كلمة الأستاذ الشيخ مظهر جركش - مدير ثقافي مركز الدراسات الإسلامية بدمشق

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطاهرين وصحبه أجمعين

برهة وترسلنا ضوعة عطر خفيفة متهاوين حتى أعماق كينونتنا ، وقد جعل إحساس هارب حياتنا تنصب شاقولية, إن مجرد رائحة خبرناها سابقا ، وصلتنا بزمان آخر ومكان آخر ، فكل خبرة نحياها هي أشبه بعطر يستولي علينا ، يزيد من نشوتنا ، ويحضنا للاستزادة ، فكلما سرنا صعدا في طريق العلم والمعرفة اقتربنا من تفتحنا الداخلي واقتربنا أكثر من صيرورة حياتنا نحو تحقيق إنسانية الإنسان .

إنما يغير بصيرة الإنسان الطليق بفكره البعيد عن التعصب لأفكار جاهزة تقوقع عليها حتى صارت كالحائط السميك تعزله عن العالم بأثره ، فيظن أنه يرى أعماق الأشياء وهو لا يرى أبعد من أرنبة أنفه ، وهذا يظهر في مسألة العقائد ، فيكون من المستحيل على الإنسان أن يغير عقيدة كان قد نشأ عليها وترعرع على أفكارها فتراه غير مستعد حتى لمناقشة خطأها من صوابها .

لذلك من السهل عليه ان يغير قميصه في كل يوم ، ولكن من شبه المستحيل أن يبدل عقيدة رضعها مع لبان أمه ، لذلك عندما أرسل الله الرسل ليغيروا عقائد أقوامهم جاءوا يحملون معهم الحجة الدامغة والبرهان القاطع مع الكثير من المعجزات المبهرة ، وكانوا على قدر عجيب من الصبر والأناة والقدرة على تحمل المكاره ، ورغم ذلك هناك من الأنبياء من لم يتبعهم أحد .

وهكذا كان محمد رسول الله (ص) خاتم النبيين أرسله لعباده وهيأ له البطانة الصالحة تقف معه تؤازره وتنصره ، فكانت عترته أهل بيته وصحابته الكرام ، فكانوا الركن الركين لمواصلة رسالته إلى يوم الدين ، والنساء شقائق الرجال ، فكانت خديجة الكبرى وهي أول من وقف من النساء مع الرسول الكريم في بدء نزول الوحي ، فكانت له الزوجة الصالحة والصديقة الصدوقة وساندته في الشدائد والمحن ، وكانت السيدة فاطمة حب رسول الله تؤانسه وتواسيه ، وكانت السيدة عائشة وكل منهن لعبت دورها الهام بحسب متطلبات المواقف والأيام . ومن ثم جاء دور السيدة الطاهرة زينب (رضوان الله عليها) حفيدة رسول الله (ص) وابنة علي وفاطمة عليهما السلام ، تربت في بيت النبوة ، ونهلت من معينه الطاهر ، حتى غدت من أعظم نساء العالم علما وادبا وحصافة وشجاعة وحسن تدبير غير إنها عاشت في زمن المحن والإحن ، وجاءت قوية صلبة بمقدار هذه المصائب التي ألمت بأهل البيت (ع) فقد كانوا مدرسة من مدارس الإيمان وهبوا حياتهم لله وأخلصوا له كأعظم ما يكون الإخلاص .. أشاعوا العلم والحكمة والعدل والأدب بين الناس .

ولما كان عصر السيدة زينب (ع) عصر الفتن التي عصفت بالمجتمع صار على نساء آل البيت (ع) أن يضاعفن جهودهن في تنشئة أبناء أهل البيت التنشئة الصالحة ، ومن هنا كان دور السيدة زينب البتول(ع) الدور الأبرز في الوقوف في وجه أعداء آل البيت والحفاظ على مسيرة الإسلام ، فكانت رائدة النساء في السلم وفي نشر الدعوة ونقل العلم الذي نهلته من بيت النبوة للأجيال ، فهي أول امرأة في دنيا الإسلام صنعت التاريخ وأقامت صروح الحق والعدل ونسفت قلاع الظلم والجور وسجلت مواقفها المشرفة شرفا للأمة والإسلام وعزا للمسلمين على مدى الأيام .

فأقامت صروح النهضة الفكرية ونشرت الوعي السياسي والديني في وقت تلبدت فيه الأفكار واختلط الحق بالباطل ، وتجسدت فيها الصفات الكريمة والنزعات الشريفة فكانت مثالا للطهر والعفاف والفضيلة والكرامة .

وفي هذه المناسبة تعالوا نغض الطرف عما جرى من أخطاء في تاريخنا ونوحد كلمتنا ونكون صفا في وجه عدونا المتربص بنا ، يريد أن يجتث شأفتنا ، تعالوا فقد ذهب أمس بما فيه وجاء اليوم بما يقتضيه ، فنحن بأمس الحاجة إلى وحدتنا .

تعالوا لنجعل التاريخ عونا على إصلاح ذات بيننا . فتعالوا يا أهل العراق لنجعل سيوفنا على شط الخطر لم تجرح النسب القريب ولا العدو بها انتصر .

وتعالوا يا إخوتي لنطفئ أوار الفتنة هناك بتآخينا في سوريا ونجعل لقائنا متجددا فيقربنا ، ونجعل حبنا أنموذجا  يقتدي الناس بنا ، فنجعل أهل البيت قدوتنا وقد فعلتم وما هذه الدعوى لي لألقي كلمة الحب في يوم ولادة الطاهرة زينب بين أحباب أهل البيت إلا دليلا على تآخينا ووحدة صفنا .

فلكم مني جزيل الشكر والامتنان ، واخص بالشكر صديقي الدكتور عصام عباس ذا القدر الجليل الذي يزداد رفعة وقدرا بتعظيمه لآل بيت رسول الله الأطهار ، وأرجو أن يتحول هذا الألم الذي عانته عقيلة بني هاشم سببا لتلاقينا وتآخينا خاصة وكلنا مجتمع على حب أهل بيت رسول الله (ص) كما قال الشافعي رضي الله عنه :   فان كان حب آل البيت رفضا                         فليعلم الثقلان إني رافضي

لذلك فالشيعة كلهم بالضرورة هم من أتباع سنة رسول الله النبي (ص) والسنة بالضرورة مشايعون لأهل بيت النبي (ص).     والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته