لا تهادنوا الطغاة .. إنهم رجس من عمل الشيطان
بسم الله الرحمن الرحيم
الذكرى 1369 لملحمة عاشوراء الخالدة تمر اليوم وتحتدم معها الأحداث الدامية في وطننا العربي ، ذاك الذي يجري في غزة والدمار وحرق المخيمات وتهديم المنازل وقتل الأطفال والنسوة والشيوخ دون رحمة ودون خوف أو وجل من احد لخيبة الأمة وخنوعها وعدم تمكنها من عمل أي شيء سوى اللغط في الكلام من شجب واستنكار وبكاء وأشجع ما عند البعض إرسال المساعدات الغذائية والدوائية وكأن الجرح هو جرح الجسد ونقل المآسي على الشاشات ليتفرج عليها الشعب العربي الذي يندب حظه انه خلق وسط امة رعناء لا قيمة لها في المجتمعات الدولية فيخرج بتظاهرات عفوية أو غير عفوية لا تقدم ولا تأخر من وقف النزيف الدامي في فلسطين ،
والسبب هو مهادنة العقل الصهيوني الغاشم ومغازلة سياسته الحمقاء فاستضعفوا الأمة واستهجنوها واستباحوا حرمتها واستخفوا بزعاماتها فصاروا يفرضون عليهم الأجندة الصهيونية والويل والثبور لكل من يرفع رأسه في وجههم ..
النزيف اليوم
يحتاج لوقفة الحسين
وخطاه
ودعائه وبسالته ومنهجيته التي حارب بها الطغاة واستهدفوها على مدى القرون الغابرة
والأنظمة العاهرة ..
وخاصة تلك
العقود الظلامية التي مر بها شعبنا العراقي الأبي خلال حكم الطاغية الجلاد وأقزامه
العفالقة سيئي الصيت الذين صبوا جم غضبهم في محاربة الحسين
منذ
عام 1963م وحتى سقوطهم في 2003م حيث حاربوا كل موال بسبب أو بدون سبب ،
رغم أن أسبابهم
كانت تبنى على إقامة مجالس العزاء السلمية وحتى الولائم الغذائية التي كانت تقام
ببركة الحسين
فقد
كانت مستهدفة والقي عليها الحصار والمنع والملاحقة لكل من يتمرد على عنفهم وإرهابهم
،
كم هم الذين
زجوا في غياهب السجون ونالوا العقوبات التي وصلت إلى عقوبة الإعدام للذين يقيمون
مجالس العزاء ، كم لفت الحبال على حناجر الرواديد والخطباء التي كانت تصدح بعبارات
الولاء وتجديد العهد لأبي عبد الله الحسين
ونهضته
المباركة ،
كم هي اسر
العراقيين الذين هجروا من ديارهم بغير حق سوى أنهم مواليين لأهل البيت ومقيمين
لذكرى استشهاد الإمام الحسين
،
ووقف العرب والعالم كله صامتا متفرجا على هذا الطغيان وتلك الوحشية فازداد الطاغية ونظامه صلفا وعهرا فاستباحوا الشعب والوطن وبددوا طاقاته وبُناه التحتية وشردوا الشعب وجردوه حتى من هويته ومواطنته ولازلنا حتى يومنا هذا نعيش مخلفات ذاك الظلم والطغيان الهمجي القذر الذي مورس على شعبنا الطاهر ..
وبعدما فرجت هذه الغمة وأطيح بنظام عهرهم وشذوذ فكرهم وسلوكيتهم وخرج العراق عن بكرة أبيه بلحمة وطنية عفوية لا نظير لها بمسيحييهم وصابئتهم وسنتهم وشيعتهم وأقلياتهم يجددوا البيعة والولاء لنهج اختطه العراقيون منذ الأزل وتبنوا منهجيته كشعب لا نظير له فكانت صرختهم تملأ الدنيا " ياحسين" وأصبحت بهم كل ارض كربلاء ..
المسيحي جاء مبايعا وكذلك الصابئي مثلهم مثل إخوتهم المسلمين سنة وشيعة ’ تحزموا بحزام واحد ولبسوا السواد الواحد ورفعوا علم الله اكبر الموحِّد يريدون عراق الحسين ،
الحسين الذي نهض
بدستور الهي من اجل حماية حقوق الإنسان وعندما اختلت هذه الموازين وهمشت هذه الحقوق
وظلم الإنسان واستبيح فكره ورأيه وهدرت حقوقه نهض الإمام الحسين
ثائرا
غير أبه بالطغاة رافعا لواء الإصلاح في الأمة بكل أشكاله ونماذجه فحارب الطغيان
وغمد سيفه في قلب الطغاة فاجتث الطغيان ليس لوقته بل على مدى العصور والأزمنة ،
من هنا كان
العفالقة الطغاة يخشون الحسين
ويحاربوا
استذكار نهضته المباركة فكان حرابهم منصّبا على الحسين ومواليه بل كانوا حربا على
شعب العراق كل شعب العراق الموالي لنهضة اجتثت الظلم وحررت الإنسان من عبودية
المخلوق وبددت الطغيان وقمعت الطغاة إلى الأبد ..
حتى بعد فشلهم وخيبتهم وهزيمتهم يحاربوا الحسين اليوم بأحزمتهم الناسفة الجبانة كما حدث مؤخرا في الكاظمية المقدسة واليوسفية ولكن : هيهات منا الذلة..
فعلينا اليوم أن لا نهادن الطغاة ولا نتهاون معهم ولا نغض الطرف عنهم فهم يأتوك بوجوه متعددة وأشكال مختلفة .. يأتوك بعقالهم وكوفيتهم !! بسدارتهم !! بعمامتهم التي تشم منها رائحة الغدر والقهر والطغيان والنفاق !!
يأتوك من كل مذهب ودين بأشكال ومؤسسات لا تعرف مسمياتها وسياساتها وخباثاتها ،منهم الشاعر والإعلامي والصحافي ورجل دين و"شيخ عشيرة" !! وما أكثرهم اليوم ،
إذ يتسللون كاللصوص إلى البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية والجامعات والمدارس وكل مرافق الحياة يتسللون ليبثوا الرعب في قلب المواطن ويبثوا الخوف والريبة في صفوف الناس ،
فأصبح حتى بعض " المسؤولين " المهزوزين الذين تولوا المسؤولية لا لكفاءاتهم بل جاؤوا بترشيح حزبي أو طائفي وفق المحاصصة الحاكمة ،
لا بل حتى بعض ممثلي الكتل السياسية في الخارج الذين يحملوا النفاق في سلوكيتهم :
وطبعا هنا لا اتهم شخصا دون دليل واسرد مثلا لذلك::-
قبل شهرين من الآن وقفتُ خطيبا على منبر وسط دمشق مستذكرا الشاعر العراقي الدكتور السيد مصطفى جمال الدين وتحدثت بكلمة وطنية يمكنكم العودة إليها
فما كان من مسعوري عفالقة صدام الا ويهاجموا بألفاظ سوقية وتصرفات أبناء الشوارع ونباح الكلاب السائبة ،والذين لاقوا الرد المناسب لهمجيتهم وكتبت عنها الصحف وتحدثت عنها وسائل الإعلام...
فنزل من أعلى القاعة وفد جمعية الصابئة المندائيين برئاسة السيد رئيس الجمعية ووقف في وسط القاعة "حيث كنت" ، وأعلن أمام الملأ تبرأه من شاعر البلاط الصدامي سيء الصيت وهو ينتمي إلى الصابئة ، وقفوا وقالوا بأعلى الصوت وأمامه أن هذا ليس منا مشيرين إليه ونحن منه براء وقدموا اعتذارا وقالوا " إن الإناء ينضح ما فيه "
إذ سجل لهم التاريخ موقفا وطنيا مشرفا" ..
من طرف آخر يقف ممثل إحدى الكتل السياسية العراقية الوطنية الحاكمة يمازحهم ويتملق اليهم امام الناس فتلقى صفعة كلامية من احد الشرفاء الذين شاهدوه وسمعوه من باب الاستهجان والحسرة والتوبيخ ..
أردتُ أن انقل هذه الصورة فقط لأبين للمسؤولين اليوم في العراق وقادة السلطة بضرورة الانتباه إلى من يمثلهم خارج القطر لان التمثيل ليس تمثيل الشخصيات ولا حتى الكتل السياسية بل هو تمثيل للوطن خاصة على مستوى البعثات الدبلوماسية والكتل السياسية صاحبة السمعة الوطنية التي ناضلت وجاهدت من اجل إسقاط الدكتاتورية في العراق ،
وخذوا من الإمام
الحسين
عبرة
إذ انتقى سفيرا له شجاعا قويا بإيمانه يمتلك القدرة على جذب الخلق إلى طريق الله ،
ولكن مهادنة الناس للطغاة هو الإساءة الكبرى التي سُجلت على مدى الدهور عارا على
المهادنين للطغاة فذهبوا إلى مزبلة التاريخ ،
فيجب علينا أن لا نهادن الطغاة لأنهم رجس من عمل الشيطان لا يمكن تطهيرهم بسبب عدم امتلاكهم أي حس وطني أو خلق إنساني أو وازع أخلاقي ..
مصائب الأمة وهزيمتها هو التهاون والمهادنة وغض الطرف عن الطغاة ..
إن ما جرى للإمام
الحسين
كان
سببه إذعان الناس للطغاة فبقي الحسين وحيدا وكان العار على امة قتلت ابن بنت نبيها
فيجب اليوم تصحيح الخطأ وذلك بالسير على خطى الإمام الحسين
والاقتداء
بمنهجيته ،
وبغيره لا يمكن أن نتخلص من عبودية الأزلام ومن عدم مهابة العالم لامتنا ويبقى الذل والهوان حليف الأمة ...
الطغاة من اليزيديين كما الصداميين كما الصهاينة هم صناعة شيطانية واحدة يجب الابتعاد عنهم وتوحيد صفوف الأمة في مواجهتهم بكافة الوسائل المتاحة وعدم مهادنتهم لأنهم مَفسدَة أينما حطت رحالهم غايتهم التسلط ونشر الفساد في المجتمعات وإذلال الناس والتشجيع على معصية الله بنشر الجهل وقمع العلم والمعرفة والثقافة ليبقوا هم الفراعنة وهم الجبابرة يتحكمون بمقدرات البشر بجهالتهم وشذوذاتهم ..
احذروهم واجتنبوهم ولا تهادنوهم فهم رجس من عمل الشيطان..
فالقران الكريم يتعقب الطغيان في مختلف مضامينه وصوره وصيغه وأشكاله: يتعقبه بالنقض والتقبيح، وبالتحفيز على الوعي المستمر بمخاطره المدمرة: وعياً مقترناً بإرادة التحرر والتطهر من ملوثاته وضغوطه.
(قال رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين).
وهذا ما أكد عليه
الإمام الحسين
في
نهضته المباركة في عاشوراء التي يجب أن نقرأها قراءة واعية ونتدبر في كل كلمة قالها
الإمام الحسين
فكلماته
حكم وقوانين ونتأمل خطواته وأدواره الرسالية لأجل الحفاظ على كرامة الإنسان وعزته
وبناء مجتمع متحصن بحماية الله مبتعد عن المعاصي والرذائل التي تغير النعم وتحبس
الرحمة ،
فالسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين وعلى شريكة الحسين زينب ورحمة الله وبركاته...
بقلم : الدكتور عصام عباس
العاشر من محرم الحرام 1430هـ
دمشق – السيدة زينب
![]()