المحاضرة السادسة

6  محرم الحرام 1430هـ

عالم الدين وشجاعة الرأي

 

حفّز سماحة الشيخ حسن الصفار عالم الدين للجرأة في التعبير عن الرأي، إذا كان واثقاً من موافقة رأيه للشرع الشريف، ومطمئناً من تشخيص المصاديق في الواقع الخارجي، ولا يهم بعدها كونه موافقاً للسائد والمألوف أم لا. وعبر عن امتنانه للعلماء الجريئين الذين امتلكوا الشجاعة للتعبير عن آرائهم ونظرياتهم الجديدة، فكان لهم الفضل في تقدّم المعرفة الإسلامية وإثراء مختلف جوانبها. وقدّم نموذجاً لعالمٍ وفقيه تميز بالجرأة والشجاعة في طرح آرائه الفكرية والعلمية والفقهية وإن كانت مخالفة للرأي السائد، وهو الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294هـ - 1373هـ).

وأشار إلى أحقية كل إنسان في إبداء رأيه، والعلماء من باب أولى لأنه قد يكون رأيهم إنقاذٌ لواقع يعيشه الناس. مسلّطاً الضوء على العوائق التي تقف أمام صدع العلماء بآرائهم، وأهمها: العائق السياسي، الصراع والتنافس الداخلي، رأي العوام وعواطفهم، والتصنيف المذهبي.

 

المحور الأول: التعبير عن الرأي بين الحق والواجب

 

أكد الشيخ الصفار في بداية محاضرته لليلة السادسة من المحرم 1430هـ (3 يناير 2009م) أن الله سبحانه أعطى الإنسان قدرة عقلية بها يفكر، وباستخدام هذه القدرة يتكون له الرأي، ويختلف الناس في رصيد الآراء التي تتكون لديهم بسبب تفاوت استعمالهم لعقولهم.

وأشار إلى الأسباب التي تُعطي الإنسان القدرة على التفكير في الأمور وتكوين رأيٍ حولها، ثم التعبير عنه بشجاعة، وأهمها: الثقة بالنفس، التدرب والممارسة على التفكير، البيئة والتربية التي يعيش فيها الإنسان.

مؤكداً أنه من حق الإنسان أن يُعبّر عن الرأي الذي يتوصل إليه، بل قد يكون تعبيره عن هذا الرأي فيه منفعة وفائدة للمجتمع الإنساني، فلو لم يُعبّر العلماء عن آرائهم في مختلف المجالات لما تقدّمت الإنسانية، وقد أكد ميثاق حقوق الإنسان في مادته رقم (19) هذا الحق للإنسان.

مشيراً أن التعبير عن الرأي قد يصل إلى مستوى الوجوب على الإنسان إذا كان في هذا الرأي مصلحة وإنقاذ للآخرين.

مضيفاً: يُفترض في الباحثين في أي تخصص من التخصصات أن يُنتجوا آراء جديدة، وليس فقط تكرار ما قد توصل إليه العلماء، وهذا أمر طبيعي ليكون هناك تراكم علمي في مجال البحث والعلم. مؤكداً أن المتخصصين في المجال الشرعي والفقهي أيضاً مطلوبٌ منهم أن تكون لهم بصماتهم الإبداعية والجديدة في هذا المجال، وليس مجرد ترديد آراء الماضين. مبيناً أن الاجتهاد يعني قدرة المجتهد على الاستنباط.

وأضاف: عالم الدين إذا اتّجه للبحث العلمي والفقهي والعقدي فإنه من الطبيعي أن تتولد لديه آراء، وهنا هل يُعبر العالم عن رأيه، خصوصاً إذا كان مخالفاً لما هو سائد؟ وهل من حقه ذلك؟

وفي معرض إجابته عبر عن امتنانه للعلماء الذين امتلكوا الشجاعة والجرأة للتعبير عن آرائهم ونظرياتهم الجديدة، مبدياً استياءه من أن إبداء عالم الدين لرأيه يُعتبر معضلة حقيقية، حتى يحتاج عالم الدين لشجاعة وجرأة.

وأكد أنه من واجب علماء الدين الإفصاح عن آرائهم، خصوصاً إذا كان ذلك الرأي موضع حاجة للناس وابتلاء للأمة، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (الأحزاب، 39)، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة، 159). وورد عن رسول الله : «ايما رجل آتاه الله علماً فكتمه لقي الله يوم القيامة ملجماً بلجام من نار»، وعنه : «إذا ظهرت البدع في أمتي فليُظهر العالم علمه، فمن لم يفعل  فعليه لعنة الله».

 

المحور الثاني: العوائق والتحديات

 

أشار الشيخ الصفار إلى وجود جملة من العوائق والتحديات التي تنتصب أمام عالم الدين فتجعله متردداً أو ممتنعاً عن تبيين رأيه، وأبرزها:

أولاً- العائق السياسي، فقد لا تفسح السلطة السياسية المجال للعالم أن يبين رأيه بوضوح، وهذه المسألة واضحة في الماضي والحاضر، وكم عانى العلماء بسبب السلطات التي تقمع الرأي العلمي والفقهي والفكري.

ثانياً- الصراع والتنافس الداخلي، فعلماء الدين هم شريحة من البشر، فرغم أنه يفترض أن أخلاقهم ونفوسهم قد تشذّبت بأخلاق الإسلام وتعاليمه، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء (فاطر، 28)، إلا أنهم يبقون بشراً ويصدر منهم الخطأ والزلل. فقد يحصل وسط هذه الشريحة سوء إدارة للخلاف في الرأي، بحيث أن عالم الدين لا يجرؤ أن يقول رأياً يُخالف الرأي السائد في الوسط العلمي الشرعي.

