ردا  على المقال الذي كتبه الدكتور عصام عباس

"حب الوطن من الإيمان"

بعث الدكتور حازم الحلي الكلمات الولائية التالية مذيلة بقصيدته العصماء

" صرخة ثائر "

التي جادت بها قريحته في الذكرى الأولى للانتفاضة الشعبانية المباركة

 

أخي الأستاذ الدكتور عصام رعاك الله
السلام عليكم

أحسنتم وزادكم الله علما وإيمانا وحبا للوطن الذي أحبك أهله

وبعد فأقدر مشاعرك وأنت تعتصر قلبك لوعة على وطننا الذي يتعرض لأبشع حملة من القتل العشوائي لأبنائه الطيبين الذين لا يريد لهم أعداء الإنسانية أن يعيشوا برخاء ودعة وأمان كما تعيش سائر الشعوب ، هؤلاء العتات القتلة الهمج الذين يفتكون بالإنسانية ويحرقون  الحضارة ويسفكون الدم الحرام بإزهاق الأرواح البريئة
 وأجد قلبك كما هو قلبي المضمخ بالولاْء لآل البيت يعبق بحب الوطن الذي حُرمنا من عذب هوائه ونمير مائه وبقينا نتلوى تحت سياط الغربة التي لا تجد أوجع منها
وجدتك تنفجر ولا تتمالك و تسبقك الدموع لما هيجتُ عواطفك الرقيقة لأنك حملت قلبا شغوفاً بحب الإنسان يحمل مشاعر رقيقة ، وجعلتك مهمتك الإنسانية تخفيف الأوجاع والآلام عن الإنسان بعامة بغض النظر عن جنسه ودينه ومذهبه وقوميته 
 وجدتك تجهش بالبكاء لمقطع صغير من قصيدتي ـ صرخة ثائر ـ تلك الصرخة التي أطلقتها في جموع العراقيين الطيبين الذين تجمعوا لإحياء مرور عام على ذكرى الانتفاضة الثعبانية التي حصلت في العراق عام 1991م فهزّت صرختي  الجماهير ونشرتها الصحف
سيدي لماذا لا أضع القصيدة كاملة بين يديك لتشبع بكاءً أحياناً وتهتز وتزهو أحيانا أخرى ، فقد امتن الله سبحانه وتعالى عليَّ بأن وهبني بيانا ناصعا ولساناً ذرباً وقلماً سيالاً أتمكن بها من مخاطبة العواطف ودغدغتها والعقول وتحريكها  
وأخولك نشرها أن وشئت في المجالات الإعلامية  المتاحة لديكم
وتقبلوا عاطر تحياتي ووافر ثنائي ولاهب حبي وعظيم تقديري وشديد إعجابي بنشاطكم في نجمتكم المتألقة المتلألئة والسلام عليكم
 
                                                                      الدكتور
                                                                   حازم الحلي

صرخة ثائر[1]

للدكتور حازم الحلي 

 

نَومُ الرِّجَالِ عَنِ الحُقُوقِ حَرَامُ

 

 

أََفَجِئْتَ تَأْكُلُ هَهُنَا وَتَنَامُ ؟!

 

 

يا ابنَ الفُرَاتِ وَأَنْتَ في لُجَجِ الوَغَى

 

 

مَوْتٌ بِوَجَهِ الظَّالِمِينَ زُؤامُ

 

 

وَلأَنْتَ إنْ فَرَّ الكُمَاةُ وَعََرَّدُوا

 

 

أَسَدٌ هَصُورٌ في الحُرُوبِ هُمَامُ

 

 

أَوَ لَسْتَ في شَعْبَانَ حَامِلَ رَايةِ الـ

 

 

إِسْـلامِ حَشُـوُ إِهَابِكَ الإِسْـلامُ ؟

 

 

أََرَأَيتَ كَيفَ انْهَارَ عَرْشٌ زَائِفٌ

 

 

لَمَّا حَمَلْتَ وَخَــرَّتِ الأَصْنَـامُ ؟

 

 

أَثْبَـتَّ أنَّ الظَّـالِمِينَ عُـرُوشُـهُمْ

 

 

وَرَقٌ ، وَأَنَّ كِبَــارَهُـمْ أََقْـــزَامُ

 

 

فَرُّوا أَمَامَكَ هَارِبِينَ وَأَنْتَ في

 

 

آثَـارِهِمْ أَسَــدٌ وَهُـمْ أَغْنَـامُ

 

 

كَالجُـرْذِ بَاحِثَـةً لَهَـا عَـنْ مَخْبَـأٍ

 

 

