حلقات ثقافية أكتبها من ذاكرة المهرجانات الولائية المؤرشفة

الحلقة السابعة   مع المرجعيات والشخصيات العلمائية والباحثين من الدول العربية والإسلامية...    الجزء 1

عند استعراض هذا الكم الكبير من مرجعيات روحية وشخصيات فكرية ومنبرية ، تقف أمام عمالقة من ذوي الفكر والأدب والخطابة والثقافة اجتمعت كلها تحت قبة مهرجانات السيدة زينب عليها السلام في دمشق العاصمة الزينبية ضمن فعاليات مهرجان مؤسسة بيت النجمة المحمدية على مدى الأعوام الثمانية عشر الماضية ما بين 1992م – 2009م الموافق للسنة الهجرية 1413هـ- 1430 هـ

وعند استذكار هذه الشخصيات الكبيرة سنتحدث عن مشاركاتهم وفق التسلسل للمهرجانات :-

ففي المهرجان السادس عام 1997م – 1418هـ ألقى سماحة الشيخ ناصر الاسدي من جمهورية العراق كلمة قال فيها:

حينما انعقد القران المقدس بين إمام المتقين وسيدة نساء العالمين أخذ رسول الله يد سيدة النساء ووضعها في يد علي وقال بقوة: يا علي إنها وديعتي عندك، ثم رفع يديه الكريمتين إلى الله خاضعاً بالدعاء قائلاً: اللهم اجمع شملهما واجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمل الأمة. وهكذا كانت سيدتنا الصديقة الصغرى زينب الكبرى مصداقاً لقول رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فكانت مفتاحاً من مفاتيح الرحمة ومعدناً من معادن الحكمة وأمناً للأمة.
كيف سُمِّيت زينب؟ كان رسول الله في سفر فأقبل علي إلى الدار وأخذ السيدة الجليلة الطفلة الطاهرة المقدسة وقبلها فقالت سيدتنا فاطمة الزهراء: سمها يا علي. قال علي: ما كنت لأبتدئ في مثل هذا الأمر على حبيبي رسول الله. وبعد يومين أو ثلاثة قدم رسول الله من السفر وأول ما جاء إلى بيت الطهر و القداسة بيت الزهراء التي قدمت له زينب فقبل رأسها، فقال علي: حبيبي رسول الله سمِّها. قال: ماكنت لأسبق ربي. وما مرت إلا لحظات وإذا بالأمين جبرائيل ينزل في بيت الزهراء قائلاً: يا رسول الله السلام يقرئك السلام و يقول لك سمها زينب.
إذاً فاسمها من السماء. وما معنى زينب؟ الجواب: أحد معنيين؛ زينب الشجرة المثمرة العطرة المعطرة للأجواء، أي الموجود الذي يخدم الآخرين، و الآخر زين الأب (كلمة مركبة من زين وأب) أي زين علي؛ وعلي زينة الجهاد والعبقرية والعلم والعظمة.
لقد كانت ذات مقام جليل جداً حتى أنها دخلت على الإمام الحسين وهو جالس يقرأ القرآن فما كان منه إلا أن قام إجلالاً لها، ويقول يحيى المازني الذي كان بجوار بيت علي في المدينة سنيناً طويلة: (إذا أرادت زينب أن تزور جدها رسول الله كانت تخرج في الليل وعلى يمينها الحسن وعلى شمالها الحسين وأمامها أبوها)، كما قال لها الإمام زين العابدين: (عمة أنت عالمة غير معلمة و فهمة غير مفهمة) أي أن علمها لدني من الله تعالى.
وفي الكوفة كانت تدرّس النساء وتربي جيلاً من الفتيات المؤمنات وتعلمهن الحديث والتفسير وتروي لهن الروايات عن الرسول حتى صارت منبعاً للرواية وهناك الكثير من معتمدي الروايات الموثوقين ينقلون رواياتهم عن السيدة زينب (ع)، و كان ابن عباس حبر الأمة عندما يريد أن يروي عنها يقول: (قالت عقيلتنا زينب) وعقيلة صيغة مبالغة من العاقلة أي ناضجة العقل والإدراك ولقبت بعقيلة بني هاشم.
لقد كانت معدناً للحكمة و مفتاحاً للرحمة ومن نتائج كونها مفتاحاً للرحمة هذه الرحمات الواسعة التي رأينها حوالي قبرها الشريف فهذه المنطقة قرية صغيرة تسمى الراوية وصارت المنطقة تتطور مع مرور الزمن حتى صارت ما نرى..
وكما كانت السيدة زينب (ع) مفتاحاً للرحمة ومعدناً للعلم كانت أملاً للأمة فقد تصدت للظلم وأدت دوراً عظيماً في زعزعة الامبراطورية الأموية و اقتلاع جذور الظلم المتمثل فيها، وقفت ببسالة وقالت كلمة الحق بكل قوة ورباطة جأش (يا يزيد اسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا)، وبعد كربلاء قالت: (سينصبون لهذا الطف علماً لا يدرس أثره ولا يمحى على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة على محوه وتطميسه فلا يزداد أمره إلا علواً ولا شأنه إلا ارتفاعاً). ما هذا التنبؤ التاريخي العظيم؟ لقد بقي الحسين وزينب (ع) خالدين يتحديان كل ظلم يقع على الأرض وعلمت السيدة زينب (ع) الأمة دروس الشجاعة والتضحية ولقبت في التاريخ بشريكة الحسين ولولاها لما عرفنا قضية الحسين فهي أول خطيبة حسينية في التاريخ وأول من رفع صوت الثورة الحسينية بشموخ وتألق.

وفي المهرجان التاسع عام 2000م – 1421هـ كانت مشاركة طيبة من سماحة العلامة السيد عادل العلوي من جمهورية العراق

حيث تحدث في عصمة السيدة زينب عليها السلام والروايات المسندة على ذلك ...

 

وفي المهرجان التاسع ذاته شارك سماحة العلامة المرجع الشيخ يوسف الرفاعي من دولة الكويت بالكلمة التالية

... ليس جديداً وليس طارئاً الموقف الجريء النبيل الذي قادته الحرة الهاشمية من كربلاء حتى دمشق في موكب حزين حقاً ولكنه عظيم مهيب عند الله سبحانه وتعالى حتى دخلت ودار بينها وبين يزيد ما دار من حديث أثبتت فيه أنها أخت الرجال بل أم الرجال وأكثرهم شجاعة. فهذه هي مواقف نساء أهل البيت فكيف تكون مواقف رجالهم؟ إن مواقف رجالهم ما سجله التاريخ وسيسجله إلى يوم القيامة من شجاعة وجرأة في قول الحق ومثابرة عليه حتى يلقوا الله سبحانه وتعالى...


وفي المهرجان العاشر عام 2001م – 1422هـ شارك  سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي " دام ظله" 

الذي ألقى الكلمة التالية

بسم الله الرحمن الرحيم

[ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ولَو لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو والآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمَاً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ والأبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) ] صدق الله العلي العظيم
على مد البصر كانت الأسنة والرماح، وصهيل الخيول وحمحمتها، واليتامى والأرامل حولها، وبالقرب منها قد توزعت أشلاء أعظم أهل الأرض وأكرمهم، والسيدة زينب واقفة قرب مصرع أخيها، النبال تكسرت على النبال، والسيوف تواردت على السيوف، ولم يكن أحد يعلم إلا الله عدد الجراحات التي أثخنت هذا الجسد الشريف، جسد ابن بنت رسول الله وسيد شباب أهل الجنة الحسين (ع)، في هذه اللحظة وقف الإمام زين العابدين (ع) ينظر والمصائب تمر عليه كقطع الليل المظلم. هنا وفي هذه اللحظة وقفت السيدة زينب ولسان حالها يقول يا تاريخ اشهد بأن كربلاء بداية وليست نهاية، وقد بدأنا العمل من هذه اللحظة.
لا تستطيع المأساة أن تهزم رسالات الله، ولا يستطيع الظلام أن يهزم النور مهما تكاثر، لأن شمعة واحدة من النور تهزم صحراء من الظلام بالرغم من كل ما قد يقوله أو يفتعله الآخرون. أنا أتصور السيدة زينب وهي واقفة في هذا الجو المفعم بالحزن والمأساة في لحظة من أشد لحظات التاريخ خطورة وهي تساند ابن أخيها الذي كلفت بالمحافظة عليه كما حافظت السيدة خديجة على رسول الله (ص) وكما حافظت فاطمة الزهراء (ع) على أمير المؤمنين. لقد أرادت السيدة زينب أن تحافظ على أخيها وهذا لم يكن مقدراً فحافظت على الولاية المتمثلة في إمام زمانها الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع).
وسأنقل لكم رواية من بحار الأنوار (ج54،ص179) تبين لكم هذا الموقف. تقول الرواية على لسان الإمام زين العابدين (ع):
(إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتلُ أبي عليه السلام وقتلُ من كان معه من وُلده وإخوته وسائر أهله، وحُمِلت حرمه ونساؤه على الأقتاب، يراد بنا الكوفة فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا فيعظم ذلك في صدري ويشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبيَّنَت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم مرملين، بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يُدرس أثرُه، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً).
إن السيدة زينب (ع) كانت مطمئنة وفيها سكينة الإيمان، معتمدة على الله سبحانه وتعالى، متوكلة عليه، مستعينة به، والهدف كان واضحاً أمامها، وصبرها لا يقاس به صبر امرأة إلا صبر أمها فاطمة الزهراء(ع).
السؤال الذي أريد أن أطرحه في هذا الجمع الحاشد ونحن في ظلال حرم سيدتنا الصديقة الصغرى زينب الكبرى وفي هذه الليلة المباركة هو: (ماذا كان الله يريد من هذه الأمة ومن البشرية بمثل السيدة زينب؟ وما هي العبر التي يمكن أن نستفيد منها في حياتنا في وقت تتصاعد فيه القيم المادية وتكاد تغلب على الروح حتى تسحق كرامة الإنسان وتحوله إلى أداة في ماكينة الحضارة المادية الراهنة؟.
كل هذا الكون الواسع الذي خلقه الله تعالى في كفة والإنسان في كفة أخرى، فلقد خلق الإنسان ليحل ضيفاً على رب العالمين في جنة عرضها السماوات والأرض، هذا الإنسان كرمه الله تعالى بقوله [ولقد كرمنا بني آدم]، هذه الكرامة لم تنزل على الكائنات الأخرى، والأمانة لم تتحملها الجبال والسماوات بل حملها الإنسان، وأعطى الله الإنسان من صفاته بعض أسمائه، فأعطاه العلم والقدرة والمشيئة أي الحرية التي تمكنه من اختيار طريقه [إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا]، [وهديناه النجدين]، [ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها] وإلى آخر الآيات.
لقد ولدت الكرامة مع الإنسان في اللحظة التي نفخ الله فيها نفخته المقدسة في ذلك الصلصال والحمإ المسنون وأسجد لآدم حينها ملائكته، أي لم يُسجد الله الشمسَ والأرض فقط
لآدم، بل أسجد له الملكين الموكلين بهما.
الكرامة صفة لا تنفصل عن الإنسان، وإبليس الذي لم يسجد انطلاقاً من عصبيته كان يترصد دائماً لكرامة الإنسان كي يسحقها ويزيلها إذ أن هدفه هو جعل الإنسان مهاناً ذليلاً في الدنيا والآخرة وله أساليب مختلفة لبلوغ هدفه.
تارةً أصبحت المادة أصلاً للكرامة فكانت الطبقية وسحقت كرامة الإنسان المستضعف بها، وتارةً أصبح العنصر وسيلة إبليس في سحق كرامة الإنسان كما هو الحال عند الصهاينة الذين يهدفون كما الإقليميون والشوفينيون إلى سحق كرامة الإنسان.
وفي خضم هذا العمل المتواصل سحقت كرامة المرأة من قبل الرجل متمثلة بظاهرة الوأد التي ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة، وقد جاء الإسلام ليمنع سحق الكرامة فرفع شأن المرأة وبين أنها وزوجها من نفس واحدة واحتوى القرآن على مثل لامرأة حديدية صلبة هي آسية بنت مزاحم، وذكر كذلك السيدة مريم التي أرانا الله في كتابه كيف أنها عملت عملاً ذكّرت فيه نبي الله زكريا بأنه يستطيع أن يطلب من الله ولداً مع أنه شيخ كبير وامرأته عاقر. نذكر كذلك سيدتنا خديجة التي تنزلت الملائكة على الرسول (ص) بسلام من الله عليها وهي أم المؤمنين وأم الأئمة الأطهار وأم فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، هذه السيدة العظيمة التي تمثلت تجربتها بشخصية السيدة زينب (ع).
إن ما وصلنا إليه من حال سيئ يعود في سببه إلى التربية التي تقتل كرامة الإنسان وهو طفل، لماذا؟ لأن كرامة أمه قُتلت من قبل أماً وأختاً وزوجة. إنني أقول للرجل الذي يهين زوجته: (ما أدراك؟ فلربما تكون زوجتك ولية من أولياء الله وغداً تسبقك إلى الجنة ولن تشفع لك لأنك ما احترمتها ؟).
إن المرأة التي تبني شخصيتها على هدي شخصية فاطمة الزهراء (ع) ستنجب أبناء يتلمسون خطى الحسن والحسين وبنات يرين السيدة زينب مثلاً أعلى لهن وما بالك بامرأة لو وقف العالم ضدها لما تنازلت عن حقها .
إن الكرامة هي الأساس في ظروفنا المعاصرة فالإنسان الكريم لا يخضع للذل والهوان ويهتف دائماً (هيهات منا الذلة)، ونحن نريد أن نسير باتجاه أمة تتكسر عليها أمواج الفتنة الداخلية والخارجية وتتقدم في كل المجالات الفكرية والاقتصادية والعسكرية وتتصدى لعربدة إسرائيل في هذه المنطقة وكل ذلك يبدأ بالمرأة فهي التي ستربي المجاهدين، ولنا في قصة موسى عبرة فنهاية فرعون بدأت بأم موسى حبنما تلقت وحي الله فألقت بابنها في اليم ليقود فيما بعد حركة المستضعفين، وكذلك دور السيدة زينب في إكمال رسالة الإمام الحسين (ع).
أخيراً نسأل الله أن يوفقنا لما فيه خير الأمة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وفي المهرجان العاشر ذاته شارك حجة الإسلام الشيخ عبد الغني عباس من المملكة العربية السعودية بكلمة قال فيها

التأسي برسول واجب، لماذا ؟ حتى ينسى المسلمون محنة حرب الأحزاب، وهو واجب حتى الآن بل ويزداد ضرورة في أمثال هذه الأيام لما تتعرض له مجتمعاتنا الإسلامية من موجات متلاحقة للقيم الوافدة وأفكار التغريب، وإذا أردنا أن نعرف مصداقية هذا الأمر فما علينا إلا أن نسأل ناشئتنا وأطفالنا وشبابنا ونساءنا عن قيم ديننا ورجال مسيرتنا حتى نعرف ما هو حظ هؤلاء من ثقافتنا الخالدة، وقبل سنوات قاموا في مصر باستطلاع حول تأثير القيم الوافدة على أبناء المجتمع وكانت النتائج غريبة عجيبة تبين كيف تغلغل الإعلام المضاد إلى عقول ناشئة المجتمع المسلم . وهنا نسأل أنفسنا ما هو الطريق إلى تلافي آثار غزو القيم الوافدة ؟ إن من أهم الطرق التي يمكن بها تلافي غزو هذه الأفكار هو التأسي برسول الله (ص) وأهل بيته (ع).
إن التأسي والعصمة وجهان لعملة واحدة فلا يجب التأسي وجوباً إلا بالمعصومين، فكل معصوم يجب أن نتأسى به، وآنئذ يصبح التأسي برسول الله وأهل بيته فرضاً واجباً بصريح هذه الآية المباركة. التأسي وجه لعملة وجهها الآخر هو العصمة، فمن كان معصوماً وجب التأسي به، ومن هو المعصوم؟، هو من لم يسجد لصنم لحظة واحدة، ولذلك ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: (من سجد لصنم لا يكون إماماً)، أي من سجد في لحظة من لحظات حياته لقيمة باطلة أو لصنم أو وثن فإنه لا يمكن له أن يكون إماماً.
نأتي إلى تالي المعصوم، أولئك الذين تربوا في كنف العصمة أمثال مولانا أبي الفضل العباس ومولاتنا عقيلة الطالبيين واللبوة الهاشمية السيدة زينب بنت أمير المؤمنين، والتأسي بأمثال هؤلاء له ضرورة خاصة في مثل هذه الأيام.
انظروا إلى مسيرة المرأة في العالم اليوم فهي بعيدة كل البعد عن القيم الاجتماعية السوية لعدم وجود الأسوة الصالحة التي تتأسى بها، أما نحن فنعتقد أن الأسوة التي يجب أن تتأسى بها المرأة المسلمة هي أمثال مولاتنا فاطمة الزهراء (ع) وأمثال سيدتنا زينب التي لم يكن دورها محدوداً فهي التي أكملت رسالة أخيها الإمام الحسين وسلكت ذلك الدرب الطويل عبر مدن العراق والشام تاركة تعاليم ثورة الحسين في كل بقعة تنزل فيها.
إن الرسالة التي ينبغي أن تتعلمها امرأة اليوم هي أن تقتدي بأمثال هذه القدوات اللاتي كان همهن رفع لواء الإسلام الخالد والمساهمة في بناء القيم الصحيحة. ليس على المرأة أن يكون دورها داخل بيتها فقط فهناك أدوار حيوية تستطيع المرأة أن تقوم بها في المجتمع المسلم، ومن أهم هذه الأدوار أن المرأة هي التي تستطيع المحافظة على حالة الحياء والحشمة والعفاف.

 

وفي المهرجان الحادي عشر عام 2002م – 1423 هـ  ألقى الأستاذ المهندس باقر جبر الزبيدي (بيان جبر)

ممثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق كلمة قال فيها :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إذا كانت الزهراء (ع) بضعة النبوة و هدية السماء هي أم أبيها كما يقول القائد الرسول محمد (ص) فالسيدة زينب (ع) هي أم أبيها وأخويها (ع) هذه الأمومة الزينبية لعلي وللحسين (ع) جزء حيوي من نهج في الأمومة النبوية وهؤلاء أهل بيت محمدي رسالتهم تذكير للأمة ونصوصهم تذكير بها، فإذا برز أحدهم إلى دوره وحضوره في الحياة واجه الدور كمحمد وتطلع إلى الحياة كما تتطلع الشمس الدافئة لمحيط من المياه المتجمدة.
السيدة زينب بنت علي (ع) دور رسولي وشاخص قرآني وسيف مجرد في الحق ممتلئ باليقين متحصن بمشروع الولاء لله ورسالاته وكتبه، غير مجرد أدواته بل معزز بها هذا الدور يخرج هذه السيدة الفاطمية-المحمدية من دائرة الدمعة والحزن والمأساة التي حددتها أدوات قراءة التاريخ به إلى دور علي ورسالة محمد وقضية الحسين ومشروع الزهراء وفي يوم ولادتها المصادف للخامس من جمادى الأولى يجب أن يتحول الاحتفاء إلى محور حقيقي من محاور القراءة السليمة -النقدية- الموضوعية لمشهدية هذه المرأة المحمدية.
فكيف نقرؤها في بطون الكتب بل كيف قرأناها و نحن ندرس التاريخ وكيف يجب أن نقرأها بعد أن اتسعت الرؤية وتمددت العبارة وانكشف الأفق عن ثقافة للإسلام تتجاوز الموروث المكتوب إلى المضمون المستور في خافق التاريخ؟ كيف نعي حقائق تاريخ هذه السيدة التي كانت أم علي (ع) بعد رحيل الزهراء و أم الحسين (ع) بعد شهادة علي، كيف نعي دورها و هي تتبنى أمومة البيت الهاشمي بعد شهادة الحسين بعد جولات شهدت فيها مصرع الأخوة وانقلاب الأمة وتمزق الدولة وتحولها من دار للإسلام إلى زنزانة لبني أمية؟
هل لدينا شيء من فقه زينب وقيمها الاجتماعية الإنسانية والثقافية وهي التي عاشت ردحاً من الزمن في كنف عائلة وبيت وظيفته العلم والقيم وأولوياته الثقافة ومغانم المعرفة؟ هل لدينا شيء من زهدها بالامتيازات الدنيوية السياسية والمادية وتواضعها الفاطمي الكبير وهي التي عاشت مدة من الزمن كريمة لزعيم الأمة وحفيدة لنبي الأمة وشقيقة لسبطين لطالما أحاطهما جدهما برعاية قلبه وحنان روحه وأحكام سنته ونصوصه وتعبيراته بأنهما سيدا شباب أهل الجنة؟
كل الذي قرأناه في بطون التاريخ وما نسمعه على المنابر وما يجول من عناوين فكرية في المكتبة العربية والإسلامية لا يتعدى الدمعة الحرى في ساحة الحرب بكربلاء والحسرة المذبوحة في الصدر على مقتل الأخ والابن والأحباب من أهل البيت، ولا يتجاوز أيضاً مستوى التعبير عن ضرورة إبقاء قضية الشقيق المذبوح حية في صدور الموالين والمخلصين من شيعة آل محمد (ع) وكأن هذه السيدة العظيمة صاحبة الدور العظيم لم تكن وظيفتها إلا الندب والبكاء والولاء الممزوج بالتعاطف مع ثورة الشقيق وقضيته السياسية.
وهذا ليس ولن يكون الحقيقة... الحقيقة أيها الأحبة في مكان آخر وفي زاوية أخرى من التاريخ القضية هي أن السيدة زينب (ع) كان لها دور يوازي دور أي إمام من الأئمة (ع) ولم يختلف أو يتراجع أو يضعف هذا الدور لا في حياتها وهي في بيت علي ولا في ساحة المعركة بكربلاء ولا في حياتها الاجتماعية والسياسية وهي المديرة المدبرة للقرار وصياغاته العلوية المحمدية ولا في عزلتها المختارة هنا في هذه الأرض المباركة بها.
بل إنني أذهب إلى أبعد من تسمية ما قامت به بالدور إلى القول بأن هذه المرأة السماوية المؤدبة في مدرسة العرش المتأصلة في دائرة التعاليم النورانية بمحمد المتألقة كالمصباح الدري في بيت علي هي محمد وعلي والحسن والحسين، هي الزهراء، هي شقيقة بهاء المدرسة المحمدية وأمها وهذه الانعكاسات ما كان لها أن تتجسد في صورتها الدرية ونموذجها الحركي العالي وحقيقتها القيمية النبيلة لولا ما ظهر منها يوم كربلاء، كربلاء كانت الإيضاح والمشهد الكاشف لروح النبوة وتجلياتها السمحاء في مرحلة بانت فيها حقائق الناس وتوضحت رغباتهم وخوفهم وشجاعتهم، نبلهم وزيفهم، مروءتهم وخيانتهم في مواجهة تحدي ظهور الروح المحمدية الشاخصة التي كانت تعسكر في الطرف الآخر من قيامة القضية الإسلامية.
و لعل هذا الأمر، كون زينب تمثل روح النبوة وصحوة الإمامة وضمير الثورة هو الذي دفع بالحسين وهو جزء من دوره في روح النبوة، أن يصحب شقيقته وروحه وامتداده وحيوية المشروع الثوري بل أن يصحب سيفه ومدرعته وترجمان فلسفته وناطقته المسلحة معه إلى ساحة القضية.
لم يكن الأمر صدفة إذاً (كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء) وحين طولب الإمام بتفسير لأمر اختياره الصعب باصطحاب العائلة الهاشمية وزعيمتها وقيادتها النسوية زينب أكد وهو يتطلع لأخته بل يتطلع إلى روحه (شاء الله أن يراني قتيلاً و يراهنَّ سبايا) إلا أن قضية السبي التي اشتغل الأمويون على بعدها السياسي السلبي حولتها هذه العظيمة المحمدية إلى قضية احتجاج هو الأبلغ والأكثر إحراجاً لسياستها وممارستها وجريمتها الشنيعة بحق الإسلام ورموزه وقضاياه ولعل السيدة زينب (ع) هي التي وضعت نهاية لمسرحية الحكم السفياني عندما عرَّت الوجوه الشوهاء والسياسات العمياء والقيادات الجاهلة والنفوس الحاقدة بصبر وجلد استعادت بهما صبر وجلد جدها في دعوته وأبيها في دفاعه عن كيان الشريعة والدولة الإسلامية ودم أخيها المقدس الطاهر الذي فجر خيلاء السفيانية في عقر دارها.
هذا نص أطلقه أحد الذين شهدوا مقتل الحسين؛ كان رأى زينب (ع) و هي تشهر سلاح المواجهة بعد نهاية المعركة كأنها أرادت أن تؤكد للمجتمع الذي سارت وسط جموعه المختلفة وشرائحة الميتة وناسه المنهوكين لكثرة القمع والإرهاب والدم بأن قضية الحسين لن تنتهي بقتله بل تبدأ به ولن تخبو شعلتها بل ستزداد وستسري كما تسري النار في الهشيم وما أنتم أيها القوم إلا رماد القمع لا رماد القضايا الكبيرة كما صنع أولئك الصامدون خلف سيوف القافلة المحمدية هناك بين الصحراء والفرات فذادوا عن الحسين وقدموا أنفسهم رخيصة جزاء الوقوف مع الحق لأن الحسين فلسفة الحق وجنته وجمهوريته.
يقول هذا الرجل وكان موكب السبايا يمر بالأوساط في الشام (فلم أر والله خفرة أنطق منها، كأنما تنزع عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فلا والله ما أتمت حديثها حتى ضج الناس بالبكاء وذهلوا وسقط ما في أيديهم من هول تلك المحنة الدهماء)، لقد مثلت هذه السيدة المحجبة النبيلة المذبوحة بثلاث وسبعين رجلا من أشقائها وأبنائها وأحباب أخيها سيرة أم شهيدة ومسيرة أب شهيد ومشروع أخ ذبيح لكنها تعاملت مع تلك القضية بما تقتضيه القضية لا على خلفية الندب والبكاء والعزاء وحسب، لأن التركيز على هذا البعد دون تأصيل الأبعاد السياسية والفكرية والعقيدية والحضارية في القضية الحسينية سيفقد الدمعة حيويتها واستمرارها، ولو كانت السيدة زينب (ع) اكتفت من الثورة بالندب والبكاء والتذكير بالشقيق المذبوح لا بالزعيم شهيد القضية الإسلامية المقدسة لكانت شعلة الثورة انطفأت ولتحول الحسين إلى قصيدة شعر لا تقرأ إلا في المناسبات ولا تكتب إلا في المواسم.
لقد كانت بنت علي أم الثورة بامتياز تماماً كما كانت الزهراء أم محمد في دعوته و أم علي في قضيته، اسمعها الآن وقد اكتفت بتذكير المجتمع المتخلف الخائف ووضعته أمام حقيقة خوفه وجشعه وحبه للمال وعبادته للبلاط الأموي، اسمعها وهي تخاطب قطب الجريمة وزعيم الدولة الجاهلة يزيد بقولها: (أظننت يا يزيد بأن أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء أن بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة وإن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حيث رأيت الأمور لك متسقة والدنيا مستوسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا... فمهلاً مهلاً لا تطش جهلا) بهذه المفردات التي تفوح منها البطولة وتشب في جدرانها الشجاعة والحكمة والجرأة تتحدث هذه المرأة العظيمة كأنها تنطق عن علي وقيمه وعن محمد وقرآنه ورسالته وعن الحسين وثباته على الحق واستبساله فيه وجرأته في تحدي الظلم وقبول المواجهة ولقد بقيت سيدتنا زينب (ع) على خط البطولة و الشموخ والإرادة الصلبة هذه من دون أن يرف لها جفن أو تخيفها المواقف الميدانية القاسية ومصارع الجثث ومشهد الحسين المذبوح.
وكيف تهتز العالمة المعلمة والفاضلة الفقيهة النبيلة والميراث المحمدي المؤصل في بيت الإمامة المثقف بين متراس الحسين وراية العباس وهما نافذتا جرأة بقيت طوال عهود وعهود ومراحل طويلة من الانقلابات الإنسانية وتفاوت الأجيال وتعاقبها تحفر عميقاً في وجدان الناس وأعماقهم بل نقول بدلاً من أن تحدث هذه القضية المأساوية والمحنة بشكلها وطبيعتها القاسية صدمة موجعة وارتداداً خفياً في روح هذه السيدة حولت زينب أم علي والحسين كربلاء وساحتها إلى قضية إسلامية كونية مستمرة مادام هنالك شهداء وأجيال ومفكرون وفقهاء وقوى إسلامية تحلم بعودة الإسلام حاكماً والحسين إماماً.
لم تجرَّ المحنة الجانبَ النفسي للسيدة زينب إلى الضعف والخوف بل كانت تخاطب يزيد بقولها (لئن جرَّت عليَّ الدواهي مخاطبتك إني لأستصغر قدرك وأستعظم توبيخك ولكن العيون عبرى والصدور حرى).
بعد معركة كربلاء بيومين دخل عبيد الله بن زياد على السيدة العلوية العظيمة زينب وكان أيام ذاك والي العراق أو كما تقول الرواية أدخلوا السيدة زينب في مجلس ابن زياد فيلتفت إليها ويسألها: (كيف رأيت صنع الله بأخيك؟) تجيبه وقد تفجرت الكلمات من بين ضلوعها وفجرت المكان كذلك: (والله ما رأيت إلا جميلا. هؤلاء الناس كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتُخاصَم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة).
على هذا الأساس كان لابد من استحضار كل الأدوات التفسيرية المنفتحة على شخصية السيدة زينب لنقرأ من خلالها قيمتها الذاتية كامرأة قيادية في الأمة مارست في أطار النبوة والإمامة وأعدت نفسها بما ينسجم وأهداف الإسلام وحركته ودعوته المباركة، كما تجب دراسة مسلكيتها في الدعوة للثورة وتعاطفها الوجداني والنفسي والسياسي معها لأنها لم تكن ثورة سلطة أو ثورة أسرة في المدينة قدر ما كانت ثورة قيم ومبادئ وأفكار، دعوة إسلام يتحدى الظلم والقمع والاستبداد وينتصر للحياة عبر الموت والشهادة .
لقد أرست سيدتنا زينب معالم تحرك إسلامي منفتح على مشروع تنمية العالم الإسلامي في جميع تطلعاته ومسؤوليتنا نحن كمثقفين وعلماء وحوزات علمية وباحثين تاريخيين أو باحثين في التاريخ وأيضاً مسؤوليتنا كمرجعيات دينية ومواقع إسلامية تسعى لتطبيق أمثل للشريعة الإسلامية أن نقرأ اتجاهات حركة ومشروع هذه السيدة العظيمة لأنني أشعر بالظلم الاستثنائي الذي تتعرض له زينب بنت علي (ع) كلما طالعت دورها في تاريخ التجربة الإسلامية لا أن نتخلف عنها فيصيبنا ويصيب وعينا لتاريخ الإسلام ما أصابنا بالأمس وجعلنا نتراجع عن اللحاق بركب الوعي الإسلامي المفترض.
أجدد التهاني والتبريكات القلبية لكم بمناسبة ولادة أم أبيها زينب بنت علي وأتمنى من الله عز وجل أن يجعل تلك الولادة ولادة العدل والمساواة وانتصار حقيقة الإسلام في كل الدنيا وما ذلك على الله بعزيز. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وفي عام 2007 م زار مدينة دمشق كوزير لمالية جمهورية العراق وقدم له درع النجمة المحمدية
 

وفي المهرجان الحادي عشر أيضا  شارك سماحة العلامة الخطيب المنبري الشيخ محمد جواد مالك المفتح

من جمهورية العراق بكلمة قال فيها :

لو فتَّشوا قلبي رَأوا وسْطَه        سـطرين قد خُطَّا بلا كاتِبِ
العَدلُ والتَّوحـيد في جانبٍ        وحُبُّ أهلِ البيتِ في جانِبِ

في ذكرى ولادتها ماذا نريد من إحياء هذه الذكرى؟ الذي نريده بوضوح أن نجدد البيعة لجدها رسول الله وأبيها أمير المؤمنين وأمها فاطمة أي نجدد البيعة للإسلام والقرآن, لننهض بالإسلام عقيدةً و مبدأ، فمولاتنا السيدة زينب تعلِّمنا كيف أنها وقفت واستبسلت وعاشت أجواء من المظالم لا يتحملها أي إنسان وكثافة هائلة من المصائب والآلام ولكنها وقفت بالرغم من ذلك صابرة وقدمت أروع صور الشجاعة وبيّنت هدف الثورة وعرّت الطغاة والظالمين مما كانوا يلفّون حوله تعرية كاملة بعد شهادة الإمام الحسين. من هنا فهي العالمة العابدة الموثّقة التي وقفت ذلك الموقف الذي يجعلنا نتساءل: هل يمكن أن يتعلم المسلمون اليوم كيف وقف إعلام المظلومين والمضطهدين والثوار والمستضعفين لكي نعري الظالمين من نشوة الانتصارات الكاذبة ومن زهو وكبرياء ما يعيشون فيه؟
نتعلم من زينب كيف نكرس المعتقد ونحمل العقيدة بعنوان الشهادة والتضحية والعبادة الواعية؛ وقفت في ليلة الحادي عشر من المحرم في تلك الليلة العصيبة المليئة بالآلام وإذا بالإمام زين العابدين يقوم إليها وهي تصلي عن جلوس إلى ربها نافلة الليل التي أوصاها الإمام الحسين بالدعاء له فيها قائلاً: (أخية لا تنسيني من الدعاء في نافلة الليل)، في تلك اللحظة القاسية والمؤلمة تجدها متوجهة إلى ربها.
وهكذا نتعلم كيف نستخدم الإعلام الهادف لخدمة قضايانا العادلة وكيف يستمر هذا الإعلام عبر الأجيال المتعاقبة ومن موقع إلى موقع.

وفي المهرجان الثالث عشر عام 2004م – 1425هـ  شارك سماحة الخطيب المنبري السيد حسن التبريزي

مستشار المركز العالمي لأهل البيت في إيران بكلمة قال فيها :

 في هذه الليلة بزغ نور كوكب آخر في بيت النبوة بيت فاطمة وعلي(ع)، وكانت الوليدة الأولى لعلي وفاطمة هي زينب(ع)، أشرق هذا النور وعم جميع قلوب المحبين وقلب النبي المصطفى(ص)، وكما ورد في الرواية فإن الرسول(ص) هو الذي سماها زينب، والحديث عن العقيلة زينب له أبعاد وأطراف كثيرة، ولا يمكن لنا أن نلم بكل هذه الأبعاد والجوانب في شخصية هذه البطلة، لأنها كانت قد جمعت الفضل من أطرافه، فكانت هي العالمة والمحدثة والبطلة والشجاعة والصابرة... وكانت الإنسان... كانت الإنسان بمعناه الحقيقي، ومعناه الروحي، وتجسدت هذه الروحية في شخصيتها، وذكر التاريخ الكثير الكثير عن حياة السيدة زينب، وإني لأظن أن الكثير مما ذكر عن السيدة زينب هو النزر القليل القليل جدا من حياة السيدة زينب. إن هذه الشخصية يجب أن نجعلها مشروعا إنسانيا وحضاريا، ومشروعا أنثويا يحقق للمرأة عدالتها وقيمها وشخصيتها في المجتمع، فإذا أردنا أن نحقق حقوق المرأة ونعطيها قيمة ومنزلة علينا أن نقتفي أثر العقيلة زينب.

