كلمة سعادة الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة العراقية

الأديب الشاعر الدكتور جابر الجابري

في الندوة الثقافية التكريمية التي أقامتها مؤسسة بيت النجمة المحمدية - السيدة زينب بسورية

لسعادته يوم الخميس 13/ 8/ 2009م في المركز الثقافي العربي بدمشق - أبو رمانة -

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الشكر الموصول لمؤسسة بيت النجمة المحمدية ورئيسها الدكتور عصام عباس لهذه المبادرة ، والشكر الكبير للاستجابة الكريمة الودية من الحكومة السورية ممثلة بمعالي وزير الأوقاف الدكتور محمد عبد الستار السيّد .

- إن التكريم باسم نجمة البيت المحمدي ، وفي دمشق له دلالة عميقة ومميزة ، تبدأ بما تركته النجمة المحمدية السيدة زينب الكبرى – عليها السلام – في ضمائر الأحرار والشرفاء والمناضلين ، من انعكاس لشخصيتها الفذة ، ومسيرتها الرائدة ، ومواقفها الفريدة وهي السيدة الأولى في بيت النبوة والإمامة ، كريمة إمام المسلمين وخليفتهم ، التي واجهت في أجلى صورة من صور البطولة والتضحية مع أخيها أبي الشهداء الإمام الحسين أعتى مظاهر الانحراف والطغيان والاستبداد لتساق مع رؤوس أهلها الشهداء وصباياهم اليتيمة أسيرة من بلد إلى بلد ، وهي تهتف باسم الحرية والكرامة الإنسانية : هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم . إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في دنياكم .  من هذه الصرخة الموقف – الموقف - ،  اقتبسنا مشعل حريتنا وكرامتنا ، فواجهنا الطغيان والاستبداد والانحراف الذي خدع الأمة واستخف بعقلها ووجودها ليسوقها من حرب إلى حرب ومن فتنة إلى فتنة ، حتى أوقعها في الشرك الأمريكي الغربي ، وحول ارض الرافدين إلى مقبرة جماعية ، ومتراس بشري ضد الأشقاء والأصدقاء وضد نفسها أولا وأخيرا .

وكما ان نجمة البيت المحمدي اتخذت من دمشق الشام منطلقا لصرختها المدوية ، ودعوتها المجتمع الإسلامي والإنساني ، للتخلص من الطغاة والمستبدين  والقتلة ، اتخذنا نحن الضحايا والمشردين والمقتولين من عرين الأسد دمشق الشام  ملاذا ومنطلقا لاستعادة حريتنا وكرامتنا فاختلط – على مدى عشرين عاما – دمنا مع دم أشقائنا ، وشاركناهم في السراء والضراء ، ونبت لحمنا وعظمنا من ملح هذه الأرض ، نفرح لفرحها ونحزن لحزنها .

ولأننا ننتمي إلى فصيلة غير جارحة ÷ هي فصيلة الشعراء والأدباء اتخذنا من ألسنتنا وكلماتنا وحروفنا منابر ضوء في طريق العتمة ، لم نلبس الأحزمة الناسفة ، أو نخبئ القنابل الموقوتة ، ولم نعرف ألوان وأرقام السيارات المفخخة ، لأننا كنا ولا نزال نؤمن أن الرسول الأكرم لن ينتظرنا على الغداء في باب الجنة الا إذا أحيينا نفسنا بغير نفس ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .

فكانت قصائدنا تهتف للحياة والحرية ، تشاطر الأمة جميعا سعيها ، لنيل حقوقها ، والوصول إلى أهدافها المشروعة ، مؤمنين أن احتلال إرادة الإنسان لا تختلف عن احتلال أرضه ، واستلاب حريته  لا تختلف عن استلاب وطنه ، فكانت قصائدنا تهتف لدمشق كما لبغداد ولبيروت كما للقدس وللقاهرة كما لـ عمّان :

كنا إذا صرخت دمشق توثبت             منا العروق ودمدم الإيثار

وإذا اشتكت عمان زحف عدوها        هبت قبيل شكاتها الثوار

وإذا سمعنا القدس يشهق طفلها         شهقت له في الرافدين كبار

وإذا سمعنا أو رأينا أو طغى             خطب  تحرك في العراق جدار

كنا وكنا حيث كانت امة                   منا ومنها تبعث الأبرار

واليوم اصرخ بالعروبة كلها             بغداد نهب والديار دمار

هبت سيوف بني أبينا كلها                وتشابكت برقابنا الاشفار

أنا يا ديار الأهل اخجل أن أرى          رأس العراق على الرماح يدار

كنا مع دمشق روحا وجسدا ، نلتحم مع كل خطوة من خطواتها ، حتى إذا غاب الأسد عن عرينه كانت القصيدة أول المفجوعين بغيابه