نَتِـنٍ وَأَنْتَ الفَـارِسُ المِقَـدَامُ

 

 

سَـجَدَتْ علـى كُـرْهٍ لَدَيَـكَ رُؤُوسُهُمْ

 

 

(حَتَّـى كَـأَنَّ رُؤُوسَـهم أَقْـدَامُ)

 

 

سَجَدُوا على قَدَمِيـكَ حِيـنَ زَجَـرْتَهُمْ

 

 

ذُلاًّ وَحَشُــوُ أُنُـوفِـهِمْ إِرْغَـامُ

 

 

أنْتَ الـزَّعِيمُ وَأنْـتَ قَـائِدُ أُمَّـةٍٍ

 

 

رُمْـحٌ يَصُـولُ علـى العِـدَا وَحُسَامُ

 

 

*

*

 

*

 

شَكَتِْ السُّجُونُ وَزَادَتِ الآلامُ

 

 

فَانْهَضْ فَقَدْ عَمَّ العِرَاقَ ظَلاَمُ

 

 

بِكَ يَنْصُرُ اللهُ العِرَاقَ وَشَعْبَهُ

 

 

(وَبِكَ القِيامَةُ لِلطُّغَاةِ تُقَامُ)

 

 

وَخُذِ اللواءَ فَمَا قُعُودُكَ هَهُنا

 

 

وَاحْمِلْ فَليسَ مَعَ الطُّغَاةِ سَلامُ

 

 

فَإذَا جُرِحْتَ فَذَاكَ في سَاحِ الوَغَى

 

 

شَرَفٌ وَجُرْحُ الثَّائِرِينَ وسَامُ

 

 

وإذا حُبِينَا بِالشَّهَادَةِ إِنَّمَا

 

 

بِدَمِ الشَّهِيد تُؤَرَّخُ الأَعوامُ

 

 

*

*

 

*

 

تَمضِي الشُّهُورُ وُتَنقَضِي الأيَامُ

 

 

والجُرْحُ يَكبرُ والكُمَاةُ نِيَامُ

 

 

يَا مَنْ تَقُودُونَ الشَّبابَ إلى مَتَى

 

 

هذا الخِلافُ وهذهِ الأَورَامُ ؟!

 

 

آراؤكم شَتَّى وأنتمْ هَهُنا

 

 

شِيَعٌ وكُلُّ خِلافِكم أوهَامُ

 

 

مَا بَالُكُم مُتَفَرِّقينَ ومَا لَكُمْ

 

 

غَيرُ الخُصُومَةِ والخِلافِ كَلامُ؟!

 

 

زَرَعَ الخِـلافَ عَـدُّوُّكـم ، وَجَنَيتُمُ

 

مَنْ كَانَ غَايتَه البِنَاءُ فَإنّنا

 

 

تِلكَ  الثِّـمَارَ ، وإنَّـها  آثَامُ

 

نُصغِي إِليهِ وَيُرفَضُ الهَدّامُ

 

 

لا تُرْجِعَ الوَطَنَ العزيزَ خُصُومَةٌ

 

 

بَلْ يُرجِعُ الوَطَنَ الجَريحَ وئامُ

 

 

هَذا هُوَ الحَقُّ الصَّريحُ أقولُهُ

 

 

أيقلُّ أمْ يتكاثرُ اللُّوَّامُ

 

 

لو كنتُ مِمَّنْ يَسكُتُونَ إذا رأى

 

 

زَيغاً لَكُنتُ على الحَريرِ أنَامُ

 

 

ولجَاءني المَالُ الوَفِيرُ وكانَ في

 

 

كَفِّي هُنَاكَ مِنَ الأمُورِ زِمَامُ

 

 

أنُريدُ تحريرَ العراقِ ونحنُ في

 

 

هذا الخِلافِ ؟ فَإنَّ ذاكَ مَنَامُ

 

 

حتّى مَ هذا الخُلفُ بَينَ صُفُوفِكم ؟

 

 

أَبِمثلِ هذا يُقبَلُ الإسلامُ ؟!

 

 

يجري الفُرَاتُ دَماً فَيُغرِقُ أهلَنا

 

 

وَلَكُم خُصُومَاتٌ هُنا وَخِصَامُ ؟!

 

 

رُصُّوا الصُّفُوفَ وَوَحِّدُوا آراءَكُم

 

 

فَالخُلفُ واللهِ العظيمِ حَرَامُ

 

 

*

*

 

*

 

نُكرانُ ذاتِ المرءِ يَرفَعُ شَأْنَهُ

 

 

وَعَلى التكبُّرِ لا يُقامُ نِظامُ

 

 

لا تبلُغونَ النَّصرَ إلاّ بعدَ ما

 

 

تَتَوَحَّدُ الآراءُ والأعلامُ

 

 

وَتَفَقَّدوا الثُّوارَ لا تَستَصغِروا

 

 

الشِّبْلَ الصَّغيرَ فإنّهُ ضِرغامُ

 

 

قُودُوا مِنَ النَّشءِ الصِّغارِ جحافلاً

 

 

فبمِثلِهِم تَتَحَقَّقُ الأَحَلامُ

 

 

قُودُوا الشَّبابَ مَعَ الشُّيوخِ وأَنتمُ

 

 

مَعَهُم ، بكمْ يَتَحقَّقُ الإقدامُ

 

 

يا سَادَتِي هذي السَّفينةُ كُلُّنَا

 

 

فيها وَلِلمَوجِ الشَّدِيدِ صِدَامُ

 

 

فَتَعَاهَدُوهَا بِالرِّعَايَةِ وَاحذَرُوا

 

 

نَوماً ، فِإنَّ خُصُومَكم ما ناموا

 

 

ما بينَكم رَحِمٌ فلا تَتَقَاطَعُوا

 

 

وَالظُّلمُ أَنْ تَتَقَاطَعُ الأرحَامُ

 

 

أفدي لكم نَفسِي وَ مَا مَلَكَتْ يَدِي

 

 

فِعلٌ أَنا مُتهيِّءٌ وكَلامُ

 

 

أنسيتمُ الوَطَنَ العزيزَ فإنْ يكنْ

 

 

ماتَ العِراقُ فأنتمُ أيتَامُ

 

 

*

*

*

 

عَرِّجْ على النَّجَفِ الشَّريفِ وَقُـلْ لَهُ

 

 

ما طَابَ بعدَكَ في الحَياةِ طَعَامُ

 

 

هـذا أَمَـامِي نُـورُ وجهِـكَ مُشْرِقٌ

 

 

وعلـى الإِمَـامِ مِـنَ الوُفُودِ زِحَامُ

 

والصَّحنُ والحَرَمُ الشَّريفُ وحَوْزَةُ الـ

 

 

ـعُلَمَـاءِ والـكُتَّــابُ والأقــلامُ

 

وَمَجَالِسُ العُلمَاءِ في جَنَبَاتِها

 

 

تَتَلاقَحُ الآرَاءُ والأَفـهامُ

 

إنِّي على ظَمَأٍ إليكَ كأنَّما

 

 

نَوْمي على مَاضِي هَوَاكَ صِيَامُ

 

فلقدْ عَرَفْتُ بِكَ الهَوَى وَ أَخَذْتُهُ

 

 

وَقداً فَفِي قَلبي عليكَ ضِرامُ

 

لي في حِمَاكَ أَحِبَّةٌ عَهدِي بِهِم

 

 

مِثلِي على العَهدِ القدِيمِ أقَامُوا

 

وأنَا على ذاكَ الوَفَاءِ ولم أزلْ

 

 

عندي لأَهلِكَ ذِمةٌ وذِمَامُ

 

وَلَقَدْ تركتُ بكَ ألفُؤادَ وجِئْتُ في

 

 

جَسَدي وَفِيه من هَوَاكَ سِهامُ

 

كنتُ البليغَ إذا نَطَقْتُ وَها أنا

 

 

أَبكي عليكَ كَأنّني التَّمتَامُ

 

فلأنتَ لَحنُ الخَالِدِينَ على المَدَى

 

 

نَغَمٌ ودُونَ جَمَالِهِ الأَنغَامُ

 

وإذا ذَكَرنَا ألفَ ألفِ مَدِينَةٍ

 

 

فَلأنتَ يَا نَجَفَ الإمامِ إِمامُ

 

وإذا أتَى ذِكْرُ الجِهَادِ وَأهلِهِ

 

 

فَلأنتَ خَاتِمَةٌ وَأَنتَ أََمَامُ

 

والتَّضحِياتُ إذا يُساقُ حَدِيثُها

 

 

فَلأنتَ مُبتَدأً وأنتَ خِتَامُ

 

أبناؤكَ المتسابِقُونَ إلى الوغى

 

 

ما كانَ يُرهِبُهم هُنَاكَ حِمَامُ

 

الوَاهِبُونَ دِمَاءَهم لم يُثْنِِهِم

 

 

سِجْنٌ ولا بَطْشٌ ولا إِعْدَامُ

 

قَرَّتْ بِهِمْ عَيْنُ العِراقِ وَمَا صَفَا

 

 

للظَّالِمِينَ وَلا استَقَرَّ مُقامُ

 

وَتَجَمَّعَ الحِقْدُ اللئيمُ تَصُبُّه

 

 

ظَلماً على النَّجَفِ الشَّريفِ لِئَامُ

 

وكأنَّما الصَّحْنُ الشَّريفُ هُوَ الَّذي

 

 

هَزَمَ الطُّغَاةَ مِنَ الكُويتِ فَهَامُوا

 

وَتَذَكَّرُوا (أمَّ المَعَارِكِ) بَعْدَ مَا

 

 

هُزمُوا بها فاستأسَدَ الحُكَّامُ

 

*

*

 

*

 

بغدادُ يا دارَ السَّلامِ سلامُ

 

 

شَطَّ المَزَارُ وَقَدْ تَصَرَّمَ عَامُ

 

 

وَأنَا هُنا قلبٌ يَذُوبُ وَفَوقَهُ

 

 

لَو تَعلَمِينَ مِنَ الهُمُومِ رُكَامُ

 

 

والشَّاطئُ المَسحُورُ يَملأُ نَاظِرِي

 

 

وَالسَّامِرُونَ لَهم عليه زِحَامُ

 

 

والكرخُ يزهو والرُّصَافةُ تَزدَهِي

 

 

بِي لِلأحِبَّةِ لَوعَةٌ وَغَرَامُ

 

 

والجِسرُ تَملؤهُ العُيونُ مَحَاسِناً

 

 

فَإذا بَكيتُ عليكِ كيفَ أُلامُ ؟!

 

 

*

*

*

 

يا نهرَ دجلةَ قد هلكتُ مِنَ الصَّدَى

 

 

بِي نَحو مَائِكَ لوعَةٌ وأُوامُ

 

 

أيُبَاحُ مَاؤكَ لِلغَريبِ وَتَرتَوي

 

 

منكَ الكِلابُ وتَشرَبُ الأنعامُ !!

 

 

وأنا يُحاصِرُنِي الظَّمَا لا أرتَوي

 

 

مِنْ مَاءِ غَيرِكَ بِي إليكَ هُيامُ

 

 

بَلِّغْ أحبائي السَّلامَ وَقٌلْ لهم

 

 

جِلْدٌ أنا مِنْ بعدِهم وَعِظامُ

 

 

لا تَنشُدوا حُبّي فَتِلكَ خُرافةٌ

 

 

أو تَنشُدُوا قلبي فذاكَ حُطَامُ

 

 

*

*

*

 

بغدادُ يا رَمزَ الشموخِ وَقَلْعَةَ الـ

 

 

ـثُّوَّارِ فِيكِ الحَلُّ والإِبرامُ

 

هَوتِ العُرُوشُ وأنتِ طَودٌ شَامِخٌ

 

 

عَلَمٌ وَدُونَ شُمُوخِكِ الأعَلامُ

 

 

بغدادُ شَعبكِ قد يَنَامُ على الطَّوَى

 

 

لكِنْ يَثُورُ الشَّعبُ حِينَ يُظَامُ

 

 

أفتُجلدِينَ وَأنتِ تَاجُ كَرَامَةٍ ؟!

 

 

وَيَزِمُّ نَهدُكِ وَالسِّيَاطُ طَعَامُ ؟!

 

 

وجَمَالُ وَجهِكِ رَوْضَةٌ وَزُهورُها

 

 

تَزهو ودَمْعُكِ وَابلٌ ورِهَامُ

 

 

مَا زَلتِ رَغمَ الظُّلمِ فَيضَ نَضَارَةٍ

 

 

بَكَتِ السِّياطُ وثَغْرُكِ البَسَّامُ

 

 

لا تَنحَنينَ إِذا تَعَسَّفَ ظَالِمٌ

 

 

وَاشتّدَّتِ الأحداثُ والآلامُ

 

 

والنَّخلَةُ الفَرْعَاءُ يُبرِزُ حُسنَها

 

 

وَهَجُ الضُّحى تَزْهُو بها الأكمَامُ

 

 

لا يَنْحَنِي نَخلُ العِرَاقِ لِظَالِمٍ

 

 

نَخْلَ العِراقِ تَحيَّةٌ وَسَلامُ

 

 

       

 

15 شعبان 1412 هـ  ـ 19/2/1992م .


 

[1] نشرت في جريدة المنبر الصادرة في لندن العدد : 62 ، وفي كتـاب رثاء القيم منشورات مؤسسة الخوئي الخيرية ـ لندن  ب. ت .