء في المادة السادسة من الفصل الثاني من النظام الأساسي لسينودسنا في بنودها ( 4 -5 -6 -7).

أيها الأحباء إن المعرفة الحقيقية الواسعة هي أحد أهم أسس توجهنا نحو بعضنا البعض والحوار الهادئ والصادق هو أساس آخر لإخصاب هذا الوجود بنعمة الله القدير وعنايته في سبيل تحقيق كل ما سبق.

 

وفي ختام الاحتفال كان للقس معن بيطار رئيس السينودس الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان رئيس الطائفة الإنجيلية المشيخية في محافظة حماه تعليقٌ ودعوةٌ ونظرةٌ وحلمٌ:

- في التعليق: علق على عبارة "العروبة هي الجسد والإسلام هو الروح" والتي ذكرت في كلمة سيادة محافظ حماه الأستاذ المهندس خليل خالد.  فقال:    قد يقول بعضكم أين نحن إذاً من هذه العبارة (وهنا قصد المسيحيين الموجودين في الاحتفال) سأقول لكم أين أنتم... أنتم في قلب المعادلة إنكم أبناء لهذه العروبة أبناء هذا الجسد وروحكم روحه فالمسيحي في الانتماء هو مسلم بالروح. فلا يمكن لمسيحي أن يعيش في قلبه يسوع المسيح ما لم يكن هذا القلب مسلماً أمره لله. فالتسليم لله هو عملية أسلمة للقلب والروح. هذا هو سر وحدتنا التي أسعى لكشفها وتعليمها للناس.

- في الدعوة:   قال:   أدعوكم جميعاً لمن لم يتسنَّ له قراءة شيء عن السيدة زينب العظيمة أن يبدأ بالتفتيش عن كتب عنها وأنا أنصح بكتاب قرأته أسمه "المرأة العظيمة" وطلبت منه على الأقل مئة نسخة لأوزعها على عائلات الكنيسة عندي. هذا الكتاب أدخل هذه المرأة مكتبة العظماء في عقلي...

- في النظرة:   قال:   السيدة زينب والسيدة العذراء حملتا رسالة الحق وحق الرسالة هداية للبشرية فعينا مريم نظرتا مسامير الصليب تدق في جسد الحقيقية وعينا زينب نظرتا هامة الحسين على رأس رمح في منظر يدب في الأبدان أبشع قشعريرة فكانتا معاً نموذجاً يحتذى للصمود في وجه الباطل حتى النهاية.

- في الحلم:    قال:   ليت أسرنا تكون كأسرة زينب وأبناءنا كابن مريم.

ليت الجهود التي وضعتها المسيحية في تاريخها لمسايرة اليهودية ومن وراءها الصهيونية العالمية اليوم، تضع واحداً بالمئة منها للتلاقي مع الإسلام، لنرى العجائب التي تحصل في العالم بأسره.

أنا لا أقول شعراً بل أعي ما أقول ومسؤول عن إثبات ذلك. فلقاء المسيحية مع الإسلام يصنع المعجزات.

بهذا اللقاء اليوم نكون قد وضعنا أساساً لذلك وخطونا الخطوة الأولى على طريق تحقيق هذا الحلم في هذا الحصن المحمي من الله : سوريا الحضارة والتاريخ.

 

وتحدث في الكنيسة كل من السادة:

فضيلة الشيخ حافظ الحمود  مدير المعهد الشرعي في حماه  - فضيلة الشيخ عمر رحمون - سماحة الشيخ عبد العظيم الكندي -

الدكتور أواديس استانبوليان - فضيلة الشيخ بلال محمود بلال - المهندس خليل خالد محافظ حماه

والدكتور عصام عباس

 

وفي نهاية الحفل قدم الدكتور عصام عباس درع النجمة المحمدية لنيافة القس معن بيطار

 

وكان المسلمون بكل طوائفهم قد أدوا صلاة المغرب والعشاء في رحاب الكنيسة ..

وتناولوا طعام العشاء الذي أقامه القس معن وأسرته الكريمة وكنيسته المباركة على شرف السيدة زينب عليها السلام ...

 

وكان القس قد حضر في اليوم الأول للمهرجان لدعوة الناس من على المنبر في اليوم الأول للمهرجان لهذا العرس الحضاري في كلمة قال فيها :  

ذكر أخي المتكلم قبل قليل ذاك الراهب الذي التقى القافلة التي حملت رأس الحسين، ذاك الرأس الذي حمل معرفة الحقيقة المتعلقة بضلال السلطان وأعلن أن هذا الراهب رأى في وجه ذاك الرأس المقطوع نوراً يشع منه مما لا يفسره العلم ولا المنطق ولا مفردات العقول وإنه أعلن إسلامه بسبب ذلك.

أنا أحب هذه الرمزية وإن أردتم أستطيع أن أعلن أيضا بذات الرمزية

أنني مسلم ولكنني سأقول أكثر من ذلك سواء أعلنت أنا إسلامي أو أي كان من المؤمنين فإننا نعلن حقيقة ما نحن عليه وفيه.

فكل مؤمن حقيقي بالله عز وجل وبحقيقة الحياة بعد الموت هو يعيش على هذا الأساس.

هو مسلم أسلم قلبه لله وفكره للبر والصلاح والحق. فالمسيحي الحقيقي هو مسلم حقيقي.

وإلا لا يمكن أن يعيش المسيح في قلبه فيطهر هذا القلب وينقيه ليكون صاحبه من أبناء الملكوت إن لم يكن هذا القلب مسلماً بكليته لله.

فإن كان إسلام هذا الراهب على هذا الأساس الروحي والفكري العميق والحقيقي فإنه خيراً فعل في إعلانه إسلامه أمام إخوته في الايمان ليكون واحداً معهم في الرجاء والمحبة المسيحية.

أيها الإخوة والأخوات بدأت الحديث رغم أنني لم أكن أنوي ذلك.

كنت أنوي أن أقف أمامكم اليوم لأدعوكم لحضور اليوم الثالث من هذا المهرجان في كنيسة محردة الإنجيلية المشيخية  وأذكر بعض أسباب هذه الدعوة فقط.

ولكن المتحدثين قبلي أثاروا فيّ شجوناً دفعتني لأفصل قليلاً بأسباب تلك الدعوة.

علماً أن الدكتور عصام سلفاً كان يقول لي :"لابد من أن تقول كلمة ما، فأنت أصبحت من الأسرة وأي شيء تقوله بالنسبة لنا هو مشاركة محببة ومطلوبة". فماذا أقول؟ دعوني أبدأ بالحديث عن الأسباب كما ذكرت:

 

السبب الأول الذي جعلني أدعوكم للاحتفال غداً في الكنيسة

هو أنني أصبحت أعتقد أن انضمامي إلى هذه الأسرة ليس محض صدفة بل فيه إرادة خفية.

فعندما التقيت الدكتور عصام أول مرة في مهرجان الاحتفال بعيد الإمامة في السلمية ومازحته بقولي، بعد أن عرفت نوع نشاطه الفكري والاجتماعي والروحي من خلال أسرة النجمة المحمدية، هيا ادعونا لمهرجانكم.

قال: "لك الدعوة من اللحظة".

قلت في نفسي: "كلام بكلام"، إذ يصادفنا الكثير من ذلك دائماً.

وما إن مرت الأيام واقترب موعد المهرجان فإذا بشخص يتصل بي ليدعوني للمشاركة في ذكرى ميلاد السيدة زينب

وأخذ الأمر معي  بعض اللحظات لأتذكر من هو هذا الشخص وافقت على الدعوة مباشرة

حتى قبل أن أعرف ما هو الموضوع وما هي القضية بكل أبعادها التي وراء هذه الاحتفالات لأنني مع اللقاء بكل أشكاله.

عندما أردت وإياه أن نحدد موضوع كلامي سارت الأمور بشكل غريب عن المألوف

فكلما كنت أطرح فكرة كان يقول لي: "كنت أفكر بذلك".

وما إن يقول لي أمراً حتى أشعر أن سراً يجمعني بفكر هذا الشخص.

حددنا أول حديث لي منذ ثلاث سنوات ليكون عن السيدة مريم والسيدة زينب والتشابه بينهما في حمل الرسالة.

وفي  السنة الثانية أيضاً عندما اخترنا عنوان محاضرتي "مسيانية زينب" حصل ذلك أيضاً بصورة فيها شيء غير محسوس لجهة الاتفاق السريع على العنوان رغم غرابته لعقل إنسان مسلم للوهلة الأولى إلا أنه أبدى تفهماً سريعاً لذلك.

وفي السنة الثالثة التي نحن بصددها الآن 2006 تحدثنا عن إقامة يوم للاحتفال بذكرى ميلاد السيدة زينب في حماه بالمركز الثقافي لنشارك إخوتنا السنة بشكل أوسع

وأيضا سارت الأمور بطريقة صدقوني أن فيها تدخلاً أيضا غير منظور خارجاً عن فكر الدكتور عصام وعن فكري لدرجة وصلت الأمور أن يتم ذلك في كنيسة محردة الإنجيلية المشيخية.

وهذا يحتاج للكثير الكثير من العمل والجهود لتهيئة الأجواء والنفوس والناس والمجتمع المسيحي في محردة والمحيط الإسلامي في المنطقة ليتقبل الجميع حتى المسؤلين الفكرة لأنها ليست فكرة عادية وبسيطة بل غريبة وغير مألوفة.

واسمحوا لي أن أكون جريئاً وأقول لكم غير معقولة للبعض. يطول الحديث لو أردت أن أحلل الأمور وأنظر في تفاصيلها ومداخلها ومخارجها وآثارها والمخاطر المحيطة بها ومتاهات خطوة كهذه أن تحتفل كنيسة بذكرى ميلاد سيدة من سيدات الدين الإسلامي.

هذا الحدث الأول من نوعه في تاريخ المسيحية والإسلام في العالم والذي وصلنا إليه أستطيع أن أقول بكل موضوعية ومنطقية ودون عواطف أو شكليات وبكلمة إيمانية واحدة وبساطة لا تخلو من العمق والوعي أن وراء كل ذلك إرادة إلهية.

تلك التي قلت عنها سابقاً أنها إرادة خفية كان لها علاقة بتهيئة كثير من الأمور.

السبب الثاني الذي دفعني لدعوتكم للكنيسة

يمكن أن أضعه تحت عنوان التقدير والاحترام وإعطاء الحق لصاحبة هذه الذكرى في أن يعرفها المسيحيون كما المسلمون وغير المسلمين لأنها نموذج لمقاومة جهاد في طريق الحق والحقيقة مدفوع الثمن سلفاً...

ونموذج لأمور كثيرة أخرى ليس الآن مجال للحديث عنها المهم

أنني من الذين يحققون مقولة إمامنا أنت المثل إمامنا نحن الأمل..

دعوني أذكر لكم من أين أتيت بهذه المقولة ولماذا؟

عندما التقينا في السلمية بعيد الإمامة وأنشدت جوقة شباب وشابات للإمام قالوا :" إمامنا أنت المثل إمامنا أنت الأمل".

وفي كلمتي عندها علقت على ذلك وقلت لهم: ليتكم قلتم إمامنا أنت المثل إمامنا نحن الأمل.

أيها الأحباء ما قيمة ذلك؟ لهذه المقولة قيمة كبيرة لا بل أهمية قصوى لأنها تمنع المتاجرين والمرتزقة والمندسين أن يحققوا مآربهم عندما يركبون موجات الحرية والحق والكرامة والنضال والتضحية والبناء والتطور والتعبد والتدين.

فمثلاً: عندما نقول للمسيحيين - مؤمنين ورجال دين ومفكرين ومسؤولين- أن يسوع المسيح أرادكم أن تتبعوه قبل أن تعبدوه. تجدهم يتضايقون من هذا القول لأنهم يعلمون أن كلمة تتبعوه فيها مسؤولية كبيرة قد تصل إلى الاستشهاد لتحقيق كل الأمور التي ذكرت قبل قليل، هم لا يريدون ذلك بل يريدون أن يحصدوا فوائد من حملهم لاسم المسيح وما لهذا الاسم من قيمة في قلوب الناس دون أن يدفعوا ثمن اقتناء هذا الاسم.

هذه قضية كبيرة فقد أشرت إليها لأعود للسيدة زينب لأذكر كيف تستحق كغيرها من هؤلاء العظماء أن نرى فيها المثل ونتعلم منها العمل وأنها هي أيضاً لم تعبد سيدها بل اتبعت خطاه وأعلنت جهادها في سبيل البناء مستعدة لدفع الفاتورة مهما كانت التكلفة.

قال الدكتور عصام كلمة بحق الرئيس الراحل حافظ الأسد وعظمته، وأنا أقول لا قيمة لتعظيمه أو تعظيم ابنه أو شعبه ما لم نكن جميعاً نجسد رؤاه الصالحة البناءة على كل صعيد لا بل أيضا يجب أن نزيد.

أيها الأحباء.. الناس عامة لا يحبون هذه اللغة لأن لها ثمن ولا يريدون أن يسيروا في هذا الطريق فيدفعوا ثمن الكرامة والحرية والإيمان والتدين والبناء والتطور...

السيدة زينب نحتفل بذكراها في الكنيسة لأنها دفعت الثمن.

فكل شخص يُعتبر أملاً يُصبح مَثَلاً عندما يدفع الثمن.

السبب الثالث الذي جعلني أدعوكم للكنيسة

هو أنني رأيت في السيدة زينب نموذجاً من نوع آخر للسيدة مريم العذراء وأردت أن يطلع على ذلك من حولي لأن في السيدة زينب والسيدة مريم قوة جعلتهما تسيران في طريق الحق المحفوف بالمخاطر المليء بالأشواك. سارتا خلف صليب الحقيقة لنصرة الحق فكان لهما عطر وعبير وجب على كل مسيحي ومسلم أن يتعطر بعطرهما ليفوح منه عبيرهما.

وأردت أيضاً أن يعلم الجميع أن مستقبلنا مرهون بأن نجعل أسرنا كأسرة زينب وأبناءنا كابن مريم،

وأن نجسد قولنا بأننا نحب بعضناً بعضاً بأن نتعلم كيف نحب من يحبه الذين نحبهم فإن أَحببتُ زينباً وهي تحب علياً وحسيناً ومحمداً فعليّ أن أحب هؤلاء،

وإن أَحببتُ مريماً وهي تحب يسوعاً وتلاميذاً له ورسلاً فعليّ أن أحب هؤلاء.

هذه هي حقيقة ومصداقية المحبة.

يجب أن نجسد قولنا بالمحبة لبعضنا بأن ننفتح على ثقافة بعضنا بكل صدق وجدية عبر البحث الحقيقي عن القيم الموجودة في ملفات أخي وتراثه وفكره.

كل الأنبياء والعظماء والقادة والملهمين كانت مصداقيتهم سر إتباع الناس لهم وتجسيد مبادئهم والانتصار لرسالاتهم.

السبب الرابع لهذه الدعوة

هو لنعلن وبصدق التقدير العظيم للسيدة زينب لما رأينا فيها من يسوع المسيح في مواقفها وصمودها وصرخة الحق في حنجرتها ونبرة التحدي في كلامها وسر قوة الإيمان عندها بصاحب السلطان الأوحد والنهائي إله الخلق كافة وسيد الكون والخليقة هذا الإيمان الذي جعلها لا تأبه لسلاطين هذا العالم كما كانت حال يسوع المسيح.

نعم أيها الأحباء قلت مرة وأكرر أن هذه المقارنات صعبٌ على كثيرين أن يتحسسوا ويتقبلوا ما فيها مما لا عهد لهم به،

فمثلاً إن قلنا أيضاً أن السيدة مريم عظيمة في طاعتها وإيمانها وكذلك السيدة زينب، ولكن نزيد إنصافاً لهذه الأخيرة، أن دورها وقوة تأثيرها كانا امتيازاً لمسيرتها

وهذا كان جوابي لإحدى السيدات اللواتي قلن لي : "شو جاب زينب لمريم". ولن أقول الكلمة التي قلتها لها لأنها قد تزعج حتى بعضاً من المسلمين.

العظمة كلمة لا يجوز أن نطلقها على أي كان وفي المجال الديني لا يجوز أن نطلقها إلا على من يقتربون من الإله في قيمهم وفكرهم ودورهم وتأثيرهم.

فالعظمة كلمة لا يجب أن تطلق إلا في حالاتٍ جدُ محددة عندما تتوفر عناصر معينة في شخصية هذا الإنسان أو ذاك.

العذراء مريم والسيدة زينب في الإيمان عظيمتان.

العذراء آمنت بالبشارة التي جاءتها من الملاك رغم أن ثمن ذلك كان الرجم. والسيدة زينب آمنت بأنها أعطيت من الله مهمة لتؤديها رغم صعوبة قضيتها وتحدياتها. فإذْ اقتصر دور السيدة العذراء على العناية بيسوع الطفل والوقوف إلى جانبه  وإتباعه في خطواته إلى الصليب، فإن دور السيدة زينب كان في حمل الصليب متشبهة بموقف السيد المسيح من الكتبة والفريسيين وأعلى سلطة في زمنه.

فيسوع وصف هيرودس بالثعلب والكتبة والفريسيين بأولاد إبليس

والسيدة زينب واجهت السلطان وقرعته بأوصاف جريئة تناسب تحقيره لها وإهانته لإيمانها.

كلاهما لم يصمتا أمام الإهانة الموجهة للرسالة وإن تجاوزا في مرحلة ما إهانة شخصيهما.

ويعوزنا الوقت لو أردنا أن نفصل في هذا السياق وقد أفعل ذلك في وقت وزمان آخر.

أيها الأعزاء..  قال لي البعض: "إلى أين ستأخذنا يا قسيس"

قلت: أنا آخِذكم للقاء الآخر بجدية وصدق ومسؤولية.

أريد أن تُفتَح أقنية القلوب فلا نقول "نحن نحب الجميع" بل نقول "لنفتح قلوبنا وأفكارنا للآخرين" فكم بالحري لأخوتنا المسلمين.

لا بل قلت أيضاً بأني أحلم بزمن نتحدث فيه بأمور يرى بعض رجال الدين استحالة الحديث فيها.

أحلم بأن نصل إلى اليوم الذي نقول فيه "دعونا نترك المطلق الذي في أذهاننا لأنفسنا ونقدم قيم هذا المطلق ومعانيه وجوهره لبعضنا حتى نثير الشوق في نفوس بعضنا للتعرف على الأسباب التي جعلت هذا الأمر أو ذاك له صفة المطلق لدينا"

واسمحوا لي أن أعطي مثلاً عن ذلك. فمثلاً قضية نزول القرآن الكريم ولاهوت السيد المسيح هاتان قضيتان لهما طابع التسليم المطلق في أذهان المؤمنين، ولكن رغم ذلك أحلم أن نصل إلى اليوم الذي نبحث في كل ذلك.

وفي الختام أستأذن سيادة الرئيس بما سأقول:

تمنيت عليه أن نستخدم وسائل الإعلام لتحقيق بعض من الأهداف التي ذكرت عبر حوار إسلامي مسيحي وطني اسمه الحوار الديني السوري فهناك الحوار العربي الإسلامي المسيحي.

وأنا قصدت بهذه التسمية مقاصد معينة منها أن تكون البداية مع أهل البيت مع الإخوة والأخوات الذين يعيشون معاً ولهم اختبارات مهمة مع بعضهم البعض.

أنا اليوم في دعوتي لكم للكنيسة لنحتفل بذكرى ميلاد السيدة زينب أسير في طريق تحقيق هذا الحلم.

الطريق طويل أنا بدأت السير فيه معكم سائلاً المولى الإله الحي القادر والملهم والمحيي ما دمنا نحيا به أن يبارك فيما نؤسس له ويعيننا في هذا الطريق لنكشف سر وحدتنا كبشر آدميين وكمسلمين ومسيحيين على هذه الأرض الصغيرة في كون ملكوت الله العظيم.

محطتي الأولى معكم كانت مع "زينب ومريم"

والثانية مع "زينب ومسيانيتها"

والثالثة غداً مع "زينب وكنيستها".

فإلى اللقاء.

وقد غطى العدد السابع لمجلة النجمة المحمدية هذا العرس الحضاري بتمامه وكماله ...

 

واستمر القس معن بحضوره المميز في المهرجانات الزينبية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية الذي أصبح عضوا في هيئتها الاستشارية ...

 

ففي المهرجان السادس عشر عام 2007م – 1428هـ

تسلم القس درع النجمة المحمدية المقدم للكنيسة الإنجيلية المشيخية في محردة 

 

وألقى الكلمة التالية :  

أحييكم بأجمل تحية تقع في أذن سامع وعارف ومؤمن. فهل من تحية أجمل من السلام عليكم  وسلام لكم  وسلام الله فيكم  وعندما تحدث شاعرنا قبل قليل تنازعتني مشاعر جميلة كادت تجعلني أحول كلامي  إلى شعر أو إلى حديث  تخرج كلماته من القلب لتخدم الشعار والقضية التي في عنوان المهرجان .

ولكن أيها الأحباء لما كانت مشاركتي اليوم للمساهمة العلمية وليست الشعرية وجب أن أعطي للجلسة طبيعتها. لذلك ونحن نتأمل بدور المراة الثقافي والسياسي والقيادي في منهجية السيدة زينب, تستوقفنا قضية العظمة. فمن يكن له دور قيادي في الثقافة و السياسة لا يكن انسانا عادياً  لأن مثل هؤلاء يصنعون تاريخ المجتمعات أخلاقاً وقيماً ورفعةً وكرامة. والسيدة زينب من هؤلاء العظماء والتي لا نحيي ذكرى أمثالها بالكلام عنهم وعن دورهم في زمنهم, بل نحيي ذكراها عندما نتعلم منها ونجسد في أيامنا عناصر عظمتها كلٌ حسب موقعه وإمكانياته وظروفه. فالأم في البيت  مهما كانت بسيطة والأب هما كان طيباً.. والإنسان في مجتمعه، في عائلته، في محيط أقاربه، في وظيفته،  أينما وجد، في كل مكان للإنسان الإنسان  دور يتعلمه من أمثال السيدة زينب.. كما أن الإنسان الشيطان له دور أيضا ولكن ليس هو الدور الذي نحن في أثره ..

سأعود للعنوان : دور المرأة الثقافي والسياسي والقيادي في منهجية السيدة زينب.

أولاً: الدور الثقافي.

إن دور السيدة زينب الثقافي الذي نريد أن نعممه ليكون دوراً قد تضطلع به نساؤنا وبناتنا، و حتى تضطلع المرأة العربية مسيحية ومسلمة يجب أن يتم التعرف عليه في جوهره. ولما كان أساس دورها  الثقافي، أنها ابنة بيت ثقافي. علمنا ذلك كم هو مهم ثقافة الأسرة وقيمة ثقافتها في حياة المترعرعين في كنفها.

إذاَ يادكتور عصام: لايمكن أن تصنع للمرأة دوراً ثقافياً مالم تكن المرأة قد عاشت في بيئة ثقافية، وهذا هو أول مبدأ علمي بسيط للدور الثقافي الحقيقي الذي يمكن أن يضطلع به هذا الشاب أو هذه الفتاة, هذا الرجل أو هذه المرأة, في هذه البيئة أو تلك ..

ولذلك أقول: كيف لا تكوني أيتها  السيدة زينب في ثقافتك عظيمة وقد عشت مع سيد في البلاغة والفصاحة والعلم والمعرفة والإيمان والفكر.. كيف لا وأنت عشت خمساً وثلاثين سنة مرافقة لهذا الإنسان العبقري إمام الأئمة علي بن أبي طالب. إذاً بيئة السيدة زينب الثقافية والإيمانية أساس عظمتها.

إن كنا نريد أن نكرم السيدة زينب في مهرجان كهذا ونحيي ذكراها يجب أن نفتح الفرصة لبناتنا وزوجاتنا وأخواتنا أن يعشن في هذه البيئة الثقافية مع الرجل ويحاورنه ويحدثنه، ولا يختفين عندما يظهر الرجال.

 ثانياً:الدور السياسي.

هناك أدوار سياسية سلبية وسيئة. ولكن الدور السياسي الذي يضطلع به الانسان المُنَشأ في بيئة ثقافية كالتي ذكرنا ولا شك إنه دور لابد مميز.

وإذ نعلم أن أغلب أبناء شعبنا رجالاً ونساءً آخر ما يشدهم الشؤون السياسية، لأنهم منشغلون بأمور الحياة التافهة في كثير من الأحيان والتي تبعدهم عن التفكير في تطوير المجتمع وتقدمه وبناء حضارته ونعلم أيضاً أن السياسيين المتسلطين يريدونهم كذلك فإننا نجد كم هو مهم وجود أمثال السيدة زينب كمحرك وباعث للنهضة والثورة عبر دفع الناس للإهتمام بالشؤون السياسية والتي هي في نهايتها عدالة وكرامة وحرية للفرد والمجتمع.

هذا ما فهمته السيدة زينب عن السياسة مما حركها لتقوم بذاك الدور التشجيعي والمحمس لإنخراط الناس المثقفين في الدفاع عن رسالة جدها وأهل بيتها من أي فساد أو انحراف مارسته السياسة بحق تلك الرسالة فكان دورها السياسي فيه تحد للمسيرة السياسية المعاكسة لكل ذلك0

فما يجب أن نتعلمه من مسيرة السيدة زينب السياسية أن أبناءنا يجب أن يكون لهم دور سياسي يتمثل في تحديهم لكل ما هو سائد مما لا يحقق القيم الانسانية و الروحية التي تبني المجتمع الأفضل و الأمنع.

ثالثاً: الدور القيادي.

إن الجانب القيادي في شخصية السيدة زينب أمر بحد ذاته يحتاج إلى بحث مستقل. ولضيق الوقت, أذكر الجانب الوراثي للأمر  فقط .

إن قضية الشخصية القيادية قضية جدلية بين المكتسب و الموروث. وأنا أرى أن الموروث و المكتسب يتكاملان. فالسيدة زينب بالموروث الذي لديها من صبغيات أب قائد وأم مميزة مع المكتسب من أسرة جد عظيم كان لها أن حصلت على الميزة القيادية في شخصيتها الوراثية. وأرجو بهذا الكلام ألا أزعج من يتنطحون للقيادة و ليس في وراثتهم شيء منها لأن الأمر الوراثي في قضية القيادة أمر مهم و أساسي. فمن لا يوجد لديه هذه الصفة قد يكون عالة على القيادة الفذة والتاريخية ذات الدور الفعال المغير لمسار المجتمعات و التاريخ.

 في الختام: أقول مذكراً بعضكم بما قلته عن هذه السيدة في أول لقاء لي معكم منذ حوالي خمس سنوات أنها دخلت مكتبة العظماء في عقلي. 

و عندما قلت أني أشعر بها في رؤيا العقل أنها من سلالة راقية و تمنيت لو تدرك عظمة رقي هذه السلالة الثقافية و لاقيتها بمريمنا استهجن البعض و استغرب البعض الاخر                           (كيف تساوي بين اثنتين لايمكن المقارنة بينهما ؟)

أعود اليوم وأقول: في سلالة هذه الإمرأة العظيمة شيء يقترب كثيراً من روح المسيحية في مسيحها

و أختم بدعوتي التالية :

.. اجمعوا أيها المسلمون سلالة راقية كهذه مع حكمة وسياسة متقدمة في الإدارة والحرب والعلم العسكري و التقدم الذي كان في الإسلام في زمنه الأول فسيكون لإسلامنا مستقبل مختلف عما هو عليه اليوم ... وشكرا.

وترأس الجلسة العلمية الثالثة للمهرجان السادس عشر:

 

وفي المهرجان السابع عشر عام 2008م – 1429هـ

 ألقى القس معن بيطار الكلمة التالية :

 

يفترض أن من يخصّص وقت لمناسبات كهذه، وأن يقدّر قيمة هذه المناسبات، نحن ما اجتمعنا هنا لكي يصغي واحد لكلام آخر، ثم يأتي الآخر فيذهب، وكأننا أدينا واجباً.

 لو كان رئيس البلاد في هذا المكان، وأتيتم لتقدموا له آيات من الشكر والتقدير والامتنان والتعظيم للدور الذي يقوم به لخير العباد والبشر والوطن، هل كان بيننا من  

 ينسحب لسبب أو لآخر؟

فإذا كانت السيدة التي نتحف الآذان بأسماعنا شعراً أو فكراً أو نثراً في معرض ذكراها، ونبجّل ونعظم، وعندما ننتهي من دورنا هنا يكون لنا مكان آخر، أنا لا ألوم أحداً،

 ولكن أنا أعرف أن كلاً منكم وقته ثمين، فالصلاة عبادة روحية يرتقي بها الإنسان ليتواصل مع سرّ الكون فيأخذ منه القوة، هذه القوة تجعله قادراً أن يعطي، أن يعيش،

  أن يتصرّف، أن يحيا مع الآخر، حباً وسلاماً. 

قوّة حبي لكم هي الصلاة والعبادة، فإذاً اجتماعكم الآن صلاة وعبادة.

أحيّيكم بعد هذه المقدمة كما سمعت من أحد الأصدقاء قال: (مشكلجي)، يا أحباء أنتم قد لا تعرفون هناك من يسمّى اسمحوا لي واعذروني وازرعوها في ذقني، هناك من

 يسمى بالإنسان الحر، الإنسان الحر يربّى، الإنسان الحر نطفة من بشر، وروح مقدس ليس من بشر، أنا أريد في كلامي الذي سبق أن أقول لكم: كيف نبني إنساناً حراً

 في بلاد، في دمشق العروبة والإسلام كما سمعنا.

وسأعود أيّ نوع من الإسلام. كيف نبني إنساناً حراً؟ كيف نبني هذا الإنسان الذي يتضايق إذا ما وجد نقصاً في أيّ أمر، ويسر إذا ما وجد كمالاً في أي أمر.

أحيّكم بأجمل تحية، وأعذب كلمة، وأقدس عبارة، وأروع لغة، وفيكم يا شعرائنا، وفيكم على ذلك على هذه التحية، بتحية الإسلام، السلام عليكم، والسلام لكم، والسلام

 فيكم، وبكم السلام للعالم.

تحية الإسلام، يا أحباب أعذروني سمعت هذه العبارة مرة، وما كنت قادراً إلا أن أتوقف عليها، العروبة جسد وروحه الإسلام، أو العروبة هي الجسد والروح هو الإسلام،

 أي إسلام؟ هل إسلام القرآن؟ أم إسلام الإنجيل؟ أم إسلام آخر على منهج زينب أو غيرها؟ أي إسلام؟

أية عروبة إذا كان المقصود بالعروبة هو الجسد والإسلام هو الروح بمعنى المحمدي؟ فأين المسيحي؟ لكن إذا قلنا وعبارات كهذه في التثقيف والتوجيه والتوعية يجب أن

 لا تمر بعد اليوم إلا بشرخ يعطي معناها وأبعادها الحقيقية.

الإسلام الذي يتجاوز النصوص والطوائف والأديان، إذا كان الدين عند الله الإسلام بمعنى الإله الواحد الأحد الذي يعبد، الدين عنده الإسلام بمعنى أنت دين له لا يمكن أن

 تعبده إلا إذا كنت ألزمت قلبك لإرادته، بهذا المعنى كلنا مسلمون لرب العالمين.

وبهذا المعنى يكون لي مكان، ولأياً كان مكان حتى لأصحاب الحكمة والعقل من غير هذه العناوين يكون إن كان لهم في قلبهم تسليم لسلطة وإرادة وقدرة إلهية، يكون أيضاً

 يشاركوننا بهذه الصفة الكونية الإسلام والمسلمون.

إذاً الإله الواحد، الدين واحد، والرسالة واحدة، وبعد هذا التصحيح الدين واحد، والإله واحد، والرسالة واحدة، وإن تعددت النماذج، وإن تنوعت الصورة، وتعددت ألوان

 وفسيفساء اللوحة، الرسالة واحدة، وهي اليوم أختار من عناصر تلك الرسالة بعضها، فأقول: الرسالة في الأديان، بغضّ النظر عن النصوص والطقوس ــ كما قال شيخنا

 قبل قليل ــ الرسالة في قلب الإيمان هي الحرية للإنسان، والكرامة لهذه الصورة الذي فيك وفيكِ وفيّ، إن فينا صورةٌ إلهية، الصورة الإلهية تجسّدت في هذا الإنسان،

 فكانت الحرية، وكرامة هذا الإنسان هي جوهر كل رسالة سماوية.

لذلك وقفت تلك اللبوة وآخذ فقط صفة، وقفت تلك اللبوة في وجه أعتى قوة، وأقوى سلطة، وقفت وقفة الإنسان الذي فيه صورة خالقه حراً كريماً، تقول له: أنت لست إلا

 (بلغتي أنا) لست إلا تراباً دوداً من الأرض ستعود إليها فكيف تهين من حملت رسالة الحق، وحق الرسالة هداية للإنسانية؟

إذاً وقفت تلك اللبوة لأنها أدركت من رسالة وعلم وثقافة أهل البيت، آل البيت، بيت النبوة، وحمل هذه الرسالة للإنسانية تشرّبتها رضعتها، آمنت بها، فهمتها، فكانت بذلك

 حرة لبوة. استطاعت من ذاك البيت أن تأخذ تلك القوة فتقف في وجه صاحب السلطة الغاشمة، وتقول له: الإنسان، ثم الإنسان، فحريته وكرامته مقدسة، وأنت تهين

 أمثالي أيها الذليل.. أين هم المسلمون؟ أين هو الإسلام. الذي أقصده الآن: أين هم المسلمون الإنجيليون؟ وأين هم المسلمون لرب العالمين حسب عيسى يسوع المسيح؟

 وأين هم المسلمون حسب القرآن ورسول النبوة؟ أين هم؟ أين هؤلاء الأحرار الأسود واللبوات؟ ما عنا نحنا رجل وامرأة، أين هم هؤلاء الذين يقفون في وجه السلطة

 الغاشمة؟

فيقول لأي كان: أنت تهين الإنسان، ونحن تربينا على رسالات تقول: إن الإنسان مكرم حر لأن صورة الخالق فيه، فكيف أن تستعبده أو تهينه أو إلى آخره؟

أين هؤلاء الذين يقفون في وجه هذه السلطة؟ الجواب: في كل مكان.

اسمعوا يا أحباب في كل مكان هؤلاء يوجدون، ولكن نحن نريد اليوم في هذه اللقاءات الثقافية وأمثالها، نحن شريحة وأنا آتي في الطريق، قلت: إلى أين أنا ذاهب إلى

 شريحة إلى جماعة نلتقي من المثقفين، وهذا الشعب وهؤلاء الناس وتلك المظاهر التي تشير على أن الإنسان الذي نتكلم عنه لم نوجده بعد، لم نستطع أن، وأنا أقول

 السهل الممتنع لن أوضح، لم نوجده بعد.

إذاً هؤلاء يوجدون في كل مكان، هؤلاء الأسود وتلك اللبوات، ولكن نريد أن نجتمع، نريد أن نتجمع، لكي نشكل قوة لا تقف فقط في وجه السلطان فيسحقنا، بل تقف

 وتستطيع أن تفعل فعلاً لأني إذا وقفت في وجه القوة وسحقتني فلم أعدّ لها ما استطعت من قوة لأواجهها كما يجب، فأنا أكون منفعلاً متحمساً.

إذاً نحن لا نريد لهذه المناسبات، لهذه الذكريات العظيمة في دمشق عاصمة الثقافة العربية، لا نريد أن نتكلم فقط، بل أن نوحد تلك الكلمات القوية لنجعل منها قوة قادرة أن

 تعيد للتاريخ موقعه في هذه البلاد.

لماذا لم يعد لنا دور في التاريخ؟ ونحن إذ نقول دمشق عاصمة الثقافة العربية، نقول دمشق عاصمة بلاد الشام، بلاد الحضارة والتاريخ والفلسفة والرسالات السماوية،

 بلاد الحضارة والفكر والفلسفة الروحية.

هل أصبحت هذه الحضارة لتلك البلاد، لتلك الفلسفة الروحية، أصبحت لا قوة لها؟ هل أصبحنا عندنا كثر من رجال الدين والمفكرين الروحيين والشعراء ولا قيامة لنا؟

هل تعلمون لماذا؟

في الختام، الجواب: لأننا لا نريد أن نحمل صلباننا، زينب السيدة العظيمة تلك اللبوة حملت صليبها، والأنبياء حملوا صلبانهم، والعظماء يحملون صلبانهم، فليست لأمة

 حياة بدون عظماء فيها يحملون صلبانهم. شعب مستعد أن يرتفع على الصليب، قادة، مفكرون، رجال دين وغيرهم مستعدون أن يرتفعوا على الصلبان، صدقوني لا

 قيامة، كله كلام.

إذاً، لنعيد التاريخ موقعه في هذه البلاد، ولنعيد لهذه البلاد موقعه في التاريخ، يجب من يرفع على الصلبان، ومن يستطيع أن يرتفع على الصليب، هذا يكون شعاعٌ من

 الأشعة الإلهية التي تكون شُهباً تنير ظلمة الأرض، وإن عبرت فيها إلى حين، ولكن بنور تلك الشُّهب يصنع المستقبل، ونصنع التاريخ.

فيا أيتها الشهاب، يا زينب شهابٌ، ويا أنبياء شهب، ويا عظماء، وأنتم ومن بينكم، علينا أن نشكّل هذه الشهب التي تحترق، وهي تعبُر في ظلمة الأرض لتنيرها مرة،

 لتصنع التاريخ. وشكراً.

 

وكان القس معن بيطار قد تسلم في المهرجان السابع عشر درع النجمة المحمدية المقدم للسنودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان

 

أما في المهرجان الثامن عشر عام 2009م – 1430هـ فقد ألقى كلمة قال فيها :

والقس معن بيطار هو أحد أعضاء الهيئة الاستشارية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية

 ـــــــــــــــــــــــ

 

أما المفكر العربي الكبير الأستاذ الدكتور ندرة اليازجي  فهو جوهرة نادرة تعرفت عليه وهو الغني عن التعريف – اتصلتُ به هاتفيا معرفا بنفسي وقد رحب أجمل ترحيب وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد ، زرته في دارته بالقصاع – دمشق لأجل دعوته للمهرجان الرابع عشر ،  رحب وأسرته الكريمة بمقدمي وبدأ الحديث عن علاقته بالتاريخ وبحوثه في الإمام علي عليه السلام وأهديته كتابا عن السيدة زينب عليها السلام – شكر الرجل هذه المبادرة ووافق مباشرة على الدعوة رغم أنه لم يتعرف من قبل على منهجية السيدة زينب عليها السلام ، لكنه أصبح في حالة اطلاع وبحث عن من سيتحدث عنها لأول مرة في حياته وهو الرجل الثمانيني ..

ففي المهرجان الرابع عشر عام 2005م – 1426هـ

حضر وأسرته الكريمة إلى المهرجان ليلقي محاضرة عنوانها السيدة زينب حضورها في التاريخ  قال فيها

 السلام  عليكم

محبتي واحترامي  لكم جميعاً

شكري وامتناني لصديقي وأخي الدكتور عصام عباس الذي هيأ لي الفرصة الرائعة لحمل رسالة اعتماد تسمح لي بالولوج إلى نطاق روحي وإنساني سام ٍ .

أود قبل أن أتحدث عن شخصية امرأة هامة وعظيمة تتجاوز حرفية التأريخ المعبر عنه بأحداث التاريخ المعلنة والمبلغة، وتتميز بحضور إنساني واجتماعي وروحي يرفعنا إلى المستوى اللائق بسمو رمزية وجودها وعمق السر الذي يشير إلى حقيقة تتسامى على الواقع المعاش، أن أتمثل عالم المثل الذي تحدث عنه الحكماء من أمثال أفلاطون والمثالية التي يدعو إليها أصحاب المبادئ ويحيونها في واقع وجودهم الأرضي.

أولا ـ المثال:

أدركت وأنا أتأمل بملء وعيي وبصيرتي عالم المثل، أن أحدس الحقيقة الكونية أو الوعي الكوني أو الحكمة السامية التي تدعوني إلى تطبيقها في عالمنا، عالم الظل أو الطيف. هذا، لأنني مدعو إلى تحقيق عالم المبادئ المثالية والروحية في عالم الأرض، والحق أن الظلال والأطياف التي ترتسم على جدار الكهف، الذي أعيش فيه وأنا مكبل بقيود وإشراطات عديدة تحول دون قدرتي على رؤية مصدر النور، لا تنتهي ما لم أكن قادرا على التحرر من تلك القيود والخلاص من تلك الإشراطات، لألتفت إلى مدخل الكهف وأشاهد ضياء ووضوح النور الذي ارتسمت صور وأشكال الوجود على الجدار واعتبرتها حقيقية. وإذ أشاهد هذا النور وأعاين حقيقة المثال، أتحرر من الوهم الذي أشرطني وقيدني وجعلني أحل الجهل محل المعرفة، والوهم محل الحقيقة، والظلام محل النور، والواقع محل المثال. وفي تحرري وانعتاقي أتجاوز واقعية الوهم وأحيا مثالية الحقيقة التي تشير إلى الحياة في النور الذي يتألق في داخلي. وإذا كان عالم الواقع الأرضي، وهو عالم الظل، يمثل الوجود كما هو معين ومعطى، فلا بد وأن تكون المثالية اللامتعينة تعبيرا عن الوجود كما يجب أن يكون. وهكذا، يتمثل الواقع في الوجود وتتمثل المثالية في الوجوب. وفي هذا المنظور، يتمثل واجب الإنسان، وهو يحيا وجوده الأرضي، في تحقيق عالم المثال في عالم الواقع، أي في عالم الطيف والظل، وذلك لكي لا يكون ضحية الوهم والضلال.

أسمح لنفسي، وأنا أتحدث عن عالم المثال وعالم الظل، أن أتحدث بالمقابل، عن عالم المبادئ الروحية التي تدعونا إلى تطبيقها في عالم الأرض في سبيل الانعتاق والتحرر من الإشراطات الكثيرة التي ترتسم على جدار مخيلتنا لتشكل الوهم الكبير الذي يهيمن على عقولنا لتبقى محتجزة داخل هذه الإشراطات. وفي هذا الانعتاق أو التحرر، يحقق الإنسان، رجلا كان أم امرأة، الغاية السامية من وجوده، ويحيا روحانية وجوده، ويحدث تأليفا توحيديا بين عالم السماء وعالم الأرض.

في هذا التأليف التوحيدي، عاينت شخصية الإنسان الروحي، الإنسان المحب، المسالم، المضحي، العارف، الواعي الذي يقدم مواهبه العقلية والروحية إلى الإنسانية جمعاء. وفي هذه المثالية الروحية، شاهدت وفهمت الحياة الروحية والاجتماعية والمثالية التي وضعتها السيدة زينب موضع التنفيذ في عالم الواقع الذي شاءت أن ترفعه وتسمو به إلى عالم المثال والمبدأ، وسعت إلى رفع عالم الوجود إلى عالم الوجوب وعالم الأرض إلى عالم السماء. وفي هذا السمو، أصبح العالمان عالما واحدا وحضورا يشير إلى توحيد تأليفي لثنائية ظاهرية.

إذ بلغت هذا المستوى من تأمل مبادئ كل شخصية تهدف إلى تحقيق مثالية وجودها، علمت أن إنسان المبدأ، إنسان الروح، إنسان المثالية السامية، إنسان الإيمان بديمومة الحياة، الإنسان المستنير بنور الروح، كائن يحمل العالم في قلبه وعقله ووجدانه، ويسعى جاهدا لتجاوز الصعوبات التي تعترضه، ويحتمل أن تكون مؤلمة ومضنية. أقول هذا وأنا أعلم أن الصعوبات المعترضة يحتمل أن تتفاقم وتزداد بازدياد سمو المبادئ الراسخة في عمق الإنسان الروحي أو المثالي الذي يبغي، وهو يتألم، الخلاص للعالم والإنسانية من السلب المجسد بالجهل الملازم للشر الذي يطيح بإيجابية المغزى المضمون في الحياة الأرضية التي هي تربتنا الصالحة لزرع بذور الروح الممثلة بالإصلاح. وهكذا يضحي إنسان المبدأ وهو يتألم ألما إيجابيا في عمقه. إنه يدرك الصعوبة التي تعترضه وهو في طريقه إلى تطبيق المبادئ الروحية السامية، ويعلم أن تحقيق هذه المبادئ الروحية يتلازم مع الألم الذي يجتاح قلبه النقي وهو يرى التعاسة التي تسيطر على حياة الناس، والشقاء الذي تئن البشرية من شدة وطأته، والكراهية التي تؤدي إلى الصراع والصدام والتدمير، والتعصب الناتج عن سوء الفهم الذي يعمي البصيرة ويعزز صلابة مركزية الأنا، والجهل الذي يقاوم المعرفة.

أدركت، وأنا أتأمل بعمق بصيرتي وتعقلي، أن إنسان المبدأ يتألم ألما إيجابيا في داخله. وفي هذا الإدراك، فهمت المغزى الكامن في العبارة التالية التي تشير إلى حقيقة المتألم في سبيل خلاص العالم وإنقاذه من السلب: إن الإنسان، الذي يحيا حقيقة وجوده، يتألم ويضحي في سبيل تحرير البشرية وخلاصها من معاناتها، والحق أن الألم الإيجابي يتحول إلى غبطة في اللحظة التي يدرك الإنسان الروحي أن ألمه المرافق لتضحيته قد تمثل بمحبة فائقة للبشرية دون تمييز بين الأعراق والأجناس والألوان وبين تعدد الفئات العقائدية والمذهبية.

في هذا الألم الإيجابي، عاينت قوة الروح التي تميزت بها السيدة زينب. علمت أن ما يدعوه الناس بالمأساة ليس، في نظرها، أكثر من مجرد تعبير لم يلق بها في أحضان الاغتراب والإحباط، ولم يكن للألم السلبي، القائم في الكراهية والحقد والانتقام، موضع في كيانها. فهي لم تدع إلى افتعال صراع أو صدام يؤدي إلى اندحار واحتضار الحضارة الإنسانية التي لا تتألق إلا بنور المبادئ الروحية. وعلى غير ذلك، تمثل ألم غبطتها الروحية في تنشيط فعاليتها التائقة للخلاص ومحبتها وعنايتها بالآخرين، وإرشادهم وتوجيههم إلى اعتناق المبادئ الروحية التي هي النطاق اللائق بمحبة الإنسان للإنسان. لقد أدركت، عبر تربيتها الإنسانية والروحية، عظمة الحقيقة التالية:

أ ـ أنبل الناس أكثرهم محبة للإنسانية وأكثرهم ألما لمآسي الإنسانية والمعاناة الناتجة عن أنانية الإنسان.

ب ـ أنبل الناس شعورا وأكثرهم محبة وألما، أكثرهم تضحية.

ثانيا ـ عظمة المرأة – المبدأ الأنثوي للوجود:

عندما أتحدث عن حقيقة امرأة عظيمة، أجد نفسي أتحدث عن الوحدة الجوهرية الماثلة في كيان الإنسان. ولما كان الرجل إنسانا، وكانت المرأة إنسانا، وليست إنسانة، فإن القضية تدرك في صميم جوهر وحدة الكيان الإنساني وفي ثنائيته الظاهرية المرموز إليها بالقطبية البشرية: الرجل والمرأة. وهكذا، أعلم أن الرجل والمرأة كيان واحد، يتكاملان على مستوى كوكب الأرض ضمن ثنائية أو ضمن قطبين متقابلين وغير متناقضين. وبالتالي، أقول: يتكامل الرجل الواعي والمرأة الواعية في جوهر كيانهما. وفي تكامل هذين القطبين المتقابلين وتساويهما الجوهري في كيان واحد هو الإنسان، يحقق كل منهما القطب الذي يمثله، وذلك لكي تعود الثنائية الظاهرية، ثنائية الرجل والمرأة، إلى الوحدة البدئية، الأساسية والجوهرية التي هيأت تجسد الروح في عالم الحياة المادية بعد وجود الثنائية. وهكذا، لا تعتبر روح المرأة أنثوية أو روح الرجل ذكرية. وبالتالي، نستطيع أن نعتبر الروح كيانا واحدا.

عندما نتعمق في فهم المبادئ العلمية والكونية والروحية، ندرك أن كل ما هو موجود في الرجل موجود أيضا في المرأة باختلاف النسبة، وكل ما هو موجود في المرأة موجود أيضا في الرجل باختلاف النسبة.

هكذا نعلم أن كيان الإنسان جوهر واحد، يتكامل في ثنائية وقطبية الرجل والمرأة كتكامل وتفاعل القطب الشمالي والقطب الجنوبي. والحق أن هذا المقولة تشير إلى أن الرجل لم يسبق المرأة في الوجود الأرضي. لذا، لا تتضمن كلمة آدم معنى الرجل بقدر ما تعني الجنس البشري، أي الإنسان الواحد في كل زمان ومكان. ولمّا كان الجنس البشري ، منذ نشأته ذكرا أو أنثى، فيمكننا أن نقول: الرجل آدم والمرأة آدم؛ الرجل إنسان والمرأة إنسان، وليست إنسانة. وبالتالي، نرى أن صفة الآدمية تضفى على الرجل بمقدار ما تضفى على المرأة. لذا، نقول: رجل آدمي وامرأة آدمية. وبقولنا هذا نعني رجلا يحقق إنسانيته وروحانيته وامرأة تحقق إنسانيتها وروحانيتها. هكذا يتكامل كيان الرجل وكيان المرأة في الإنسان الواحد دون أن يكون لأحدهما أسبقية أو أفضلية على الآخر.

يؤسفني أن أقول: يشير الخلل الحاصل في هذه المساواة الجوهرية والقول بأسبقية أو بأفضلية الرجل على المرأة إلى سيطرة عقيدة الذكورة المجسدة بأنانية الرجل وهيمنته. والحق أن المبدأ الأنثوي يشير إلى أنثوية الوجود، بمعنى أن الوجود-الأنثى يحتوي الكل ويحمله وأن الذكورة مجرد حركة تحرض الأنثى للفعالية باتجاه العطاء والاحتضان وحمل الوجود إلى الفعل. لذا، كانت الأنثى-المرأة حلقة الصلة بين عالم الروح وعالم المادة؛ إنها تحمل الروح في أحشائها لكي تتجسد في عالم الأرض. وهكذا، يمكننا أن نقول: المرأة الأنثى هي الأم الكبرى التي تحمل الطاقة الروحية اللامتعينة لتصير إلى وجود واقعي متعين. ويتماثل هذا المبدأ مع المقولة التي تعترف بأمومة الأرض.

في هذه المساواة الجوهرية، وفي كون المرأة المبدأ الأنثوي الذي يحمل الوجود ويحتويه، وكون هذه المرأة-الأنثى الأم الكبرى، وكون هذه الأم الكبرى أما للرجل والمرأة سواء بسواء، وكون الرجل نتاجا للمرأة إذ لولاها لما وجد، تكمن عظمة المرأة وتفوقها على الرجل أو مساواتها به في الأدنى. والحق أن جميع المبادئ أنثوية في جوهرها: الحقيقة مبدأ أنثوي، الحكمة مبدأ أنثوي، السكينة مبدأ أنثوي.

إذ أتأمل حياة كل امرأة تحقق عظمة وجودها وكيانها، وأخص السيدة زينب التي تمثل، في لقائنا هذا، المبدأ الأنثوي أو الشخصية التي يتحقق فيها سمو المرأة عبر مستوياتها العديدة، الروحية منها والثقافية والاجتماعية والإنسانية، أعلم كل العلم، وأتأكد كل التأكيد أن مثالية المرأة أو روحانيتها كفيلة برفعها إلى المستوى الأعلى الذي تسنمته المرأة الأولى، المدعوة حواء، قبل سيطرة عقيدة الذكورة. وإذا شئنا أن نتحدث عن مثيلات للسيدة زينب وجدنا في المرأة القديسة جاندارك الجانب الفاعل في شخصيتها ضمن نطاق المفهوم القومي والاجتماعي والروحي، وفي الأم القديسة تريزا مفهوم المحبة التي شملت المعوزين والفقراء والمظلومين الذين وجدوا فيها الملجأ الذي يحميهم ويقدم لهم لقمة العيش وقوت الحياة. لقد جمعت السيدة زينب في كيانها كلا من جاندارك التي سعت إلى تحرير شعبها وأمتها من هيمنة المتسلطين، والأم تريزا التي كرست حياتها وهي تضحي بنفسها في سبيل إعالة وخلاص المتعبين وثقيلي الأحمال من الفاقة والبؤس. لقد ألفت السيدة زينب بينهما ووحدتهما في شخصيتها المتوازنة التي تتميز بالواقعية والمثالية.

في دفاع مبدئي ومثالي وواقعي عن المرأة، وبخاصة إن كانت عظيمة، تدفعني حماستي وجرأتي الأدبية إلى الاعتراف بأن وقوف المرأة خلف كل رجل عظيم قضية لا تلقى القبول في مقولات المنطق المتماسك في أحكامه ما لم نضع صياغة جديدة لهذه المعادلة، في حدها الأدنى، على النحو التالي: خلف كل رجل عظيم تقف امرأة عظيمة. وهكذا، تتميز المرأة بعظمة تتساوى، في قيمتها وجوهرها، مع عظمة الرجل. وعلاوة على ذلك، أسمح لنفسي أن أقول: إن المرأة العظيمة، من مثيلات السيدة زينب، لا تستمد عظمتها من عظمة الرجل الواعي فحسب، بل تستمدها أيضا من حقيقة كيانها الروحي والجسدي.

يؤسفني أن أقول: إن أنانية الرجل التي تخشى تفوق المرأة على نحو رفض لعظمة كيانها، وتتجنب الاعتراف بعظمة هذا الكيان، تتصلب بمركزيتها التي تسوغ عقيدة الذكورة. والحق أن الرجل، حتى ولو اتخذ من عقيدة الذكورة تبريرا أو تسويغا، يضطر، على نحو التزام واعتراف، إلى الإقرار بعظمة المرأة عندما تبلغ ذروة سمو كيانها في الأمومة. عندئذ يضطر، بالضرورة، إلى الإقرار بطهرها والدفاع، على نحو استبعاد، عن كل ما يقلل من شأنها أو يحقرها. وهكذا، أسمح لنفسي أن أعلن الحقيقة التالية: يعتبر الرجل عظيما عندما يعترف بعظمة المرأة.

ثالثا ـ دراسة التاريخ أو كتابته من جديد بعقل منفتح:

أود، بادئ ذي بدء، أن أتحدث عن "التأريخ" بوصفه تدوينا للأحداث، أيا كان نوع هذه الأحداث أولا، وعن "التاريخ" بوصفه دراسة واعية ومعمقة لهذه الأحداث ثانيا. وفي رأيي يصنف التاريخ في صنفين:

أ ـ التأريخ العلني المبلّغ، وهو تاريخ الأحداث الجارية.

ب ـ التاريخ غير العلني، وهو تاريخ العلم والمعرفة والحكمة، وتاريخ المبادئ التي طويت ولم تبلّغ ضمن أحداث التاريخ أو أسيء فهمها أو شوِّهت.

يشير التأريخ العلني المبلغ إلى وقائع وأحداث دونها أناس، ندعوهم تأريخيين ذكروا، بالدرجة الأولى، ما رغب في تدوينه أهل السلطة، أيا كانت هذه السلطة وفي أي بلد كانوا، خاطئة كانت هذه الأحداث أم مصيبة. ولهذا السبب، يجد الإنسان الواعي، الحكيم والمنطقي وغير المتحيز في دراسة التاريخ المعلن والمبلّغ قصصا وروايات بُلِّغت إلى الناس على نحو حقائق أكيدة لا تقبل التعديل أو النقد. وقد أدى التأكيد على واقعيتها إلى تصلبها في عقول الكثيرين ممن انفعلوا بما ذكر عنها، الأمر الذي جعلهم يتيهون في منعطفاتها وتضاعيفها، وأصبحوا يدافعون عنها بوصفها حقائق مطلقة لا تقبل الاعتراض أو الدراسة.

من جانب آخر، يعد التاريخ غير العلني دراسة معمقة لأحداث العالم. والحق أن جانبا من هذه الدراسة يتصل بأفكار ومبادئ لم تبلغ على نحو علني، وبقيت محفوظة في ذاكرة الروح الإنسانية.

بالإضافة إلى ما ذكرته عن نوعي التاريخ، أجد نفسي ملزما بإعادة تصنيفه من جديد على النحو التالي:

أ ـ تاريخ الأفراد، حكاما كانوا أم غير ذلك؛ يشير هذا التاريخ إلى الأحداث بوصفها مؤشرات لأعمالهم وإنجازاتهم.

ب ـ تاريخ العلم والمعرفة والحكمة والأخلاق: يشير هذا التاريخ إلى مسيرة الروح في الذاكرة الجمعية للعالم.

بقدر ما يكون الصنف أو النوع الأول ماضيا، يظل هذا الماضي، بالقدر ذاته، مسيطرا على الحاضر على نحو خضوع الحاضر للماضي. أما تاريخ المعرفة والعلم والأخلاق فإنه حضور دائم، حضور يحمل الماضي ليطوره إلى المستقبل ليبقى حضورا دائما.

لذا كانت النظريات العلمية والمبادئ الروحية والأخلاقية والإنسانية والمثالية حضورا يتجاوز التاريخ العلني المبلغ إلى إنسانية تتألق بالمحبة والوعي والسلام والمعرفة والخير والازدهار والطمأنينة، وتدعو كل من يتمثلها من الرجال المميزين بالوعي والحكمة والمعرفة والنساء المميزات بالوعي والحكمة والمعرفة، من مثيلات السيدة زينب، إلى تأسيس إنسانية تقوم دعائمها على هذه المبادئ، وتعد هذه النظريات المعرفية أو العرفانية والمبادئ الروحية أنوارا كاشفة انطلق ضياؤها من الماضي ولا تزال تشع بنورها، على نحو دائم، في الحاضر لتتابع ضياءها إلى المستقبل، وفي هذا المنظور، توفق هذه النظريات والمبادئ بين الأبعاد الزمانية والمكانية الأرضية الظاهرية لتؤلفها في حضور واحد.

إذ أبلغ هذا المستوى من البحث، أسمح لنفسي أن أقول: إن الدراسة المعمقة والواعية لشخصية امرأة عظيمة، نتمثلها في شخصية السيدة زينب، تحتفظ بحضورها. والحق أن الاحتفاظ بهذا الحضور وصيرورته عبر التاريخ وديمومته يحمل الماضي المتجدد على الدوام وهو يحافظ على ديناميكية المبادئ وأنواع المعارف التي تحققت في البعد الزمني، الذي ندعوه الماضي، لتبقى حقيقة في المستقبل على نحو حضور شامل. وعلى هذا الأساس، لا يكرر الماضي ذاته في الحاضر. هذا لأن المبادئ تظل حقيقة على نحو حضور دائم. أما أحداث التاريخ الماضية والمعلنة والمبلغة فإنها تتكرر لسبب هو أن الناس لا يدرسون تلك الأحداث بوعي، ولا يحيون حضورها في كيانهم ولا يدركون الأخطاء المرتكبة، الأمر الذي يعني تكرار تلك الأحداث، أي تكرار الأخطاء ذاتها بصورة أو بأخرى.

رابعا ـ الخلاصة – ملامح شخصية السيدة زينب:

لما كان التأريخ العلني والمبلغ قد أغفل سير الغالبية العظمى من النساء ممّن أنجزن، عبر مواقفهن الرائعة، تعديلا أو تطويرا أو تغييرا في بنية المجتمعات، في نطاق القيمة والمعنى، فلأن مركزية الأنا الذكورية وقفت عائلا وحالت دون ذكر إنجازهن الحضاري والثقافي والإنساني. ولما كنت أعتقد، بإيمان راسخ، أن المبدأ الأنثوي هو المبدأ الفاعل في استمرارية الوجود الأرضي، المبدأ الذي يحمل ويعطي ويضحي، فإنه يسعدني، بل ويغبطني أن أتحدث عن ملامح امرأة عظيمة هي موضوع حديثنا، دون التقيد بالنصوص الحرفية المقيدة والمغلقة. ولما كنت أجد في شخصية السيدة زينب المرأة المصلحة في مجال الحياة الاجتماعية والسياسية، والحكيمة والمرشدة للنساء ودعوتهن إلى التعلم والتثقف والتحرر من الجهل، والخطيبة المفوهة أمام الجماهير، والمحاورة التي تؤكد على تبني قيم الروح المحققة في عالم الأرض، فإنني أود أن أكمل حديثي بذكر بعض مزاياها الرائعة التالية:

تميزت هذه السيدة الحكيمة بقدرتها على إيصال القيم السامية لكل إنسان أيا كانت عقيدته أو ديانته أو مبدؤه. وقد هدفت إلى التأكيد على تحقيق هذه القيم الروحية بديناميكية تتجاوز الآلية الرتيبة. وشدَّدت، في أحاديثها وحواراتها، على تنشيط الطاقة النفسية والعقلية الفاعلة باتجاه التغيير في سبيل نبذ الظلم والعمل بموجب العدالة التي هي مبدأ إنساني. ودعت هذه السيدة العظيمة إلى الأخذ بثقافة الصبر والتحمل والحكمة في سبيل الإصلاح الاجتماعي المبني على مبادئ الروح. وقد اتصل سعيها لحماية حقوق الإنسان بمبدأ الحفاظ على كرامة الإنسان. وفي رأيها أن الإصلاح لا يتحقق إلا في بناء شخصية الإنسان على أساس متين تدعمه الحرية والشعور بالعزة والكرامة.

لقد رأت السيدة زينب في روحانية المبادئ الإسلامية حضارة منفتحة ومحبة فائقة لجميع الناس تقوم على الحوار البنّاء، وتتجنب السيطرة والإكراه. وفي هذه الحضارة المنفتحة تلتقي التنوعات الثقافية ويتألق ضياء الإنسانية المتألقة في حرصها على الاعتراف بالآخر والقبول به. والحق أن هذه السيدة الراقية والمتسامية في مبادئها كرّست حياتها وهي تسعى جاهدة لتأسيس مجتمع فاضل وديمقراطي يزدهر في وسط العدالة والكرامة والحرية.

 

وفي المهرجان السابع عشر عام 2008م – 1429 هـ ألقى محاضرة بعنوان المسيح والإمام قال فيها:

السلام عليكم

موضوع محاضرتي

المسيح و الإمام 

يشير هنري كوربان إلى أن نواة معتقد المسيحية الأولى ، أي اليهودية المسيحية  أي جماعة أورشليم كان للبحث في النبوة وفي ( النبي الحقيقي ) وعلى الرغم من أن تعليم بولس أخرج المسيحية من النطاق اليهودي لكن التعليم المتصل بمفهوم النبي الحقيقي ورثه الإسلام و طوره على نحو فلسفة نبوية  و بهذا العدد يتساءل كوربان إن  كان يسوع المسيح هو النبي الذي أنبأ به موسى في كتاب الاشتراع 15:19 هذا ،لأن معتقد اليهودية – المسيحية يحمل المعنى الخلاصي لإسرائيل بمجيء المسيح الثاني المنتظر و المنتصر .

وفي هذا المنظور ،

يقول كوربان : كما أن ظهور ( النبي الحقيقي ) لم ينته بموت المسيح ، كذلك كان الأمر ف معتقد الشيعة الاثني عشرية بالنسبة للإمام الثاني عشر ، علماً أن مفكري الشيعة رأوا في الإمام الثاني عشر

الغار قليط الذي أنبأ به إنجيل يوحنا ، و بالإضافة إلى ذلك ، يتحدث كوربان عن تلاقي إمام الإمامية و مسيح اليهودية – المسيحية في فكرة ( النور المحمدي )

أي ( الحقيقة النبوية الأزلية ) و في وظيفة إنارة القلب بالمعرفة التامة .

و كذلك يتحدث كوربان عن الترادف بين الإمام المعصوم في مفهوم الإمامة و معنى النبي الذي لا يخطئ في مفهوم اليهودية – المسيحية

و يتحدث كوربان أيضاً عن ( سبعة الغيب ) بحسب مفهوم ( الإبيونين ) أي السبعة التي ظهر فيهم

( المسيح الأزلي ) وهم أفنوخ ، و نوح ، و إبراهيم ، و اسحق ، و يعقوب ، و موسى ، ويسوع ،

وهم أركان العالم السبعة ، أو أركان العالم الثمانية متى ذكر آدم المسيح  الذي تجلى فيهم

و يقارن كوربان هذا التصور بتصور المانوية للأنبياء السبعة وهم آدم ، وشيث ، و نوح، ويسوع ، وبوذا ، و زرادشت و ماني

في معرض الحديث عن ( النور المحمدي ) أو ( الحقيقة النبوية الأزلية  )

يشير كوربان إلى أن الكائنات النورانية الأربعة عشر المعصومة ، أي النبي وابنته فاطمة و الأئمة الاثني عشر

هم تجليات إلهية وليسوا تجسيداً للألوهية .

وهذا هو الفرق الأساسي بين التصور الشيعي للإمام  والتصور المسيحي للمسيح

و يقول كوربان : إن نزول ( النور المحمدي ) في الأنبياء وبالتالي في هذا العالم لا يعني تجسداً

ولا يمت لتعليم بولس بصلة

لذا كان التصور الشيعي للمسيح أقرب إلى التصور اليهودي – المسيحي منه إلى التصور المسيحي الرسمي كما صورته المجامع الكنسية

أما ما يقارب بين تصور الإمام عند الشيعة و تصور المسيح فيظهر في فكرة الإمام الأزلي الموافقة لفكرة المسيح الأزلي ضمن مفهوم النبي الحقيقي

في اليهودية – المسيحية

في معرض الكلام عن الإمام الثاني عشر ، يقول كوربان إن معنى عودته في آخر الزمان يقرب قول المسيحية المعادية في ( جسد المسيح الروحي ) وقد حاول الفكر الإسلامي التدليل على أن محمد هو الغار قليط استناداً إلى مفهوم النبي الحقيقي في اليهودية – المسيحية

وقد تحولت هذه المقولة أو المفهوم إلى الإمام و ذلك بدليل القول المنسوب إلى الإمام الأول ( أنا الذي سمي إلياس في الإنجيل ) أو

( أنا المسيح الثاني أنا هو وهو أنا )

وهكذا يكون الغارقليط  هو الإمام المنتظر أي الإمام الثاني عشر

يخلص كوربان إلى القول : قد يكون ما يقارب بين الإمام و المسيح من حيث أن كل منهما وسيط بين الله و الناس

هو مفهوم التجلي في حين أن ما يباعد بينهما هو مفهوم التجسد

لما كان كوربان فيلسوفاً و مستشرقاً في آن واحد و متأثراً بحكمة الإشراق الهروردية فقد اعتقد أن ثمة درجات أو صعداً في التأويل يعود تباينها إلى تباين كيان  المتأول

وذلك استناداً إلى المبدأ القائل : إن كيفية الفهم تحكمها كيفية الكيان

ومع ذلك يوجد فرق بين كيان عادي و كيان روحاني

ويتبنى كوربان مقولة اصطفاء الله لبعض الناس دون غيرهم ، وجعلهم أنبياء أو أولياء أو أئمة دون الأخذ بالاعتقاد الشعبي القائل بأن الله سلط الملوك و أنعم على الأثرياء

وبالمثل نزل الله على كتب فيها كلامه و شريعته ، وأن لهذه الكتب من المعاني الظاهر و الباطن

ويعتقد أن ثمة من الوفاء من أحجبهم عن قول أي شيء في الله واعتقادهم أن الله لا يدرك بذاته

ومع ذلك اعتقدوا أن الله تكلم إلى أنبيائه و أنزل كتيب عليهم والسؤال المطروح هو :

كيف يكون كلام الله و كيف يصير هذا الكلام إلى الناس وفق صيغة كلام الناس؟

ولماذا تكون وساطة ملاك أو نبي أو إمام بين الله و الناس؟ وكيف يكون الباطن الروحي باطن الظاهر المادي ؟  وكيف تكون الصلة بينهما ؟

يرى كوربان أن الوضعين ماثلان في المبدأ الواحد دون افتراض تفوق المعنى الباطن على المعنى الظاهر

يقول كوربان : ولدت أفلاطونياً و أخذت بالماورائيات

وهذا ما جعلني أتحدث عن تاريخ مقدس غير التاريخ الزمني

وعن زمن أنفسي وعن لا مكان

وعن شرق وغرب غير ما تعرفه الجغرافيا وعن ملائكة وعن ذات مثالية يتمتع بها كل فرد من الناس إلى ما هنالك من المفاهيم  غير المرئية ومع ذلك يقول : إن العالم المرئي يتماثل مع العالم غير المرئي

يتحدث كوربان عن حاجة الناس إلى وسيط بينهم وبين الله

فيقول : تفسر هذه الحاجة بشعور الناس بما يباعد كيانهم المتناهي و الكائن اللامتناهي

لذا كان على الوسيط أن يكون له شيء من اللاهوت وشيء من الناسوت

ووفق هذا التفسير ينشأ اختلاف و تقارب بين المفهوم المسيحي والمفهوم الإسلامي الشيعي خصوصاً

يعتقد كوربان أن مرد الاختلاف و التقارب إلى اختلاف المسيحيين في تصورهم كيان المسيح

و يميز التصور المسيحي الرسمي عن التصور اليهودي المسيحي وعن التصور العرفاني أو الفنوحي للمسيح

ففي رأي الكنيسة أن المسيح هو الوسيط لكونه في آن واحد إلهاً و إنسانا ومع ذلك يمكن العودة إلى التصور المسيحي الخليقدوني و اليعقوبي و النسطوري عند الكتاب المسيحيين العرب وعلى النقض الإسلامي لهذا التصور

في التعابير الواردة في الكتابات المسيحية عن حضور الإله في الإنسان يسوع

الاتحاد و التجسد و التأنس يقابله تأله الإنسان ثم الامتزاج و الاختلاط والاتصال والاقتران ثم الحلول و الهيكل والتجلي والظهور

وفي التعابير الواردة في رد المسلمين : الاتحاد و التجلي و التأنس والحلول و التدرع والظهور والاختلاط والامتزاج والحجاب و الهيكل و التدبير , دبر , و دثر

نخلص إلى القول : إن تشعية الاتحاد و التجسد بالظهور و التجلي قد يقارب بين المسيح والإمام خصوصاً متى ذكرنا قول بولس الرسول في المسيح إنه صورة الله

( اكورننوس 7:11 ) و ( 2 كورننوس 4:4 ) و ( كولوسي 15:1 ) و ( عبرانين 3:1 و5) وكذلك يقول بولس في ( رومانين 29:8 ) إن الذين سبق أن عرفهم الله هم مشابهو ن صورة ابنه وفي غلاطية 20:2 يقول بولس ( أنا بل المسيح يحيا في )

وفي اكوزنتوس 23:15

يقول : هكذا قيامة الأموات يزرع الجسد بفساد و يقوم بلا فساد يزرع جسد حيواني و يقوم جسد روحاني

لكن أكان فرق بين تجسد الكلمة في يسوع فصار مسيحياً وظهور الصورة الالهية في مرآة الإمام أم كان بينهما تشابه يبقى أن نسأل : كيف يمكن ان يكون وسيط بين اللامتناهي و المتناهي أي كيف يكون لمرآة  بشرية أن تعكس صورة إلهية وكيف يكون للوسيط وجه إلهي ووجه بشري في كيانه الواحد

وثمة سؤال أخر أساسي : كيف يمكن أن يكون إلى وجود اللامتناهي  وجود كائنات متناهية أي كيف يكون الوجود اللامتناهي الوجود كله ويكون مع ذلك في الوجود كائنات متناهية أي كيف يكون اللامتناهي الوجود كله ويكون مع ذلك في الوجود كائنات مغايرة له

فإما أن يكون اللامتناهي هي وحدة في العصور و إما أن يكون وجود واحد فلا يكون فصل بين متناه ولامتناه

أخيراً نقول على لسان أحد الحكماء :

العالم ليس له وجود غير إلهي فالخليقة هي ظهور إلهي

كان الله ولم يكن معه شيء ولما يزل كذلك فلتم الاستمرار بالقول بالإله و الإنسان و بالتعالي و المثول وبالتجسد والتجلي وبعالم مادي وعالم روحي

علماً بأنها صياغات تعبيرية للعقل البشري الذي يرجوا التوفيق أو التأليف بين الأعلى والأدنى ويسعى إلى التوفيق بين التجلي و التجسد في كيان توحيدي لا يخضع لظاهر الحف بل لباطن المعنى

والسلام عليكم

 

وأصبح عضو الهيئة الاستشارية في مؤسسة بيت النجمة المحمدية

اذ حضر الجلسة التي عقدتها المؤسسة في مركز الدراسات الإسلامية بدمشق حول تدريس شخصية السيدة زينب عليها السلام في المناهج التربوية السورية

وكرم في تلك الجلسة بدرع النجمة المحمدية