لقد قال الإمام زين العابدين في حق السيدة زينب(ع) كلاما عظيما لما سئل عن زهدها وتقواها وورعها: (ما ادخرت شيئا لغدها أبدا)، ما كانت السيدة زينب تدخر شيئا من المال أو الطعام بل تنفقه في سبيل الله، وهي بالإضافة إلى ذلك عالمة محدثة، وتتحدث الروايات بأنها روت خطبة أمها فاطمة الزهراء(ع) في مسجد رسول الله(ص)، كما كانت مدرسة لتفسير القرآن.

إن السيدة زينب(ع) كانت معدن الصبر، ومن يلاحظ يجد أن جميع الصور التي تواردت أمامها منذ وفاة جدها إلى يوم وفاتها هي صور مأساوية محزنة، ولكنها بقيت شامخة عظيمة ولم تترك شيئا من عبادتها أو من القيم التي كانت تجسدها، والتاريخ يذكر موقفها العظيم أمام عبيدالله بن زياد حينما سألها –وقد وضع رأس الإمام الحسين بين يديه، وجلاوزته يحفون به-: (كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين؟) فأجابته: (ما رأيت إلا جميلا). انظروا إلى الفناء في الله، لأن الإنسان لا يخرج عن كونه أحد شيئين، إما مطيعا وعابدا لله، وإما مطيعا وعابدا للشهوات والنزوات، فإذا كان الله في قلب الإنسان ونصب عينيه يكون شجاعا وبطلا ذا موقف، ثم انظروا إلى هذه النظرية الفلسفية العالية بحيث تربط كل شيء بالجمال رغم وجود القتل والأسنة والرماح، وفي الدعاء: (اللهم إني أسألك بجمالك كله، وكل جمالك جميل)، هذه هي النظرة التفاؤلية للحياة...

أشكر الدكتور عصام عباس لجهوده الطيبة، وإذا أراد الواحد منا أن يتوج جهوده في مجال أهل البيت فلا يخف القلة لأن في جهوده النماء (ما كان لله ينمو)، ونهنئ العالم بأجمعه والمرأة المؤمنة الواعية المفكرة العاقلة الداعية الصبورة وكل امرأة تلبست بأي لبوس من هذه الأسوة الحسنة والقدوة الرائدة زينب بنت أمير المؤمنين(ع)، ونهنئ الشام لضمها مرقدها، ونعم ما قال الشيخ الشامي عبد الغني النابلسي:

زينب بنت حيدر                 معدن العلم والهدى
عندها باب حطة                 فادخلوا الباب سجدا

وكانت له  مشاركة أخرى في المهرجان السابع عشر عام 2008م – 1429هـ حيث قال في كلمته الهادفة :

في الواقع سمعت المتحدثين من قبلي بالأمس واليوم فبارك الله بهم جميعا واغنوا إغناءً كبيرا فيما يتعلق بالأمور العامة والقضايا العامة التي تتعلق بالمسلمين والدين الإسلامي بشكل عام .ومن هنا أولا اشكر فضيلة الدكتور عصام عباس على هذا الجهد العظيم  ،  في الواقع  أن الفرد يتمكن أن يعطي الكثير ، فكل واحد منا هو في الواقع امة بحد ذاتها إذا أحسنا استخدام أنفسنا استخداما صحيحا ، والقران يعظم هذا المعنى ويقول " إن إبراهيم كمان امة" ،  وكان هو شخص واحد ولكن كان بفكره وعطاءه  وتوحيده لله كان امة حقيقية .

من هنا أقول واشكر الدكتور عصام على هذا الجهد وما بذله ويبذله في هذا الاتجاه والعناوين العظيمة هي عناوين مهمة وجديرة بالدراسة والبحث والتحقيق ،

واطلب من خلال كلمتي واقترح هذا الاقتراح بداية : إن هذه العناوين تترجم إلى دراسات أكاديمية في حقل الشريعة والأبحاث لعلمية الموجودة في الجامعات ... 

يعني لو تصورنا هذا المعنى " ثقافة أهل البيت عليهم السلام في عاصمة الثقافة العربية دمشق وهي  عاصمة الحضارة التي تمتد إلى خمسة آلاف سنة ،  كيف لنا أن نجعل هذه الثقافة التي هي بمعنى الإدراك الحاذق وهذا الوعي    في مكزون وعي أهل البيت سلام الله عليهم  ، وانطلاقا من هذا المعنى الكبير توج هذا العنوان بهذا اليوم المبارك وهو يوم ولادة السيدة زينب عليها السلام ...  اختيار هذا اليوم كونه يوم  ميلاد امرأة ، ونحن نعلم أن مكانة المرأة في الثقافات الغابرة والحضارات الغابرة  كيف كان وكيف أصبح في ثقافة أهل البيت ... 

لنا أن ندرس إن معنى المرجعية هل هي تختص بالرجل فقط أم بالرجل والمرأة أيضا؟   ونعلم أيضا من خلال الأحاديث والروايات كما سبقني فضيلة الدكتور بالنسبة إلى النصوص ، والنص هو المحور مع إني أجد بعض الخلاف في المعنى من حيث التفسير البشري أو الإلهي .. لكن في الواقع نحن ندرس اليوم شخصية عظيمة وهي مرجعية ..

أسال هنا الفقهاء :  لو كانت السيدة زينب سلام الله عليها حاضرة بيننا اليوم هل نعتبر أن السيدة زينب هي مرجعا فقهيا للمسلمين ؟ هل للمسلمين أن يأخذوا في فقه زينب؟ وهل للمسلمين أن يأخذوا مسائلهم الدينية والعلمية والفقهية من السيدة زينب؟

إذا كان الأمر يتعلق بالنص فهناك نص يقول " أنت عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة"

إذا ًً يمكن  للمرأة أن تكون مرجعاً  ..

لكن أنا لا ادخل في القواعد الفقهية والأصولية ، ولكن أقول يمكن لها أن تدرس هذه كظاهرة للأسباب التالية :

أولا :   إن شخصية زينب عليها السلام هي ليست شخصية تتعلق بجغرافية وبانتماء معين وبقومية معينة ..  إذا كان النص القرآني يحددنا عبر سيدنا رسول الله  ويقول :   "وما أرسلنك  إلا رحمة للعالمين " ، فهذا النبي الذي هو رحمة للعالمين والذي دخلت وصهرت كل الانتماءات في هذه الرحمة هو الذي سمى هذه المرأة زينب ، فتسميتها كانت من رسول الله  ، إذا ً هناك عنوان كبير يتعلق بهذه الثقافة العالمية وثقافة العمل الجمعي وثقافة الوحدة والمحبة وهذه الروابط الإنسانية فيما بيننا

ثانيا : عندما نتحدث عن هذه المرأة  التي سماها جدها رسول الله  وهي التي ولدت في السنة الخامسة للهجرة والتي أمها فاطمة الزهراء وأبوها علي بن أبي طالب وأخويها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة .. فمن هذا النبع الصافي ومن هذه الرحمة العالمية كان عطاؤها  عطاء رحمة وكان عطاؤها للعالم كله .. اليوم عندما نتحدث عن المرأة : هل يمكنها أن تأخذ هذا الدور ؟  بل أقول هل للرجل أن يأخذ هذا الدور؟  فيما واجهته وعاشته هذه المرأة الجليلة ؟؟

كانت قد حفظت القران كله في صغر سنها .. وهنا نقول للأمهات أن يعلمن أولادهن وبناتهن حفظ القران ، وهذا نموذج من ثقافة أهل البيت   " أن يحفظ القران"

وإذا أردنا أن نتحدث عن الراوية والمحدثة .. كيف للمرأة أن تكون راوية ومحدثة وكيفية وجوب الأخذ بحديثها .. زينب  تناولت بحديثها وروايتها خطبتي أمها الزهراء سلام الله عليها ، الخطبة الأولى التي خطبتها في مسجد رسول الله  وهي خطبة سياسية توجيهية عظيمة نقلتها زينب  لا نقل حفظ بل نقلتها وعيا وإدراكا فكانت ممارسة في سلوكها وأداءها وعملها وفكرها وتربيتها وأخلاقها ..

وأيضا نقلت لنا خطبة الزهراء الثانية في نساء الأنصار قبيل رحيلها ، فقد نقلتها زينب وروتها وحفظت كل مضمونها من أسرار ومعان وتجليات كبرى ، وهذا ما انعكس على سلوك زينب ..                       

لذلك أطلب اليوم واقترح حتى من المناهج التربوية المدرسية عندنا في الشام ، هذا الصدر الرحب واليوم ذراعي الشام مفتوحة أمام هذه الوحدة وهذه المحبة وهذا التلاقي  الثقافي ..  أقترح تدريس شخصية السيدة زينب  في مناهجنا المدرسية الابتدائية والمتوسطة والثانوية .. لماذا؟؟؟

عندما تدرس الخنساء وزنوبيا لا بل هناك أفلام صرف عليها ملايين الملايين من الدولارات للحديث عن ملكة تدمر؟  فلماذا لا نتحدث عن السيدة زينبوزينب ليست بعيدة عنا ، فهي منا ونحن منها وهي بنت رسول الله  ،  وإذا كان هناك معلما حضاريا وثقافيا في بلاد الشام فهو هذا المعلم العظيم الذي نراه اليوم متربعا على هذه الأرض المقدسة التي بارك الله حولها وهو مرقد السيدة زينبالذي أصبح محط الحجيج من كل صوب ومكان كما قال الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله :

زينب بنت حيدر                    معدن العلم والهدى                     عندها باب حطة                    فادخلوا الباب سجدا

وعبد الغني النابلسي من القضاة والمفتيين المعروفين في دمشق ، قالها ليس من باب التعبد لان السجود لا يجوز إلا لله تعالى ، وإنما قالها تقديسا واحتراما .

اليوم نحن بحاجة إلى زينب أكثر مما هي بحاجة إلينا ، فهي لا تحتاج منا شيئا أبدا فهي في عليين ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر فنحن بحاجة إلى زينب ويجب أن ندرسها ليس من المفهوم الضيق الطائفي المرير الكريه ..  زينب ليست شيعية ولا سنية .. زينب ليست عندها مذاهب وليست صاحبة مدرسة مذهبية أبدا ..

كانت تتحدث في القران والإسلام ، كانت تفرغ عن جدها رسول الله  ، كانت تعلم نساء المسلمين القران ، ولم نسمع أنها علمتهم هذا شيعي أو هذا سني ،

هذا هو معنى الثقافة الحقيقية التي هي الإدراك والوعي ...

من هنا أؤكد :  لكل غيور ومفكر ومؤمن ومتأمل : إذا أردنا ثقافة أهل البيت  علينا أن ندرس زينبكما هي  كما قل عنها رسول الله  وسماها زينب وتحدث عنها أمير المؤمنين عليوأمها الزهراء وأخويها الحسن والحسين ...

وقد تسلم سماحته في هذا المهرجان درع النجمة المحمدية

 

وفي  المهرجان الثالث عشر أيضا عام 2004م – 1425هـ  شارك سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني  

 الوكيل الشرعي للإمام الخامنئي (دام ظله) في سورية


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين، وعلى أصحابه البررة المنتجبين، وعلى من والاهم إلى يوم الدين. 

ان هذا الحفل الكريم حفل مبارك، حيث أنشئ لإحياء ذكرى مولد السيدة زينب(ع)، التي هي قدوة للبشرية جمعاء. ويشير شعار المهرجان إلى خلود الحسين(ع) وكربلاء وزينب(ع)،

لذا أريد أن أتكلم حول رمز خلود السيدة زينب(ع) على مر التاريخ ومر الزمان بينما نرى أن هناك نساء كثيرات لهن مواقف عظيمة في التاريخ واستشهد بعضهن في سبيل إعلاء كلمة التوحيد ولكن ليس لهن مكانة كمكانة السيدة زينب(ع)!قبل أن أبدأ بالكلام أهنئكم بهذا الميلاد، وأشكر الإخوة الأعزاء ولا سيما الدكتور عصام عباس الذين منحوني ومنحوكم هذه الفرصة السعيدة لهذا الاجتماع الودي الذي يحتوي على أبناء الأمة الإسلامية بشتى انتماءاتها الفكرية فنحن كلنا أمة واحدة وكلنا ننتمي إلى التوحيد والنبوة المحمدية والقرآن والقيم الإسلامية، لذا أشكر الأخ العزيز الدكتور عصام عباس وكل من شارك في هذا المجهود والعمل المبارك.


إذا نظرنا إلى شخصية السيدة زينب(ع) فيجب أن نقر أنها لا بد أن تكون خالدة باقية طيلة التاريخ، فلو أغمضنا العين عن كون السيدة زينب(ع) امرأة ليست كسائر النساء فلا بد أن نعترف بأن المدرسة التي تربت فيها كانت مدرسة ذات أبعاد مختلفة تكفي لتثقيف المرء تثقيفا علميا وعباديا وروحيا وسياسيا واجتماعيا،

ولهذا نرى أن السيدة زينب(ع) هي التي روت خطبة أمها فاطمة الزهراء(ع) التي تعد من الخطب التي ترتفع إلى مصاف خطب أمير المؤمنين(ع)، وبالتالي فهي كانت واعية لمضامين هذه الخطبة ولائقة بلقب (عقيلة بني هاشم). كما كانت السيدة زينب(ع) مرجعا لبعض الروايات فقد روى عنها الإمام زين العابدين(ع) والإمام الصادق(ع)، وعندما أراد حبر الأمة عبد الله بن عباس أن يذكر السيدة زينب(ع) قال: (قالت عقيلتنا زينب) أي عقيلة بني هاشم، فعلى ذلك كانت السيدة زينب(ع) لائقة وحرية بأن تسمى (عقيلة بني هاشم)، وأن تسمى (العالمة) و(العارفة) و(الموثوقة) و(الفاضلة) و(الكاملة) و(عابدة آل محمد).

لقد استطاعت السيدة زينب(ع) أن تؤدي عملها بأجمل صورة، وعندما دخلت السيدة زينب(ع) إلى الكوفة تكلمت بكلام يجب أن ندقق في كل كلمة من كلماته التي تنضح بالعلم والعرفان والسياسة، وتكلمت بحسب ما تتطلبه الأجواء في تلك الفترة. وعندما دخلت وهي امرأة ثاكلة إلى يزيد وهو على عرشه لم تسلم عليه وجلست جانبا فتأذى يزيد من ذلك، وبعدما عرف بأنها زينب أساء إليها بالكلام شامتا، فقالت له السيدة زينب(ع) مما قالت: (أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك) وهذا مضمون الآية الكريمة: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وإذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أكرمن، كلا...)،

فأرادت السيدة زينب(ع) أن تعرّف أن الميزان في التقرب إلى الله تبارك وتعالى والابتعاد عنه ليس تحصيل القدرة والنجاح في حرب غير متكافئة، لذا تقول له في مكان آخر: (فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين).هذا كلام

بيان لخلود السيدة زينب (ع) وكربلاء الحسين بل هو بيان لخلود الحق .

وكان سماحة السيد مجتبى الحسيني قد شارك ببحث  في المهرجان الرابع عشر عام 2005 م – 1426هـ

قبل كل شيء، أهنئكم بذكرى مولد السيدة زينب (ع)، وكذلك أشكر الأخ العزيز الدكتور عصام عباس المحب للعلم والثقافة وإحياء ذكرى أهل البيت القدوة العليا الإنسانية.

موضوع بحثي اليوم: دور السيدة زينب في تعبئة الجماهير للانقضاض على الظلم وحتمية النهوض لإزالته ومحاسبة مقترفيه دورا في تحريك التاريخ وتوليد طاقة التغيير لإزاحة الواقع المعادي للإنسان، وهذا البحث يحتاج إلى مجال كبير، ولكنني سأختصر وأكتفي بالإشارة إلى نقاط أساسية فيه.

إذا أردنا أن نعرف دور السيدة زينب في تعبئة الجماهير، فلا بد أن نعرف دور عاشوراء والأهداف السامية المنشودة من وراء مسألة عاشوراء التي أقامها الإمام الحسين (ع) وأهل بيته، فهل كان القصد من عاشوراء إزالة حكم الباطل الشرس من خلال القيام بانقضاض مسلح عليه؟ أم كان هناك هدف آخر؟ إننا نرى في عاشوراء الحسين (ع) جانبين أساسيين هما: الشهادة والأسر، وتتمثل الشهادة بالإمام الحسين (ع)، أما الأسر فيتمثل بالسيدة زينب(ع).

إن الأدلة المتوفرة لدينا، سواء من الكلمات التي صدرت عن الإمام الحسين (ع) أو من أهل بيته، أو من التنبؤات التي جاءتنا من الرسول (ص) ومن بعده من الإمام علي بن أبي طالب (ع)، تؤدي إلى نتيجة تلخص هدف عاشوراء في ثلاث نقاط:

أولا: عدم الاعتراف بيزيد والحكومة التي كانت قائمة آنذاك، فالحسين لم يبايع يزيد لأنه كان يعتبر أن حكومته لم تكن إسلامية، فالحكومة الإسلامية الشرعية كانت باسم رسول الله وأمير المؤمنين، ومبايعته لها تعني الاعتراف بشرعيتها وعندها لن يبقى من الإسلام شيء، وفي كلماته إشارة إلى هذا الموضوع، فمثلا عندما يخاطب الوليد بن عقبة يقول: (يا أيها الأمير، إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله). أريد أن أشير إلى نقطة مهمة في هذا المجال، وهي أن حركة الإمام الحسين (ع)، لم تكن موجهة ضد عقيدة أو طائفة أو فكر مخالف له، بل كانت حركة الحق ضد الظلم والانحراف والاعتداء على البشرية والقيم، فشرب الخمر وقتل النفس المحترمة وإعلان الفسق أمور مرفوضة من قبل الكل، وعلى هذا لا يعتبر كلام الإمام الحسين مناقشة إنما هو عتاب، ولم يكن يتحاور معه على أساس أنه لديه موقف فكري وعقيدي مقابل لموقفهم الفكري والعقيدي فيناقشهم على أساسه، بل أراد أن يبين أن الحكومة القائمة منحرفة عن الطريق الشرعي.

ثانيا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبرفضه للمبايعة أراد أن يعظ الناس وينصحهم ويبين لهم ملامح الإسلام والقيم الإسلامية، فقد قال في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: (إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإني خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، خرجت لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين).

ثالثا: تلبية دعوة أهل الكوفة، بعد أن أرسلوا إليه رسائل كثيرة يدعونه فيها لقيادتهم.

إذا تمعنا في النقاط الثلاث السابقة، فلن نجد فيها أن الإمام الحسين ينقض انقضاضا مسلحا على الحكم، فهو يحمل فكرا وثقافة وإيمانا، وهذا لا يتماشى مع أساليب القوة والقهر، لذلك تراه يقول للفرزدق: (إن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد في الأرض، وأبطلوا الحدود، وشربوا الخمور، واستأثروا في أموال الفقراء والمساكين، وأنا أول من قام بنصرة دين الله وإعزاز شرعه والجهاد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا)، فعلى ذلك كانت رسالة الإمام الحسين (ع) هي رسالة الإصلاح والحب والنجاة والدعوة إلى الحق وإحقاق الحقوق.

إن أمر الإمام الحسين (ع) يختلف عن أمر هؤلاء الذين يهجمون على حكومة من أجل إسقاطها لإقامة حكومة أخرى، فلو كان يريد إقامة حكومة في الكوفة لما ذكر في حديثه الشهادة والقتل في سبيل الله من أول الأمر كقوله: (خُيِّر لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا)، وقوله: (من كان فينا باذلا مهجته موطنا إلى لقاء الله نفسه فليرحل معنا)، وعندما جاء الإمام الحسين (ع) إلى الكوفة وواجه جيش الحر الرياحي الذي منعه من التوجه إلى الكوفة أو الرجوع إلى المدينة المنورة، وجد بأن هذا الجيش عطشان فسقاه من ماء كان يحمله.

خلاصة الكلام: أن الإمام الحسين في هذه الحركة أراد أن لا يعترف بالباطل لحفظ الدين وكرامته، وما أراد أن يقاتل أحدا وإنما أراد أن يلبي دعوة أولئك الذين استغاثوا به، فالفكر لا يعتمد مبدأ القتال وسيلة لنشره، وهذا نقيض ما يذهب إليه الإرهابيون حين يدعون أنهم يفعلون ما يفعلون ابتغاء مرضاة الله، فرسول الله (ص) لم يقاتل أحدا إلا دفاعا وكذلك الإمام علي بن أبي طالب (ع) وكافة القادة الذين خلفوه لم يقاتلوا إلا دفاعا عن أنفسهم والمظلومين.

أردت من هذه المقدمة أن أبين أن دور السيدة زينب (ع) في الانقضاض على الظلم لم يكن بالانقضاض المسلح، وإنما بالانقضاض الفكري من خلال الدعوة إلى الحق، ومن هنا نفهم القول المشهور للإمام الصادق (ع): (كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء، وكل شهر محرم)، فليس المعنى هو أن نتقاتل ونريق الدماء دائما، بل المعنى أنه يوجد دائما انحراف عن الحق فيجب حينها أن ندعو الناس إلى الحق وننصحهم ونثقفهم في نفس الوقت الذي نحمي فيه أنفسنا من الانحراف، لأننا نواجه في الدنيا خطر النفس والشيطان والإغراءات بشكل دائم.

لقد ذهب الإمام الحسين (ع) بأهله إلى كربلاء لأن هدفه السامي لا يتحقق إلا بوجود الأسرى، ولذلك نراه عندما يواجه بعض من يناقشه في أخذه النساء معه بقوله: (شاء الله أن يراني قتيلا، ويراهن سبايا). نحن نعرف أن مشيئة الله لا تأتي جزافا، وأن مقتل الإمام الحسين (ع) ليس كمن يقتل في حادث سيارة، فالله تعالى أبى إلا أن يجري الأمور بأسبابها، فمشيئة الله تعالى بأن يرى الحسين قتيلا تعني بأن الله شاء بأن يقوم الإمام الحسين (ع) بهذه الحركة لحفظ الدين وصيانته، وفي الوقت نفسه، شاء بأن لا تتم هذه الصيانة إلا بمساعدة أهله ونسائه في هذه الحركة، ولذلك لا يقل مقام الأسرى في قصة كربلاء عن مقام الشهداء، بل كل واحد من هذين الفريقين يكون جناحا من جناحي هذه الحركة الخالدة في التاريخ.

وهكذا وصلنا إلى بيان دور السيدة زينب (ع)، ونتساءل هنا عن خطاب السيدة زينب (ع) لأهل الكوفة، فهل كانت تخاطب قوما يخالفونها في الرأي والعقيدة؟ أم تخاطب قوما يوافقونها ولكنهم تخلفوا عن نصرة عقيدتهم؟ لنقرأ خطبتها في الكوفة حين تقول:

(الحمد لله، والصلاة والسلام على أبي رسول الله) وهنا تؤكد على أبوة رسول الله لها وأنها بنت رسول الله، (يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والخبل، فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنة، فما مثلكم إلا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) وهذا إشارة إلى أنهم عملوا ما لا يريدون فعله، بل فعلوا ما يضرهم، (ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف، خوارون في اللقاء، عاجزون عن الأعداء) هل تعني السيدة زينب (ع) بقولها الأعداء نفسها؟ لا، لأنها كانت مهزومة في حساب الظاهر، فهي تقصد أن موقفهم كان معها، لكنها تؤاخذهم على نكثهم وتخاذلهم والتحاقهم بمعسكر الأعداء، (أتبكون؟!، إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، لقد فزتم بعارها وشنارها، ولن تغسلوا دنسها عنكم أبدا، فسليل خاتم الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم وأمارة محجتكم ومدرجة حجتكم خذلتم؟ وله قتلتم؟ ألا ساء ما تزرون، فتعسا ونكسا، لقد خاب السعي وتربت الأيدي، وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة) إن هذا الكلام عتاب وليس مناقشة أو حوارا، لأن المناقشة مع المخالف، أما العتاب فهو مع الموافق في الرأي.

