حلقات ثقافية أكتبها من ذاكرة المهرجانات الولائية المؤرشفة

الحلقة الرابعة  مع سماحة العلامة الدكتور الشيخ حسين شحادة – رئيس منتدى المعارج للحوار بين الحضارات

شيخ لبناني زينبي الهوى والرؤى  يقطن في ربوع الغوطة الزينبية في العاصمة السورية ..

التقيته لأول مرة قبيل المهرجان الرابع عام  وهو على فراش المرض يرقد في مشفى من المشافي الدمشقية ،

استغرب لأول وهلة من الزيارة الغير متوقعة من رجل لا يعرفه من قبل .. رحب أجمل ترحيب .. وبعد التعارف وشرح سبب الزيارة أصبحت ابتسامته زاهية ، تعجب كثيرا من الاندفاع ، خالجته أسئلة كثيرة : ما سبب الإصرار؟ ما غاية الطبيب؟ من الجهة الممولة لهذا العمل؟ ما هي الرؤية التي يتبناها عصام عباس؟ ولكن حالته الصحية لم تُتح له البوح والاستفسار أكثر من أنه وافق مباشرة على الحضور ولو اضطر ذلك للخروج من المستشفى بشكل مؤقت  والعودة لاحقا وهذا ما أشار إليه سماحة الشيخ حسين في كلمته في المهرجان الرابع عام 1995م – 1416 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
لحديثي هذه الأمسية حكاية من حكايا الوجدان ونبضة من نبضات القلب الراعش بحب محمد وآل محمد 

فيوم زارني الدكتور عصام وأنا على فراش المرض أبصرت في وجهه السمح وقلبه الطيب طهراً من الشعور وجذراً يتصل بالمنبت الحسن أي بالتراب العراقي أي بتراب النجف الأشرف الذي يضم بين ثراه آباء البشرية الثلاثة آدم ونوح وعلي بن أبي طالب (ع)...
و يوم دعاني قبل يومين لأشاطره وأشاطركم الاحتفاء بميلاد نهارنا الإسلامي المبارك الطالع من عيني زينب سيدة الصبر ومليكة الحرية والموقف الجريء خالجني والمرض لا يكف عن ضجيجه، من أي الجهات أناجي زينب؟، وبأي اللغات أبايع سيدة الصبر والصوت والموقف الجريء؟...
قلت ربما أكشف في يوم مولدها إضاءة من أسرار هوانا نحن العائدون إليها والراحلون إليها، قلت... والمأزم العربي في ذروته كيف أطل من خلال زينب على قضايا أمتنا ومصيرنا...


... أستعير من الدكتور أسعد علي خلجة من نفسه ونبضة من قلبه لأحتفي اليوم بشكاية مرفوعة إلى دموع زينب ودم الحسين...

 شكايتي انطلقت من بيروت إلى أفريقيا إلى عدد من عواصم الوجع والانكسار إلا أنني أعترف الآن بأن أمي قبل أربعين من القدس...حين سلمتني منديلها لأطرزه بدمي... أبطأت فطرزته بحبري... ومنذ أربعين من القدس لا أجرؤ  أيها السادة  على النظر في عيني أمي، كما لا أجرؤ على النظر في وجه زينب حتى تُكتب لنا الحرية المطرزة بتوحيد الكلمة والإنسان...شكايتي وهي مستعارة كما قلت من أنفاس المربي الدكتور أسعد علي... يوم كنت وحولي زنبقات المسيح في بيروت... ناديتها: خريفنا يدنو من العراء وحبوب سنبلتي تفر إلى كفها من قارصات البرد، فحملت صوتك، أطعمت غصته لأطفالي، وأطعمت الصدى للريح، وتركت وجهي خلف كثيب الرمل أضرب حيناً في انكسارات الزمان وحيناً في انكسارات قلبي وقلت في سري عفواً عيون الناس، عفواً حبيبة الحسين من يجمع شكل خطاي ثم يرمي دمي في شوارع كربلاء؟...

سميتها كل المدائن... بايعتها رُدُّوا علي من وراء النهر... بايعتها والجرح يغطي الجرح، فتهيَّأتْ لما نذرتُ لها شجراً يصلي برموش أحزان الحسين... شجراً يسمونه الأحراش والغابات والمجاهيل، وسميته الندى والنوارس والاقحوان... وبلال والغضب...
و كان صوتها بكل ما أوتي من صوت علي يوحد الأمم الحزينة ويلم بقاياي وشظاياي إلى هجرة أخرى فلاشيء يكسرني إذا صوتها شد قلبي في مكان الحجارة والعطش والانفجار... وإذا صوتها قمح يوحد ملح الأرض وماء الفقراء...
كنت وحدي أحث الخطى باتجاه الصوت والفصول، أبحث عن نبي في ياسمينها الأبدي،عن علي في فضائها الأبدي، أنزل، أسقط، أعلو، أطبع جثتي في الصخر. لكن البرق أدماني وأبكاني التلهف والوقت والانتظار حتى إذا استندت إلى صفصافة العمر والجدار الذي لم يسقط والأغصان التي لم تنكسر من زيتونة الشام...
قلت: هاهنا قمر الصوت، هاهنا شفق الجرح... وقلت: ليس للغمامة أسوار وليس لصوتها شمال وجنوب، وليس لدم الحسين قناع... إذاً لم نمت بعد فما زال في الروح خلجة عصية على احتراقات الجسد وما زال في القلب نبضة عصية على رماد الخشب...
نحتدم في جلال عباءتها الوارفة وسوادها المهيب ويرتدي حمائمَ صوتها أفقُ المدى وكل النخيل ويشرئب الهوى والصدى بجوقة الهديل...
علويون نحن لم نمت... ونحن بعضها رعشة في الحلم...
دوماً على مجمر الوعد تعتصر العيون، تطلع الشمس بدم واضح من سرنا وشمسنا... لا فرق في صلاة العاشقين... وبيوتنا كعادتها مشرعة مثل قلوبنا تتشابه في زورق النور وسابحات القناديل حتى نهاية الحب والكلمات كأنما كوكب من شروقها ينزل في مآقينا فلا نقشع سوى الأعلى ولا نسمع سوى أذان الفجر، فمن لحمي الشيعي تدثرَت هذه الأرض، وفوق فمي أزهر طلعُ النجم...
يا صوتها خلِّ في محاجرنا دمعتين،خلِّ بغصن القلب نبضتين ؛ واحدة لطهر كعبها والآه كلها بملء حنجرة الكون للحسين...زغردتُ من خلف أسواري وبيروت وأفريقيا وقدسنا الجديدة في البوسنة والهرسك وسائر المرتحلين إلى ضفائر الصلب من جمر إلى جمر...
بايعتها وفل دمعي يسّاقط ترتيلاً في ليالي الغاب...
يا زينب... يا حوراء...أشرعة فضية تمضي بموج عذابنا الكحلي...خذينا تحت عينيك لكي نعرف وجه النهار...
خذينا تحت عينيك لكي نعرف ضوء الصباح ولون السماء... يا صرخة تومئ بخفق الريح والموج نحو شطوط الخوف لتوقظ الرجال...يا نجمة عالية تهز سرير منافينا ليهنأ في بياض كفها الأطفال...سيدتي خذينا تحت عينيك وهزي بوشاح فاطمة شوك الصحارى... هزي بصوت علي وكفه كي يسقط في لمحه من بيننا هذا الزمان المستعار...شكوت إليك  وطعم العوسج المر يندف رماد أحلامي العراقية  سبايا نحن لولاك فمن لجبينك العالي؟ بلى من يصغي لمرثاة من الغيم تعيد الحياة لأشجارنا العاقرة؟ لا شيء سواك توحين لرفيف الغد والورد وتحرسين نبعة الضوء في أعماق شامنا وحجازنا ونيلنا وفراتنا وفراديس عروبتنا المشتهاة ؛ فكل ما تمزق من ثيابنا وكل ما تقطع من أطرافنا لن ينتهي إلا بقطرة من نور نجمتك الساطعة وضمة من أزاهير مشكاتك الخالدة...
سيدتي إني  ويعاتبني التاريخ ونعوش أصحابي وأراجيح صرخات اليتامى وغربتي  لم تعطني الغربة غير مرافئ غربتي فخذي فؤادي وشرايين قلبي فعفو عينيك...
خذينا تحت عينيك وليقم من عنفوان صغارنا تحت عينيك مجد القيامة...

كلام أذرف الدموع وخشعت له القلوب وكان الهدوء والإصغاء يلف الحضور الذي غصت به حسينية الزهراء حيث المهرجان ...

زرته بعيد المهرجان الرابع شاكرا له هذا الحضور المميز والكلام الرائع بامتياز فقد لمستُ منه التقدير والتشجيع والمؤازرة فعهد ان يحضر العام المقبل ويلقي كلاما آخرا وبالفعل حضر في المهرجان الخامس عام 1996م- 1417 هـ وألقى كلمة قال فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم       

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى الشهداء والصالحين والتابعين لهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.

سادتي أصحاب الفضيلة أيها الأخوة المؤمنون...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
حينما طلب مني الدكتور عصام عباس المشاركة في هذا الاحتفال السنوي المبارك بميلاد سيدة الصبر الحوراء زينب لم يتسن لي الوقت لأكتب شيئا من قلب أو شيئا من عقل، وحتى الساعة الثالثة يتصل الدكتور عصام عباس لأشاطركم ميلاد الصباح وميلاد النهار وميلاد الشجر، وفي الساعة السابعة مع أذان المغرب خالجني ما يمكن أن أسميه بنبضة قلب أو بحديث طالع من القلب مستوحى من تلك القصيدة التي استمعنا إليها من أبي الشعراء الدكتور أسعد علي في العام الماضي ومن هذا المنبر الزينبي الحسيني بالذات وكانت رسالة شعرية مفتوحة من زينب إلى فاطمة، فرحت أبحث عن صدى صوت زينب البنت وهي توجه مواجعها إلى السيدة الأم الزهراء. قلت في السر: ألا من رسالة من السيدة زينب (ع) إلى الشام وصباحات الشام؟ لا سيما وأن موضوع زينب وموضوع الحسين (ع) هو في الأساس موضوع كرامة وحرية وعدالة، وهي قضايانا الأكثر احتشادا في تحدياتنا مع العصر الإسرائيلي الذي يواجهنا بالاستبداد وتحديات جديدة مثقلة لمصادرة الكرامة والحرية والعدالة. لا بد أن نستحضر زينب وفاطمة (ع) ونحن في صراعنا لهذا العدو المستبد لتظل الكرامة والحرية والعدالة هي نشيدنا الذي لا يكف عن الاستشهاد...
قبل الرسالة استئذان، ولن أطيل عليكم، فهي دقائق أخرى نمد بها جسر الهوى للقاء ذاكرتنا، وأقول ذلك أيها السادة لأنني عندما زرت الحجاز لحج بيت الله الحرام وجدت في جدة الكثير الكثير من الجسور التي تربط القرى

والمدائن، لكنني عندما زرت البقيع لم أجد جسرا يربطني بالروح والذاكرة. إلى الذين يعيشون حالة الانبهار بالاسمنت والمنبهرين بهذه الحضارة المعدنية نقول لهم: لن يستوي شفاء الإنسان حتى تتوازى جسور الاسمنت مع جسور الذاكرة والروح.
يا زينب...
كما اهتزت الأرض تحت جسم الحسين هزي سرير الزمان لتهتز الأرض تحت وقع خطاك، صمتا وصمتا وصمتا... فالكون الآن في حالة ارتجاج وعقولنا في حالة انبهار وعيوننا في ذهول فليعلن العالم صمته وصمته بانتظار سدة العرش واللغة الفصيحة، وزينب الآن قادمة، فيا سماء أقلعي ويا أرض ابلعي ماءك واستوت على الجودي، من أينا تبدأ موجة تدعى حنين الماء؟ من أين تبدأ نبضة تدعى رنين القلب؟ من أين تبدأ زينب تدعى طلوع الفجر؟ لها أو لكَ قدس ما في الشام فهل أحنيت غصن الروح كي ترمي على روحي السلام؟ سلام على قمرين... إني اشتبهت... سلام على زينب، فهل تعفيني فاطمة إذا ما احتبست جراحي على صدر الحسين؟ فاستوطني -سيدتي- هواء هذا القلب، لك أو له ماء هذا القلب يا زيتونة الرب، فكوني مفتاح خضرتها فلا شيء لائق بصبرك سوى زيتونة الصبر والرب، ولا سماء لائقة بوجهك إلا الشام فأبقي عينيك فيما بيننا على عينيه ورؤى مصباحه بعرس الشجر واشتهاءات اللغة السنبلة، فها عرَّشت فيَّ كربلاء واخضرت على ساعديَّ قباب الزمان، حاولت فتح الحزن كي أتعرف القلب الذي فيه انطوى، حاولت فتح القبر كي أتعرف الجسد الذي فيه ارتمى، ألفيت داخله مرايا... قبَّلتها... كسَّرتها فوجدتُني تلك الشظايا، وبقيت منتظرا على شباكها... لم تفتح الشباك... ففتحت قلبي كي أراها وأطلقت روحي وقلت: (إذن سأستريح وأحلم بالزهرة الخالدة)، زينب تنمو وتشرق مثلما تنمو الزهور، زينب تعلو وتكبر مثلما يعلو النهار، وآن لزينب ميلادها فمدي إلى القادمين يديك ومدي إليه كي يرمي إلى روحي السلام.
من رجيع النداء تمد المآذن أعناقها، والشفق عطر سيدة ظفّرت نخلها في حنين الأرق، كيف أسافر يا طلة الشام؟ كيف أسافر فيكِ هلالا؟ يا أنت... فوق سمائك أنشر حبة نور، فوق قبابك أكتب حبة ماء فكيف يصعد في الضوء نبض هواي، دمي من لونه يطلع الناي، يا أنت... أي هذا العلي... فيك حييت زهرة نار، وبتُّ على صهوة الأمنيات أجلي امتدادك، يا طلة الشام... يا لحظة من عقيق اللقاء... كاشتعال اليواقيت يأتي اللقاء، وكالشدو يعتصر الآخ سر الإياب، لماذا الليالي تكور قبضتها في مخاض الألق؟ ولماذا العصور تشّقّق في سحنة الكلمات، ومن شظفي سلّمُ الاشتعال، قل لي إذن متى تشرع التألف في وجهي المنتظر؟ ومتى من قصائدك النبع يطلع مثل القمر؟ خامدا كان زهر القرنفل صوتك أشعل فيه المنى فاعتذر. عيوني رقتني لبوح القمر، أتسأل رأسي متى انفصلت؟ لست أنهض منك بعمري إلا إليك، قل إذن... هذه الشمس خائنة حين تخفي جراح الحسين، كما قطعة من جليد تدور ملتهبة، أرى للجفون جسورا، أرى وجع التمتمات ولا لمطالع الرأس أرى جمرة، صرت من ولهي أعتلي الوصل، ألوي قرون الأصائل، أصعد في كونك الليلكي، تجوهرت الذات، ما عدت أحمل ظلي، سريت على رفرف الوجد أبكي حسينا وأبكي حسن، إنما على صفحة القلب أنقش حقلا يغرد فيه الضياء، ومن نفس العشق يشهق فيه البهاء، يا أنت النهر كيف تكون كمثلي نهرا؟ وكيف عذابك يصبح موجا؟ قل إذن لينبت الصبر... كيف ينبت الصبر؟ أدق... يدقون خلف السحاب... تطل علينا التي نشتويها، بمخزون أسرارها تتبدى، تفيض... تسكنني زرقة الفيض، فيا أيها الشام أسرج جيادك، ويا أيها الماء أعلن صلاتك، إن المدى يتأرجح من خطوها في مخاض الألق، والبروج لها لغة أثمرت لهبا ورهب، هل بروق الشعر أضرمت حطب المشتهى؟ قل لي إذن... يا أبي النهر... يا أخي النهر... كيف أكون كمثلك نهرا؟ زينبتني خطاي لوعد السماء... زينبتني دموعي لهذي الجراح، هددني العصر، شردني العشق، والقدس على بعد دمعة من دموع الحسين، والقدس على بعد آهة من آهات زينب، وقذفت نفسي من القهر وجئت إليك، لست أنهض منها بعمري إلا إليك.
معكم أيها الإخوة نحتفي بمليكة الإسلام وسيدة الصبر واللغة والصمت والشجر والقدس، ونتوج احتفالنا هذا بالصلاة على محمد وآل محمد، وشكرا لكم.

كلمات انتظرها الجمهور الذي استمع له في العام الماضي بشغف ورغبة لهذا النثر المقفى ولهذا العشق الوجداني .. كلمات من القلب الى القلب ..

وغاب عنا سنتين وعاد عام 1998م – 1419هـ ليلقي كلمة غاية في الابداع ورسالة الى مؤسستنا الثقافية منها أُخذ اسم النجمة الزينبية بقوله :

باسم الله...
وباسم محمد...
وباسم أهل البيت...
ما دامت نجمتكم زينب فأنتم الأعلون وأنتم المنتصرون...

فانطلقت الفكرة بتسمية المشروع كله باسم ..  النجمة  المحمدية  ..

وأنقل لكم نص هذه الكلمة الأخيرة لسماحة المفكر الإسلامي العلامة الحجة الدكتور الشيخ حسين شحادة في مهرجاناتنا الولائية...

بسم الله الرحمن الرحيم           

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المسلمين سيدنا ونبينا وقائدنا وحبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى الشهداء والصالحين والتابعين لهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.

السادة العلماء...
أيها الإخوة المؤمنون...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
من أي الجهات نقارب المرأة؟
ومن أي الجهات نطل على أميرة الصبر والعنفوان، على سيدة كربلاء وبطلتها الحوراء زينب؟
زينب... والاسم سماوي أي أن السماء هي التي سمت زينب بزينب ولكن من الذي سمى بطولتها؟ من الذي سمى كرامتها؟ من الذي سمى قلبها الكبير الذي احتضن الرسالة كلها؟ من أي نور طلعت زينب في تاريخنا الإسلامي المجيد؟
إن رجلاً أو امرأة عاصر علي ابن أبي طالب ليوم واحد حري به أن يصنع بمصنعه وأن يتخلق بأخلاقه, إن شهراً أو عاماً بصحبة علي من شأنه أن يصنع الأبطال فكيف بنا بزينب التي عاصرت أباها علي بن أبي طالب 53 عاماً، عاشت معه بكل جارحة من جوارحه، وفي كل موقف من مواقفه وفي كل حركة من حركاته لتصنع زينب على عين من السماء وعلى عين من الأرض، على عين أمها و أبيها (ع).
من أي الجهات نطل على السيدة زينب (ع)؟ وما هو الجديد الذي يمكن أن نقدمه في هذا المؤتمر السنوي عن عقيلة بني هاشم (ع)؟
لا أخفي عليكم أيها السادة أنني عندما حاولت أن ألتقط لكم فكرة جديدة أو ضوءاً جديداً ينير كلمتي بهذه الأمسية فتحت كتاب الله سبحانه وتعالى وكانت الآية المباركة التي ألهمت موضوع حديثي لهذا اليوم وسميت الآية بآية زينب, أما لماذا سميتها كذلك فهذا ما سأحاوله وإياكم في قراءة ثانية للآية التي طالما نرددها في مجالسنا وندواتنا ومؤتمراتنا؛ (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) في التفسير القرآني لهذه الآية الكريمة أن الأمانة هي الولاية الإلهية وفي تفسير آخر أن الأمانة هي الإمامة، وأياً يكن المعنى المقصود من دلالة الأمانة فثمة تزاوج و تمازج بين الولاية الإلهية والإمامة الربانية، والسيدة زينب كانت مؤتمنة على السرين؛ سر الولاية الإلهية وسر الإمامة الممتدة في فضاء وسماء هذه الولاية، وهذه الأمانة رغم كثرة ما قيل عن دلالتها عند المفسرين نختصرها بكلمة واحدة هي المسؤولية... إنا عرضنا المسؤولية على الإنسان.
هذه المسؤولية في المفهوم القرآني تستند على حقيقة عظمى هي حقيقة الاستخلاف الرباني على الأرض (إني جاعل في الأرض خليفة)، وهذا الاستخلاف يستند على حقيقتين: الحقيقة الأولى تكريم الإنسان بوصفة الكائن المركزي على الأرض، والحقيقة الثانية أن هذا الإنسان لم يخلق سدى ولا عبثاً وإنما خلق لغاية مقدسة، (وما خلقنا الجن والإنس إلا ليعبدون), إذاً ثمة علاقة بين المسؤولية وبين الولاية وبين العبادة.
هذا الاستخلاف في مفهومه القرآني يحدد و يبلور لنا صيغة حضارية عن المسؤولية بمقارنتها مع الفلسفات والأديان الأخرى، وفي الوقت التي تدعو فيه بعض الفلسفات الأخرى إلى أن الإنسان مسؤول عن حقوقه فقط يتقدم القرآن الكريم ليصل بمنطقه الوسطي إلى أن الإنسان المستخلف على هذه الأرض مسؤول عن الحقوق ومسؤول عن الواجبات جميعاً وهي مسؤولية تختلف تماماً عن المسؤولية في الفلسفة الغربية، وتختلف تماماً عن ذهنية المسؤولية في المجتمعات الغربية؛ فهي مسؤولية تتجاوز الفرد ولا يوجد في الإسلام والقرآن الكريم شيء اسمه الفراغ،(وإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب)، أي كلما انتهيت من طاعة فابدأ بطاعة جديدة وكلما فرغت من جهاد فابدأ بجهاد جديد وكلما أنجزت شرطاً من شروط عمارة الأرض فابدأ بشرط آخر وابدأ بعمارة أخرى (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه).
إذاً في المنطق الإسلامي تتجاوز المسؤولية الأنا لتلتقي مع المصلحة العليا للأمة لتكون مفتوحة على الآخرين لتخرج من قبضة الذات إلى الآخر لتلتقي مع مصطلح الأمة الوسط، (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)، وفي ذلك أعظم أشكال المسؤولية وهي الشهادة ومن ذلك نصرّ على تصحيح المفاهيم المتداولة في علم الاجتماع لتقرر أن الإسلام يعتبر كل مفردات الحياة هي مفردات مسؤولية فالحرية يجب أن تكون مسؤولة والعلم يجب أن يكون مسؤولاً ولذلك نلاحظ أن القرآن الكريم عاب على أولئك الذين لا يوظفون علمهم بقوله سبحانه: (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها). ثم حملنا مسؤولية كل جارحة من جوارحنا (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا). هذا العلم، وكلنا نقف مع السيدة زينب العالمة بنص الإمام زين العابدين؛ إن زينب عالمة غير معلَّمة وأنها فهمة غير مفهمة، فما هو المقصود والمعنى من كون السيدة زينب عالمة غير معلمة؟
الاحتمال الأول في كلام الإمام: أن تكون زينب عالمة على غير النمط المألوف لطبيعة استقبال العلم وتلقيه أي أن مصادر المعرفة عند زينب تختلف عن مصادر المعرفة عند غيرها من الناس فزينب تعلمت وتربت بنور القرآن ونور الرسالة فهي عالمة بلا وسيط وبلا وسائط، أما الاحتمال الثاني: إن العلم عادة يبدأ بالسؤال وحالة البحث عن الحقيقة، وثمة حجب وظلمات تكتنف الإنسان الجاهل وتكوّن لديه جدراناً من الجهل تحول بينه وبين المعرفة، والسيدة زينب لم يكن بينها وبين العلم حجاب ولم يكن بينها وبين المعرفة ستار وهي كريمة الذي قال: (سلوني قبل أن تفقدوني) و الذي قال فيه المصطفى محمد (ص): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) إذاً زينب العالمة هي مسؤولة، زينب المؤتمنة على السرين سر الولاية الإلهية وسر الإمامة كانت مسؤولة، وكانت مسؤولة قبل كربلاء وبعدها عن خطرين أساسين منيت بهما الأمة؛ الأول: خطر السياسة الأموية التي أمعنت في ترويج نظرية الجبر تمهيداً لمصادرة أفضل ما في الإنسان من حرية، والثاني: خطر الهزيمة النفسية فالأمة قبل كربلاء كانت تعيش عقدة الخوف والانكسار والقبول بالأمر الواقع حتى لو كان مزوراً ومزيفاً وكان لا بد من زينب ليبقى الحسين وكان لا بد من الحسين ليبقى الإسلام، و زينب في مواجهتها لكلا الخطرين كان لا بد منها أن تصبح ظاهرة في حياتنا وراهننا المعاصر الحديث.
إن أعظم هزيمة تمنى بها الأمة هي الهزيمة النفسية وزينب كانت من أجل أن لا يأتي زمن على أمة محمد تعيش فيه هذه الهزيمة، فالخوف استشرى في عالمنا الإسلامي والمسلمون منقسمون على بعضهم ولا بد من استحضار زينب لنتمرد على هذا الخوف لا سيما وأن المرحلة المقبلة لتحديات صراعنا مع العدو الإسرائيلي لن تكون صراعاً على الأرض بل صراعاً على الهوية والثقافة والقيم والمثل العليا, ثمة فرصة يجب أن لا تضيع عندما تكون زينب أميرتنا وسيدتنا ورايتنا في كل الخنادق و ميادين المواجهة.
لابد من زينب لنتحرر من عقدة الخوف ونتمرد على الهوان والذل الذي نعيش فيه، لقد علمتنا زينب التي لم تكن تملك سلاحاً وقوة كيف أن المسبي بوسعه أن يغير المعادلة شريطة أن يكون داخله حراً والنبضة في قلبه زينبية، (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون).
باسم الله...
وباسم محمد...
وباسم أهل البيت...
ما دامت نجمتكم زينب فأنتم الأعلون وأنتم المنتصرون...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نأمل أن نوثق معه علاقة زينبية مميزة بعد هذا الانقطاع الطويل طالما النجمة بيانه وزينب مصداقه ...