حلقات ثقافية أكتبها من ذاكرة المهرجانات الولائية المؤرشفة
الحلقة الثامنة طائفة الموحدين (( الدروز ))
إحدى
الطوائف الإسلامية في سورية والتي تأخذ من محافظة السويداء في الجنوب السوري عاصمة
لها ، عرفت مهرجان مؤسسة النجمة المحمدية من محام ٍ عاش بدايات المهرجان وهو أحد
تلامذة مدرسة الدكتور أسعد علي القرآنية ألا وهو المحامي حمود البكفاني الذي كان
ينقل إلى المستمع في اغلب المهرجانات قصيدة من قصائد الدكتور اسعد علي العرفانية

لكنه
نقل الصورة إلى محافظته العريقة وقدم بوفد من شيوخ المحافظة في المهرجان التاسع عام
2000م

وألقى في ذلك المهرجان قصيدة أسعدية كعادته ...
وتقدم إلى المنبر احد شيوخ الوفد ليلقي كلمة مختصرة بالمناسبة وهو الشيخ كميل نصر

وفي المهرجان العاشر عام 2001م - 1422هـ
استقبلنا وفدا كبيرا من طائفة الموحدين الدروز يرأسه سماحة العلامة الشيخ إبراهيم
أبو عسلي رئيس الطائفة

الذي
بات يحضر مهرجانات المؤسسة كل عام وأصبح هو الذي يعين المتحدث عن طائفة الموحدين في
كل مهرجان ونظرا لاهتمامه ومشاركته الفعالة أصبح عضوا في الهيئة الاستشارية لمؤسسة
بيت النجمة المحمدية 
وقد
قُدّم لسماحته درع النجمة المحمدية في المهرجان السادس عشر

ففي
المهرجان العاشر عام 2001م واصل المحامي حمود البكفاني بإلقاء القصائد الأسعدية ،
إذ ألقى القصيدة التالية :
|
مَرَّتْ غَزالةُ بِالحُشُودِ الجائِعَه
|
|
فَتَسَابَقَتْ وَ الرِّيحُ دِرعٌ مَانِعَه بِفَضَائِها الأَعلَى
تُغَرِّدُ لامِعَه
|
كما أنه ألقى كلمة وفد
الطائفة في المهرجان السادس عشر عام 2007 م قال فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين واله وأصحابه أجمعين
أيها السيدات أيها السادة
لقد واكب المسلمون المؤمنون الموحدون " الدروز" مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي منذ بدايته احتفاء بالذكرى العطرة لميلاد الحوراء زينب عليها السلام بمعية صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم أبو عسلي "دام ظله" .. وقد وقع الاختيار على شخصي المتواضع هذا العام للمشاركة بهذه الكلمة ..
والتزاما بشعار المهرجان الذي وضعته اللجنة المنظمة بإشراف الأخ والصديق الدكتور عصام عباس المتضمن ( دور المرأة الثقافي والسياسي والقيادي في منهجية السيدة زينب "ع" ) فإنني سعيت جهدي لوضع هذا الشعار ضمن السياق الإسلامي الإيماني التوحيدي لإلقاء الضوء على دور المرأة المسلمة المؤمنة الموحدة والمطلوب منها بعد أن تملك المؤهلات الثقافية والسياسية والقيادية ليكون الشعار واقعا معاشا وقابلا للتحقيق ..
ولنبدأ بالدستور الإلهي الذي شرعه رب العالمين ليكون صالحا في كل زمان ومكان في الدين والدنيا .
فإذا كانت الآية الثالثة من سورة النساء قد ربطت تعدد الزوجات بنقطتين جوهريتين :
الأولى – الخوف من عدم القسط في معاملة اليتامى .
الثانية – الحرص على العدل بين الزوجات
وبالتطبيق العملي خلال هذه القرون لم نشعر أن التعدد قد حالفه التوفيق بل إن المرأة المسلمة قد وقعت تحت عبودية الرجل وضرر " الضَّرة " فكيف يكون لها أي دور ثقافي أو سياسي أو قيادي إذا كانت مسلوبة الحقوق ومهددة في حياتها وحريتها ولا ينظر إليها الرجل إلا كسلعة وقطعة من أثاث منزله .
لذلك فان المسلمين المؤمنين الموحدين " الدروز " قد فهموا مضمون هذا النص مبكرا وتقيدوا بنص الآية 129 الحاسمة بقولها :
(( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ))
والمرأة المسلمة المؤمنة الموحدة تعرف سلفا أنها خلقت ليكون لها شريكا واحدا في حياتها الزوجية لتسكن إليه وتبني معه المودة والرحمة كما هو النص الواضح من الآية 21 من سورة الروم ، ولذلك فإننا نشعر باعتزاز كبير على إن أبناء مذهبنا الإسلامي الإيماني التوحيدي لا تهدد حياتهم الأهواء والنزوات بل يتعاون الشريكان على السعي لبناء أسرة فاضلة شعارها المودة والرحمة ليكونوا في مجتمع مترابط يشد بعضه بعضا ولذلك فان للمرأة في مجتمعنا الدور الأساسي في تنشئة الأسرة والخلية الأساسية في بناء المجتمع وتُرضع أطفالها حب الوطن وتقديم الغالي والنفيس في سبيله ..
وتاريخ المذهب يوضح الصفحات الناصعة عن دور المرأة والاحترام المتبادل معها لتبقى على طهرها وعفتها واقتداءً بأمِّنا فاطمة الزهراء وابنتها زينب الحوراء
ـ وعندما تحيق بالوطن الملمات والدواهي كانت المرأة المسلمة المؤمنة الموحدة هي الساعد الأيمن لأبيها وابنها وأخيها وزوجها وكثير من الأحيان فان المقاتل تشدّه حمية الدفاع عن العرض والأرض وينتخي بأعز الأسماء إلى قلبه من أخواته أو أمه أو بناته ..
والقائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش طيب الله ثراه قد رفع شعارا أساسيا ووحيدا وبايعه الشعب العربي السوري بقوله(( الدين لله والوطن للجميع)) ، فقد كانت الحمية تثور في رأسه عندما كان يقول قبيل كل معركة أو موقف حاسم " أنا أخو سميّة "
ولتسمحوا لي لإغناء شعار هذا المهرجان أن أورد الحادثتين التاليتين من تاريخ الثورة السورية الكبرى :
الأولى: إن المجاهدة وأم الشهيد " السيدة بستان شلفين " آلت على نفسها بعد استشهاد ولدها أن تُركب فرسها خِرج تضع في جانب منه الخبز والماء وفي الجانب الآخر الذخيرة والقنابل وعلى كتفها باروده حربية وتمد المقاتلين يوميا على هذا الشكل .
الثانية : ليلة معركة المزرعة في 2 آب 1925م جردت فرنسا كل قوتها البرية والجوية في منطقة الشرق الأوسط لتضرب بؤرة الثورة في محافظة السويداء وقد سمعتُ شخصيا من القائد العام للثورة السورية سلطان باشا الأطرش بان الأخبار التي رصدت قوات العدو لم تكن مُريحة بالنسبة إليه لا من حيث العَدد ولا من حيث العُدد ، حيث كانت القوات الفرنسية تزيد على ثلاثة عشر مقاتل بقيادة الجنرال ميشو من أشهر قادة الحرب العالمية الأولى ، لذلك اخذ يفكر القائد العام بالمناوشة وإشغال العدو ليؤَّمّن انسحاب الأطفال والنساء تجنبا لما قد يقع من آثار لا تحمد عقباها ... وإذ المفاجأة المذهلة التي كانت له وللمقاتلين ونسجلها بمداد من الذهب بعد أن سجلتها صاحبتها السيدة " شمة أبو عاصي " بدمها وحماستها وذكائها أنقلها إليكم بمنتهى الأمانة التاريخية لتكون هدية لهذا المؤتمر تضاف إلى الصفحات الكربلائية :
لجا إلى منزل السيدة شمة أبو عاصي في بلدة نجران المحاذية لسير الحملة الفرنسية مجموعة من المقاتلين المتراجعين من أتباع مذهب المسلمين الموحدين المؤمنين وعلامات الإرهاق والإحباط بادية عليهم فتظاهرت بإكرام وفادتهم وقدمت لهم " منسفا عربيا" مملوءا باللحم والكبة والبرغل وترعت غطاء رأسها وصرخت بهم : أخي وزوجي قد قتلا اليوم في مقدمة الحملة الفرنسية ومن لديه الحمية والرغبة الأكيدة بالدفاع عن الأرض والعرض فليتفضل ويأكل من هذا الطعام وكان الذهول الأكبر بانعطاف الحضور بان دبت الحمية والحماس وهلهلت الزغاريد لعين شمة أبو عاصي وداهم الحضور مؤخرة الحملة الفرنسية وسلبوا منها البغال المحملة بالذخيرة والعتاد والأدوية الطبية وسارعوا إلى مكان وجود القائد العام سلطان باشا الأطرش وهم يصيحون بشراك بشراك يا باشا ورووا له الحادثة وانتشرت تلك الرواية وتعاهد المقاتلون أن يشتتوا جمع الجيش الفرنسي .
أيها السيدات والسادة :
إن الإيمان يصنع المعجزات وذلك من قوله تعالى
" قالت الإعراب آمنا ، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم"
" إنما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون "
ـ نفخر بأننا من تلك الجذوة المباركة التي ترتبط بفاطمة وأبيها وزوجها وبنيها ونفخر بأننا من الجذوة التنوخية ، ونحن جذر أصيل من جذور الدولة الفاطمية بنت الأزهر الشريف .. ونحن الفاطميون كنا ومازلنا نشدد العزم على أن نبقى من العروبة بمثابة السيف ومن الإسلام بمثابة الروح
والفاطميون ما زالوا مسابقة بأمة الخير .. والخيرات تكتسبُ
أسماؤهم قبب بشرى لمن وهبوا جناتهم طربٌ ... إحقاقهم طلبوا
عاش العقيدة بالعرفان من فقهوا وللمعري بغفران المدى عجبُ
وهذا الكلام لعلامة العصر الدكتور اسعد احمد علي مرشد الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية .
وهو النموذج المتميز للدعوة إلى التسامح وفهم الآخر واحترامه وأسس مجلسا لآدم عليه السلام لتكريس الفهم والتقارب بالفهم بين الأديان والمذاهب بلا تعصب ولا عصبية والذي نسال له العمر المديد والرأي الرشيد والقوة والتسديد .
وهو أول ما زرع في عقلي وقلبي ما قاله الإمام علي في الوصية الوالدية لابنه الحسن عليما السلام :
"فتيقن إن صفا قلبك فخشع .. وتم رأيك فاجتمع .. وصار همك في ذلك هما واحدا ..
فانظر فيما فسرت لك وإلا فأنت تخبط خبط عشواء .."
ولذلك قال بلسان الحوراء زينب التي نحتفي بذكرى ميلادها العاطر:
العلم والذوق والأخلاق عِمّتهُ وكفه الجود والتدبير والفقر
تلك الخصائص من يدري بمن سطعت قالت أبي زينب واشتاقت الفطر
وكما قال النفري الفقيه الصوفي " قلوب العارفين ترى الأبد وعيونهم ترى المواقيت "
فقد خط اسعد علي هذا المنهج وقال :
تلاميذي جموح في ظموحي أروضه بروحي وابعثه فتوحا كالمسيح تغذيها جروحي
تلونها بريشات المحبة .. فتنبت كل ضربة ربيعا تعشق الأزمان خصبه
تلاميذي محبة .. محبة مؤمن ما خان ربه
وإنساني برؤياه محمد .. به كلي توحد فلون محبتي فيه تمجّد
وصار بياضه الفطري اسود
وصرت بنعمة التوحيد اسعد
إن هذا الفهم القرآني المتميز قد عاشه المسلمون المؤمنون الموحدون منذ فجر الإسلام وطبقوه في حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والوطنية والدينية ، وأهلنا في الجولان الحبيب شعلة مضيئة تدل على الصمود وصحة الانتماء لكل ما يعزز المواطنة ويرفع من قيمة الوطن ومن هنا نتوجه إلى أهلنا الصامدين بالتحية ونسال الله تعالى أن يجمع شملنا ويعود الجولان السليب إلى الوطن الحبيب ونكون قد رددنا التحية للشهيدة غالية فرحات التي فجرت نفسها في صفوف العدو بالجولان رفضا للجنسية الإسرائيلية.
كما إننا بهذه المناسبة ونحن في أسبوع تجديد البيعة لقائد الوطن السيد الدكتور بشار الأسد الذي قال في زيارته للسويداء أن سورية هي القلعة المنيعة والسويداء هي الصخرة الصلبة في هذه القلعة .. فإننا نجدد له العهد والبيعة على أن يبقى المسلمون الموحون المؤمنون الدروز على عهدهم بالوفاء للوطن و لسيد الوطن والاستعداد الدائم للفداء مهما كانت التضحيات .
ولا ننسى تقديم الشكر الجزيل إلى اللجنة المنظمة للمهرجان والقائمين على المركز الثقافي العربي بالمزة ..
والشكر كل الشكر للأخ والصديق الحبيب أبو علاء الدكتور عصام عباس على ما يبذله من جهود مادية ومعنوية لإحياء مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي ليبقى شعلة منيرة للأجيال وتسبيحا للجمال بذاته في قلوب العارفين وتقديسا للكمال في محاريب النفوس المطمئنة ..
وأولا وأخيرا سبحان من ليس إلى أسبابه غاية .. وسبحان من لم يجعل للعالمين طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته ...
الكل يسير وقليل هم الواصلون
طوبى للذين ابعد مداركهم .. وعزز مسالكهم .. فنعموا بوجدهم ومازالوا بهذا النعيم يتواجدون .. ومن بحر الأحد الفرد الصمد يغترفون وبكؤوس حقائق الإحسان والتوحيد يشربون ..
فجزاهم الشاهد والمشهود وانيسهم الباري المعبود ، بنعيم القيام والقعود حتى اليوم الموعود بظهور المهدي المنتظر ليملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملأت جورا وظلما .. عجّل الله فرجه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وفي
المهرجان السابع عشر عام 2008م أدار الجلسة العلمية
الأولى للمهرجان

وبنفس المهرجان تسلم درع النجمة المحمدية 
في
المهرجان الحادي عشر عام 2002م ألقى كلمة وفد الموحدين الدروز الأستاذ جميل أبو
ترابي قال فيها :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين...
السلام
على شهداء كربلاء إلى يوم الدين...
السلام على من قضى في سبيل الحق ونصرة الدين ...
أيها الحفل الكريم ...
إنه لمن دواعي الاعتزاز والسرور أن يكون لنا شرف اللقاء بكم في هذه المناسبة
الكريمة للمشاركة في المهرجان الولائي الحادي عشر لذكرى ميلاد كريمة أهل البيت
السيدة زينب وتحت شعار: (السيدة زينب (ع) مشروع إعلامي هادف ورؤية مستقبلية مضيئة
للأجيال من كربلاء إلى القدس).
تلك السيدة الفاضلة التي سجّلت في مواقفها البطولية شرفاً للإسلام وعزاً للمسلمين
على امتداد التاريخ وكانت خير مثل للشرف والعفاف والكرامة وكل ما تعتز به المرأة
وتسمو به، وإذ نحتفي بهذه الذكرى المضمخة بعبير التضحية والجهاد لا من أجل السرد
التاريخي المجرد لمناقب القديسة الطاهرة فهي ملء فم الدنيا وسمعها وإنما نحتفي بها
للتأكيد على أهداف ثلاثة:
- التذكير بالدور الرسالي والقيادي لهذه السيدة العظيمة واتخاذها قدوة ومثالاً
لنساء العصر.
- استلهام الكثير من مثلها العليا السامية التي سطع نورها عبر التاريخ واستضاءت به
الأجيال على مر الزمان.
- بيان القاسم المشترك بين ثورة كربلاء وثورة الحجارة في القدس الشريف مروراً ببعض
الثورات التي نشبت بين هاتين الثورتين في بعض أقطار الوطن العربي.
ولو كان الوقت يتسع لبسط الحديث في كل هدف من الأهداف المذكورة لأتينا على الكثير
من الحقائق والدقائق، إنما نذكر منها ما نحن أحوج إليه في عصرنا الحاضر لمعالجة
واقعنا المعاش والارتقاء به إلى مستوى طموحات أمتنا العربية والإسلامية وتحقيق
الآمال في وحدة الصف والعزة والنصر والتصدي لعدونا المشترك الذي يتربص بنا الدوائر.
عاشت السيدة زينب (ع) في فترة مضطربة مليئة بالأحداث والتطورات السياسية وضعت
الإسلام والمسلمين على مفترق طرق وبثّت الفرقة بينهم وكثرت التيارات الحزبية التي
حاولت بكل وسائل القوة أن تسدل الستار على قادة الأمة وهداتها الحقيقيين الذين
أقامهم الرسول (ع) أعلاماً لأمته وخزنة لعلومه وحكمته فدافعت زهراء الرسول بقوة
وصلابة عن حق سيد العترة أمير المؤمنين رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام (كرم
الله وجهه)، وكذلك وقفت ابنتها العقيلة أمام الحكم الأموي الذي استهدف إقصاء أهل
البيت عن واقعهم الاجتماعي والديني والسياسي فدخلت المعترك السياسي من جميع جوانبه
أسوة بأمها التي كانت تدلي برأيها السياسي أمام كل الناس وبأعلى صوتها، ولا عجب في
ذلك فالبيت الذي تربت فيه العقيلة وورثت عنه الشجاعة في قول الحق والمزايا الحميدة
ونهلت من علوم جدها وأبيها وأخويها هو بيت النبوة والمدرسة التي تلقت فيها قيم
النضال، هي مدرسة التضحية ونكران الذات واحترام الإنسان لأخيه الإنسان، مدرسة
الإصلاح والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة الحق والتي كان من أولى ثمارها
معركة كربلاء، تلك المعركة التي أصبحت كما يؤكد المؤرخون المنصفون العنوان السامي
لكل المجاهدين في دنيا العروبة والإسلام خاصةً في هذا الظرف العصيب الذي تمر فيه
أمتنا العربية والإسلامية وقد تضافرت عليها كل قوى الشر والعدوان ممثلةً بالصهيونية
العالمية ومن يساندها لإذلال هذه الأمة وسلب خيراتها وحديثنا عن محفد العقيلة
الطاهر وبيئتها الغنية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن بعض مثلها السامية التي
نستلهم منها القدوة الصالحة والشفافية الروحانية والخصال النبوية ولا نحصيها عليها،
منها على سبيل المثال الإيمان العميق بالله تعالى والرضا والتسليم لمشيئته وهذا ما
دل عليه موقفها على جثمان أخيها الحسين في العاشر من محرم وقد مزقته سيوف الظلم
فقالت كلمتها الخالدة: (اللهم تقبّلْ هذا القربان و أثبِْه على عمله)، ومنها صبرها
الجليل واحتمالها ما حل بأهلها من الرزايا والكوارث التي لا تتحملها إلا سيدة مثلها
إذ فقدت من أهل بيتها وخيار أنصارهم وتلامذتهم 73 رجلاً في يوم واحد لكنها صمدت
أمام ذلك البلاء العارم وصبرت صبر الأنبياء راضية بقضاء الله تعالى متمثلةً بقوله
عز وجلّ: (وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون
أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)، ناهيك عن شجاعتها النادرة وقولها الحق في
المواقف الحرجة في حضرة الطغاة المتجبرين فحدِّثْ ولا حرج لكن الوقت لا يتسع لإيراد
الشواهد من خطبها البليغة، وشاركت عقيلة بني هاشم أخاها الحسين في ثورته على الظلم
والطغيان ووقفت معه في خندق واحد ومما يدعو إلى الإكبار والاعتزاز أن تلك الثورة
غير المتكافئة من حيث العدة والعدد لم تحسب يومذاك حساباً إلى ما يُعرف اليوم
بموازين القوى وإلا لما أقدم عليها الإمام الحسين وهو يعلم ذلك، سلاحه الوحيد فيها
الإيمان بالله تعالى في عدالة قضيته وقوة الحق التي لا تعلو عليها قوة وهذا ما
تؤكده الآية القرآنية الكريمة: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)،
والشبه كبير بين ثورة الحسين والثورات التي نشبت في وطننا العربي إذ أن الثورات على
الظلم والاستعباد واغتصاب الحقوق تستوحي رسالاتها وقيمها النضالية من بعضها البعض
وميزان القوى لديها كلها هو قوة الحق ونصر الله يمنحه من يشاء من عباده، وكمثال على
ذلك الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين التي قادها المغفور له سلطان باشا الأطرش
وانتصر بها المجاهدون الأبطال على جيش فرنسا المدجج بأحدث أنواع السلاح في ذلك
الوقت في معارك جبل العرب وغوطة دمشق وسفوح جبال العلويين و غيرها من المواقع . لم
يحسب قائدها حساباً لموازين القوى حين كان سلاح المقاتلين البنادق القديمة وأشباه
السيوف والعصي والفؤوس، ومما أضفى على معاركهم صموداً ومناعة يبعثان العزة في
النفوس وقوف حفيدات العقيلة خلف صفوف المقاتلين في معركة المزرعة يمددنهم بالخبز
والماء ويبثثن الحماس والنخوة في صدورهم ويناشدنهم بأعلى أصواتهن في زحمة القتال:
(النشامى... اليوم ولا كل يوم... احموا أعراضكم... دافعوا عن أرضكم و أطفالكم... لا
رجعة لكم... نحن وراءكم... فإما الشهادة أو النصر)، وانتصر الحق ذلك النصر المؤزر،
وأعلى ما يكون الباطل يأتي عليه الحق فيخمده.
وقد أجاد الشاعر القروي في تصوير هذه المواقف البطولية لحفيدات عقيلة بني هاشم
فقال:
وَ نِسَاؤُهُم، لَو تَشهَدُونَ نِسَاءَهُم في الحَربِ حَامِلَةً عَلَى الشُّـجعَانِ
يَنفَخْنَ في أَشْــبَالِهِنَّ حَمَاسَـــــةً تَـثِبُ الصُّـــــدُورُ
لَهَا مِنَ الغَلَيانِ
كَالماءِ أَعـــــذَبُ ما يَكُـونُ وَ إِنَّهُ لأَشَـدُّ مَا يَســـــطُو
عَلَى النِّيرَانِ
و المثل و القدوة كذلك في بطولات وتضحيات حزب الله المجاهد في الجنوب اللبناني
الصامد حيث أجبر العالم كله على الاعتراف بحقه في الجهاد المقدس، هذا الحزب الذي لم
ولن يلقي سلاحه حتى يحرر آخر شبر من تراب وطنه العزيز لم يضع هو الآخر في حسبانه
موازين القوى بل رأى أن قوة الحق أقوى من دبابات العدو وطائراته، فرسالة كربلاء
تشحذ همم رجاله وقبس من نور الحسين يسري في دمائهم بالتضحية والفداء وعمق إيمانهم
يدعوهم للتمسك بمضمون الآية القرآنية الكريمة (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن
الله والله مع الصابرين)، ونعم الصبر صبر زعيم ذلك الحزب المناضل السيد حسن نصرالله
حينما رفض كما روي لنا أن يقيم مجلس عزاء لنجله الشهيد في معارك الجنوب حيث قدّمه
قرباناً مقدساً على مذبح الحرية و الكرامة وإخاله في هذا الموقف المشرف يأتسي
بعقيلة بني هاشم في محنتها التي ابتلاها الله بها في كربلاء.
أيها السادة:
ما أشبه الليلة بالبارحة!، بالأمس البعيد دعا آل البيت (ع) أعوان الظلم للاحتكام
إلى لغة العقل والمنطق والعودة إلى سنة العدل والحق فأبى أولئك واستكبروا وسلطوا
سيوف البغي على رقاب الأبرياء وهدروا دماءهم الزكية التي لا تزال صرخة مدوية عبر
التاريخ تهيب بالأجيال من بعدهم لنصرة الحق وعدم الركون والاستسلام للطغاة وستظل
صرخة كربلاء مدوية في آذان الظالمين تنذرهم بأن للباطل جولات وللحق جولة واليوم
يعيد التاريخ نفسه؛ يمد العرب أيديهم للسلام فيمد أعداء السلام لهم يد الغدر
والعدوان ويقصفون بيوت الآمنين العزّل فوق رؤوس النساء والأطفال والشيوخ لا يرعون
في ذلك حرمة ولا يعرفون الرحمة ليثبتوا للعالم أجمع أن السلام عندهم بالكلام
والأحلام، فبوركت تلك الدماء الزكية التي تغسل قدس القلوب من أدناس العدو الصهيوني،
وتحية إكبار وإجلال للمناضلين الأبطال الذين لا تزال نفحة كربلاء تغلي في صدورهم
وتثير الحماس والنخوة في نفوسهم ليستقبلوا رصاص العدو بصدور عارية إلا من الإيمان
بحقهم في الحياة الحرة الكريمة، هؤلاء النشامى الذين يسقط العشرات منهم كل يوم في
ساح الشرف وخلفهم حفيدات العقيلة يزغردن كلما سقط شهيد، لم يحسبوا حساباً لموازين
القوى وهم يقابلون دبابات العدو وطائراته بالحجارة والمقاليع وقلوبٍ أصلب من دروع
المهاجمين وإلا لما كان لثورتهم من معنى، الظلم في كربلاء هو عين الظلم في القدس
الشريف، وثورة الحجارة امتداد لثورة كربلاء، ولعل أبناء تلك المنطقة هم الذين عناهم
النبي (ص) بقوله:
(لا تزال فئة من أمتي قائمة على الجهاد المقدس إلى يوم الدين. قيل: وأين هم يا رسول
الله؟ قال: إنهم هناك في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).
إن دماء الشهداء في فلسطين المحتلة تستصرخ الضمائر الحية في كل مكان لإنقاذ القدس
الشريف من همجية العدو الصهيوني الذي يعمل ليل نهار على تهويدها وإحاطتها بسياج من
عنصريته وأحقاده.
إن الصراع الدائم بين الحق والباطل، بين المظلوم والظالم إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً، فسلام الله ورضوانه على شهداء
الحق من يوم كربلاء إلى يوم ثورة الحجارة، وسلام الله ورضوانه على صاحبة هذه الذكرى
العطرة التي أحيت القلوب بذكرها وكان عيد مولدها ملتقى المحبين، فقد كانت ولا تزال
قدوة صالحة في الدين والدنيا ورسالتها الإعلامية الهادفة أضاءت بنورها طريق النضال
للأجيال، لا غاية لها سوى نصرة الحق مهما عظمت التضحيات وبعث روح العزة والكرامة في
النفوس الأبية المؤمنة وما أجمل ما قاله فيها أحد الشعراء وهو يمجد بطولتها
العجيبة:
رَمزُ البُطُــــــولَةِ بِالعَطاءِ تَألَّقَتْ في دَورِها السَّـــــامِي
بِعَاشُورَاءِ
هِيَ مِن إِمَامِ المُتَّقـــــينَ تَحَدَّرَتْ هِيَ صُـــــورَةٌ مِنْ
أُمِّهَا الزَّهرَاءِ
هِيَ صَــــرخَةٌ لِلحَقِّ دَوَّى صَوتُها في مَســــــمَعِ الدُّنيا
بِكُلِّ جَلاءِ
وكل عام وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كما
ألقى كلمة الوفد في المهرجان الثاني عشر عام 2003م قال فيها:
(إنما يريد
الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)...
السادة العلماء... أيها الحفل الكريم...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
بالأمس القريب وما أسرع ما تنقضي الأيام كان لنا شرف اللقاء بكم في مثل هذا الوقت
المبارك في المهرجان الولائي والوفائي الحادي عشر إحياء لذكرى ميلاد السيدة الفاضلة
بطلة الحرية بطلة كربلاء زينب عقيلة أهل البيت الكرام (ع)، وفي الحقيقة ما إن تبدأ
الحديث عن مزايا العقيلة حتى تشعر أحيانا بالحيرة والذهول أمام عظمة وقدسية هذه
الشخصية النادرة وأن الكلام قد لا يطاوعك لما تريد فتبقى حائرا مدهوشا لا تدري من
أين تبدأ ولا ماذا تقول. ونحن حينما نتحدث عن العقيلة إنما نتحدث عنها أكثر الأحيان
من حيث واقعنا نحن ومن حيث إمكاناتنا الشخصية لا من حيث هي، ونعبر عنها بلغة
التاريخ ونقيسها بمقاييسه المحدودة ونحكم عليها بأحكامه والأولى أن يعبر عنها بلغة
أهل الذوق والحال الذين لا ينطقون عن الهوى وتقاس عظمة شخصيتها بمقاييس أولياء الله
عز وجل وأحبائه لأنه لا يعرف الولي إلا الولي. وإنني في هذه المناسبة الكريمة أجمل
الحديث عن العقيلة من خلال أبعاد ثلاثة تجلت في شخصيتها هي محور كل الدراسات عنها
في الماضي والحاضر وهي: البعد الروحي، والبعد العلمي، والبعد القومي أو سمه فضيلة
الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله. أما البعد الروحي المتأصل في نفسها فلا أعتقد أن
التاريخ الزمني قد وفاه حقه من العناية والاستقصاء رغم أنه قد تحدث عن حياتها من
البداية إلى النهاية، وإن كان قد أشار إلى هذا البعد بوجه من الوجوه فلعلها إشارة
عابرة لم تتجاوز حدود الوصف العام، وبقي سر هذا البعد مستغلقاً عليه ومن بعض سمات
هذا البعد الروحاني على سبيل المثال إيمانها الراسخ بالله تعالى الذي ارتقت به إلى
درجة الرضا والتسليم بمشيئته سبحانه في محنتها التي ابتلاها الله بها في كربلاء،
والرضا والتسليم هما أعلى درجات اليقين. ثم وهبها الله معرفة لدنية نجم عنها بصيرة
شفافة كشفت لها مسبقا نتائج ما حدث لأهلها وما يحدث، ونجم عنها أيضا ذلك الصبر
الجليل الذي قذفه الله بقلبها والذي لا تفجع معه ولا جزع من حكمه فذبحت لوعتها في
قلبها وتمالكت نفسها وكظمت غيضها وسيطرت على أصحابها لدى مرأى 73 شهيدا كالكواكب
الدرية من أهل البيت ومن صفوة الناس وإنما أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الذين
يلونهم ثم الأمثل فالأمثل كما قال رسول الله (ص)، ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب (ع): (البلاء للظالم أدب، وللمؤمن امتحان، وللأنبياء درجة) فلا يليق بالعقيلة
مع تلك المعرفة السامية العلوية أن تجزع وتستسلم للبكاء وهي أعلم الناس بثواب الصبر
المعد للصابرين (وَبشِّر الصَّابرين)، (وإنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب)،
وتعلم أيضا أن من جزع من قضاء الله فقد ثواب الصبر عليه. فمعرفتها وحكمتها وشجاعتها
منعتها من كل ما يوهن الضعفاء فكان حزنها وتفجعها مناجاة وتسبيحاً للخالق سبحانه
وصلاة شكر وعرفان على هذه النعمة التي أضفاها عليها وعلى أخيها. هكذا أولياء الله
يعدون البلاء نعمة والصبر عليها يرفع الدرجات والدليل على ذلك أنها توسلت إلى الله
سبحانه بأوجه الوسائل أن يتقبل منها جثمان أخيها الحسين (ع) قربانا مقدسا لهذه
النعمة الإلهية التي نالتها وهي نعمة ثواب الصبر، والصبر عند الصدمة الأولى كما قال
جدها رسول الله.
يا قلب زينــــب ما لاقيــت من محن فيــك الرزايا وكل الصبر قد جمعا
لو كان ما فيك من صـــبـر ومن محن في قلب أقوى جبال الأرض لانصدعا
هذا الصبر العظيم هو سر من أسرار البعد الروحي في شخصية الحوراء.
كيف تأتّى لها ذلك؟ لقد انتصرت على نفسها بقوة اليقين في أحرج الأوقات وأحلك
اللحظات والانتصار على النفس هو الجهاد الأكبر، والمعركة الحقيقية كانت مع نفسها
وما الصبر إلا وليد هذا الانتصار المؤزر. إن الله سبحانه وتعالى لا يبتلي العبد
بشيء إلا ووراء ذلك حكمة بالغة وسر عميق، فإذا كان الابتلاء لسواد الناس لتمحيص
الذنوب والتكفير عنها فماذا يعني بالنسبة للأنبياء والأولياء ومن هم في مستوى
منزلتهم؟ أليست الحكمة في ذلك أن يكونوا قدوة للناس وأهلا لقيادتهم وهدايتهم ففي
وقت السلامة والرخاء يتساوى الناس جميعا وإنما يحتاج الناس إلى الاقتداء والاهتداء
والتأسي وقت الشدائد والمحن فحينما ابتلى الله هابيل بأخيه قابيل كان المغزى من
وراء ذلك أن لا يستعظم أحد القتل ظلما وإنما هو مجال للتأسي وارتفاع الدرجات، ونبي
الله إبراهيم الخليل (ع) لم يصبح إماما للناس إلا بعد أن ابتلاه الله وانكشفت
حقيقته له (وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن،قال إني جاعلك للناس إماما)،
والنبي العربي محمد (ص) ما ابتلاه الله بمشركي قريش وعبدة أوثانهم إلا لتظهر
كفاءاته ومؤهلاته القيادية بالصبر على مجتمع وثني جاهلي واجتياز المحن بهمة عالية
وصبر شديد وعقل حصيف فكان أهلا للأمانة وحمل مسؤولية الرسالة وهداية الناس.
فالابتلاء يظهر حقيقة المبتلى وحقيقة كفاءته التي تشد الناس إليه وتجعله قدوة صالحة
لهم ومثلا أعلى في الصبر واحتمال الشدائد وكذلك الحال لدى السيدة زينب (ع) لم تكن
في منأى عن هذا الابتلاء أيضا لكنها تجاوزته بصبر وشجاعة ورضا وتسليم فكانت بحق
قدوة صالحة لجميع نساء العالم. وتكريما لها كانت تعلم مسبقا أن الله سبحانه خصها
وأهل بيتها بنعمة الابتلاء هذه ليكونوا قادة هدى للناس ومعقل إمامتهم. فحينما أشار
ابن عباس على الإمام الحسين (ع) بعدم الخروج إلى العراق قال له الإمام: (شاء الله
أن يراني قتيلا ويراهن سبايا) فقال ابن عباس: (ما معنى حملك لهؤلاء النسوة؟ أخشى أن
يصيبك ما أصاب عثمان فتقتل ونساؤك ينظرن إليك)، فإذا بالعقيلة زينب تقول من خلف
الستار: (من هذا الذي يشير على شيخنا وسيدنا أن يتركنا ويرحل عنا؟! لا والله بل
نحيا بحياته ونموت بمماته) لقد اختارت الخروج مع أخيها على علم منها لأهداف أعظم من
الموت، ولو لم يكن ذلك كذلك لما كانت أهلا لأن تكون تلك الشخصية القيادية الني هزت
مشاعر الناس وكسبت تأييدهم وجندتهم للثورة على الحكم في ذلك الحين وخلدت ذكرها
وصارت قبلة للزوار والمتبركين بقدسيتها على مر الزمن.
والبعد الثاني في شخصية الحوراء هو البعد العلمي لكني لن أقف عنده طويلا لأنني لا
أزيدكم به معرفة ويكفي الإشارة إلى أنها كانت عالمة غير معلّمة ومرجعا أعلى لجميع
السيدات في الفقه والفتاوى والتقدير وإقامة مجالس الذكر والعلم ومعنى ذلك أن علومها
ليست كعلومنا نحن بل هي علوم طبعية لدنية وليست علوما مدرسية كسبية لا تنال إلا
بالكدح والمعاناة.
وبين هذا البعد والبعد الثالث وهو الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق صلة وثيقة
من الأهمية بمكان أن نوجز الحديث عنها وهي أنها كانت ألمع خطيبة في الإسلام فقد
قلبت الرأي العام في خطبها التاريخية في الكوفة ودمشق، ومما قالته في خطابها
المشهور وهي تقف أمام يزيد بن معاوية كالأسد الهصور: (أظننت يا يزيد، حيث أخذت
علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أنّ بنا على الله
هوانا، وبك عليه كرامة؟) إلى أن تقول (فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أنسيت قول الله
تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا
إثما ولهم عذاب مهين) ثم تقرعه في خطابها تقريعا شديدا لهوانه عليها فتقول له: (أمن
العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت
ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل
المناهل والمعاقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد)، ثم تدعو عليه دعوة تقطع
المسافة بين السماء والأرض فتقول: (اللهم خذ لنا بحقّنا،وانتقم ممّن ظلمنا، واحلل
غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا)، ولعمق احتقارها له تقول: (إنّي لأستصغر قدرك،
وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكنّ العيون عبرى، والصّدور حرّى، ألا فالعجب كلّ
العجب، لقتل حزب الله النّجباء بحزب الشيطان الطلقاء). إن هذه الخطبة التاريخية
القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء وجرأتها البالغة، وأرفع أنواع العبادة قولة
حق أمام سلطان جائر كما روي في الحديث النبوي الشريف، وستبقى خطبتها صرخة مدوية في
وجوه الجبابرة على مدى الدهر وتعاقب الأجيال، ولا شك أنها امتداد لثورة كربلاء
وتجسيد رائع لقيمها الكريمة وأهدافها النبيلة.
إن ما اقترفه الظالم من سفكه لدماء العترة الطاهرة وعدم مراعاته لقرابتهم لرسول
الله (ص) كان مدفوعاً إلى كل ذلك بحكم نشأته وموارده، فلا عجب. والمؤرخون المنصفون
يؤكدون أن أقسى كارثة مُني بها العالم الإسلامي إقصاء أهل بيت النبوة ومعدن الرحمة
عن المسرح السياسي إذ كان شعار الذين انتزعوا منهم زمام السيادة (لا تجتمع النبوة
والخلافة في بيت واحد) فلم يحفلوا بوصايا النبي (ص) في حق أهل بيته من أنهم سفن
نجاة الأمة وأعلام هدايتها حيث قال فيهم: (لا تقدموهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنهم
أعلم منكم) وعلى ذلك فإن يزيد لا يحارب أهل البيت فحسب وإنما حارب الله فيهم فحرمه
الله، فعن رسول الله (ص) عن جبريل (ع) عن الله تبارك وتعالى قال: (من آذى لي ولياً
فقد استحل محرمي)...
وكم من ولـــــي تأذى وكم وكم من تقي طــواه الظلم
وكم من رضيع يعاني الظـــما وكم من ظلوم طـغاه الحكم
وبعد سماع يزيد خطبة العقيلة تلبدت أجواؤه السياسية وحار في أمره لأن العقيلة قد
فضحته بخطابها الخالد وجردته من السلطة الشرعية، فأخذت الأوساط الشعبية في دمشق
تنقم عليه وتستنكر جريمته بإبادته لعترة رسول الله (ص) فأخذ يلتمس لنفسه المعاذير
الواهية وراح يبني مجده على تغلبه وقهره لسبط رسول الله. ورغم ذلك فقد انتصر الإمام
الحسين في ثورته وهاهي الدنيا تعج بذكره والمسلمون يطوفون بحرمه من أنحاء الأرض،
ودمشق على وجه التحديد تزينت وازدانت باحتضان جثمان العقيلة الطاهر فتباركت الأرض
بها وتقدست ولا يزال إلى يومنا هذا منارة مشعة وقبلة الزوار المتبركين والمتوسلين
به إلى الله تعالى.
ولا يفوتنا في الختام أن نرفع من رحاب هذا المكان المقدس شكرنا إلى راعي هذا
الاحتفال وقائد المسيرة سيادة الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية
حفظه الله ورعاه ونصره على من عاداه، وشكرنا أيضا إلى السيد الدكتور عصام عباس منظم
هذا الاحتفال والذي لا يدخر وسعا من وقته وماله في إحياء هذه الذكرى السنوية العطرة
من خلال دعوة هذه الحشود الكريمة إليها وإنشائه مجلته الغراء (النجمة المحمدية)
ديوان هذه الاحتفالات وذكراها، فبارك الله جهوده وأثابه خيرا. والشكر لكم جميعا وكل
عام وأنتم بخير.
كما
ألقى كلمة الوفد في المهرجان الثالث عشر عام 2004م قال فيها:
بسم
الله الرحمن الرحيم (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق
أولئك لهم عذاب اليم) صدق الله العظيم
الإخوة الكرام، أيتها الوجوه الطيبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
وعدت صديقا بالاختصار، ولكن حينما يريد أحدنا التكلم عن بطلة التاريخ وعن طود شامخ
كالحوراء السيدة الطاهرة زينب(ع) أو يتحدث عن أخيها الحسين(ع) -وهو يتحدث عن وجهين
لحقيقة واحدة- يشعر المرء وكأنه يقف على ساحل بحر لا شواطئ له، ومن أراد أن يسبح في
البحر فكم عسى أن يسبح؟ وفي هذا الموقف يحضرني قول أحد الصوفيين الأفاضل:
سقوني، وقالوا: لا تغني، ولو سقوا جبال حنين ما ســــقوني لغنت
إنه
لشرف كبير أن نحتفي معكم بهذه المناسبة العطرة من كل عام، ذكرى ميلاد السيدة
الفاضلة زينب(ع)، لنتحدث إليكم ونستمع منكم مايسمح به الوقت عن مسيرتها النضالية
ومسيرة أخيها الحسين(ع) وحينما نتحدث عن سيرة أحدهما إنما نتحدث عن القدوة الصالحة
والمثل الأعلى للأجيال، كيف لا، وهما اللذان هزا وجدان التاريخ، وعاشا في الضمائر
الحية، وصارا رمزا مقدسا للبطولة النادرة والتضحية والفداء، ومشعلا وهاجا ينير سبيل
المجد والاستقامة والصلاح، ومدرسة للقيم الحضارية والأخلاقية. إن إحياء ذكر أولياء
الله الصالحين إحياء لتراث الأمة المجيد، وإحياء مناسباتهم الدينية يعمق في نفس
الإنسان الإحساس بالارتباط بهم كقدوة حسنة، ويؤدي دورا فعالا في تحقيق هذه الصلة
بين الإنسان المؤمن وهذه المسيرة الحضارية الربانية المباركة والسير على هديها
ونهجها.
أيها السادة... هنالك حكمة تقول: (إن الصخور تسد الطريق أمام الضعفاء، بينما يعتمد
عليها الأقوياء للوصول إلى القمة)، لقد كانت صخور النكبات والمآسي مرتكزا أساسيا
ومرتقى سهلا لقطبي كربلاء الحسين وعقيلة الأحرار سلام الله عليهما للوصول إلى أسمى
القيم الروحية وأنبل الأهداف الإنسانية، إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل، إلى قول
الحق أمام سلطان جائر، إلى استعادة حرية وكرامة الإنسان ورفع الظلم عن جوهر وظيفته
الإلهية التي أسندها إليه سبحانه وتعالى ليكون خليفة على الأرض بقوله: (ولقد كرمنا
بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلا). إن قراءة سير الأعلام الأفاضل عبر التاريخ ينبغي ان تكون دافعا لاستخلاص
العبر والاستفادة من تجارب أصحابها الغنية وتطبيق ذلك على صعيد الواقع، فمنذ كربلاء
وحتى يومنا هذا كل يوم عندنا كربلاء، ومنذ ذلك الحين لم تعرف امتنا العربية
والإسلامية معنى الاستقرار وراحة البال، والتاريخ والواقع يثبتان معا أنها في تراجع
مستمر، الانقسامات في صفوفها والموجات الاستعمارية تتوالى وتتكالب عليها بين زمن
وأخر، فتمزق أوصالها وتشتت شعوبها، وتمتص خيرات بلادها، وهاهي أحلاف الشر تجمع
أشكالها من جديد وتزحف إلينا عبر أمواج البحار لتلطم وجه أمتنا بموجة من حديد،
وتحتل أغنى ربوع هذا الوطن الكبير يصولون ويجولون لايزعهم وازع يسفكون الدم العربي،
يقتلون الأبرياء، يهدمون المنازل فوق رؤؤس أصحابها، يستنزفون خيرات البلاد ويدنسون
المقدسات كما تفعل إسرائيل في فلسطين فما أحوجنا والحال كهذا إلى شخصية تأخذ دور
الحسين، وتستلهم روحه لتبعثها صرخة مدوية في نفوس الأباة، في كربلاء جديدة تكون
قضية الإنسان المظلوم، لتحرير كل شبر من أرض وطننا العزيز، وما أحوجنا أيضا إلى
شخصية تأخذ دور زينب وتستلهم روحها الوثابة لتصرخ في وجه الطغاة وتبث الحماس في
أوساط عالمنا العربي منادية حي على الجهاد لاستعادة حقنا المسلوب وإنقاذ مايمكن
إنقاذه. لقد كان الحسين وشقيقته الحوراء – كما يثبت التاريخ – يرميان في ثورتهما
إلى انتشال الأمة من جمودها. ولو كانت ثورتهما مجرد حركة مذهبية لما أمكن لها ان
تستمر، ولما أمكن لها ان تخترق هذه الحقب لتفرض ذاتها داخل الأبعاد المضيئة
لإنسانية الإنسان.
أيها الإخوة... رسالة الحسين في كربلاء ورسالة شقيقته زينب في دمشق امتداد لرسالة
جدهما(ص) التي حملها إلى العالم أجمع، رسالة تحمل معاني الخير والمحبة والسلام
والإصلاح (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) وقد بقيت رسالة تنبض بالحياة موجهة
لكل الأحرار كي ينهضوا بوجه التفرقة والتكفير والظلم. ولا يزال صداها يتردد في نفوس
الأجيال، حيث نسمع كل يوم صدى ملحمة كربلاء يدوي في الأفاق، فلنجعل من ذكرى استشهاد
آل البيت(ع) يوما لنبذ التعصب والاختلاف والتنازع ومن الآية الكريمة شعارا دائما
(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
بطل في كربلاء يصمد أمام عقيدته التي حملها نورا للعالمين العربي والإسلامي، لا
يثنيه عنها وقع الأسل وبطلة في كربلاء والكوفة ودمشق، حملت راية أخيها الحسين
وتابعت مسيرته النضالية والإعلامية تبين للناس عدالة القضية التي استشهد من اجلها
وكانت بحق أهلا لهذا الدور فقد واجهت ابن زياد ببلاغتها النادرة ودافعت عن حياة
الأسرى وحمت كرامتهم وصمدت أمام قوارع كلم يزيد ومهاتراته، لا تثنيها أكاذيبه عن
قول الحق بكل أنفة وكبرياء، تدافع عن عقيدتها ومبادئها وعن أهل بيتها بكل ما أوتيت
من قوة، إنها سيدة النساء ومنارة الشام زينب(ع).