أتيت اسأل وجه الشام يا بردى          هل قطعت جسدا أم مزقت كبدا

أتيت اسأل وجه الشام احمله                        لسان صدق على أبوابها انعقدا

بالأمس واحاتها الخضراء لونها        وجه الربيع وأضفى فوقها بردا

واليوم راياتها السوداء جللها                       دمع يفح على أشداقها زبدا

مشى حزيران في أرجاء وحشتها       غولا تعثر حتى اسقط العمدا

أتيت اسأل لا ظل يجاوبني                  ولا نديم ولا كاس يمد يدا

قفراء تصرخ في وجهي كأن بها        من وحشة الجدب مسا عارما صعدا

قولي دمشق فما ألفيت قارعة                       الا وصوتك في أصدائها رعدا

لم تصمتي منذ قال السيف قولته        ومنذ عبأ فيك الصفوة النجدا

أتخرسي أينه البركان تطلقه             في قاسيون عيون سهدت رصدا

وكان أبلغ ما في الصمت أصدقه        أن الشآم عرين فارق الاسدا

ولان الولد سر أبيه ، فان الغياب تحول إلى حضور مشرق مليء بالأمل والعمل على يد الرئيس بشار الأسد :

وأنت يا سره الآتي يذكرنا                 بظله وبما منى وما وعدا

رعتك بشار اماق وأفئدة                  حتى تخطفت عين الأهل والبلدا

يبادلونك ما بادلتهم ألما                   ويسعدونك ما أبقيتهم  سعدا

ربيت غرسا بأرض كان زارعها                    أبُ  تحضنها  فكرا ومعتقدا

تحيطه كربلاءات مخضبة                             ويستطيل عليها سيد الشهدا

ومن تحدر في آجامه أسدا                            لابد من بعده أن يخلف الاسدا

وحين استكمل المخاض فصوله الدامية على يد القابلة غير الماذونة ، وبالطريقة العسكرية القيصرية ، التي فرضت علينا ، وعلى الأميرة المسبية بغداد – نجمة الشرق العربي – عدنا من خيمة النجمة المحمدية إلى حيث الاستقلال والسيادة ، نطمئن بغداد وأخواتها المعبأة بالألم المزمن ، والمشحونة بالعذابات المتراكمة والممزقة بمبضع الجريمة المنظمة والإرهاب الدولي والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة في الشوارع ، والآليات العسكرية التي تدوس على خاصرتها صباح مساء ، لتهمس القصيدة في أذنها :

بغداد تحتشد الدنيا وتنحسر               على محياك وهو المورق النضرُ

بغداد تحتشد الدنيا فيدهشها              بأن وجهك ، مهما أظلمت قمرُ

يضيء حيث يضيء الله جنته وحيثما اساقطت في الجنة الثمرُ

يا جنة الله في الدنيا وزينتها              مهما تميّزُ غيظا حولها  سقرُ

تعطرين ثغور الأرض من عبق          وتفعلين  بها ما يفعل الوتر

كأنما قطرات الدم تلقفها                  ملائك ٌ في يديها يُنبت المطرُ

وانّ أوصالك الحمراء خارطةُ           من الصباحات جلىّ وجهها السَحَرُ

تُمسي  بها من جنان الخلد كوكبةٌ       وتستفيق صباحا أمةٌ قَدَرُ

لا القادمون بدباباتهم وجدوا              أرضا مراحاً ، ولا من أوهموا ظفروا

تساقطوا كشظايا الموت مزقهم          برقٌ بعينيك ، وهّاجٌ لمن جسروا

كأنما انتِ وجه الأرض اجمعها          وفي يديك جميع الكون يُختصر

ما أروع الصبر في عينيكِ ألمحهُ       وأعظم الصمتَ في شدقيكِ يستعرُ

أتسكنين وفي جنبيكِ عاصفةٌ             وتهدأينَ وأنتِ الغيظُ  والخطرُ

وتمسكين براكينا يموجُ بها               غيظ القرون ، وثأرُ الله ،  والظفرُ

فأنت بغداد سر الله أودعه                بكلّ حرفٍ ، به الأسرار تُدخرُ

 

ولآن ارض الرافدين الحصينة المنيعة  التي ما قصدها  جبار الا قصم الله ظهره ، تلفظ كل غريب ودخيل عليها ، فقد واصلنا العمل نحو الهدف المشروع ، وإعادة العراق إلى قبيلته العربية ، وهو حر كريم سيد مستقل ليبقى عضدا لأشقائه وأصدقائه، ولنعود إلى العرين مرة أخرى مكررين ما قلناه عام 1996  على منبر مكتبة الأسد :

عفوا دمشق تعهدي هذا اللظى                      رمزا لينهض شامخا عملاقا

لمي لنا شملا فكل شتاتنا                              ليديك مؤتلفا غدا تواقا

فلقد تقاسمت الطبول جموعنا                        وتعددت بصفوفنا أبواقا

وتنكر العرب العفاة لعهدهم                          كلٌ  لليله  يمد الساقا

لولا عيونك يا دمشق  لضيّقت                       دنيا على عنق الرجال خناقا

ولبات أعيان الرجال دعابة                           بيد العتاة ولارتموا أخلاقا

لم يبق الا يا دمشق على المدى                     عيناكِ تومضُ في الدجى إشراقا

وإذا نكرنا في العروبة صدقها                       عدنا إليك لنسأل المصداقا

شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته