حلقات ثقافية أكتبها من ذاكرة المهرجانات الولائية المؤرشفة
الحلقة التاسعة البعثات الدبلوماسية
هنا تستوقفك الشخصية الدبلوماسية الكفوءة والتي تحمل عشقا وحبا للعمل الفكري الثقافي الهادف والبناء ...
فصباح يوم من أيام شتاء العام 1999م - بعد جلوسي في عيادتي رن الهاتف
وإذا بصوت هادئ وناعم يسأل : عيادة الدكتور عصام عباس؟ أجبتها : نعم- قالت : ممكن أكلم الدكتور؟ قلت لها: أنا الدكتور عصام ..
قالت سلام عليكم دكتور، رددت التحية ..
قالت أنا مديرة مكتب المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية بدمشق الدكتور محمد علي آذرشب ..
قلت لها : أهلا بكم .. قالت الدكتور آذرشب يريد موعدا ليزوركم في العيادة .. قلت لها: أولا إن الدكتور بدأ مهام عمله منذ شهرين تقريبا وأنا من واجبي أن أقوم بزيارته والسلام عليه والتعرف على جنابه .. فأجابت : والله إن الدكتور آذرشب مصمم على زيارتك في العيادة ويريد موعدا.. قلت لها: أرجو إبلاغ سلامي لسعادته وان عيادتي مفتوحة له في أي وقت يشاء بكل ترحاب..
قالت والموعد؟ حددت وإياها موعدا محددا وساعة معينة ويوم معين ..
بعد أسبوع وعلى الموعد شرفنا الدكتور محمد علي آذرشب إلى العيادة واستقبلته بحرارة ومودة واجتمعنا ساعة زمنية كاملة
وافتتح الحديث بأنه تلمس العمل الثقافي الذي أقوم به منذ وصوله إلى دمشق وأحب أن يتعرف عن قُرب .. فأطلعته على مضمون الفكرة والتحرك الشخصي الذي أقوم به لهذه الغاية فبارك النشاط ، وطرح عليّ مشروع إقامة مؤتمر السيدة زينب عليها السلام من قبل الحكومة الإيرانية ..
فمباشرة أطلعته على أجندة قمتُ بإعدادها مسبقا، وكنت أتمنى أن تقوم الحكومة السورية بترتيب هذا المؤتمر .. فأخبرني أن الحكومة الإيرانية قد قررت هذا الأمر وأعرض عليك رغبة الجميع في أن يكون الدكتور عصام عباس رئيس اللجنة المنظمة ..
قلت له بالحرف الواحد: اشكر الثقة التي أوليتموني إياها وأنا متشرف بخدمة السيدة زينب وأضع كل عملي في خدمة هذا المؤتمر وحتى أن المهرجان القادم سأضمه إلى المؤتمر ولكن أقدم اعتذاري من تسلم أية مهمة وأعتقد أن جنابكم والمسؤولين في سفارة إيران والمستشارية الثقافية هم شخصيات كفوءة بأن تناط بها هذه المهمة ..
فقال لي هذا صحيح ولكن خبرتك في خدمة السيدة زينب دعتنا أن نقترح هذا الأمر .. تشكرت منه مرة أخرى واعتذرت عن القيام بالمهمة ولكني على عهدي : أني سأكون خادما لمؤتمر سيدتي وشفيعتي زينب عليها السلام وأضع كافة إمكانياتي المتواضعة في إنجاح عمل هذا المؤتمر الكبير الذي أصبو إليه حقيقة..
واستمرت الزيارة زهاء الساعة بعدها غادر العيادة مودعا بكل ترحاب واعتزاز وتقدير ...
بعد شهرين التقيته على هامش مأدبة عشاء في مقام السيدة رقية عليها السلام أقامها ممثل السيد السيستاني بدمشق ، ومن حُسن الصدف كان جلوسي إلى جوار المستشار الثقافي الدكتور آذرشب : فصار الرجل " يداريني" في الطعام فقلت له مازحا يا دكتور لا " تداريني" بالأكل ..
قل لي ما الذي جرى للمؤتمر فقال : والله العظيم إن السيدة زينب عليها السلام قد اختارتك بمفردك في القيام بمهامها الفكرية والثقافية ، وقد ألغيت فكرة المؤتمر من أساسه لأسباب ذكرها لي الرجل ..
حقيقة حزنت لهذا الخبر وفرحت بكلامه عن اختيار السيدة زينب عليها السلام ..
رغم أن الدكتور آذرشب حرص أن تكون سنواته الأربعة في مهمته الدبلوماسية بدمشق سنوات عمل ثقافي وفكري في نشر فكر أهل البيت عليهم السلام في كل المحافظات والمدن والقرى السورية ، وتشهد له هذه المحافظات بهذه الانجازات التي لا نظير لها حتى يومنا هذا ، فقد عقد مؤتمرين عالميين ضخمين للإمام علي عليه السلام والإمام زين العابدين عليه السلام ، ومؤتمرات ثقافية وندوات فكرية وقام بإنشاء مشاريع هامة حتى للصحابة الكرام كالصحابي عمار بن ياسر في الحسكة وغيرها من المشاريع الثقافية ،
وأصدر مجلة الثقافة الإسلامية الذي تجاوز أعدادها المائة عدد وللأسف توقف الإصدار بعد انتهاء مهمته بدمشق ..
وصارت المستشارية الثقافية الإيرانية في عهده " محجا " للمثقفين السوريين والعرب والجاليات المتنوعة المقيمة في سورية وأنا شخصيا أتتبع وأتابع هذا النشاط الكبير الذي تشهد له سورية والدول العربية المجاورة فقد كان الدكتور آذرشب كتلة وطاقة حركية لم يعرف لها نظير خلال سنواته الدمشقية
الأربعة 1999م- 2002م ..
ومن لقائي بسعادته في السيدة رقية عليها السلام دعوته لإلقاء كلمة في المهرجان الثامن عام 1999م – 1420هـ
فحضر وألقى كلمة

طالب فيها : تدريس خطب السيدة زينب عليها السلام في مادة الأدب العربي بالجامعات السورية مضيفا في قوله : إني أعتقد أن هذه الخطب لا تقل بلاغة وفصاحة عما نقرأه من نصوص أخرى بل تتفوق عليها كثيرا فلماذا لا تدخل أمثال هذه النصوص في مادة الأدب العربي؟! وفيما يلي نص الكلمة :
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وكل عام وأنتم بخير...
جزى
الله القائمين على أمر هذا المهرجان خيرا ولا أدري ماذا أقول بعد ما قاله الشيخ
الدكتور حسن الصفار فقد أوفى المقام حقه فجزاه الله خيرا، وأريد أن أشير إلى مسألة
واحدة وهي أدب السيدة زينب (ع) أي تلك النصوص العظيمة التي ذكرت في كتب التاريخ،
وفي الواقع تخلو كتب تاريخ الأدب العربي -مع الأسف الشديد- من ذكر خطب السيدة زينب،
وأقول هذا أمام أستاذ الأدب العربي في الشام بل في العالم العربي الأستاذ الدكتور
أسعد علي وأتساءل: (لماذا لا تدخل خطب السيدة زينب في مادة الأدب العربي؟)، إني
أعتقد أن هذه الخطب لا تقل بلاغة وفصاحة عما نقرأه من نصوص أخرى بل تتفوق عليها
كثيرا فلماذا لا تدخل أمثال هذه النصوص في مادة الأدب العربي؟! وكم كان اهتمامنا
-نحن أتباع أهل البيت- بقراءة هذه النصوص وتقويمها تقويما أدبيا وتعليمها لأبنائنا
والكشف عن جوانبها الأدبية والبلاغية، فكيف عن الآخرين؟
إننا نحتاج أيها الإخوة إلى أدب القرآن وأدب أهل البيت الذي هو أدب القرآن، ونحن
بأمس الحاجة إلى التفاعل مع القرآن فكرا وعاطفة وروحا وذلك لا يتيسر إلا إذا فهمنا
جمال القرآن وتذوقنا حلاوته، وذلك غير ممكن إلا بفهم وتذوق اللغة العربية، وهذه
مسؤولية كبرى تقع على كل المسؤولين سواء في الجامعة أو الحوزات العلمية والمساجد
والمدارس إذ علينا أن نعلم أدب القرآن بما فيه من بلاغة وفصاحة حتى نتذوق القرآن.
هناك شيء اسمه فهم القرآن، وهناك شيء اسمه تذوق القرآن الذي نحن بحاجة إليه لكي
يدخل في نفوسنا وعواطفنا ومشاعرنا ويصبح جزءا من سلوكنا وتوجهاتنا واهتماماتنا، فلا
يمكن أن يخلق القرآن الفرد المسلم والجماعة المسلمة إلا إذا تفاعل الفرد والجماعة
معه على هذا المستوى. يقول إقبال اللاهوري: (أكثر كلمة أثرت في حياتي قول أبي: يا
بني اقرأ القرآن وكأنه أنزل عليك)، إن القرآن ليس خطابا للرسول فقط بل هو خطاب لكل
الأجيال حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلماذا لا نتلقى القرآن بهذا التلقي ليصنع
منا أمة مسلمة حقيقية؟ وفي اعتقادي أن أتباع أهل البيت يتحملون مسؤولية أكبر تجاه
القرآن من غيرهم لأن أهل البيت أكثر تفاعلا من غيرهم مع القرآن، فنرى السيدة زينب
تستلهم القرآن في كل خطبها بشكل عجيب حتى وكأنها تنطق بالقرآن، وقد وقفت عند بعض ما
قالته هذه السيدة الكريمة عقيلة بني هاشم فوجدت أنها تنطق بكل مفاهيم القرآن وعلى
أحسن وجه وبأفضل صورة لأنها تعيش القرآن فكرا وروحا وعاطفة فما أحوجنا نحن أتباع
أهل البيت الذين ندعي بأننا نتبع هذا الرهط الكريم أن نتفاعل مع القرآن على هذا
المستوى.
أينما ذهبت في العالم الإسلامي وجدت مسلمين يحفظون القرآن ويتلونه ويرددونه آناء
الليل وأطراف النهار وهذا مطلوب من أتباع أهل البيت أكثر، ولا أدري هل نحن بمستوى
بقية المسلمين في تلاوة القرآن وحفظه أم لا؟ إن مسؤوليتنا أكبر لأننا ندعي بأننا من
الموالين للسيدة زينب (ع). أنظروا إلى هذه المقاطع من خطبة لها وأنا أقف عندها
لأبين ما فيها من تأثير قرآني، تقول السيدة زينب مخاطبة أهل الكوفة:( أما بعد يا
أهل الكوفة يا أهل الختر و الخذل ألا فلا رقأت العبرة و لا هدأت الرنة إنما مثلكم
كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) وهذا كلام
قرآني تمثل فيه السيدة زينب هؤلاء المخاطبين من أهل الكوفة في تخاذلهم وضعفهم بمن
خاطبهم القرآن في قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد
توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون، ولا تكونوا كالتي نقضت
غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة
إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) (سورة
النحل91-92)، وهذا هو خطاب القرآن للأمة المتخاذلة التي نكثت بعهدها ونقضت أيمانها
ورأت أن قوة الكفار أربى من قوة المسلمين، والأمة في هذه الآية معناها الجماعة وهذا
يذكرني بما انتقد به البعض ما يقوله الشيعة في زيارة الإمام الحسين (لعن الله أمة
قتلتك) بأن اللعن يقع على الأمة الإسلامية جميعها والعياذ بالله لأن المقصود لعن
تلك المجموعة المتخاذلة الحائدة عن طريق الحق، لقد كان أهل الكوفة يبكون على الحسين
ولكن هذا البكاء لم يكن يؤثر في أخلاقهم وسلوكهم لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى القرآن
في تربيتهم وإرادتهم وسلوكهم بل كان بكاء عاطفيا سطحيا لفداحة المصيبة التي شاهدوها
ورأوا أن قوة يزيد أربى من قوة الحسين.
تقول السيدة زينب في مقطع آخر: (أتبكون إي و الله فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا)
وهنا تشير إلى قوله سبحانه وتعالى: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن
يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد
حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) (سورة
التوبة81-82) لاحظوا ضعف الهمة والضمير الذي قتل الحسين. وفي نفس الخطبة تقول
السيدة زينب: (لقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وأنى ترحضون
قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة ومنار محجتكم فبعدا لكم
وسحقا لقد خاب السعي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة)
وهنا أقف عند جملة (ألا ساء ما تزرون) وهي مستلهمة من قوله سبحانه وتعالى: (قد خسر
الذين كذّبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرّطنا
فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون) (سورة الأنعام31) كما أنها
مستلهمة من مقطع قرآني آخر عظيم الدلالة على مكانة السيدة زينب في هذا المجال إذ
يقول سبحانه وتعالى:(إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم
مستكبرون، لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين، وإذا
قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة
ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون، قد مكر الذين من قبلهم فأتى
الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا
يشعرون) (سورة النحل 21-26) وهذه المعاني الدقيقة تنطبق انطباقا كاملا على الذين
تخاطبهم السيدة زينب مما يؤكد الإلهام القرآني عند هذه السيدة العظيمة.
انظروا كم كانت هذه المرأة العظيمة متفاعلة مع القرآن بحيث أنها تنطق بكل ما ينسجم
مع المقام من المفاهيم القرآنية، ولاحظوا خطبتها في الشام عندما بدأتها
بقولها:(الحمد لله صدق الله و رسوله يا يزيد حيث يقول: ثم كان عاقبة الذين أساؤوا
السوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون) مضمنة قوله تعالى: (أوَلم يسيروا
في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض
وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا
أنفسهم يظلمون،ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها
يستهزئون) (سورة الروم 9-10)، إنها تقول ليزيد إنك كفرت بالله ورسوله لأنك أثمت، إن
سبب الكثير من التوجهات المادية في التاريخ ليس فكريا أو عقائديا بل هو سبب نفسي
وهو أن أصحابها قد وقعوا في أوحال الرذيلة ومستنقع الموبقات فأرادوا أن يبرروا
آثامهم وذنوبهم حتى يستريحوا نفسيا فكذبوا الله ورسوله وابتعدوا عن الطريق وقالوا
ما سمعنا إلا أساطير الأولين حتى يتخلصوا من عقاب الضمير وتأنيبه وهذا ينطبق على
الكثير من حكام المسلمين الذين كانوا يتجاهرون بالإثم والفسق فهذا أحدهم يخاطب
القرآن قائلا:
إذا لا قيت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد
وبهذه الآية تبين السيدة زينب عاقبة يزيد (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن
كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون).
لقد تجاوزت الوقت الممنوح لي في الكلام وأخشى أن أطيل لذلك أختم كلامي وأستغفر الله
لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وفي المهرجان العاشر عام
2001م – 1422هـ دعوته لإلقاء كلمة في المهرجان لبى الدعوة وألقى الكلمة التالية :
بسم الله الرحمن الرحيم .. والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
ليس لمثلي أن يتحدث في مجلس مليء بالعلماء،
ولكن روح الولاية التي يمتلكها مؤسس هذا المجلس الأستاذ الدكتور عصام عباس تجعل المرء يستسلم أمام قدره، وأنا استسلمت وجزاه الله خيراً .. وأعتذر إن وقفت أمامكم هذا الموقف فأنا لا أستحقه، ولكنه كما قلت طلب ولائي من هذا العبد الفقير فاستجبت له ...
وأرجو
من الله سبحانه تعالى أن يكون لي حديث بسيط يوضح معالم شخصية السيدة زينب الكبرى،
هذه الشخصية التي هي باعتقادي غائبة عن أذهاننا وأفكارنا وأعمالنا وأرواحنا كغياب
المشروع الإسلامي بشكل عام، فنحن لا نستطيع أن نفهم السيدة زينب إلا إذا فهمنا
مشروع السيدة زينب بأجمعه ومشروع كربلاء بأجمعه، ولا يمكن أن نفهم مشروع كربلاء إلا
إذا فهمنا المشروع الإسلامي بشكل عام.
إن الإسلام الذي منَّ الله به على البشرية وجاهد في سبيله المجاهدون، وضحّى في
سبيله الأئمة الأطهار والمعصومون، هذا الإسلام العظيم الذي أستطاع أن يحول مجتمعاً
بدوياً متفرقاً إلى أمة هي خير أمة أخرجت للناس، ما هو هدفه؟ أو ما هو المقصد
النهائي له؟ في الواقع، نحن وإن كنا نعيش الإسلام في عبادتنا ومناسكنا وقسم من
أخلاقنا وتصرفاتنا، لكننا لم نتعمق في فكر ونفسية المفصل الأساسي للإسلام, أو
المفصل الأساسي في كل الأديان, فالأديان الإلهية كلها تتجه اتجاهاً واحداً. ما هو
الهدف الأساسي؟ أهداف الإسلام كثيرة, ولكن ما هو أساس هذه الأهداف الذي تتفرع عنه
سائر الأهداف الأخرى؟
طبعاً للمفكرين آراء مختلفة في هذا الأمر وأنا أدلي بدلوي في هذا المجال وأقول إن
الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى من صلصال من حمإٍ مسنون, يعني خلقه الله من طين
وبكل ما لهذا الطين من خصال تشد الإنسان إلى الأرض، أي إن الإنسان مشدود باحتياجاته
المادية إلى الأرض مثل سائر الحيوانات لأنه مخلوق من صلصال من حمإٍ مسنون فيمتلك كل
خصائص الحيوانات التي تشده إلى الأرض من طعام ومتاع وغيره, ولكنه يختلف عن سائر
الحيوانات بأنه [ونفخ فيه من روحه]، يمتلك نفخة رب العالمين وكل ما في هذه الروح من
كرامة [ولقد كرّمنا بني آدم]، كل الأديان الإلهية جاءت من أجل تركيز هذه النفخة
الإلهية في نفس الإنسان، من أجل أن لا تستولي نزعة الطين على نزعة نفخة روح رب
العالمين. الإنسان مشدود إلى الدنيا ومتاعها وشهواتها لأنه خلق من صلصال من حمإٍ
مسنون ولكن من أجل أن لا تختفي نفخة روح رب العالمين من وجود الإنسان وتظل نابضة
فيه خُلِقت الرسالات وخُلِق الأنبياء لتتحقق كرامة الإنسان التي تتلخص في إحياء
نفخة روح رب العالمين فيه, فكلما قويت نفخة روح رب العالمين في الإنسان قويت كرامته
وكلما ضعفت هذه النفخة انقلب الإنسان من الكرامة إلى الذل ومن العز إلى الخوف,
ودائماً هناك تعارض بين كرامة الإنسان وبين نزعاته المادية ومما قاله أمير المؤمنين
(ع): (من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته)، أي أنك إذا رأيت إنساناً لا يعيش إلا
من أجل متطلباته المادية فاعلم أن ميزان الكرامة قد قل فيه, وإذا كان الإنسان يحس
بعزة وكرامة فإن ضغط الشهوات والحياة الدنيا يقل عنده.
المجتمع الإسلامي بسبب ظروفه التاريخية مُني بالذل في إهدار دم الحسين، وهنا نحتاج
إلى استعراض الظروف التاريخية التي مرت بالمجتمع المسلم بعد وفاة الرسول (ص) خاصة
بعد انتهاء الخلافة الراشدة ومقتل أمير المؤمنين وتسلط الحكم الأموي, فنرى كيف أن
المسلمين انحدروا في هاوية الذل وأصبح المجتمع المسلم يعيش في حالة من الإرهاب
والخوف ولا يفكر إلا بمتطلبات حياته اليومية ولقمة عيشه ومكان يأمن فيه وخسيس من
العيش يبقى فيه حياً , هذه الحالة التي وجدت في المجتمع المسلم مضادة لكل أهداف
الأنبياء وكل ما جاء به رسول الله من مهمة وكل ما ضحى من أجله أئمة أهل البيت لأنها
مضادة لعزة الإنسان المسلم.
في وقت من الأوقات ظهر في إيران كتاب اسمه (الشهيد الخالد) وطرح مسألة هي أن الإمام
الحسين (ع) جاء إلى العراق من أجل مهمة كبيرة جداً هي إقامة دولة إسلامية فعارض بعض
المعارضين قائلين بأن الحسين كان يعرف أنه لا يستطيع أن يقيم دولة وكان يعرف الظروف
ودار نقاش كبير في هذا المجال (ما هو هدف الحسين من المجيء إلى كربلاء ؟), لكن
الشيء الوحيد الذي لم يطرح في هذا الجدل هو أن الحسين جاء من أجل إعادة عزة الأمة
الإسلامية، وعزة الأمة الإسلامية أهم من الدولة الإسلامية, لأن هدف الدولة
الإسلامية هو تحقيق عزة الإسلام والمسلمين وفي الدعاء نقول: (اللهم إنا نرغب إليك
في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله) , لماذا (نرغب إليك في دولة كريمة)؟ لأنها
(تعز بها الإسلام وأهله)، فالعزة وكرامة الإنسان هي المهم لأنها تساوي نفخة روح رب
العالمين فيه، وتساوي الحركة الحضارية للإنسان.
إذا فقد الإنسان المسلم والمجتمع المسلم الكرامة عندها تقف حركته الحضارية, وكل ما
سجله المسلمون في حركتهم الحضارية إنما هو بسبب إحساسهم بالعزة والكرامة فالعالم
يحس بعزته وكرامته فيعمل من أجل العلم, وكذلك الطبيب والمهندس والفلكي والفقيه
والمفكر، والمسيرة الحضارية للمجتمع المسلم تتوقف عندما يفقد عزته وكرامته. ومن هنا
نفهم أن الإمام الحسين حينما جاء إلى كربلاء ليعيد للأمة عزتها وكرامتها ويسجل
موقفاً يحرر به النفوس الميتة ويحطم الجمود الذي خيم على المجتمع الإسلامي بسبب
حالة الذل التي سيطرت عليه إنما بعث مسيرة الحركة الحضارية الإسلامية ولولاه لتوقفت
وما شهدنا تلك المسيرة الحضارية على الإطلاق.
كل ما حدث في القرنين الرابع والخامس من ازدهار حضاري في حقول المعرفة المختلفة
إنما هو مدين لحادثة كربلاء التي أعادت للأمة عزتها بعد أن كادت تفقد كل شيء، تفقد
إنسانيتها وإحساسها بالحضارة وإحساسها بالعزة وبذلك تتوقف مسيرتها الحضارية.
ويجب أن نفهم الإمام الحسين وزينب في هذا الإطار, فالسيدة زينب واصلت ما نهض به
الإمام الحسين, الحسين بدمه وشهادته وتضحيته وموقفه قال للمسلمين: (هيهات منا
الذلة)، وهذا هو أهم شعار طرح في كربلاء, من أجل أن يعيد للمسلمين إحساسهم بالعزة
والكرامة وهذا الإحساس أساس كل حركة حضارية في المجتمع المسلم وهو الشعار الأهم
الذي طرح في أيام الثورة الإسلامية في إيران, والإيرانيون كانوا يتدفقون إلى
الشوارع وكلهم يرفعون هذه اللافتة (هيهات منا الذلة).
إذاً روح الحسين استمرت في إعطاء دم جديد للشعوب الإسلامية على مر العصور حتى يومنا
هذا, وما سجله الأبطال المجاهدون في جنوب لبنان إنما كان من شعاع نور الحسين ومن دم
الحسين الذي يجري في دم هؤلاء الشباب فطلبوا العزة والشهادة من أجل أن يحققوا النصر
لأمتهم.
السيدة زينب واصلت بدقة وببرنامج واضح ومنظم ما نهض به الحسين من أجل بعث روح العزة
في الأمة, وكانت مهيأة تربوياً في بيت أمير المؤمنين وعند أخويها الحسن والحسين من
أجل أن تنهض بهذا الدور، والوثائق الموجودة عندنا تؤكد أن هذه المرأة لم تولد في
كربلاء وإنما في بيت أمير المؤمنين، وكل مواقفها تدل على خلفية تربوية عظيمة حظيت
بها هذه المرأة, وإلا فكيف يمكن لامرأة في ليلة عاشوراء تعرف أن أخوتها وأهل بيتها
سيقتلون وأنها ستقع سبية في يد أجلف أجلاف الناس, كل ذلك تعلمه والدلائل كانت واضحة
تماماً والحسين صرح بذلك لأهل بيته وأصحابه, في ذلك الموقف الرهيب الذي يدك الجبال
ويتزلزل به الرجال يوصي الحسين أخته فيقول: (اذكريني في نافلة الليل), هذا كلام لا
يمكن أن أعبر عنه أو أن أصفه, كم كانت هذه المرأة عظيمة وكبيرة وخلفيتها التربوية
هائلة بحيث يخاطبها الإمام الحسين بهذا الخطاب, وهذا برأيي كاف ليوضح أن هذه المرأة
كانت معدة إعداداً كبيراً لأن تنهض بمسؤولية كبرى بعد مقتل الحسين, وهذه وثيقة
تاريخية يذكرها المؤرخون.
وهناك وثيقة تاريخية أخرى تدل على أن هذه المرأة كانت غير عادية, وهي موقفها عند
جسد أخيها، وتعرفون كم كان هذا الجسد مصاباً بالطعنات وبالرماح وبالسيوف وقد احتز
رأسه, وهذا منظر لا يمكن أن نطيقه وقد نرى هذا المنظر في الصور فترتعد فرائصنا بعد
1400 سنة, أما هي فعندما رأت هذا المشهد حياً في كربلاء قالت: (اللهم تَقبَّلْ
منَّا هذا القربان)، وهذا لا يمكن أن يصدر من امرأة عادية ولا بد أن التربية التي
حظيت بها هذه المرأة في مدرسة أمير المؤمنين ومدرسة أخويها الحسن والحسين كانت على
درجة أهّلتها لهذه المكانة العظيمة.
ثم بعد كربلاء ماذا فعلت؟ كل ما فعلته يمكن أن نصوغه في عبارة واحدة وهي نفس هدف
الحسين (بعث روح العزة في نفوس المسلمين)، وكان لها مشروع كبير وعظيم في هذا المجال
وسأذكر لكم بعضاً من مواقفها في هذا الحين:
- عدم الشعور بالهزيمة:
أنتم تعرفون أن الإنسان قد يفشل ويهزم ظاهرياً في مجال من المجالات ولكنه إذا انهزم
نفسياً فقد انهزم في الواقع، ولكنه إذا لم ينهزم نفسياً فإنه يستطيع أن يحول هذا
الفشل إلى نصر. كم من التجار فشلوا في تجارتهم وكم من المجاهدين أخفقوا في أعمالهم
الجهادية ولكن لم تدخل الهزيمة في نفوسهم فاستطاعوا أن يتغلبوا عليها وأن يحولوها
إلى نصر. في الواقع أن الإنسان هو الذي ينهزم والظروف الخارجية قد توحي بأن هنالك
هزيمة ولكن الهزيمة الحقيقية هي في داخل النفس. إذا انهزم الإنسان نفسياً فهي
الهزيمة الواقعية والسيدة زينب لم تنهزم نفسياً قط وكل مواقفها تدل على أنها كانت
واقفة كالجبل أمام كل ما عانته وواجهته.
يقول الراوي عن السيدة زينب بعد واقعة كربلاء: (نظرت إلى زينب بنت علي فلم أر خفرة
أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين). مع أن الحوادث التي مرت على السيدة
زينب تخرس الخطباء وأصحاب الأدب والشعر وذوي اللسان الطليق!؟
يتابع الراوي: (وقد أومَأَت إلى الناس إن اسكتوا فارتدت الأنفاس وسكتت الأجراس)،
بإشارة واحدة من هذه المرأة العظيمة خيم السكوت على هؤلاء الناس. وهذا يدل على أنها
لم تنهزم على الإطلاق بل حافظت على رباطة جأشها وقدرتها وقوتها في هذا الموقف
الرهيب.
ثم يقول الراوي عن أهل الكوفة: (لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم
على أفواههم ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول بأبي أنتم
وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسلكم خير نسل لا يُخزى ولا يبزى) أي
لا يتطرق إليه غلبة أوغل, لا يُغَل ولا يُغلَب ولا يُخزَى.
وفي موقف آخر دخلت السيدة زينب وهي متنكرة على عبيد الله بن زياد الطاغية الكبير
الذي يشعر بأنه استطاع أن يقوم بعمل كبير بقتل الحسين, دخلت عليه زينب ولم تعبأ به
على الإطلاق فمضت حتى جلست بناحية من القصر وحفَّت بها النساء, فاستشاط الطاغية
غضباً وقال: (من هذه التي جلست ومعها نساؤها ؟) فلم تجبه السيدة زينب, فأعاد السؤال
ثانية وثالثة فقالت بعض النساء: (هذه زينب بنت رسول الله) . لاحظوا عظمة الموقف فهي
لا تجيبه إذ يكرر السؤال ثلاثاً وعندها تجيبه إحدى النساء .
هذه المواقف وأمثالها تدل على أن هذه المرأة لم تشعر على الإطلاق بهزيمة نفسية بل
تشعر بأنها انتصرت وحققت ما أراد أخوها لهذا المجتمع حيث واصلت هذه المهمة.
- المحافظة على روح العزة:
يقول المؤرخون أن السبايا عندما دخلوا إلى جانب المسجد الأعظم في الشام كان من
الطبيعي أن تزورهم النساء، فخشيت السيدة زينب أن النساء إذا دخلن على نسوة آل رسول
الله فإنهن سيشعرن بالذل تجاه هؤلاء النساء الأحرار في الوقت الذي كن فيه أسارى،
فقالت السيدة زينب: (لا تدخل علينا إلا مملوكة أو أم ولد فإنهن سُبِينَ كما سبينا)،
أي أن لا تدخل علينا إلا النساء اللاتي يشاركننا في هذه المأساة العاطفية وهذه
التجربة لأنهن يعرفن ما نعاني منه أما البقية فلا يدخلن علينا وهذه مسألة نفسية يجب
أن نقف عندها بدقة، فعندما يمر المرء بحالة خاصة يجب أن لا يعاشر إنساناً يشعر
بالذل أمامه.
في حالة أخرى يروي المؤرخون أن الناس تجمعوا حول أطفال الحسين يقدمون لهم الطعام
فصرخت زينب: (إن الصدقة حرام علينا أهل البيت). انظروا كيف تغرس روح العزة في نفوس
أهل بيت رسول الله وفي نفوس الآخرين حتى يعرفوا كم هؤلاء الناس هم أعزة وكرام، فكان
الطفل -وهو جائع- يلفظ اللقمة من فمه ويرميها قائلاً: (إن عمتي قالت إن الصدقة حرام
علينا أهل البيت)، ليس المهم هو الجوع بل المهم هو العزة وأمامي آلاف المواقف التي
تدل كلها على أن هذه المرأة أرادت أن تواصل مشروع أخيها في غرس روح العزة.
انظروا كيف تخاطب يزيد: (كِدْ كيدَك واسعَ سعيَك وناصِبْ جهدَك فوالله لا تمحو
ذكرنا ولا تميتُ وحيَنا ولا تدركُ أمدَنا ولا ترحض عنك عارَها وهل رأيك إلا فند
وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين فالحمد
لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة ونسأل الله أن
يكثر له الثواب ويوجب له المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله
ونعم الوكيل).
من هو المنتصر السيدة زينب أم يزيد؟ هذا منطق لا يمكن أن نفهم منه أن المنتصر هو
يزيد بل زينب هي المنتصرة، الحسين هو المنتصر.
بودِّي يا إخواني أن تطالعوا حياة السيدة زينب من كربلاء حتى وفاتها . فسوف لن
تجدوا فيها إلا صور العزة بعد العزة وبعث روح الكرامة في نفوس الأمة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لأن نعيش روح الحسين, وثورة الحسين, ونهج
الحسين, ونداء الحسين, ونداء زينب فإنه نداء العزة والكرامة. والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.
فكانت كلماته توجيهية وإرشادية ومصدر إشارة للتوجه لقراءة ثقافة وفكر أهل البيت عليهم السلام عموما وثقافة وبلاغة وشخصية سيدة البيت المحمدي السيدة زينب عليها السلام ..
ولابد من المرور والإشارة إلى حضوره الدائم خلال سنواته الدمشقية الأربعة وإلقائه المحاضرات والكلمات في بيت النجمة المحمدية – دارنا المتواضعة في منطقة السيدة زينب عليها السلام ونشير بالصور لبعض من هذا النشاط ...



وفي انتهاء مهام عمله بدمشق أقامت له مؤسسة بيت النجمة المحمدية حفلا تكريميا يوم 19/12/2002م في دار المؤسسة حضره عدد من السفراء والمسؤولين والبرلمانيين وأساتذة الجامعات وعلماء دين ووجهاء من الجالية العراقية والإيرانية بدمشق ...
فقد افتتحت الجلسة
بكلمة ترحيبية قلت فيها:

أرحب بكم أجمل ترحيب في هذه الدار التي خصت ذاتها بذكر سيدنا محمد وعترته الطاهرة ،
وهذه
الليلة نجتمع لنكرم شخصية إسلامية ثقافية نذرت نفسها لنشر فكر أهل البيت من خلال
موقعها الدبلوماسي الثقافي الذي جاءت به من عاصمة السلطان علي بن موسى الرضا (ع),
ألا وهو الأستاذ الدكتور محمد علي آذرشب المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية
الإيرانية بدمشق, وقد فوجئت هذا اليوم بأنه قد أصيب بحادث كسر في يده وقدمه نتيجة
تصادم السيارة في عمّان ورغم كل هذا وذاك فقد شرّفنا هذا اليوم بقدومه وحضوره
المتميز وليس هذا بجديد على هذا الرجل فقد حضر وحاضر في هذه القاعة التي يتم بها
ذكر آل محمد (ع).
ليس التكريم من باب المجاملة, بل إن الرجل هو صاحب الكرم والفضل
،
وهو أستاذ ودكتور ومثقف اهتم بنشر فكر أهل البيت وخص السيدة زينب باهتماماته ، لم
لا والسيدة زينب هي من صلب عقيدته وعقيدة كل موال لآل بيت محمد.
ثم ألقى الدكتور آذرشب
الكلمة التالية : 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه
المنتجبين.
يفرض عليَّ الواجب أولاً أن أتقدم بالشكر لأخي الدكتور عصام عباس الذي كان دائماً
يوليني بلطفه وفضله فيدعوني إلى هذه القاعة المباركة التي برغم صغرها مفعمة بكل ما
يقدم العطاء لأهل بيت رسول الله و للفكر والثقافة فجزاه الله خير الجزاء فإنه إذ
يكرمني اليوم فإنه يكرم رجلاً يعتقد بأنه خادم أهل البيت وهو في الواقع يكرم أهل
البيت والسيدة زينب التي أكن لها كل حب واحترام وحاضرت حولها عدة محاضرات أعجب بها
ونشر بعضها في مجلته (النجمة المحمدية)
كما أشكر الأخوة الأفاضل الذين تكرموا بتلبية الدعوة وأخص الأساتذة العلماء الأفاضل وأستاذنا الدكتور أسعد علي وسعادة السفير الإيراني وسعادة السفير الأفغاني وأخي الدكتور فاضل الأنصاري الذي لا أستطيع أن أتحدث شيئاً أمامه لأنني تعلمت منه الكثير ولأنني أرى فيه الشخصية الثقافية الحضارية العميقة التي أعجبت فيها وفي سفري الأخير إلى الأردن حيث أصابني ما أصابني كنت أذكر دائماً الدكتور فاضل الأنصاري بخير لاعتقادي بأنه الشخصية التي استطاعت أن تفهم واقعنا الاجتماعي الطائفي وتفهم الفرق بين المذهبية والطائفية وتحاول أن توجه الحالة الاجتماعية الموجودة إلى حالة حضارية تدفع بتقدم مجتمعنا وتساعد على نهضته و مشروعة الحضاري, والعمل الذي يقوم به كبير وهو عمل مؤسسة وأنا معجب بكل كتاباته رغم أنني أختلف معه في بعض ما يكتب لكن عمله كبير وعظيم والاختلاف لا يعني أنني أبخس من عمله فهو عالم دقيق فاضل ورغم أن عمله السياسي كبير فإن عمله الثقافي لا يقل عنه فجزاكم الله جميعاً خير الجزاء و أشكركم على حضوركم.
تحدث أخي عصام عباس عن السيدة زينب وموقعها وحبي الشديد لهذه السيدة.
في الواقع أنا أنظر إلى الإسلام لا كشريعة فقط؛ فيها حلال وحرام وإن كان ذلك من صلب
الدين, فأنا أنظر إلى الدين الإسلامي كمسيرة حضارية جاء الإسلام لكي يوجهها نحو
تكاملها المادي والمعنوي ومتى كانت هذه الجماعة المسلمة متحركة على طريق كمالها
المادي والمعنوي فهي مجتمع إسلامي وتحمل مسؤولية الحضارة الإسلامية ومتى تخلفت عن
ركب التقدم المادي والمعنوي على الساحة البشرية فهي قد ابتعدت عن الحضارة الإسلامية
والمهمة التي جاء بها الإسلام والرسول إلى البشرية.
في الواقع لا يمكن أن نعقل بأن هذه الرسالة الإسلامية العظيمة التي بعثها رب
العالمين إلى هذه الأرض هي من أجل النجاسات والطهارات والحلال والحرام فقط, نعم
الفقه من صميم الإسلام، الإسلام أساساً في نظري ونظر من يحملون نظرة شاملة عنه
ومنهم أنتم, هو المشروع الحضاري لهذه البشرية من أجل أن تتكامل في الجانبين المادي
والمعنوي على حد سواء. الحضارات البشرية التي سادت الأرض حينما لم تكن دينية
مستوحاة من وحي السماء غرقت في التوجه المادي ونسيت التوجه المعنوي فانغمرت في ما
انغمر فيه الفراعنة (أتبنون في كل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون،
وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون) إذا لم يكن هناك تقوى الله في
الحضارة المادية فإنها ستحطم نفسها وتحطم العالم كما نرى بوضوح في الحضارة
الأمريكية والغربية فهي حضارة متقدمة ومتطورة مادياً لكنها تتجه مع الأسف الشديد
إلى هدم كل ما بنته البشرية من معطيات وكل توجه إنساني في هذا المجال وكل ما يظهر
من أميركا من إساءة في هذا العالم إنما هو من هذا التوجه المادي ولكن في داخلها
هناك توجه نحو المعنويات كالتوجه نحو جلال الدين الرومي وابن عربي كما يحدثنا
الدكتور أسعد علي, وهذا يدل على أن البشرية وإن تقدمت في المضمار المادي تظل عطشى
إلى الجانب المعنوي. إذا كان الإسلام هو المشروع الحضاري لهذه البشرية فما الذي جعل
هذا المشروع الحضاري يضعف ولا يستمر ولا يتواصل في حين أنه عندما ظهر فإنه حول
شتاتاً من القبائل المتفرقة إلى أمة رفعت مشعل الحضارة والحرية وهداية البشرية
وخلال قرن واحد فقط بنت أمة من المحيط إلى المحيط واستطاعت أن تقيم مجتمعاً قائماً
على أساس القيم والعزة والكرامة الإنسانية فما الذي أوقف هذه المسيرة؟ أنتم تعلمون
أن هذه الحضارة بلغت مبلغاً عظيماً ونحن اليوم نقرأ ما حققته في مجالات الطب
والفلسفة والهندسة والكيمياء والعمارة ونفخر بذلك وتفخر البشرية كلها فما بالنا
تأخرنا؟ باعتقادي الشيء الوحيد الذي أخر المسلمين عن مسيرتهم وركبهم الحضاري هو
أنهم فقدوا روح العزة والإحساس بها, هذه العزة التي ذكرها أفلاطون في كتابه (نهاية
التاريخ ) ويسميها (التيموس) ويعتقد أنها المحركة للتاريخ. إذا فقدت روح العزة في
المجتمع مات وتوقفت حركة الحضارية وبعد الخلافة الراشدة وفي العصر الأموي بذلت جهود
كثيرة وحدثت ظواهر كثيرة تدل على مصادرة روح العزة في المجتمع الإسلامي وإذا كانت
تلك الظواهر قد استبدت بالمجتمع الإسلامي لكانت حركته الحضارية قد توقفت منذ القرن
الأول ولما أثمرت عن هذه الدولة التي لازلنا نفخر بأمجادها في القرنين الرابع
والخامس. إن الذين استطاعوا أن يبدلوا روح الذل في المجتمع ويحولوها إلى روح العزة
هم أهل بيت رسول الله، ومنهم هذه المرأة العظيمة زينب ذات الخطة الطويلة التي بدأت
من كربلاء وتواصلت في الكوفة ثم استمرت في الشام وبعد ذلك في المدينة ومنها إلى
شمال أفريقيا والقبر الموجود في القاهرة يدل على أنها كانت هناك يوماً وكل ذلك
لتحول حالة الذل في الأمة إلى عز، وبالواقع روح العزة هي التي دفعت هذه الأمة
لتتحرك تحت لواء الرضا من آل محمد لتستعيد القدرة والسلطان ومع ذلك حدثت مشاكل أدت
بالمنحنى الثقافي أن يصعد قليلاً لكنه هبط بعد ذلك في القرنين السادس والسابع. إنني
أنظر لهذه المرأة نظرة حضارية وأنها من عماد حركة الحضارية في القرن الأول وهكذا هم
أهل بيت رسول الله.
أما قصة هذه الكسور فهي قصة عجيبة؛ فقرب مدينة الزرقاء في الأردن تحركت فجأة سيارة
عسكرية لنقل الجنود كانت متوقفة وسدت الشارع أمامي فاصطدمت بها اصطداماً مروعاً
والأعجب من ذلك أنني نجوت وشاركت في المؤتمر الذي كنت مدعواً له, ولا عجيب من أمر
الله فهذا من لطفه وفضله.
نحن في المستشارية الثقافية حاولنا أن ننظر إلى الإسلام بهذه النظرية الحضارية...
نظرة المشروع الحضاري فيجب أن نحرك هذه الأمة نحو أهدافها لكي تحتل مكانها على
الساحة البشرية كخير أمة أخرجت للناس ووجدت فيما وجدت أن أكبر شرَّين يعيقان هذا
المشروع الحضاري الإسلامي هما التجزئة الطائفية والتجزئة العنصرية القومية وقد
ورثناهما من عصور التاريخ واشتدّا أكثر وأكثر في النزاع الصفوي العثماني فالعرب
كانوا منضمين تحت لواء الدولة العثمانية في هذا النزاع وجندوا ضد إيران باعتبارهم
شيعة وفرساً وامتد ذلك إلى عصرنا حين سمي الإيرانيون بالفرس المجوس. إن القومية
أصالة وانتماء، فالقومي الحقيقي هو الذي يشعر بانتمائه الواقعي لأمته وأصالة منبته
فيها فيسعى من أجل تقدم قومه ودفع مسيرة حضارتهم. القضية القومية، سواء أكانت هذه
القومية عربية أو فارسية أو تركية، بالمعنى الإنساني هي محمودة إلا إذا أصبحت رافضة
لغيرها من القوميات ومتعالية عليها، كالمشكلة العنصرية التي شاهدنا بعض مظاهرها في
حركة التتريك العثمانية وحركة رضا شاه في إيران، وكل مظاهرها في الحركة الصهيونية،
هذا هو المرفوض، أما إذا كانت روح القومية هي روح الانتماء إلى الأمة والتضحية من
أجلها فهذا هو المطلوب... حب الوطن من الإيمان... وحب القوم من الإيمان. لقد واجهنا
هذين الشرَّين وجاهدنا من أجل تخفيف من هذه المسألة وحققنا بعض النجاحات لكن الطريق
لا يزال طويلاً حتى يكون لدينا مشروع حضاري عربي إسلامي للنهوض بهذه الأمة من
حالتها المختلفة وأنا أمام الدكتور فاضل الأنصاري وهو من أصحاب هذا المشروع الكبير.
أما ما شاهدته في عمان فقد أقام منتدى الفكر العربي ندوة تحت عنوان (الثقافة
العربية الإسلامية أمن وهوية) اجتمع في هذه الندوة جمع كبير من المثقفين العرب
وشاهدت حالة بعثت فيَّ ألماً شديداً وهي انهزام هذه النخبة من المثقفين هزيمة شديدة
أمام الإعلام الأمريكي ويبدو أن هذه الحالة بدأت إثر أحداث 11سبتمبر فالكل يدافعون
عن أنفسهم بأنهم يرفضون هذا الإسلام الذي يتحدث عن العنف ومحاربة الكافرين والدماء
فالإسلام الذي نريده إسلام سمح, وأحدهم قال: (لا يمكن أن تقوم للعالم الإسلامي
قائمة على الإطلاق إلا إذا كنس الثقافة الموجودة في واقعه كنساً تاماً، وأنا أسمع
هذه الأيام كلاماً بأن اليابانيين والصينيين تقدموا انطلاقاً من ثقافتهم الأصيلة،
أبداً هؤلاء تركوا ثقافتهم الأصيلة... كنسوها... تخلصوا منها وبعد ذلك تقدموا).
وكنت قد كتبت مقالاً عن (عناصر الثقافة العربية الإسلامية في مسيرة الحضارة
الإسلامية في إيران) بيَّنْتُ فيها الوجه الحضاري الذي مارسه الفتح الإسلامي في
إيران إلى اليوم وعندما وجدت هذه الحالة قلت للحاضرين: (لقد وزعت عليكم المقالة،
فدعوني أتحدث بحديث آخر، وتحدثت لهم عن الهزيمة النفسية التي وقع فيها المفكر
العربي بعد أحداث 11سبتمبر وما هي عوامل الهزيمة وكيف ينبغي أن نتغلب على هذه
الهزيمة الروحية لكي لا نتراجع أمام الهجوم) فقاطعني أحد المتشددين أثناء كلامي
وقال: (نحن لا نحتاج إلى خطاب وعظي) فأجبته: (لحظة يا أخي حافظ أولاً على آداب
الجلسة، وثانياً أنت وأمثالك وعشرات الفضائيات الأمريكية والغربية تعظوننا صباح
مساء من أجل أن نتخلى عن ثقافتنا وهويتنا وكرامتنا وعزتنا ومقدساتنا وقيمنا فلا
يسمى خطابك وعظياً!، أما إذا طلبت منك الحفاظ على عزتك وكرامتك وقيمك وشرفك فتعد
خطابي وعظياً؟!) والغريب أنني عندما قلت هذا الكلام صفق ثلاثة أرباع الجالسين مما
يدل على أن ثلاثة أرباع المجلس كان يؤيد كلامي لكنه كان مرهوباً ومهزوماً يخشى أن
يقول كلامه والحمد لله انكسر الطوق وأثنى علي الإخوة هناك ووجدت هذه الحالة التي
ألخصها بأن هناك إرهاباً فكرياً تمارسه أمريكا اليوم من أجل هزيمتنا في ساحة
ثقافتنا وهويتنا وعزتنا وكرامتنا.
أشكر أخي عصام عباس على فضله ولطفه زاده الله فضلاً ولطفاً وحباً لآل بيت رسول الله
وأشكر الأخوة الأساتذة والدكاترة الذين شرفونا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بعدها ألقيت قصيدة من
قبل المحامي حمود البكفاني وهي لسان حال الدكتور اسعد علي الذي ألقى كلمة

سلط فيها الأضواء حول البلاغة والثقافة واللغة وخاصة مفهوم القومية وفق المفهوم القرآني ...
وبعدها ألقى الأستاذ
الدكتور فاضل الأنصاري كلمة قال فيها:

أنا سعيد لأننا نحتفي بشخص كريم وفي تربة طاهرة عزيزة على قلوبنا جميعاً, وعندما
ذكر بعض مساهماتي الفكرية فإني ممتنٌّ له وأُكبِر فيه أفكاره وتقويماته.
على ذكر السيدة زينب (ع) وتربتها الطاهرة في محطة أشار إليها الدكتور آذرشب، يجوز
أن أدب المنابر لم يعط السيدة زينب حقها كاملاً عبر التركيز على المحنة التي مرت
بها، فهي شيء كبير في حياة الإسلام إذ تابعت ذلك الدور العظيم الذي تولته والدتها
الزهراء فاطمة في الهداية والتبشير. وعندما قال الإمام الحسين (ع) قبل حادثة
استشهاده وهو يودع أصحابه في مكة (التمسوا الظلمة) فقد كان يدعو لتأسيس حركة جهادية
منظمة تقاوم الظلم والطغيان وتحارب المنكر... ليفجر تلك الثورة المستمرة في تاريخ
الإسلام، فإن السيدة زينب (ع) تابعت ذلك النداء في مواقف مشهودة نحن بحاجة لإلقاء
الضوء عليها، وظلت تحاضر في الفقه على الناس على طريق أمها الزهراء.
وفي محطة أخرى ذكرها الدكتور آذرشب، ليس من باب الرد بل الإضافة, بأن الانحدار لم
يبدأ بالدولة الأموية بل من بعد وفاة الرسول مباشرة، عندما اختلف الصحابة وتطاحنوا
حول الإمامة والخلافة لينفتح الطريق أمام خلافات متكلَّفة ظلت تهدد مجتمعاتنا. يجب
أن نخرج من سفه التاريخ ومختلقاته التي أملتها السياسة والمصالح عبر العصور، إلى
الحاضر، وصاحب الحق لا يهاب الحقيقة.
بدأ الانحدار منذ وفاة الرسول وتصاعد وكانت المؤامرة التي أرادت اغتيال الرسول في
مكة هي نفسها التي حاولت بالتالي اغتيال عدد من الصحابة الكبار.
قد لا يتفق معي البعض, فأنا أعتقد أنها نفسها أيضاً المؤامرة التي حاولت اغتيال أبي
بكر بأكلة جذيذة، والتي اغتالت كذلك سعد بن عبادة في تلك المؤامرة التي ما أن انكشف
من يقف خلفها حتى اتهمت الجن بالقتل. وهي نفسها التي اغتالت عمر بن الخطاب على يد
مولى المغيرة بن شعبة حيث يظهر القاتل منتحراً مباشرة، ويثأر عبيد الله بن عمر،
بحمأة العاطفة، بقتل أشخاص آخرين، ثم تأتي الشورى أو ما سمي بشورى عمر وهي ما يحوم
حولها الشبهات ويشك بصحتها أصلاً حيث ينفيها عدد من المؤرخين. ثم تتالت المؤامرات
بعد ذلك لتقتص أرستقراطية قريش من الإسلام حتى كانت مرحلة الإمام علي بن أبي طالب
(ع) حاسمة الخيارات في التصدي للنقائض التي عملت لها تلك الأرستقراطية.
لم يكن علي بن أبي طالب قاصراً في السياسة ولا ضعيفاً أو متردداً فيها لأنه صاحب
نظرية كاملة معروفة في السياسة وإدارة الحكم لكن الوقت والظروف التي عادت فيها
الجاهلية لم تتح له الوقت لتطبيق أفكاره، وظل خياره وسط كمٍّ من التداعيات صعباً
أمثلَ لكي يبقى الإسلام ماثلاً حيوياً يقوده ثوار عقائديون في جانب، ومستبدون
ظالمون في الجانب الآخر.
هنا أقف عند مسألة أخرى أثارها الدكتور آذرشب، وهي مسألة القومية والعنصرية، وهما
نقيضان بين التسامح والتعصب، فالقومية رابطة تربط الجماعة لا تعالي فيها ولا
شوفينية أو امتياز عرقي لتلك الجماعة، بينما العنصرية استعلاء وتفضيل على الآخرين
وتعصب فئوي لا يمكن أن تكون له أية صلة بالعقيدة الإسلامية. وهكذا كان الأمويون
قومياً متعصبين كتعصبهم للقبيلة والعشيرة، عنصريين في تصرفاتهم واصطفافاتهم كي
يتحصنوا بالعنصرية لصالح حكمهم.
في القومية وطنية وهي سياسة تحكم أواصر الجماعة أما العنصرية فهي صنيعة للسياسة.
بمعنى أنهم أرادوا بالعنصرية نوعاً من الاصطفاء لكي يحصنوا أنفسهم بها ويكتسبوا
شرعية حكمهم بهذا الطريق وليس لأنها مبدأ وعقيدة ووطنية، بل نوع من العصبية المطلقة
فرقوا بها الشعوب المسلمة وميزوا بين الناس على أسس عرقية، فصارت تلك الشعوب ملاذاً
لحركات شعوبية أضرت بالمجتمع الإسلامي. وسأسوق لكم بعض الأمثلة، الحجاج مثلاً
المعروف بأنه سفاح إلى أقصى درجة, هذا الحجاج السفاح الجزار كتب مرةً إلى عبد الملك
بن مروان يقول له: دعنا نخفف قليلاً عن سواد العراق، فأجابه عبد الملك: أراكَ
حننتَ! فتِّشْ عروقك عرقاً عرقاً فإن وجدتَ عرقاً غير عربي فافصده, أين هذا من
التفضيل على أساس التقوى في الإسلام؟ كذلك نجد مسلمة بن عبد الملك أخا الوليد
وسليمان وهشام, كان قائداً وصل إلى حدود الصين وأقسم يميناً بأن لا يرجع إلى الشام
فكتب إليه أخوته بأن يرجع فيرفض عاراً من أمه الرومية.أضر ذلك المشروع التعصبي
المناقض لأسس وقواعد التفاضل في الإسلام بالدولة والمجتمع وساهم بانهيار الحكم
الأموي في فترة قصيرة من الزمن، وانعكس بقوة على التداعيات التالية في تاريخ
المجتمع الإسلامي.
هذه ملاحظات سريعة لم أكن مهيئاً للحديث فيها، وقد تحتاج إلى بحوث مسهبة وإغناء،
وقد تتباين حولها وجهات النظر.
أنا ممتن للدكتور آذرشب، وأشكر الدكتور عصام عباس الذي جمعنا في هذا اللقاء لوداع
شخص عزيز علينا، مفكر، مجتهد، مجد، سوف نحمل له دوماً ذكريات أثيرة.
ثم ألقى السفير الإيراني الأستاذ المهندس حسين شيخ الإسلام الكلمة
التالية
بسم الله الرحمن الرحيم
نجتمع اليوم برفقة الأساتذة والدكتور آذرشب الذي تعلمت منه الكثير. وهذه ليست أول
مرة أتكلم عنه ففضائله بدأت منذ أكثر من 20 سنة عندما اشتغلنا معاً في خدمة الثورة
والجمهورية الإسلامية بقضايا مختلفة سياسية وثقافية. لقد حاولت منذ عُيِّنت سفيراً
هنا أن أفهم هذه السيدة، فالسيدة زينب (ع) والسيدة رقية (ع) لا يمكن فهمهما إلا من
خلال القضية الرئيسية وهي قضية الإمام الحسين... قضية عاشوراء... قضية كربلاء.
لماذا التأكيد على هذه القضية؟ يبدو أن كل الحياة، وكل التاريخ، وكل ما أراد الله
أن يبيِّنه للملائكة عندما خلق آدم إنما يوجد في هذه القضية، في هذه القضية يوجد كل
الناس من الطفل الرضيع إلى الشيخ الكبير، وعاشوراء يعلم كل شخص كيف يجب أن يكون
وكيف تكون علاقته مع الله ومع أخيه الإنسان، ولو أن إنساناً لم يكن عنده غير قضية
عاشوراء وما من شيء سواها لكانت كافية له في الدنيا والآخرة.
السيدة زينب في تقديري رمز لتعامل الشخص الذي ليس له أي قدرة إلا ما حوته نفسه بعد
عاشوراء، ومع ذلك تمكنت من إذلال يزيد وجميع حاشيته.
لقد كانت كربلاء صعبة على السيدة زينب (ع) وعلى الإمام زين العابدين (ع) وفي تقديري
-وأنا أتكلم ما في قلبي- أن الذي حصل بعد كربلاء ليس أقل مما حصل قبلها، ولا أدري
ما كان حصل لرؤيتنا إلى كربلاء لولا السيدة زينب لأن القدرة الإعلامية الأموية
حوَّلت آل الرسول يومذاك إلى خوارج.
إن الكلام الذي قالته السيدة زينب أمام يزيد يتَّبع الطريق التي يجب أن نسلكها في
دحض اتهامنا بالإرهاب، والاستفادة من مظلوميتها شديدة الأهمية؛ فما يحصل في فلسطين
اليوم شبيه بما حصل في كربلاء؛ إذ يقتل الطفل الصغير كإيمان حجو ويقتل الشيخ الكبير
وتشوّه صورة النزاع بنفس الطريقة.
لولا درس عاشوراء لم يكن هناك الإمام الخميني الذي علّم الآخرين كيف يمكن أن تعاد
العزة كما أشار أخي العزيز آذرشب؛ فطريق عاشوراء والثورة الإسلامية هو طريق إحياء
هذه العزة وهو طريق الانتفاضة الحقيقية التي ستنتصر إن شاء الله، وهذا الانتصار ليس
بالضرورة انتصاراً مادياً، فالانتصار الحقيقي في كربلاء كان للإمام الحسين (ع) رغم
أن الانتصار المادي الظاهري كان ليزيد.
يقول البعض إن قضية عاشوراء كانت قبل الأنبياء وقبل الخلق، وهذا دليل على أن قضية
عاشوراء هي لكل الخلق وهذا المصير مستمر. والأخ آذرشب والإخوة الذين تكلموا من
أصحاب هذا النهج إن شاء الله.
آجركم الله وتقبل أعمالكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وكان السفير الأفغاني الأستاذ محمد الله حيدري قد ودع الدكتور آذرشب
بكلمة ودية مختصرة
وكذلك فعل الأستاذ عبد الله الأطرش عضو البرلمان السوري في كلمة
توديعية 
وفي نهاية الجلسة قدم الدكتور عصام عباس لوحة تذكارية عليها مقام
السيدة زينب عليها السلام 
هدية مؤسسة بيت النجمة المحمدية لسعادة المستشار الثقافي الأستاذ الدكتور محمد علي آذرشب
وقد تلقى الدكتور عصام عباس الرسالة التالية من سعادة المستشار قبيل مغادرته دمشق

في المهرجان الثاني عشر عام 2003م – 1424هـ دعوت سعادة سفير
أفغانستان
بدمشق
الأستاذ محمد الله حيدري 
ولبى سعادته الدعوة وألقى الكلمة التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه المنتجبين...
(فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ)...
الحديث عن السيدة زينب (ع) حديث عن البطولة والإباء، وعندما نتذكر السيدة زينب
فإننا نجد أنفسنا أمام قلعة شامخة تتحدى الظلم والجور فزينب بطلة كربلاء وهي التي
شاطرت أخاها الحسين (ع) بثورته وأعمرتها بشجاعتها وإبائها وكلماتها، ولم تنحن هذه
السيدة الجليلة أمام البغي والظلم رغم مشاهدتها أشــلاء أخوتها وأخيها الإمام
الحسين مقطعة على رمضاء كربلاء.
إنها زينب بنت علي وفاطمة، زينب التي ورثت الصبر والعفاف من أمها، والشجاعة
والبلاغة من أبيها، ولم تهادن الطغاة بل قارعتهم بصبرها ولسانها، وكان لخطبتها
المشهورة في الشام في مجلس يزيد دوي هائل أربكت الطغاة وهزت أركانهم وكشفت زيف
الحكم اليزيدي الجائر.
إن ثورة كربلاء تعرف اليوم باسم الحسين وزينب، وستبقى هذه الثورة وأبطالها مخلدين
على مر الدهر واسم الحسين وزينب يتألقان كالنجم في سماء العزة والكرامة والبطولة
والفداء، ولم يبق ليزيد وزمرته الظالمة سوى الخزي والعار إلى الأبد.
إننا في ذكرى ولادة السيدة زينب نتساءل كيف لنا أن نسير بهدي زينب ونقتدي بها وما
هي حاجتنا لدراسة حياتها وسيرتها، وهل نكتفي بالبكاء على مصائبها؟ أم أنها مدرسة
يجب أن نتعلم منها معنى الصبر والجهاد والمقاومة؟ فزينب هي التي اتخذت قرارات صعبة
في مواقع حساسة وخطيرة واستطاعت أن تستغل المكان والزمان المناسبين والخطاب السياسي
المناسب لتحقيق أهدافها.
إننا في الوقت الراهن بأمس الحاجة إلى السيرة الزينبية لنتعلم منها النضال
والمقاومة والحركة والمنطق الرزين والخطاب السياسي المناسب والمنسجم مع الظروف
والواقع وعدم الرضوخ والاستسلام للطغاة والجبابرة. إن السيدة زينب تمثل القيادة
الواعية الإستراتيجية والاستثنائية لتاريخ الجهاد والمقاومة ضد الطغاة والظلمة، تلك
القيادة التي استلمت زمام الأمور في أصعب مرحلة وأشد الظروف، وتمكنت بفضل وعيها
واستقامتها وصبرها أن تكسب المعركة دون أن تستعين بقوة سوى المنطق الرصين والتوكل
على الله والاستقامة على الحق.
إن الاعتماد على منطق القوة والعنف هو في الواقع قوة الذين لا يملكون قوة المنطق
والخط الفكري، وهم دائما يصطدمون بالطريق المسدود وينهارون أمام قوة المنطق
والإيديولوجيا الفكرية الواضحة. إن على المسلمين اليوم أن يجعلوا السيدة زينب قدوة
لهم، وعليهم أن يتسلحوا بالمنطق والخطاب السياسي المعقول والمناسب والاستعداد أمام
التحديات.
إننا في ظل التعاليم الإسلامية القيمة نستطيع بناء حياة عزيزة وكريمة وأن نتعايش مع
الآخرين، ويجب أن نشير إلى أن الإسلام هو دين السلم والأخوة والسلام ودين العدالة
والكرامة والإنسانية ويعتمد على المنطق والعقل والحرية، وإن علينا أن نمد جسور
الأخوة والعلاقات الحسنة القائمة على الاحترام المتبادل مع الغرب ليتمكن الغرب من
سد حاجاته الروحية والمعنوية من معنويات الإسلام، ونتمكن نحن من الاستفادة من
التقدم العلمي والتكنولوجي الغربي.
أيها الإخوة...
إن أخوتكم في أفغانستان عانوا من مشاكل كبيرة جدا خلال العقدين الماضيين ولا يزال
أمامهم مشاكل كثيرة؛ لقد انتهى الغزو السوفييتي لأفغانستان ولكن بدأ فصل جديد من
الاختلافات والتناحر الداخلي، وانتهت تلك الاختلافات التي ألحقت بالبلاد خسائر
مادية ومعنوية وإنسانية كبيرة بطريقة أشد وهي ظهور حركة طالبان واستيلاء هذه الحركة
التي تمثل العنف والتخلف على أفغانستان، ولا شك في أن طالبان حركة متخلفة وجاهلة،
وكان الهدف من تأسيسها ودعمها هو ضرب الإسلام والمسلمين بقناع الإسلام. لقد ارتكبت
هذه الحركة جرائم فضيعة بأفغانستان لم يحدث مثلها من قبل في التاريخ، وكانت تهدف
إلى تكريس المذهبية والطائفية بين المسلمين، وتدفع أسوأ صورة للإسلام إلى العالم
وإظهار الإسلام على أنه دين منغلق ومعارض للمدنية والحداثة والعلم والثقافة والتطور
العلمي والحداثي وأنه دين الإرهاب والعنف وسلب الحريات. ومن قوانين هذه الحركة
المفروضة على الشعب الأفغاني منع التلفاز والتصوير وإغلاق المراكز العلمية
والثقافية ومنع النساء والفتيات من العمل والتعليم وضرورة إطلاق اللحى للرجال، وحدث
ذات مرة أن طالبان جلدوا ميتا بجريمة حلقه للحيته وذلك بحجة إقامة الحد الإسلامي
وتطبيق الشريعة الإسلامية. وإنني أقول بصراحة بأن طالبان كانت كورم سرطاني يفتك
بجسد الأمة الإسلامية، وإذا ما كان يقدر لها البقاء فإن الأمة الإسلامية كانت
ستنتهي خلال فترة غير بعيدة وكانت ستواجه مشاكل جمة وخطيرة في المستقبل القريب. إلا
أن قوات الدولة الأفغانية استطاعت أن تستأصل هذه الغدة السرطانية الخبيثة، إن
إخوتكم قدموا الكثير من الضحايا للتخلص من طالبان ويسعدنا أن نقول بأن تلك الدماء
والضحايا لم تذهب هدرا وتشهد أفغانستان اليوم تشكيل دولة وحكومة وطنية شعارها
الوحدة الوطنية وإعادة البناء والإعمار ونأمل من الدول الصديقة والمحبة للسلام
والعدالة أن تمد يد العون والمساعدة إلى الحكومة الوطنية في أفغانستان. وفيما يتعلق
بالعراق فإننا نأمل أن يتمكن إخوتنا هناك من تشكيل حكومة وطنية في العراق وعلى جميع
الفصائل العراقية أن تعتمد الوحدة الوطنية وأن توحد جهودها وتكرس طاقتها لبناء عراق
جديد تسوده العدالة والديمقراطية بعد انتهاء النظام الديكتاتوري الدموي الظالم في
العراق.
وختاما أرى من الواجب أن أتوجه بالشكر إلى الجمهورية العربية السورية قيادة وشعبا،
هذه القيادة الحكيمة التي تزدهر سورية بفضل وجودها ودرايتها وهي التي توفر مثل هذه
الفرص السعيدة التي نلتقي ونحتفل فيها بذكرى أعلامنا، كما أشكر الأخ الدكتور عصام
عباس على منحي هذه الفرصة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وفي المهرجان الثالث عشر
عام 2004م – 1425هـ دعوت سعادة السفير الإيراني بدمشق الأستاذ محمد رضا باقري
لبى سعادته الدعوة وألقى الكلمة التالية :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين... الحمد لله قاصم الجبارين، مبير الظالمين، مدرك الهاربين، صريخ المستصرخين، موضع حاجات الطالبين، معتمد المؤمنين... الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله...
إخواني... أخواتي... لغتي ضعيفة، ولكني أفضل أن أقرأ كلمتي باللغة العربية، لأن اللغة العربية لغة الدين... لغة الإسلام... لغة الثورة...
السلام على سيدتنا زينب الكبرى، بطلة كربلاء، وسيدة الصبر والإباء، ثم السلام عليكم أيها الإخوة المحتفون بذكرى ميلادها الميمون، ورحمة الله وبركاته...
ليس لمثلي أن يرتقي منصة الخطابة ليتحدث عن موضوع طبيعته أسمى وأعظم من أن تصل العقول إلى كنهه وحقيقته، وخاصة بعد الكلمات الواعية التي تفضل بإلقائها المتحدثون من قبلي ولا سيما صديقي فضيلة الدكتور محمد حبش، ولكن عشق الولاء لزينب دفعني إلى أن أرسم بريشتي المتواضعة صورا وسطورا أنتم أدرى بها مني، لا لشيء إلا لأشاطركم الاحتفاء بميلاد مليكة الحرية التي أطرت وأغنت مفهوم المرأة ومغزاه على طول الخط، فهي السيدة التي تتلمذ على مروءتها العديد من رجالات الإسلام، فما كان من المروءة إلا أن تنحني لعظمتها وعلو شأنها إجلالا.
ولدت (ع) في المدينة المنورة في الخامس من جمادى الأولى من السنة الخامسة للهجرة، واسمها كان عطية إلهية من السماء تلقاها الرسول الأعظم ومعناه (الفتاة القوية المكتنزة الودود العاقلة)، وقيل أيضا (الشجرة المثمرة العطرة والمعطرة لما حولها).
ذاقت حلاوة الحياة في فجر الصبا وهي في أحضان جدها المصطفى وأبويها وأخويها الحسن والحسين(ع)، وبعد خمسة أعوام، وتزامنا مع وفاة الرسول الأعظم شاءت الأقدار أن تعيش السيدة فترة عصيبة عجت بالأسى والمعاناة، وبعد مدة قصيرة من رحيل الصادق الأمين مضت زهرة الزهراء البتول وهي في عنفوان شبابها، وطافت أمواج قاسية من الحزن والألم بالحوراء زينب بعد أن فقدت جدها وأمها. وبعد ذلك شهدت جهاد أبيها الإمام علي على ثلاث جبهات مناهضة للحق؛ الناكثين والمارقين والقاسطين إلى أن رقت روحه بجملة (فزت ورب الكعبة) إلى عليين. وكانت محطتها التالية رؤيتها لأخيها الإمام الحسن يفتك السم بأوصاله ويتقيأ قطعا من الدم فانهارت قواها لقرب رحيله ودنو أجله. ثم عاشت بعد ذلك واقعة الطف المروعة واستشهاد أخيها الإمام الحسين وأصحابه البررة، وعانت وبقية عقائل الوحي ألوان المحن من مرارة السجن وشماتة الأعداء وظلم الأسر.
ورغم ذلك واجهت زينب هذه الكوارث برباطة جأش وإرادة واعية صلبة، ووقفت تخطب بوجه الحاكم الجائر بمنتهى العزم والجرأة كلمات أعادت إلى أذهان أهل الكوفة خطب أبيها ونبرات صوته الحادة، ومن يتأمل خطبها يعي من جهة أنها ترمي إلى توعية المجتمع بحقيقة الإسلام ومغزاه، وتعرية حكام الجور وفضحهم، ويقف من جهة أخرى على مدى بسالة الحوراء في وقفاتها بوجه الطواغيت دون أن تتنازل قيد أنملة عن المبادئ والحقوق، فقد وقفت بوجه عبيد الله بن زياد كالطود الأشم، وهتفت بعبارات مفعمة بالحمية والتأجج والحماسة لتصفه بالفاسق الفاجر، وجسدت أعظم الجهاد بقولها كلمة حق عند إمام جائر، حينما نعتت يزيد بن معاوية في بلاطه بابن الطلقاء، وخاطبته بقلب مفجوع ونبرات قوية حادة: (ولتردن على الله وشيكا موردهم، ولتودن أنك عميت وبكمت، وستعلم أينا شر مكانا وأضعف جندا، مع أني يا عدو الله وابن عدوه أستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك). وحري بنا جميعا أن نعاود بين الحين والحين قراءة هذه الخطب التاريخية القاصعة بتأمل وإمعان لما تتضمنه من معاني الحماسة وبراعة البيان وفنون البلاغة، ولنرى كيف أفلحت في نسف جبروت الطاغية الحاكم، والحط من شأنه، وتذليل كبريائه من خلال كلمات هزت المشاعر، وأنارت الأفكار، وشخصت الداء، ووصفت الدواء.
فأين هم دعاة حقوق الإنسان والمرأة لاقتباس دروس الحرية والإباء من فيض معين أهل البيت الذي لا ينضب، ومن خلال نظرة عابرة على تاريخ الأديان التوحيدية، نستخلص أن هذا التاريخ لا يزخر فقط بعظماء من الرجال، بل إنه حافل بأدوار لعبتها المرأة فاقت في كثير من الأحيان دور الرجل، فأينما كان هناك عظيم كانت وراءه أو إلى جانبه امرأة؛ فإلى جانب إبراهيم الخليل لعبت هاجر وسارة أدوارا فاعلة سجلها التاريخ بأحرف من نور، وإلى جانب النبي موسى(ع) تتلقى أمه الوحي الإلهي، وإذ يتكلم عيسى في المهد صبيا تتلألأ والدته مريم لتغير مجرى الأحداث، وحينما أشرقت شمس الرسالة المحمدية لتدك صروح الإمبراطوريات في الشرق والغرب تبوأت خديجة الكبرى مكانتها المرموقة في الساحة دعما للرسالة والرسول، وحين دوى صوت العدالة الإنسانية على لسان علي (ع) اقترن هذا الصوت بكوثر الزهراء، وأخيرا، وفي ذات السياق، فأينما سمع اسم الحسين وثورة عاشوراء سطع اسم العقيلة زينب لتكمل مسيرة النهضة على مر العصور، أجل... فتاريخ كربلاء جسّد هو الآخر أروع الصور لتكامل دور المرأة والرجل على حد سواء. ومن نافلة القول أن نطل في هذه العجالة على قضايانا من خلال سيرتها المعطاء؛ فزينب اليوم في إيران الإسلام قدوة وأسوة تستلهم منها المرأة المؤمنة معاني الإباء والفداء، وقد دأبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على إضفاء مزيد من القدسية على هذه المناسبات الميمونة، وتعميم بركاتها على مختلف قطاعات وشرائح الشعب، فأعلنت ذكرى مولد الصديقة فاطمة الزهراء عيدا للأم، وذكرى ميلاد الحوراء زينب يوما للتمريض والممرضات، وليس بخاف على أحد الدور البناء الذي لعبته المرأة الإيرانية في خضم أحداث الثورة، وحسبنا على ما نذهب إليه كلام الإمام الخميني الراحل بحقها إذ يقول: (دور المرأة في المجتمع يفوق دور الرجل، وإن هذه النهضة رهينة بجهودها، وقد أصبحت عضوا فاعلا ومؤثرا في المجتمع، وكشفت قدراتها وطاقاتها وتبوأت مكانتها). وبعد انتصار الثورة الإيرانية ساهمت الشريحة النسوية بكل عزم وإخلاص في بناء المجتمع على مختلف الأصعدة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية فضلا عن الصعيد العائلي.
إننا نناشد أبناء أمتنا للسير على خطا هذه الفاضلة، وأن تكون هذه الاحتفالات حافزا لأمهاتنا وأخواتنا وبناتنا ولنا جميعا على الارتفاع لمستوى الأدوار الرسالية التي اضطلعت بها عقيلة بني هاشم، لا سيما في الفترة الراهنة التي تتعرض فيها المرأة المسلمة إلى تحديات صعبة وامتحانات عسيرة، فسلام على السيف الذي قارع في عالم البيان والإباء... زينب... وعلى من صاغت في التاريخ أروع صور الفداء... زينب... وعلى العزيمة التي ذل لشموخها العظماء... زينب... والصلاة والسلام على جدها وأبيها وأمها وأخويها وعلى الأطهار الميامين من ذرية أخيها وعليكم أيها المحتفون بذكرى ولادتها.
طوبى لهذا البلد الكريم في ظل سيدة الصبر، وبوركت جهود المسؤولين في الجمهورية العربية السورية وعلى رأسهم فخامة الدكتور بشار الأسد لرعايتهم واهتمامهم بمقامها الطاهر، وبوركت جهود القائمين على أعمال هذا المهرجان الولائي المعطاء، وخاصة أخينا العضيد الدكتور عصام عباس. والشكر... كل الشكر لكم جميعا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وفي
المهرجان الخامس عشر عام 2006م – 1427هـ حضر سعادة سفير مملكة البحرين بدمشق

الجلسة الافتتاحية للمهرجان..
وفي المهرجان السابع عشر عام 2008م- 1429هـ حضر سعادة سفير أرمينيا بدمشق على رأس وفد ضم أركان السفارة والكنيسة الأرمينية ..
وحضر
سعادة السفير الإيراني بدمشق السيد أحمد الموسوي..
وشارك
السفيران بالحضور وتسليم عدد من دروع النجمة المحمدية


وفي
المهرجان الثامن عشر عام 2009م – 1430هـ
دعوتُ
سفير العراق في سورية الدكتور
علاء جوادي
الذي لبى الدعوة وألقى كلمة في المهرجان قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا أبي القاسم محمد واله الطاهرين وصحبه المنتجبين
ابدأ تحيتي وسلامي لمعالي السيد وزير الأوقاف لرعايته هذا المهرجان الكريم.
وأثّني بشكري واحترامي لأخي الدكتور الأستاذ عصام عباس مدير مؤسسة بيت النجمة المحمدية – السيدة زينب عليها السلام ..
وأحيي أخوتي وسادتي العلماء والحاضرين جميعا...
إحياء سير العظماء ومناسباتهم وذكرهم من مظاهر احترام الشعوب لتاريخها وجذورها وأصالتها ، والأمم التي تتنكر تاريخ عظمائها هي أمم تعيش في دياجير الجهل والظلام . وهاهي شعوب الدول المتقدمة تعلمت بعدما تعلمت منا كيف تعظم الأمم عظمائها ..
تعظيم عظماء الأمة هو تعظيم لرسالتنا الخالدة وتعظيم لدين ربها وتعظيم لقرآننا العظيم هذا من جهة ومن جهة أخرى فاحتفاء الأمم بعظمائها دليل على ديمومة أولئك العظماء في ضمير هذه الأمم . ولو استعرضنا تاريخ هؤلاء العظماء فمن هو أعظم من محمد واله الطاهرين عليهم الصلاة والسلام وأصحابه المنتجبين ...
وتقف فوق هذا الهرم - هرم المجد – جوهرة التاج المحمدي السيدة زينب عليها السلام
فهي بنت النبي ووصيه بطل الإسلام علي بن أبي طالب وبنت الزهراء وشقيقة السبطين الحسن والحسين ...
ففي كل رأس من رؤوس تلك النجمة يخرج إشعاع اسمه زينب عليها السلام ..
هي عقيلة الهاشميين بل هي عقيلة العرب بل هي عقيلة الإنسانية التي تطلب التحرر والانعتاق . وقد تشرفت دمشق بهذه النبعة النبوية إذ أبى الله عز وجل إلا أن يُكرّم هذا البلد الطاهر بهذا النور المحمدي .. بعدما كرّم الله مكة ببيته الحرام وبمقام إبراهيم وحجر إسماعيل ، وكرّم الله المدينة بسيد خلقة وأهل بيته وابنته الزهراء وأزواجه وأصحابه ، وكرّم الله العراق بما كرّمه به من أئمة أهل الطهر والعصمة .
وان السيدة زينب هي قائدة الميدان في الظروف الصعبة .. وفي هذا الظرف الصعب الذي تمر به امتنا العربية والإسلامية وشعبنا العراقي بالخاصة نكون بحاجة الى استذكار القائدة العظيمة زينب عليها السلام فهي الدرس الذي يجعلنا نتخطى المحن والصعاب بثبات ومبدئية واستقامة وصلابة ..
أهل البيت لا ينتمون إلى طائفة بعينها ولا ينتمون إلى هوية بعينها بالرغم من أنهم سادة العرب ... لأنهم ينتمون إلى الله ومن ثم ينتمون إلى كل النبع الإنساني الصالح ، ورسالتهم هي رسالة الهداية للجميع ، فعشق أهل البيت والتمثل بحياتهم وإحياء أمرهم هذا لا يعني الانتماء إلى نوع محدد وإنما يمثل الانتماء إلى الإنسانية ...
لو قرأنا سير نساء العالم فسنجد سيرة السيدة زينب هي أعلى السير التي كتبها التاريخ : فلماذا لا نستفيد منها؟
ولا بد من ان نستفيد في مشاريعنا ونحن في القرن الحادي والعشرين كفكرة رعاية المرأة المحرومة وفكرة رعاية الطفل وفكرة حقوق الإنسان .. فهذه كلها مرسومة بشكل عملي فعال في سيرة السيدة زينب عليها السلام وبظروف وإمكانيات صعبة جدا...
كلماتها كانت تعلم الأحرار درب النضال وعطاؤها استمر متدفقا عبر الزمان والمكان .. واذكر ان عظماء الدنيا والمنطقة الذين انتهجوا خط السيد زينب أصبحوا خالدين بهذه المنهجية : كالشهيد الإمام السيد محمد باقر الصدر وهو مفكر العراق العظيم ومفكر العرب والمسلمين .. وكذلك الرئيس الخالد حافظ الأسد مثل بشموخه وعطاءاته امتدادا زينبيا آخر .. وكل من سار على نهج زينب سيقف شامخا في وجه الطغاة ...
في العراق عانينا الكثير ولكن ارتباطنا بالحسين وفاطمة وزينب وعترة النبوة أعطانا طاقات قوية جدا في مواجهة الطغيان .. وها نحن في العراق نشيّدُ عراقا جمهوريا ديمقراطيا فيدراليا دستوريا برلمانيا يسعى لتطبيق دولة القانون ويسعى لضمان حقوق الإنسان على الرغم من الرياح الصفراء والسموم السوداء التي تتلاقفه من هنا وهناك ..
ولكن العراق يأبى إلا أن يكون عظيما وشعبه يأبى إلا أن يكون كريما ، ومن هنا كان شعب العراق عصيّا على التقسيم وعصيا على كل المؤامرات الطائفية والفئوية والتحزبية ..
أثبت العراقيون انه لا يمكن جرهم إلى أي معركة جانبية ..
العراق اليوم لكل أبناءه ولكل طوائفه وقومياته والجميع ينبغي أن يتمتعوا بكل ثرواته وينبغي أن يتحملوا مسؤولياتهم تجاه وطنهم ..
وفي الختام إن مهام سفارة جمهورية العراق في سورية تنصب في خدمة الجالية العراقية وتوطيد العلاقة بين الشعبين العراقي والسوري وان تكون هذه العلاقة علاقة إستراتيجية أخوية عميقة .. وهنا لابد من أن أشكر الحكومة السورية على تسهيل مهام الجالية العراقية ..
وأخيرا أشكر الدكتور عصام عباس على دعوته الكريمة .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وفي نهاية المهرجان تسلم السفير العراقي درع النجمة المحمدية من مدير المؤسسة.
وفي المهرجان الثامن
عشر أيضا حضر وفد من أركان السفارة الاندونيسية بدمشق برئاسة القائم بأعمال السفارة

تلك هي إطلالة على مشاركة وحضور البعثات الدبلوماسية المعتمدة في دمشق والتي تمت دعوتها من قبل مؤسسة بيت النجمة المحمدية خلال المهرجانات الثمانية عشر ونحن إذ نثمّن عاليا مشاركتهم وحضورهم والى المزيد من التعاون في تطوير هذا العمل الثقافي الحضاري ...