بقلم : الدكتور عصام ناجي عباس العابدي
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الذي قادني لكتابة هذا المقال هو ما رأته عيني وشُنّف
به سمعي من خلال وسائل الإعلام العراقية التي أظهرت
الإجماع العراقي الوطني على الاقتداء بمنهجية الإمام
الحسين
و واقعة كربلاء الخالدة والعزم الوطني من قبل شعبي العظيم
"الشعب العراقي" بكافة طوائفه ومختلف شرائحه، بسنته
وشيعته وعربه وأكراده وتركمانه ومسلميه ومسيحييه وصابئته
وكل الأقليات الوطنية والأحزاب السياسية العلمانية
والدينية أنهم مصممون ودون عودة على المضي بالاقتداء
بمنهج الحرية وأسس الديمقراطية التي تبنتها نهضة الإصلاح
وثورة التحرير وحركة التصحيح التي قادها المصلح الأعظم أبو
عبد الله الحسين
،
والذي صمم أن تكون أرض العراق منطلقا لهذا الإصلاح الذي
يشمل العالم كله بمواجهة الطغاة واحتقار الظلمة ورميهم
مجتمعين في مزبلة التاريخ أينما كانوا وحيثما وجدوا على
مدى العصور وبكل الأزمنة وفي أية بقعة جغرافية على أرض
المعمورة ..
فالحسين
لم
يُستفز ولم يَستأثر بسلطة أو مكاسب بل خرج
" غير ظالم ولا مفسد ولا أشر ولا
بطر " وهذا هو البيان الأول للثورة الخالدة التي
أصّر أن يكون عنوانها " كربلاء" وموقعها الجغرافي "كربلاء"
،
فخرج العراقيون عن بكرة أبيهم يهتفون " يا حسين " مُناصَرة لنهجه ومعينا على انتشال الإنسان من غياهب الظلم ومراكز العبودية التي استباح بها الطغاة مبادئ الإنسانية وخرقوا بها كل الأعراف وانتهكوا بها كل الحرمات ،
خرجوا لا تحكمهم الطائفية ولا العنصرية ولا القومية ولا
الحزبية بهتاف واحد أن يبنوا العراق الجديد بحكمة الحسين
وديمقراطية الحسين
وحرية الحسين
التي تبنتها المنهجية المباركة لكربلاء الحسين
..
الحسين
الذي
نادى بأعلى صوته " لا تهادنوا الطغاة"
ومثلي لا يبايع مثله
..
ليست مقولة
طائفية ولا تبجح حزبي أو عنصري أو قبلي ، بل هي مقولة
سياسية موحدة . إذ كان
الإمام الحسين
يتحدث
عن حاكم جائر فاسق يريد فرض البيعة على الناس جميعا بقوة
الحديد والنار. لكن الأمر لم يكن كما أراده الطاغية ..
إن كل ما
فعله الحسين
انه
لم يبايع الظلم ومؤسساته
القمعية الفاسدة والتبرؤ منها وتحديها بالويل والثبور ..
" والله لقد خيرنا الدعي ابن الدعي بين السلة والذلة .. وهيهات منا الذلة"
وهنا وضع الحسين
قيمة
كبيرة للإنسان الذي يجب عليه أن لا يبتزه المراهنون من
ضعاف النفوس الذين استأثروا بالمناصب والكراسي الزائلة
والتي لا يمكن أن تدوم لأحد ،
بينما الحسين
خالد ما بقي الدهر ، وأمنية ٌ لكل ذي لُبّ أن يكون شفيعه
يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم
..
إن الترغيب
والترهيب الذي مارسه الطاغية على الإمام الحسين
لم
يؤت ثماره
إذ أعلن الإمام بأنه خارج من اجل الإصلاح
، الإصلاح
الذي تنشده الأمة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ولا تزال حتى
يومنا هذا تطالب به .
إصلاح يغير
الحال التي آلت لها الأوضاع البائسة للأمة
التي
تسيّرها شهوات السلطة والقيادة والتسلط وشهوة جمع المال
على حساب
المنكوبين من عامة الناس الذين يقاتلون من اجل لقمة عيشهم
وكرامتهم مثلما قاتل الحسين
وأنصاره
من اجل كرامة وعزة الإنسان والحفاظ على حقوقه سيما باختيار
حكامه وممثليه ، ونحن اليوم على أبواب الاستحقاقات
الوطنية التي يُقاد العراق من خلالها .
فلا هدنة مع الطغاة ولا القبول بآرائهم الفاسدة ولا مكان لهم في مؤسسات العراق الجديد ،
((قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)) ،
وهيهات أن تُمَد يد الصلح والمساومة مع أراذل الخلق لأننا حسينيي المبادئ والقيم ، لقد قالوها وفعلوها إبان حكمهم الأسود عندما شنّوا الحرب على الشعب العراقي التي كانت حربا ظالمة أيسرها قطع الرؤوس وأحواض التيزاب ودفن الصغار والكبار أحياء وفعلوها وساء ما كانوا يحكمون دون رأفة أو رحمة ودون اعتبار للقيم الإنسانية ..
لقد أُخرجنا من العراق مُرغمين مُلاحقين مُهجرين مُسفرين مظلومين قد انتهكت كامل حقوقنا بما فيها حق المواطنة وكل العالم يعرف ذلك ولاذ بالصمت حيال ذلك للأسف ،
وأما هم خرجوا بعد التحرير وسقوط الصنم لصوصا هاربين بأموال العراق متنفذين في كل الأمصار شهد لهم القاصي والداني بفسقهم وفجورهم وعهرهم الفكري وللأسف يتباكى عليهم البعض ويساوم على مصالحتهم ومساندتهم ..
إن مصالحتهم هي انتهاك لمبادئ الحسين
الذي
أعلن بعدم مهادنة الفاسق الفاجر وعدم مبايعته ، بل هي
انحراف عن سلوكية المدرسة الحسينية، فحذار من مثل هذا
التهاون وهذه المهادنة حتى ولو بالتصريحات خشية تسللهم
إلى منافذ الدولة ومؤسسات العراق الجديد ..
لم يكن
الحسين
مُغامرا،
لكنه كان يدرك أن الدم الزكي الذي تفجر في
كربلاء كفيل بالحفاظ على المبادئ التي تستحق أن يُراق من
اجلها هذا الدم. فقد تيّقن أن الميزان السياسي
قد اختل بعد الخلافة الراشدية واستلام معاوية الحكم
وانتهاك كل العهود والمواثيق المبرمة وفرض الأمر الواقع ،
لكن الحسين
كان في طريقه لمواصلة نهج الشهادة
"
شاء الله أن يراني قتيلا" ،
فقد سار لمشيئة الله وإرادته بكل طاعة ورضا ..
الحسين
الذي استمد بُناة الأمم من مظلوميته في بناء حضاراتهم ،
نصب الطغاة العتات له ولمنهجيته البناءة الحراب والعداء فنالوا الويل والثبور كما قرأناه واطلعنا عليه من المصادر الموثقة وأما في عصرنا هذا وأمام أعيننا وعيون كل البشر شاهدنا ما حل باعداءه ومبغضيه عذاب الدنيا وخزيها والعار الذي التصق بهم ولعذاب الآخرة أكبر ..
فلتكن صورهم وهم أذلاء عبرة للقاصي والداني ..
ولتكن صورة الحسين
مرسومة في مخيلتنا كيف تزحف له الأجساد كي تتبارك وكيف
تسعى له الأرواح كي تتطهر :
وسعي الروح نحوك كل وقت فـأنت ملاذها الأمل الكبير
نعم سيدي أبا عبد الله استغثتَ بكربلاء وأنت تعلم أن الجيش
الذي يواجهك صم بكم أضلوا السبيل وغرتهم الحياة الدنيا ،
فطلبتَ النصير ليس منهم وطلبتَ المُغيث ليس لنفسك بل طلبت
إغاثة الإنسان في أية لحظة وبأي زمان وأي مكان وطلبت
المناصرة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل وتطبيق العدل
والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه لا فرق بين الأسود والأبيض
والمرأة والرجل والكبير والصغير والمسلم وغير المسلم فالكل
أمام الحق متساوون وهذا ما أكد عليه أبو الحسين الإمام علي
وهو
القائل :
" الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"
نعم .. كربلاء مدرسة الأخلاق ومنبع القيم ومنهج العدالة ومنطلق التحرر ومعنى الديمقراطية ،
نادى بها العراقيون من بعد حدوث الواقعة لتحقيق هذا الأمل وحاولوا التغيير على مدى العصور ومواجهة الطغاة كل وقت ، واليوم وقد أزيلت الغمة عن شعبنا ووطننا بزوال النظام المقبور وسيطرة الشعب على زمام الأمور : نادى الشعب من جديد في ملحمة واحدة وحاسمة مطالبين بتطبيق هذه المنهجية وأسسها دستورا للعراق الجديد
المسيحيون كما الصابئة وبقية الأقليات يقفون إلى جانب
إخوتهم المسلمين من السنة والشيعة كما وسائل الإعلام
العراقية يحيون هذه الشعائر لإقامة دولة الحق والعدل
والمساواة وخاصة أننا نعيش أيام عيد ميلاد السيد المسيح
فقرر
إخوتنا المسيحيون إرجاء احتفالاتهم بشكل عفوي والمشاركة
الشعبية في هذه التظاهرة الوطنية لإحياء واقعة كربلاء
والمناداة بصوت واحد في إحقاق حقوق الإنسان من خلال منهجية
الإمام الحسين
وبناء
الدولة العراقية العتيدة على هذا الأساس ووفق هذه القيم
...
فالسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين وعلى شريكة الحسين زينب ، والحمد لله رب العالمين ...
26 كانون الأول 2009م