إن تأثير الأبعاد النفسية والإنسانية لرسالة كربلاء قد ألقت بضلال واضحة على مسيرة
الأجيال الحاضرة والمقبلة، وكان لهذه الرسالة أهداف هي المنطلق الأساسي لكل حركة
تحررية منها على سبيل المثال:
- المواجهة بين الحق والباطل، بين الظلم والعدل.
- الحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته.
- رفض الاستسلام للذل والمهانة، والسعي للتغيير ومواجهة ما يدعى بسياسة الأمر
الواقع الذي يفرضه علينا أعداء الحرية والسلام وخير مثال على ذلك، تلك العمليات
الاستشهادية التي يقوم بها أبناء أمتنا في فلسطين وجنوب لبنان كسلاح فعال لهذا
التغيير ولهذه المواجهة، هذه المقاومة الباسلة بنت عنوان حركتها التحررية على قوة
الاستشهاد وعدم النظر إلى موازين القوى وهذا ما أعاق تنفيذ المشاريع الصهيونية في
لبنان والمنطقة كلها.
أيها الحفل الكريم، يقول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: (إياكم والفرقة، فإن
الشاذ عن أهل الحق للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب)، فليكن ذلك حافزا لرفع
الروح المعنوية في نفوس أبناء امتنا ورص صفوفها ونقلها من ذل الاستكانة إلى عنف
الاستشهاد ونبذ أسباب الفرقة والاختلاف.
وفي الختام : إن مدرسة أهل البيت أثبتت طوال التاريخ عظمتها وحضارتها العلمية
والفكرية والاجتماعية، وستبقى مثلا أعلى للإنسانية ولحماية حقوق الإنسان، وستبقى
كربلاء الحسين ودمشق زينب منارة يقتدي بها الأحرار والثوار في كل مكان وزمان.
وفقنا الله جميعا إلى مافيه خير أنفسنا وعزة أمتنا وأرانا وإياكم يوما يصبح فيه
الحلم حقيقة وقد نعمت أمتنا العربية من محيطها إلى خليجها بالوحدة والحرية
والانسجام بين دولها فتخفق رايتها فوق سماء مجدها وتحيا عزيزة شامخة الرأس بين
الأمم، فيسود العدل ويعم السلام. ولا يفوتنا في هذه المناسبة الكريمة أن نرفع من
هذا المكان تحية إكبار واعتزاز إلى قائد مسيرة أمتنا على طريق العزة والكرامة في
هذا الزمن الصعب وراعي هذه اللقاءات المباركة السيد الدكتور بشار الأسد رئيس
الجمهورية حفظه الله ورعاه وسدد على طريق النصر والتحرير خطاه، كما نقدم شكرنا
وتقديرنا أيضا إلى منظم هذه الاحتفالات السنوية المتعددة والدائب على إنجاحها السيد
الدكتور عصام عباس وإلى معاونيه الأكارم، حيث لم يبخلوا بجهودهم في سبيل إحياء هذه
المناسبات الطيبة ولقاء هذه الوجوه الكريمة على بساط من المحبة والأمل المشرق
المتجدد، وشكرا لإصغائكم جميعا، وكل عام وأنتم بخير.
وألقى
كلمة وفد الطائفة في المهرجان السابع عشر عام 2008م
- 1429هـ قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله خاتم النبيين وعلى اله وصحبه المنتجبين، السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته وكل عام وانتم بخير
الإخوة الأخوات ، أيها الحفل الكريم
من دواعي سرورنا واعتزازنا أن يكون لإخوانكم وفد المسلمين الموحدين شرف المشاركة في هذا العيد المبارك ، وفي كل عيد نعود فيه مجددا للاحتفاء بذكرى مولد السيدة الجليلة زينب كريمة ال البيت عليهم السلام ، والتي رفعت بجهادها المشرف راية الإسلام عالية خفاقة ، ورسمت للمسلمين بعبقريتها الفذة نهجا لسلوك طريق الحق وبلوغ أسمى درجات المجد على امتداد التاريخ ،
مولد الطهر في الوجود بخمس وجمادى على الربيع زهور
أزهر الرمل فالصحارى عذارى زينب البيت والإباء الدهور
بنت من حج مولدا وحياة ورحى الوحي خبزه المأمور
أيها السادة ، إن الحديث في هذه المناسبة الكريمة عن ثقافة أهل البيت الكرام سلام الله عليهم ، وفي دمشق عاصمة الثقافة العربية ، يشبه السباحة لمن لا يجيدها في محيط متسع الأرجاء ، حتى من أجاد السباحة وكان من الأخصائيين فيها وأراد أن يسبح في البحر فكم عسى أن يسبح.
ولا نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا أن ثقافة أهل البيت التي هي موضوع هذا المهرجان الولائي ، ليست ثقافة مدرسية كسبية ، وليست حشدا من المعارف والمعلومات ، وإنما هي ثقافة فيضية إلهامية سماوية من هدي نور الله ، بدليل ما جاء في الحديث النبوي الشريف " ليس العلم في الذهن حشدا من المعارف ، بل هو شعاع من نور الله " ومن كان ينظر بنور الله ، كيف يمكن أن يكون ميزانا لثقافته وعلمه ، فهم أولياء الله ، والولي على صلة دائمة بذلك الشعاع الرباني ، يأتيه العلم والمعرفة دون تكلف ، فهم يغرفون من بحر ، ونحن في هذ1ا العصر ننحت علومنا من جلمد الصخر ، فأهل بيت الله عليهم السلام لهم مكانة ومقام عند الله ورسوله ، لدرجة أنهم جزء من عبادة المسلمين ، ولهم مكانتهم الخاصة أيضا ومقامهم الرفيع عند المسلمين كافة وعند كل الأحرار والمؤمنين ، هذه المكانة تجعلهم أولى واقدر على توضيح سبل الوصول إلى معرفة الله من غيرهم ، فهم إن صح التعبير – الأخصائيون الأوائل في هذا الحقل المعرفي الإلهي .
لقد عبر القران
الكريم من قبل عن هذه المكانة الرفيعة خير تعبير " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
أهل البيت ويطهركم تطهيرا " أي يطهر قلوبكم بالإيمان والرضا والتسليم كما ورد في
بعض التفاسير . وفي هذا المقام يعقب الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي على هذه الآية
فيقول " فهم المطهرون اختصاصا من الله ، وعناية بهم لشرف محمد
وعناية
الله به "
إننا إذا جاز لنا أيها الإخوة أن نتحدث أصلا عن ثقافة أولياء الله ، فإنما نتحدث عنها ونشير إليها من خلال أحاديث أهل البيت أنفسهم وعلومهم الإلهامية ، وفقههم الرفيع ، لا من خلال أحاديثنا الشخصية القاصرة عن بلوغ هذا المستوى .
ولنبدأ بقمة الهرم
العرفاني ، برسول الله
،
حيث جاء في حديثه الشريف عن العترة الطاهرة قوله" تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن
تضلوا بعدي أبدا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض "
والعترة تعني في المصطلح الإسلامي " الأمان من الضلال"
فمن كان سبيلا للهدى ودليلا عليه بعد كتاب الله عز وجل لاشك إن ما هو عليه من العلم والمعرفة يفوق التصورات ، ويتسامى عن العلوم الأرضية المدرسية المحدودة .
هذا النبي العظيم الذي بشرت به الكتب السماوية ، وانتظرته الدنيا بأكملها ، يخاطبه رب العالمين في العديد من المواضع ، نذكر منها على سبيل المثال : قوله تعالى " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا"
انه هو الذي قال
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وأي عرفان وأية ثقافة أعظم واجل من لقاء رسول رب
العالمين مع جبريل الوحي سلام الله عليه ، لتصبح حياة محمد
كلها
وعاء ً لكلام الله ، ولهذا جاء محمد خلاصة الخلاصة ، كأرقى صياغة إلهية يمكن أن
يكونها الإنسان ..
وهذا هو أمير
المؤمنين علي
قمة
أخرى من قمم العرفان الشامخة يقول معبرا عن علوم أهل البيت العلوية وثقافتهم
الفيضية " نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع
الحكم " ومن هذا المستوى الرفيع يخاطب الناس قائلا " سلوني قبل أن تفقدوني فانا
بطرق السماء اعلم مني بطرق الأرض" . ومن هذا المنطلق العالي هذا المنطلق العالي هل
نجترئ عن التحدث عن ثقافة أولياء الله إلا من خلال ثقافتهم أنفسهم ، أو عن علومهم
إلا من خلال علومهم ، أو عن ينابيع حكمهم إلا من خلال ينابيعهم الفياضة ؟ وعلى كل
حال من ذاق كفا ً من الماء عرف طعم الماء كله على حد تعبير هرمس الحكيم عليه
السلام.
فالعرفان الحقيقي ليس إلا هذا الاختصاص في معرفة السبل والطرق التي تجعل الإنسان يتجاوز العقبة الأرضية ليتجاوز الدنيا وينطلق باتجاه السماء.
أيتها الأخوات أيها الإخوة
إن خير ما نتحدث عن علوم هذا الطود الشامخ هو أن نتحدث عنه من خلال أبعاد ثلاثة :
البعد الأول : حديثه عن الخالق تعالى وتقدس حيث يقول " أول الدين بالله معرفته ، وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه."
البعد الثاني : حديثه عن الخالق ، والمقصود به الدنيا والتحرر منها ، فهو يقول : " إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، وافلت من حبائلك ..." ويقول فيها أيضا :" والناس فيها رجلان ، رجل باع نفسه فاوبقها ، ورجل ابتاع نفسه فاعتقها " .
البعد الثالث
: فهو
حديثه عن الإنسان نفسه وقد عبر عن ذلك خير تعبير في خطبته التي نجتزئ منها قوله"
أما بعد ، فان الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا من
معصيتهم ... إلى أن يقول فيها " فالمتقون فيها هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب ،
وملبسهم الاقتصاد، ومشيتهم التواضع ... " ويكفي دلالة على شموخ هذه القمة ما قاله
عنه الحسن البصري " أعطى القران عزائمه فيما عليه وله ، فاحل حلاله ، وحرم حرامه ،
حتى أورده رياضا مونقة ، وحدائق مغدقة ، ذلك علي بن أبي طالب " . وكيف لا يكون ذلك
وهو باب مدينة العلم التي قال عنها النبي
."
أنا مدينة العلم وعلي بابها "
وإذا تحدثنا عن كتابة نهج البلاغة نلوذ بالصمت . وحين نتحدث عن باب مدينة العلم ، يصبح لزاما علينا أن نتحدث أيضا عن فاطمة الزهراء ومن أدراك ما فاطمة؟!
لقد كانت الزهراء من أهل بيت اتقوا الله وعلمهم الله ، كما صرح بذلك الذكر الحكيم ، وقد فطمها الله بالعلم فسميت فاطمة ، وانقطعت عن النظير فسميت بالبتول.
وفي خطبتها التي ألقتها على جماهير المسلمين في باحة المسجد ارتجّت لها العقول المفكرة في ذلك العصر من عظمة الفلسفة التي تضمنتها في عصر كان يرى المرأة لا تقدر أن ترتفع إلى مستوى الرجل أو مستوى الإنسان لقد تناولت في خطبتها معظم جوانب التشريع الإسلامي فذكرت لكل جانب حكمته وفلسفته ، فالصلاة مثلا في فقهها العميق الذي كانت تتميز به : هي تنزيه عن الكبر والزكاة هي تزكية للنفس ونماء في الرزق ، والصوم تثبيت للإخلاص ، والحج تشييد للدين ، فهو في رؤيتها لأعماق الحقيقة يمثل ضرورة دوران نشاط الفرد حول نقطة مركزية واحدة هي " رضا الله تعالى".
وتقول في العدل انه تنسيق للقلوب ، والمعنى في ذلك أن التشريع العادل هو الجدير بالبقاء لأنه يعامل الناس جميعا معاملة واحدة ، لا يميز فيها بين غني وفقير ، وشريف ووضيع ، وقوي وضعيف، وهذا ادعى للتالف بين القلوب وتنسيقها .
وماذا نقول أيضا في
ثقافة بقية آل البيت
إن
خير ما يعبر عنها ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ليست حشدا من المعارف بل هي
نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فهم معادن العلم وينابيع الحكم كما قال أمير
المؤمنين كرم الله وجهه ، ولكن يمكن لنا أن نستدل بشذرات بسيطة من بعض النصوص التي
وردت على ألسنتهم ، فها هو الحسين عليه السلام نجد في دعائه يوم عرفة كل عناصر
العرفان ونجد في النكران للذات والذوبان في حب الله حيث يقول " الهي ترددي بين
الآثار يوجب بعد المزار ، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك ، كيف يسدل عليك بما هو
في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ، ومتى
غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ،
عميت عين لا تراك عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا ...."
وختامها مسك كما يقال ، ماذا نقول في ثقافة العقيلة زينب عليها السلام إن كل ما يقال عنها في هذا المجال جمع في كلمة واحدة ويكفي أن نقول ما قيل فيها : إن المسلمين كانوا يرجعون إليها في المسائل الشرعية ، ونظرا لسعة معارفها كان الإمام زين العابدين عليه السلام يروي عنها ، وكان لها أيام أبيها في الكوفة مجلس خاص تزدحم فيه السيدات لسماع محاضراتها في تفسير القران الكريم الذي حفظته عن ظهر قلب في مطلع صباها ، وحفظت معه أحاديث جدها عليه الصلاة والسلام .
أيها السادة - لم يكن في عصر آل البيت الكرام معاهد عليا وجامعات ، كما هو الحال عندنا اليوم ، وإنما معاهدهم وجامعاتهم هي علومهم الفيضية اللدنية الدالة على علو منازلهم ورفيع درجاتهم وعمق ثقافاتهم ، وقد أجاد التعبير عن ذلك كله علامة العصر فضيلة الدكتور اسعد علي حيث يقول:
بألف ألف كتاب لا يحاط بها لزينب عالم يا رب نشتاق
إيجاز معجزة إعجاز زينبنا منابع الماء في الصحراء أرزاق
أيها الإخوة والأخوات : إن أية محاولة للإحاطة بالمناقب العظيمة لآل البيت أو بثقافتهم العلوية ، في كلمة قصيرة كهذه لن تفي بالغرض المطلوب ، وحسبنا من ذلك أن نكسب شرف المحاولة ، ولابد لي في نهاية المطاف من ذكر بعض أبيات من قصيدة قالها جار مجاور لي ، ينظم شعره على السليقة والفطرة ، أبت مروءته إلا أن يشارك إخوانه في هذه المناسبة العزيزة عن بعد ، وكم أتمنى أن تسمح له ظروفه بالحضور شخصيا ، حيث يقول :
يا بنت بنت رسول الله يا علما راموا لك الذل لولا الله حاميك
وقع المصاب فلا يثنيك عن هدف كالطود كنت وما كانوا ليثنوك
من كربلاء ومن أطهار قبلتنا نعم العقيلة والأبرار أهلوك
نعم المقام لست الطهر زينبنا في واحة الله في الفيحاء واروك
نعم الريادة يا علامة برزت يزكو المقام الذي فيه أحلوك
والسلام عليكم وكل عام وانتم بخير
وتسلم
درع النجمة المحمدية في المهرجان السابع عشر عام 2008م :
وفي
المهرجان الرابع عشر عام 2005م
- 1426هـ ألقى وفد طائفة الموحدين الدروز الأستاذ المهندس
نبيه السعدي
الذي قال في كلمته :
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة على أنبياء الله المرسلين، لا نفرق بين أحد منهم ونحن
له مسلمون، والسلام على آل بيت رسول الله الطاهرين، وأئمة دينه المنتجبين.
(الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه، والظاهر لقلوبهم بحجته، خلق الخلق من غير روية، إذ
كانت الرويات لا تليق إلا بذوي الضمائر، وليس بذي ضمير في نفسه. خرق علمه باطن غيب
السترات وأحاط بغموض عقائد السريرات). تلك كانت كلمات الإمام علي (ع) بقول يتطابق
كل التطابق مع نظرية التجلي التوحيدية.
أيها السادة العلماء والحضور الكرام... صبحكم الله تعالى بالخير والإكرام...
إن مجرد نظرة سريعة على التاريخ، تفيد بأن المآسي المضرجة بالدماء، التي تفوح منها
رائحة الظلم والاستعداء، تكاد تكون الجامع المشترك بين جميع أتباع المذاهب
والأديان، أينما وجدوا وعلى اختلاف عقائدهم. وكغيرهم من أتباع المذاهب الإسلامية مر
الموحدون أيضا بمحن متتالية، غطت فترة الكشف عن دعوتهم في بداية القرن الخامس
الهجري، وربما صادفوا من الظلم، ما لم تصادفه طائفة أخرى على الإطلاق. فلقد ذكرت
الرسائل التوحيدية، أن تجمعات الموحدين كانت عرضة لاعتداءات متتالية، جرى فيها من
الفظائع، ما لم يحدث في مكان آخر، ولقد عبرت عن ذلك، فوصفت المعتدين حينذاك بقولها:
(... من... تعليق رؤوس الرجال الموحدين في أعناق أخواتهم وبناتهم، وذبح الأطفال
الرضع في حجور أمهاتهم.. فلم يرعوا لأحد في الله إلاّ ولا ذمة، فيرحموا صغيرا
لصبوته وصغره، ولم يعفوا عن كبير لشيخوخته وهرمه وكبره. بل أجروهم على حد السيوف
قتلا وصلبا، وفي الشوارع شقا لبطونهم وجرا بأرجلهم وسحبا، و لأموالهم وذراريهم سبيا
ونهبا).
لم تنصب حمم الحقد والاضطهاد على رؤوس الموحدين، بسبب نزاعهم أولياء الأمر على
الملك والخلافة، لأن الموحدين لم يطالبوا يوما بكيان سياسي مستقل. إنما تسبب في
اضطهادهم اختلاف نظرتهم إلى الإمامة، مع اعتقادهم بها. وعلى جميع هذه المظالم
والمحن، جاء الرد التوحيدي مشوبا بالتسامح والسكينة والحلم، جاريا مترقرقا في مجاري
الترفع والعلم، يقول كبير دعاة التوحيد آنذاك: (فالله الله معاشر المستجيبين اصبروا
وصابروا في البأساء والضراء. والشدة والرخاء)، فالمحن عبارة عن امتحان، يعرف به
الكفر من الإيمان.