عندما يقول لها ابن زياد: ( الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم) تجيبه: (الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وآله، وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر)، وكذلك عندما يقول لها: (كيف رأيت صنع الله بك؟) تجيبه: (ما رأيت إلا جميلا)، وكل ذلك يدل على أن السيدة زينب (ع) كانت تريد أن تحمل رسالة إلى هذه الأمة لهدايتها ودعوتها إلى الحق.

وكذلك أمام يزيد، فقد قالت له: (أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أنسيت قول الله تعالى: [ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين]، أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المعاقل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي).

إن مسؤولية السيدة زينب (ع) ورسالتها في تعبئة الجماهير هي دور تثقيفي يدعو إلى التنبه والتوجه نحو القيم، وهذا الدور ما يزال مستمرا لأنها حية بيننا، فعلينا أن نحيي ذكراها وأهدافها السامية حتى نكون مبلغين لها، وكما قال أحدهم: (إن الذين استشهدوا في كربلاء عملوا عملا حسينيا، فعلينا أن نكون زينبيين، وإلا فسنكون يزيديين)، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وفي المهرجان السابع عشر عام 2008م 1429 هـ شارك سماحته بكلمة قال فيها

 

يسعدني أن أقف أمام ثلة من العلماء والمثقفين والمنظّرين والكتّاب الذين هم أخذوا على عاتقهم مسؤولية تثقيف الناس وتثقيف الأمة، بأن أرحب بهم وأبارك لهم هذه المناسبة، مناسبة مولد سيدتنا الحوراء زينب(ع) هذه المرأة العظيمة التي هي رمز للمقاومة، ورمز للتقوى، ورمز للصمود، سيما هي فخر للنساء، بل هي فخر للنساء والرجال، وقدوة لكل مناضل ولكل مقاوم ولكل من يريد أن يتخذها موقفا للتقوى في حياته، بل لكل حرٍ على شتى المذاهب والأديان.

وبالنسبة إلى هذا العنوان الذي ذكر في هذا المهرجان وجعل هذا الشعار شعاراً للمهرجان وتحت هذا العنوان ثقافة أهل البيت  في عاصمة الثقافة العربية . وأبارك لسعادة الدكتور عصام عباس لاختياره لهذا الشعار وهذا العنوان،

نحن نعرف أن الشام وهذه المنطقة الشريفة هي حاضرة، وإذا نظرنا إلى ذاكرتها ففيها ثقافات كثيرة، ولعل أقدم الحضارات، أو من أقدم الحضارات كانت في هذه الأرض الطيبة، وبعد ذلك مرت على بلاد الشام حكومات ودول جائرة، وكذلك الأنبياء والرسل.

والأنبياء جاؤوا في هذا الأرض ليطهروا الأرض من الثقافات، أو يغيروا الحضارات الباطلة إلى الثقافات الطيبة، وليدعوا الناس إلى التوحيد، وإلى وحدة الكلمة، وإلى الحرية، وإلى العزة والكرامة المتوخّاة من أي إنسان كان.

وعندما ننظر إلى سيدتنا زينب(ع)، ونحن قد اجتمعنا هنا لنستمع لكلماتها سيدتنا الكريمة واقتداء بها، نرى أنها هي العضو الثاني لحركة الإمام الحسين  العاشورائية التحريرية، تحرير الإنسان من الظلم، تحرير الإنسان من الطواغيت،

وجاءت هذه الثورة لتعلمنا كبشر وكإنسان أن نتخذ موقع العزة والكرامة والفضيلة، وكما أن الحسين : وضع رمزاً للشهادة، وضعها بنفسه وبدمه، وفدى بشبابه في طريق التحرير:

 تحرير الإسلام، تحرير الحرية، وتحرير كرامات الإنسان،

فكذلك السيدة زينب هي العنصر الثاني من هذه الحركة المقدسة.. ولو لم يكن الحسين  وقيامه لما كان للإسلام إسماً ولا رسماً،

وكذلك لو لم تكن السيدة زينب  وحركتها التثقيفية لم تبق من الإسلام زخمها، ونحن نمكن أن نقول أن كل المسلمين هم رهن الخدمة التي قدمتها هذه الثورة المباركة للمسلمين وحتى لغير المسلمين، وبعض من غير المسلمين قد ألّفوا الكتب، وقد درسوا دراسات معمّقة حول الإمام الحسين :.

إذاً.. السيدة زينب  هي التي أحدثت الفكر الحر للإنسان طيلة التاريخ، وهذه الأرض المقدسة، فكما أن أرض كربلاء مقدسة بدماء سيد الشهداء دم الحسين : وشهداء كربلاء وأصبحت مناراً، وأصبحت مدرسة للثقافة والعزة والشرف، فكذلك الشام بما أنها في الحقيقة كانت مركزاً لحركة السيدة زينب  ومن حولها من أهل البيت ،

 فقيام زينب وحركة زينب تحرير للإنسان.

فعلينا في إحياء ذكرى حركة زينب ، وذكرى ولادتها أن نقترح على المفكرين وعلى الكتّاب وعلى الأدباء الموجودين في هذا البلد الطيب أن يهتمّوا بكتابة تاريخية متأنية لكتابة ما معنى الشام ليكون كمنطلق للدروس التي لا بد أن تكون لنا منطلقاً للعزة والكرامة، حتى إن شاء الله نستفيد أن نصنع من مثل هذه الذكريات تقدماً وكمالاً في مدارس العزة والكمال والعلو، وندرس طيلة الأيام سيرة أهل البيت الذين تربّوا على يد رسول الله ويد أمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين *.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا أن نسير على خطى زينب  والحسين، وأن نستفيد من ثقافة أهل البيت في تقديم وتطوير وتدعيم ثقافاتنا العربية وغير العربية.

وأجدّد التجليل والتهنئة والتبريك لكم أيها السادة الحضور، وإلى الأمة الإسلامية جمعاء، وأشكر القائمين على هذا المؤتمر، هذا المؤتمر الذي سمي بالنجمة المحمدية، وبالأخص إلى عزيزنا وصديقنا وحبيبنا الدكتور عصام عباس الذي نسأل له دوام الموفقية لهذا المؤتمر، واستمرارية هذا المؤتمر...

 

وقد تسلم سماحته في هذا المهرجان درع النجمة المحمدية

 

 

وفي المهرجان الرابع عشر عام 2005م – 1426 هـ  كان  لسماحة العلامة الحجة السيد محمد عبد الحكيم الصافي –

ممثل المرجع الديني الاعلى السيد علي السيستاني دام ظله" في سورية 

كلمة بيّن فيها ضخامة المسؤولية الملقاة على عاتق المرأة العربية والمسلمة في هذا المنعطف التاريخي الخطير، وضرورة الاقتداء بالقدوة الحسنة التي تقود إلى الطريق الصحيح المستقيم، وأن السيدة زينب (ع) هي من ألمع القدوات التي ينبغي الاقتداء بها من أجل تحقيق الأهداف المنشودة، ثم قام بتحليل خطب السيدة زينب (ع) في الكوفة والشام مبينا بأن خطابها في الكوفة هو خطاب لكل ذلك الخليط الذي يسكنها من الأهالي والجيش وبذلك يكون المراد من أهل الكوفة هو الأمة الإسلامية جمعاء

وسماحة العلامة الحجة السيد محمد عبد الحكيم الصافي هو أحد أعضاء الهيئة الاستشارية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية

وفي 23/ 8/ 2010م قدمت له مؤسسة بيت النجمة المحمدية درع النجمة المحمدية

 

ولسماحة العلامة الحجة السيد جعفر الشيرازي

ممثل المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي "دام ظله" في سورية في المهرجان الرابع عشر عام 2005م - 1426هـ 

كلمة ذكر فيها لمحة موجزة عن مفهوم الإصلاح ودعائمه المتمثلة في الإصلاح لله، والإصلاح للإنسان، والإصلاح للإصلاح، وبيّن أن الإنسان هو موضوع وهدف ووسيلة الإصلاح وغايته، واستدلّ على ذلك بمجموعة من العبارات الواردة في أدعية المعصومين (ع)، ثم استعرض محطات كبرى في مسيرة الحركة الإعلامية المميزة للسيدة زينب (ع) التي شاركت الإمام الحسين (ع) في حركته الإصلاحية الكبرى

 

وفي المهرجان الخامس عشر عام 2006م – 1427هـ

ألقى سماحة العلامة الحجة آية الله السيد أحمد الواحدي متولي مقام السيدة سكينة بنت الإمام علي في دمشق

وهو أحد أعضاء الهيئة الاستشارية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية وهي كلمته الأولى في المهرجانات الولائية قال فيها  :

بسم الله خير الأسماء

والحمد لله أكثر الثناء والصلا ة والسلام على خاتم الأنبياء وعلى أهل بيته الكرماء وصحبه النجباء وعليكم أيها الأعزاء ورحمة الله وبركاته 

بعد التقدير والتقديس لمجاهدة الدكتور عصام عباس في إقامة هذه الندوة الكريمة بذكرى إحدى المفاخر الإسلامية نحتفل بمولد بطلة لا مثيل لها في العالم البشري فهي شبيهة بأمها الزهراء في عصمتها وشريكة لأخيها الحسين في نزاله وقارئة عن لسان أبيها علي ع في فصاحتها عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة فكيف لا وهي زينة أمها وأبيها وعقيلة أهل بيت الرسالة وكيف لا وأن رسول الله قد خبرنا  أن اسم زينب قد هبط من السماء  بأمر من الله عز وجل

في أيام خلافة أبيها في الكوفة كان لها في بيتها مجلس للنساء يأتون إليها ليستفيدوا من علمها وكانت تفسر القرأن الكريم في يوم دخل الإمام علي على البيت ووجدها تفسر القرأن الكريم : ك ه ي ع ص .

قال لها يا نور عيني تفسرين  ك ه ي ع ص أنت تفسرين رموز مصيبتك ابنة رسول الله

بعض العلماء فسر هذه الرموز أن ك كربلاء ، ه شهادة ، ي يزيد ، ع عطش ، ص صبر .

عندما قال لها الإمام علي أنها رموز مصيبتك أي أنها كانت تعرف بالمصيبة وكانت راضية بذلك .

هذه البطلة العظيمة عاشت مع جدها خمس سنين ومع أمها خمس وأشهر ... 

أما عندما أقول زينب معصومة ليس على هذا الحد فمعصومة الحجية فوق معصومة الخطئية فالسيدة زينب لها قمة التصرف في النفوس

وأكبر دليل عندما دخلت الكوفة أشارت بيدها إلى الناس أن اسكتوا يقول الراوي والناقل والله أن الأجراس قد سكتت والأنفاس لم يسمع لها صوت

والطير في الهواء يسمع صوت طيرانه

السيدة زينب لايمكن لأحد أن يعطيها حقها ولو كتب عنها فهرست كامل أنا منذ ثلاثين سنة قرأت عنها ثلاثين  مرجع وأ كثر أنا الأن في هذه الجلسة المحترمة لم أخصص كلامي إلا عن زينب وأزين كلمتي هذه بحكمة للسيدة زينب تقول :

خف الله قدرته عليك واستحي منه لقربه منك

فكيف يجتمع هذين الأمرين فعندما يخاف الإنسان لا يرتكب المعاصي وعندما يشعر بقرابة أحد منه يستحي أن يعمل أي خطأ

 

وكانت له كلمة أخرى في المهرجان السابع عشر عام 2008م – 1429هـ قال فيها :

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا أبي القاسم محمد، وعلى آله الأطهار، لاسيما على مهديهم، وهو قريب الإخوة المسيحيين، كما قال الأستاذ المحترم (عجل الله فرجه).

السلام على السيدة العقيلة زينب الكبرى، وعلى أبيها، وعلى جدها، وأمها وأخويها، وأهل بيتها، وعليكم أيها الحضور الكرام، ورحمة الله وبركاته.

أقدّر وأقدّس جهود الأستاذ الدكتور عصام (حفظه الله) في ذكرى السيدة المكرمة الشريفة على تعبيره في إعلامه وإجرائه المعنون بـالنجمة المحمدية، فجزاه الله خيراً، وأحبّذ اختياره لهذا الاسم للسيدة زينب،

صحيح أنها النجمة المحمدية باعتبار نسبها وباعتبار أسرتها، وأما باعتبار صفة معنويتها وبطانتها وثقافتها وعزتها، وباعتبار سعة هذه الأمور وأمثالها يجب أن نعتبرها نجمة الكون والكائنات، لأنها أوسع من نجمة الشعراء، وأكبر من سعة نجمة الشعراء، وهي سيدة النساء بعد أمها السيدة فاطمة الزهراء.. والسيدة زينب  وإن كانت امرأة، ولكن يفتخر بها الرجال، بل ليس للرجال فضل عليها، كما أنّ للقمر ليس له فخر باعتبار أنه ذكر على الشمس باعتبار أنها أنثى، فالشمس طالعة ولكن القمر بازغ، صحيح ليس للقمر فخر على الشمس لأن استنارته على الشمس.

أهنئكم جميعاً بهذا الميلاد الكريم،

وما أخذت من أيّ مشيخة، ولا تخرجت على أيّ معلم، بل أخذت وورثت من جدّها وأبويها وأخويها (صلوات الله عليهم)، وعلمها لا لدنّي بل كسبي، وكسبي من مهبط الوحي

هذا صفة علي في الحروب والجهاد، أما سيدتنا زينب ( فهي ممثلته، وهي صاحبة البيان، والكلام القويم، وتكسر العدو وتلجم العدو، كما أنها قامت وهي أسيرة بين يدي طاغية، بين يدي ذلك المغرور القاهر الجائر، وهي أسيرة بين يديه، فقامت بمواجهة الحكومة الجائرة، وتكلمت بكلمة ألجمت الطاغية، وقالت من جملة ما قالت، لا يخيفها غلبة العدو القاهر، مخاطبة له وتسنده إلى البلاهة والسفاهة والظلم والجناية.

لذلك سيدتنا زينب ( أجابته، حيث اضطر الطاغية أن يتنازل ويعتذر ويتندم، وقال: قبح الله ابن مرجانة حيث إنه ارتكب هذه الجناية.

وكانت السيدة زينب ( فقيهة وعالمة، وبعد الإمام الحسين كان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام، وهي تجيبهم. وكانت تجيب على المسائل حتى برأ سيدنا زين العابدين الإمام المعصوم، فسلمت هذا المنصب إليه ، وفي نفس الوقت كانت من أعبد الناس لأنها في طول عمرها ما تركت تهجدها في الليل، حتى أنّ سيدنا زين العابدين قال: في طول سفرنا إلى الشام ما تركت ليلة تهجدها.

وهي شريكة الحسين في نهضته المقدسة، ومكملة لهذه النهضة، إذا لم تكن زينب لم تكن هناك أثر لهذه النهضة، بل لم يكن هناك اسم للحسين.

أيها الحضور.. هنا في الشام حينما سمعوا علياً : قد قتل في محراب العبادة، كانوا يقولون: أكان علي يصلي؟ إلى هذا الحد كانت الافتراءات والاتهامات على علي وأهل بيته، فإذا لم تخطب السيدة زينب  بهذه الخطبة القاصعة من كان يعرف عن هذه النهضة شيئاً.

لقد سجلت بذلك، وتجاوزت اللحظة المجيدة، وأدت واجبها ورسالتها تجاه الله عز وجل وأخيها الحسين (صلوات الله عليه).

وفي هذا المهرجان تسلم سماحته درع النجمة المحمدية

ويذكر أن سماحته كان من العلماء الذي قمتُ بزيارتهم عام 1992م بداية هذه الحركة الثقافية واستشرته فكان المؤيد والمشجع والمبارك الأول لهذا التوجه ...

وسماحة  آية الله السيد أحمد الواحدي هو أحد أعضاء الهيئة الاستشارية لمؤسسة بيت النجمة المحمدية.

 

وفي المهرجان الخامس عشر أيضا ألقى ممثل المجلس الإسلامي العراقي الأعلى في سورية الأستاذ محمد سعيد الغراوي

كلمة قال فيها

الأخوة الحضور ، الأخوات العزيزات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عنوان كلمتي عقيلة الهاشميين كربلاء ثانية

الإمامة قرار رباني يبنى على أساس اختيار الأصلح وسلوك ذاتي في التعبير عن رسالة السماء وروح متواصلة إلى قيام يوم الدين في الأمم والجماعات والمجتمعات

والإمامة بهذا المعنى تختزن  تشريعات  السماء  مثلما تتعدد مظاهرها وأسماؤها وعناوينها فإمامة الفقه شقيقة إمامة الإصلاح الفكري وإمامة الثورة توأم إمامة الدولة وتلك المظاهر والألوان والعناوين تلتقي برافد واحد

وينبوع إلهي كبير هو ترشيد الأمة والأخذ بيدها إلى حيث وضعها الله في سياق كلامه عن الأمم وأدوارها في الكون

( وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول  عليكم شهيدا) وللإمامة امتدادات تلامس العصمة  تصدر عنها وتتشكل إنسانيا ً من ينابيعها  هي الشقيقة الأقرب إلى النص الإلهي إنها الصوت الذي يترجم إيحاءات النص ويعمل على تدوينه وتحريكه وتأصيله في الناس  وتلك الامتدادات لا تمثل حركة خالية الفضاء من النص بل تعمل بالانسجام مع ذلك الفضاء الحيوي وهي الدليل إلى النص مثلما هي الدليل إلى الإمامة وأسماء أئمتها عندما يغيب الإمام بداعي الشهادة أو الاعتقال أو الغياب القسري بذلك يتحول ذاك الينبوع و الامتداد لممثل أوحد لسلوك الإمامة أو القيادة في الأمة ويترجم النص ويضع الأمة على سكة اللقاء الكبير ما بين رسالة الاسلام ورسالة الأمة في الخلاص والحرية ورؤية نموذج الدولة العادلة الذي نسعى إليه في الحياة

السيدة الهاشمية زينب بنت علي ع هي الامتداد والينبوع والمترجم الأقرب لروح الحسين باعتبارها روح النص هذه السيدة الهاشمية العلوية المحمدية كان لها في الثورة وما بعدها ومضات لولاها لكانت الثورة حركة سرية ومشروعا ً باطنيا ً ونموذجا ً لن يستطيع بمفرده أداء دور النهضة الفكرية الحسينية الكبيرة التي قادها الإمام ضد فساد النظام الأموي وعفونة السلطات القهرية وقدرية الخنوع لطاغوت الحاكم المستبد

كان هذا الامتداد النموذج المقاوم لمؤامرة تذويب الثورة وعنوانها ورجالاتها وفكرتها السياسية المحمدية النبيلة قاتل بكل مواقع الثورة ودافع  عن  الإسلام  بروح علي ورسالة محمد وعنفوان الإمام الشهيد فلم ينكسر أمام هول الفاجعة ولم يضعف أمام ارتدادات المعركة غير المتكافئة ولم يشعر بالهزيمة الروحية والفكرية وحتى المادية ومقاييسها الميدانية لأنه كان على يقين أن المعركة التي يقودها أمام قهرية النظام وعفونة سننه الفاسدة

ولون خطابه المستبد هي معركة قيم سماوية في مواجهة قيم فاسدة معركة نبل النفس المحمدية القادرة على بناء الإنسان والدولة وفق منظومة السماء أمام همجية الدم وضحالة الفكر ورهان القصور المشيدة بجماجم المجاهدين والأحرار على قوة البطش وصلافة النفوس وشراسة القانون الفاسد وكيف تضعف عزيمة هذه المرأة وفي صوتها إطلالة علي وتاريخ جهاده وعبقرية لغته وفي أعماقها محيط محمد ص الزاخر بالنبل والاستيعاب والشجاعة المطلقة والتمسك بالحق الرباني ولو وضعوا الشمس عن يمينه والقمر عن  شماله    ألا وهل فيكم الصلف النطف والصدر الشنف وملق الإمام وغمز الأعداء كفضة على مركودة ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون هذه هي السيدة المحمدية وهي تخاطب المجتمع الأموي الممتلئ بدنيا الخضوع والمسكنة غير الآبه  بما آلت إليه دنيا الإسلام من فساد وعفونة

وقد أرادت من خطابها هذا أن تعيد إلى الذهنية الخانعة المستكينة من أن الثورة لم تكن مشروعا ً سياسيا ً عابرا ً أو لحظة حلم بسلطة

أرادت أن تشير لهم أن  ما جرى كان مواجهة بين الإسلام بتشريعاته ونظمه وتكويناته وإمامته وبهاءه الحسيني وبين سلطة باغية وأن هذا الصراع مستمر رغم عنت الجبابرة وكيد السلطات الحاسدة إنها لا توزع في معرض حديثا الثوري وخطابها المحمدي النبيل اتهامات كيفما اتفق إنها قراءات لنوعية المجتمعات التي قتلت الحسين وسبى عياله وأدمى قلب صاحب الرسالة وقد أرادت أن تشير بوضوح إلى هذا المجتمع الذي بغى وارتكب هذه الجريمة الشنعاء هو مجتمع لا يستحق الحياة وكيف يستحق مجتمع بهذه المواصفات والميزات الخانعة وقد ذبح الحياة من الوريد إلى الوريد في رمضاء كربلاء أتبكون وتنتحبون إي والله فابكوا كثيرا ً واضحكوا قليلا ً فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها  أبدا ً وأن ترحضوا قتل سيد خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل البيت وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرئ سنتكم ورغم هزيمة هذا المجتمع السكوني لكنها لم تخضع لدموع الهزيمة التي رأتها في عيونهم مع أن بها من الفجيعة ما يغطي بدموعها محيطات الكون الهزيمة لا مكان لها في قلب علي الساكن في قلبها ولهذا فقد استمرت الكلمات المتوهجة بالثورة ترعد بين حلقومها ولسانها لقد ذكرتهم أنهم لم يرتكبوا جناية عادية أو جريمة يمكن الصفح عنها باستخدام رداء التسامح والعفو عن المسيء لأنها إساءة رحلت المجتمع الإسلامي من دائرة الإسلام بوجود الحسين عليه السلام إلى دائرة التبعية المطلقة لحكام العصور الجاهلية ولأنهم قتلوا الحجة الطاهرة  وسليل خاتم النبوة فهم وفق القانون الثوري سيبقون في بكاء وحزن كبيرين عسى أن يتحول البكاء لحظة التوهج الحقيقي في الأعماق إلى تحول ثوري إلى مشروع باليقظة إلى فعل أساس يسقط أصنام التعويل على السلطة الباغية إلى التعويل على الروح القادرة على صناعة المستحيل الثوري الذي تجلى في كربلاء حيث التقت النفوس الكبيرة على قلة عديدها مع جحافل العفونة و  فساد السلطات فكلن المستحيل فكرة مشعة وعنفوان بطولة فريدة وأرواح لم تعرف الهزيمة ووقوف أبدي مع الزعيم وإصرار على إتمام رسالته لقد ذكرتهم سلام الله عليها أنها لا تنتمي إلى منطق العائلات المسبية التي سادت نماذجها في عهد الأموية حيث تختبئ النساء في المحارم أو تباع في أسواق الرقيق المفتوحة وبازار استعراض القوة الغاشمة فكان هذا الربط المحكم بين الثورة التي قادها  الشقيق الشهيد وما بين صوتها المتمرد على جبروت الحاكم الظالم  القادر على إحداث هزة مدوية في الأرواح المعزولة بأنفاق العزلة ويأتي الصوت الزينبي ثانية وبنفس الحرارة والقوة ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد للنبي فريتم وأي دم له سفكتم وأي تميمة برزتم وأي حرمة له انتهكتم وفي المنطق الثوري وطبقا ً لمقاييس الخطاب المحمدي الحسيني لا بد من تذكير ضحايا الخنوع بأنهم لم يرتكبوا جريمة كتلك التي ترتكب ويجري الحديث عنها كما يجري الحديث عن جرائم الجناية العادية إنهم فرع قلب رسول الله وكبده ورسالته لأن الحسين يمثل روح الرسالة

وروح النبي وروح الرسالات كلها فهم قتلة الرسالات وقتلة كل الأنبياء وبهذا أقول أن العين التي لا تبكي الحسين هي عين سفيانية ومن هنا أعتقد أن البكاء الذي حدث أثناء خطاب عقيلة الهاشمين كان بكاء لحظة الإحساس بالذنب والإحساس بالجريمة النكراء وليس دموع التوبة وطلب الغفران ولعل هذه السيدة الهاشمية أدركت ما للدموع من أثر في منعكس الشعور بالذنب فراحت توسع من هذا الإحساس لينقلب بعد واقعة الطف إلى نداء للثورة في نفوس الناس وربما في نفس دمعة كانت مع سيول هذه الجماهير الغفيرة المكتظة التي كانت تستمع لنيران الثورة وهي تلقي بحممها في ساحة الكوفة وشوارعها مثلما نعتقد أن كل الثورات الكوفية والمدنية ضد الأموية كان المسؤول عنها خطاب السيدة الهاشمية زينب ع وتركيزها على هول الجريمة والمسؤولية الشرعية والإنسانية المترتبة على مقتل الإمام

يقول الراوي : والله لقد رميت الناس يومئذ ويبكون ويضعون أيديهم فوق أفواههم ولقد رأيت شيخا ً واقفا ً إلى جنبي يبكي حتى اخضرت لحيته وهو يقول بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسائكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يرزى هذا هو أثر المنعكس الشعوري في الخطاب  على الناس ولعله كان الرسالة الأعمق للثورة حيث لم تستطع الثورة بعد استشهاد كوكبتها ورجالاتها أن تدخل أسوار الكوفة وشوارعها حيث كانت زينب وخطاب الثورة كربلاء ثانية ومعركة أخرى تتجلى أبعادها بالحركة المفردة وقوة الصوت في صحراء النفوس الموهومة بأنها بمأمن عن العذاب في وقت كانت فيه الرؤوس الكبيرة محمولة على أسنة الرماح وهكذا يستعيد التاريخ أوراقه من جديد وتتجدد صفحات المعركة المستمرة بين روح الحسين في العراق اليوم وأتباع المنهج السفياني من أبناء ذات الجماعات التي قتلت الإمام في رمضاء كربلاء إنهم يذبحون العراقيين اليوم ليؤسسوا إمارة قائمة على اغتيال حلم العراقيين بالوحدة الوطنية شبيهة بالإمارة التي أسسها يزيد على جماجم الناس لكن هل يفلح القتلة ثانية باغتيال حلم العراقيين باستعادة وحدتهم وحريتهم ويقتلوا الحسين الذي تجذر في النفوس واستعصى على القتل

ظنوا بأن يزيدهم قتل الحسين            لكنما قتل الحسين يزيدا

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .    

وفي المهرجان السابع عشر تسلم درع النجمة المحمدية

 

 

وفي المهرجان الخامس عشر حضر سماحة الخطيب المنبري العلامة الشيخ عبد العظيم الكندي من العراق

وتحدث بكلمتين أولها في المركز الثقافي العربي والثانية في كنيسة محردة التي قال فيها: -

أحبتي قد يستنكر البعض ويستغرب أن يقام احتفال إسلامي بذكرى ميلاد بنت نبي  الإسلام السيدة زينب في كنيسة ولكني أقول لمن يستغرب دافعاً وجه الاستغراب بأمور كثيرة وأقف على أمرين رئيسيين :

الأول : إن القربة بين زينب الكبرى والكنيسة أياً ًكانت هذه الكنيسة في محردة أو في أوربا أو أي بقعة من بقاع العالم إن الطريق بين زينب والكنيسة طريق معبد واسع عبده جدها المصطفى صلى الله عليه وآله وقد سلكه وعمل به أبوها علي بن أبي طالب . بلى:  أقول الطريق بين زينب والكنيسة معبد ولا غرابة أن تستضيف الكنيسة في محردة هذا المهرجان بميلاد السيدة زينب في الكنيسة .

قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، إنه طريق كلمة  السواء،  أنه طريق معبد بين المسلمين والمسيحيين تعالوا..  طريقكم آمن .. طريقكم معبد .. تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إنه طريق كلمة  السواء.

وهذه الطريق بالإضافة لكونه معبد فإنه محفوف بمكارم الأخلاق ومحفوف بكل ما يؤمن السلوك إلى الكنيسة أو العكس ،  هكذا قال كتابنا الكريم وهكذا أخبرنا قرآننا العظيم وهو يصف المجتمعات اتجاه الإسلام فيقول سبحانه :

 ( ولتجدن أقربهم للعنان – ولتجدن أقربهم للعنان الذين قالوا إنا نصارى فإن منهم قسيسين ورهبان وإنهم لا يستكبرون ) ثم قال : ( ولا تجاد لوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن )  لا يسمح في أي حال أن تشتم مسيحياً ولا تشتم يهودياً ذا كتاب .. مسالم متفاهم الحجة بالحجة والقرآن بالقرآن ،  ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إذاً أدفع الاستنكار بهذا الأمر وأدفع الاستغراب بهذا الأمر إذ يقال ذكرى ميلاد بنت نبي الإسلام يقام في كنيسة على أي أساس أقول لا تستغرب أيها المستغرب فالطريق معبد بين الكنيسة وزينب وهذا من ثمار ذلك الطريق الواسع   

وثانياً لأدفع الاستغراب  أقول رسالة زينب من يطلع على رسالة  زينب التي حملتها من المدينة إلى العراق ومن العراق إلى بلاد الشام والعكس إن هذه الرسالة التي تعذبت من أجلها وشتمت من أجلها وعانت ما عانت من أجلها وسبيت من أجلها وضربت من أجلها  هذه الرسالة أيها الأخوة أيها الأخوات الكريمات كل من استوعبها كما استوعبها القس الأخ معن بيطار من استوعب رسالة زينب فسيقيم احتفال زينب في الكنيسة وسواها رسالة زينب الرسالة البشرية العامة رسالة الإنسان ورسالة الحضارة البشرية التي مثلت خلافة الله عز وجل في الأرض رسالة زينب رسالة جدها رسالتها التي جعلت من مثار الحروب والاختلافات : العرق واللون والقومية والقطر

هذه التي كانت مثار حروب واقتتال منذ أن عرف الإنسان الأرض وإلى يومنا هذا إذا استقصيت أسباب الخلافات البشرية التي أورثتهم المآسي وأورثتهم الويلات لوجدت أعظمها وأغلبها لهذه الأمور العرق اللون العنصرية القومية القطر

رسالة زينب التي جعلت من هذه الأسباب المثيرة للخلافات جعلت منها مشروع حضاري ينادى به اليوم بكل فخر واعتزاز ينسبه كل إلى نفسه

إنه مشروع العولمة ولكن أية عولمة .. عولمة الاستبداد الاستحواذ على الثمرات .. الاستعباد الديكتاتورية ونهم الثروات كلا ثم كلا إنها العولمة البشرية الإنسانية  الأخلاقية

رسالة زينب جعلت من مثار الحروب مشروع عولمة إنساني ما أحوجنا إليه ولقد بقي حسرة في نفوس الكتاب والمفكرين لقد ذهب حسرة في نفس أفلاطون أن يجعل جمهورية فاضلة يحكمها العدل  و الإحسان رسالة زينب من استوعبها سيكون كما كان القس معن بيطار

لقد جعل الله من هذه الصفات المثيرة للحروب جعل منها مشروع عولمة أقول عندما شرعها جعلها أية من آياته عز وجل  

اسمعوا معي هذه الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) فبدل أن يكون اللون الأبيض مثار حرب وسخرية لدى الأسود أو العكس بدأت هذه الأمور تجسد عظمة الله بعد تجريب الإسلام للنفوس وإذا بك أيها الأخ بناء على تشريع الله عز وجل تنظر إلى الأسود فتقول سبحان الله فتجد فيه عظمة الله وتنظر إلى الأبيض فتقول سبحان الله فتجد فيه عظمة الله عز وجل الكردي الذي يرى في قوميته ولغته مفخرا ً نقول له هنيئا ً لك إنها شرف ولكنها ليست ميزان وهنالك قومية أخرى العربي من حقه أن يفخر والكردي من حقه أن يفخر والأسود من حقه أن يفخر والأبيض من حقه أن يفخر الكل ما دام ذلك مظهرا ً من مظاهر عظمة الله  عز وجل

إنه مدعاة للاحترام بدل الاحتراب إنه مدعاة للتراحم بدل التباغض على أساس اللون أو العرق أو القومية أو سوى ذلك .

نعم علينا بعد هذا بعد أن نسمع لغة غير لغتنا أن نقول سبحان الله

وهكذا أقول أيها الأخوة رسالة زينب جعلت من مثارات الحروب مشروع وئام وسلام ومشروع عولمة إنسانية وعظيمة تجسد ذلك الهدف السامي

( إني جاعل في الأرض خليفة ) من يعرف زينب على هذا الأساس يقيم لها المهرجان في بيته وفي كنيسته وفي مسجده وفي صومعته وفي أي مكان كان إنها زينب التي حملت رسالتها خارجة من المدينة إلى العراق لتصحيح الأخطاء

ألا إني لم أخرج أشرا ً ولا بطرا ً ولا ظالما ً ولا مفسدا ً وإنما خرجت لإصلاح أمة جدي رسول الله أريد أن أمر بالمعروف وأن أنهى عن المنكر وأن أسير مسيرة أبي وجدي رسول الله فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردني فسأصبر حتى يكون الله له خير الحاكمين - نعم أريد  أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر

أيها الأحبة إن تسعة وتسعين بالمئة من مشاكلنا هي بالعدل والإحسان

بالعدل والإحسان تزدهر الحياة ولا موجد للعدل والإحسان إلا هذه الرسالة أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فإذا ما عرفنا أن المعروف كلما وضع في موضعه ماديا ً أو معنويا ً وأن المنكر كل ما نهى عنه الشرع أو نهى عنه العقل يعني أن هذه الكلمة ستغطي الحياة كلها على مختلف صعدها

لأن الحياة إما مع العقل وإما بلا العقل سلوك وكلمات ومظاهر حياتية أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وخرجت زينب وهي تحمل هذه الرسالة مع الحسين وللعلم فلقد أخبرهم الحسين بإخباريته وجده أخبر الأمة بإخباريته وجبريل أخبر النبي بأخبار الله عز وجل وبتعليم الله كأني بأوصالي تقطعها أوساط الفلا ثم يقول سلام الله عليه لمن يقول له لا تخرج إلى العراق قال والله لابد أن أخرج ولابد أن يستخرجوا هذه العلقة من صدري أي من قلبه فقيل له إلى أين تريد بهذه النسوة والأطفال

وأريد لزينب أن تحمل رسالة الحسين من بعده وتبشر بها في خلال رحلتها الطويلة من العراق إلى الشام ومن الشام إلى الحجاز

أيها الأخوة والأخوات من يعرف رسالة زينب فسيقيم لها المهرجانات

وهي رسالة السيد المسيح بعينها

إذا ً التقت زينب والمسيح ... التقت زينب ومريم...  التقت زينب والكنيسة ...  من خلال طريقها المعبد ومن خلال رسالتها السامية فلنكن إخوتي وأخواتي وأنا أختم كلمتي تداركا ً لوقت الصلاة

واحتراما ً لهذا الوقت المقدس أقول علينا أن نحيي هذه الاحتفالات إحياء عرفان أي نجعل من خصوصيات صاحب الذكرى مدرسة وأن نجعل من خصوصيات صاحب الذكرى منهج حياة ومستشار حياة فنحكمها بأخلاقياتنا وسلوكنا وتعاملنا عندها سنعيش أمة واحدة بكل أطيافها وأديانها ومواقع عملها إذا كنا كذلك فقد دل الاحتفاء هذا على تقوى القلوب وإلا ضياع للوقت وهدر للطاقات وتضيع للجهود..  فلنكن بمستوى هذه الرسالة لندل على ذلك أن قلوبنا تقية وأنا أردنا بذلك وجه الله

ــ  يتبع  في الجزء 2 ــ