لا شك أيها السادة... أن المأساة الحسينية تمثل دليلا صارخا من دلائل الظلم، في
معظم أوصال تاريخنا المغمسة بدماء الأبرياء والمظلومين. وحري بنا، ونحن نزعم أننا
نسعى إلى الصلاح والإصلاح، إدراك الأسباب، والوقوف على العلل التي لطخت في يوم من
الأيام بياض التسامح الإسلامي بالعوار، وحاولت اجتثاثه من مواقع العزة والفخار.
فلقد ضحى أبو عبد الله الحسين (ع) بحياته راضيا مرضيا، بعد أن وضع يده على العلة،
ونأى بنفسه عن الذلة. والواقع أن أنواء القهر والظلم، عصفت دوما بمجتمعات، غابت
عنها قواعد العدالة الاجتماعية، ونمت في تربتها أشواك الأنانية والفردية، وذوت في
أقاليمها القاحلة أشجار الثوابت الأخلاقية. انسابت سيمفونية المأساة الحسينية
بألحانها الحمراء الحزينة الدامعة، لتنتهي بنشازات التعسف والقهر، التي كتب نوتتها
الخليفة القابع على عرشه العاجي في دمشق، يزيد بن معاوية، وقام بقيادة الجوقة عامله
على العراق عبيد الله بن زياد. ونقتبس من أهم مشاهد المأساة الحسينية على كثرتها
ثلاثة، تجاوبا مع عنوان هذا اللقاء، كي تتحدد بها صفات ذلك المجتمع، الذي يمثل
الأمة: فالمشهد الأول، يبرهن على غياب البعد الإنساني، وفيه أمر الخليفة يزيد
باقتياد نساء الحسين (ع) سبايا إلى دمشق، ومن ضمنهم زينب (ع). فوصف دعبل الخزاعي
جزءا من هذا المشهد، وهو سبي زينب (ع)، بقوله:
كيف القرار وفي السبايا زينب تدعو بفــــــرط حرارة يا أحمد
ثم إن عبيد الله بن زياد، لم يتورع عن إدخال الناس إلى مجلسه، ورأس الحسين (ع)
مقطوعا بين يديه، وفي يده قضيب يدخله في فم الحسين، ويلعب بشفتيه، أمام أخته
المفجوعة زينب. وكأننا بزينب قد أحست برعشة لسان أخيها الحسين، وسمعت صوته يتردد في
أذنيها بآخر كلماته قبل موته: (اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت
لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل
فيه الصديق، ويشمت به العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبة إليك عمن سواك، ففرجته
وكشفته وكفيتنيه. فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة). وقد أجاد
الشاعر جعفر الحلي في وصف هذا المشهد، فقال:
أومثل زينب وهي بنت محمد برزت تخاطب شامتا ملعونا
وغدا قبالتها يقلب مبســــــما كان النبي برشفه مفتونا
نثرت عقيق دموعها لما غدا بعصاه ينكت لؤلؤا مكنونا
المشهد الثاني، وفيه تجسدت الأنانية والفردية، بخذلان أكثرية الناس لصاحبهم،
ولحاقهم بالجهة التي تنتعش فيها مصالحهم الشخصية، فارفض الناس عن الحسين في لحظة
حاجته إليهم، حتى انطبق عليهم قول الإمام علي (ع)، في جماعة قد سيطرت على اليمن:
(إني والله لأظن أن هؤلاء القوم، سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن
حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل. وبأدائهم الأمانة إلى
صاحبهم وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم).
أما المشهد الثالث والأخير؛ فهو غياب الرادع الديني، الذي يتجسد في تواطؤ الناس على
دينهم، بوقوفهم ضد حفيد نبيهم، لدرجة قتله وقطع رأسه، ودوس جسده بسنابك الخيل، وسبي
نسائه، ثم تركه مرميا دون رحمة فوق الفلاة. وفي ذلك قال جعفر الحلي بلسان الحسين
(ع):
نادى: ألا هل من معين، لم يجــــد إلا المحددة الرقـــاق معينا
فبقي على وجه الصــــــعيد مجردا ما نال تغســــيلا ولا تكفينا
وسروا بنسوته على عجف المطا تطوي سهولا بالفلا وحزونا
كل هذه الأفعال نجمت عن مجتمع أقرب إلى الجاهلية، كان قد وصفه الإمام علي (ع)
سابقا، وخاطب أفراده بقوله: (مالي أراكم أشباحا بلا أرواح، وأرواحا بلا أشباح،
ونساكا بلا صلاح، وتجارا بلا أرباح، وأيقاظا نوما، وشهودا غيبا، وناظرة عميا،
وسامعة صما، وناطقة بكما).
كانت السيدة زينب (ع) الصوت الناطق لمشاهد المأساة الحسينية جميعها، وأداة التعبير
عنها، وربما هذا ما جعلها تبدو أكبر بكثير من مأساتها، ولا عجب أن معرفتها قد
التبست على صديقتها أم لقمان، لكثرة ما تحملت من مصاعب خلال أشهر المأساة القليلة،
فقالت لها عندما استقبلتها في المدينة: من أنت يا أخيه! وكأن صدى صوت زينب (ع)،
مستنجدة بجدها النبي (ص)، مازال يتردد بلوعة وحرقة في تلك الوهاد، ويدوي صداه في
آذان العباد، عندما شاهدت جثمان أخيها الحسين بدون رأس مرميا على الفلاة: (يا
محمداه صلى عليك ملائكة السماء! هذا الحسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء،
وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا)، إنها ذات اللوعة المستبطنة في
استغاثة داعي التوحيد، بعد حوالي ثلاثة قرون ونصف، حين قال: (فإلى الباري تعالى
وإلى وليه المستغاث والمشتكى. وإلى رحمته المفزع والملتجا. فما أجريت إلى مثل هذا
الكفر بعد الإنذار والتخويف أمة من الأمم. ولا سمع بمثل هذه الفادحة في العرب و
العجم).
أيها السادة...
إذا كنا نطمح إلى الاتعاظ بما حدث في مجتمع قديم، أفرز المأساة الحسينية، وأنطق
صوتها الصادق زينب بنت علي (ع)، كما أنطق داعي التوحيد بلوعة وحرقة، فلا بد لنا
أولا من الإيمان بان ثمة استطالات سرطانية من ذلك المجتمع القديم، مازالت متجذرة في
مجتمعاتنا المعاصرة، توفر الإمكانية اللازمة لفرز زينب أو زينبات معاصرات. ثم لا بد
لنا ثانيا، من أن نعمل جاهدين ومتعاونين على إحلال العدالة، وإرساء قواعدها في
مجتمعاتنا التعددية، فهي وحدها تحفظ للمجتمع البشري توازنه، وتدفع مجتمعاتنا نحو
الحداثة والتماسك.
أيها السادة...
لا ريب أننا اليوم نقف أمام الخيارات الصعبة، في نظام عالمي جديد، يريدنا عبيدا
نصلي للهبل الجديد، الذي يحاول بشتى الطرق، وباستعمال كافة الذرائع استعباد جميع
شعوب العالم، والسيطرة على كافة ثرواتها. إنه يتذرع بتطبيق ديمقراطيته الحرباء،
التي تخدم مصالحه وحده، مقنعا بقناع قداسة القائم الهادي المنتظر، أو المهدي
المنتظر، أو المسيح العائد، محاولا إقناع الناس بان الهبل الجديد إنما أتى مخلصا
للناس، كي يملا الأرض عدلا، وهو في حقيقته ظلم أجنف، ورب مزيف. وختاما أيها السادة،
فإن الحل كل الحل يكمن في ترسيخ مبدأ بسيط جدا، مع أنه صعب جدا في نفس الوقت، لأنه
يحتاج إلى ثورة انقلابية في طريقة تفكيرنا وتصرفنا جميعا، وهو اعتراف كل منا بحرية
الآخر في ما يفعل ويقول ويعتقد. فإن أبقى كل منا قلبه أمام لسانه، على حد قول
الإمام علي (ع)، فسوف لا يؤدى بنا الاختلاف إلى الخلاف. وإذا ما وصل بنا الاختلاف
إلى مفصل حرج، فلنعتصم جميعا بالعقل، ذلك الحبل الذي يصل كلا منا بالخالق سبحانه،
ولنجعل من العقل الحبل مركز تآلفنا وتعاضدنا، عملا بقوله تعالى: [واعتصموا بحبل
الله جميعا، ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم،
فأصبحتم بنعمته إخوانا] صدق الله العظيم...
أعاد الله على الأمة مولد السيدة زينب (ع) بالمحبة والتفاهم والوئام.
شكرا لإصغائكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
وقد
ألقى كلمة الوفد أيضا في المهرجان الخامس عشر عام 2006م
- 1427هـ

وفي
المهرجان الثامن عشر ألقت
كلمة طائفة الموحدين
"الدروز" - الأستاذة ريما مسعود

التي ألقت فيها لمحة مسهبة عن حياة السيدة زينب ودورها النضالي والجهادي والثقافي مستذكرة واقعة كربلاء مرورا بمواقفها في الكوفة ودمشق ، وطالبت من خلال كلمتها المرأة الاقتداء بهذا الرمز وهذه المرجعية القدوة .
ونحن اذ نتقدم لهذه الطائفة الكريمة بكل المودة والمحبة خالص تقديرنا واحترامنا لاستيعابها غاية المهرجان ومتابعتها واهتمامها ومشاركاتها القيّمة والمتنوعة في أعمال هذه التظاهرة الثقافية الفكرية ...