وأرجع الشيخ الصفّار السبب الذي يدعوا بعض العلماء إلى إخفاء رأيهم حتى في الوسط العلمي، إلى أمرين:

1- حتى لا تقل موقعيته في الوسط العلمي، مشيراً إلى بعض النماذج من الشخصيات العلمائية البارزة الذين عدلوا عن جانبٍ من توجهاتهم بسبب هذا الأمر، ومن بينهم المرجع الراحل السيد أبو القاسم الخوئي إذ توقف عن مواصلة تفسير القرآن الكريم نتيجة الضغوط التي تعرض إليها، وصدر له مجلد واحد فقط بعنوان «البيان في تفسير القرآن». وكذلك الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي بدوره عدل عن البدء في البحث الخارج بفقه العقود ليُقدّم فقهاً مقارناً مع الفكر والقوانين الوضعية الغربية، إلى باب الطهارة كما هو سائد، وصرف على ذلك الباب (16) سنة، بينما كانت المدة التي صرفها السيد في تقديم كتبه الثمينة (اقتصادنا) و (فلسفتنا) و (الأسس المنطقية للاستقراء) لم تتجاوز نصف تلك المدة، وبسبب هذه الحالة السائدة في الوسط العلمي خسرت المعرفة الإسلامية إضافة ثمينة من هذا العالم في فقه الاجتماع لو سار في الطريق الذي أراده.

2- الخشية من إسقاط مكانته وإيذائه، فالصراع في الوسط الديني قد يكون حاداً في بعض الأحيان، وهذا بطبعه أسلوب غير إيجابي، ولا يتناسب مع الوسط العلمي. مشيراً إلى أن شريحة العلماء هي من أكبر الشرائح عرضة لمرض الحسد، وهذا ما يؤكده ما يروى عن الرسول الأعظم : «ستةٌ يدخلون النار قبل الحساب بستة: الأمراء بالجور، والتجار بالخيانة، والدهاقين بالكبر، والعلماء بالحسد، ...». وينقل الشيخ يوسف البحراني في (الحدائق الناظرة) في المجلد (18) ص 145 قوله: «دلالة جملة من الاخبار على حصول الحسد بين العلماء خصوصاً زيادة على ما بين سائر الناس».

ورداً على من يقول بأن الاعتراض على تبني الآراء الجديدة إنما ينال العلماء غير المجتهدين، يقول الشيخ الصفار بأن هذا الرأي خطأ فقد تم الاعتراض على السيد محسن الأمين العاملي لتأليف كتاب (التنزيه حول الشعائر الحسينية) وهو مجتهد وفقيه. مضيفاً أن البعض يقول: على الفقهاء أن لا يتعرضوا إلى العقائد والثوابت، وهو أيضاً غير صحيح فكم من الفقهاء وُجّهت لهم اعتراضات لمجرد طرحوا آراءً فقهية غير مألوفة كالإمام الخميني ورأيه حول (لعبة الشطرنج دون قمار) والسيد الحكيم ورأيه حول (طهارة أهل الكتاب).

ثالثاً- رأي العوام وعواطفهم، حيث هناك من يُريدون الحفاظ على الرأي السائد، وخصوصاً عندما يُحرّك الجمهور من قبل المنافسين للعالم الذي يمتلك رأياً مخالفاً للسائد.

رابعاً- التصنيف المذهبي، فبعض العلماء يمتنع عن الجهر برأي حتى لا يُتّهم بالميل للمذهب الآخر، سواءً من السنة أو الشيعة.

وأكد أنه يُفترض في عالم الدين أن يمتلك الجرأة والشجاعة في التعبير عن رأيه، مع الحكمة وتقدير الموقف.

وأشار أن أي رأي من الآراء له بعدان:

- الجانب الشرعي، فهل الرأي يوافق الشرع أم لا؟

- تشخيص الموضوع الخارجي، فإذا شخّص العالم أن الظرف الخارجي هو مصداق لهذا الحكم، فعلى العالم أن يُبدي رأيه بجرأة.

وأشار إلى أن التحفظات لدى علماء الدين أصبحت أقل مما هي عليه في الماضي، فيجب أن يمتلك عالم الدين الشجاعة في إبداء رأيه، وذلك لأن:

1- الجمهور المسلم أصبح أكثر وعياً.

2- الذين يحملون الآراء التنويرية في الوسط الديني اتسعت رقعتهم.

مؤكداً على أن عالم الدين ينبغي أن يكون مستعداً لدفع الثمن إزاء آرائه الجديدة والتي تهدف لتقدم الوعي والفكر الإسلامي، ولخدمة مصالح الأمة، وهي مسؤولية شرعية.

ورداً على من يستنكر طرح الرأي المخالف يقول الشيخ الصفار إن ذلك يعني البقاء ضمن حالة الركود والسكون، وهذا ليس في صالح الفكر الإسلامي، ولا يتناسب مع المسؤولية والأمانة الشرعية الملقاة على عواتق العلماء. داعياً إلى ترشيد اختلاف الآراء بين الناس، فليس كل رأي مخالف للرأي السائد هو رأي صحيح، بل هو اجتهاد، فقد يكون صحياً وقد يكون خطأً، وإنما من حق صاحب الرأي أن يطرح رأيه، وحظر ذلك ليس إيجابياً بل ليس في صالح الأمة. مؤكداً أنه ينبغي أن يكون الجمهور في مستوى الوعي والتحدي، فلا يستجيبوا لإثارة العواطف والتهييج والتحشيد.

 

المحور الثالث: الإمام كاشف الغطاء نموذجاً

 

وقدّم الشيخ الصفار نموذجاً لعالم وفقيه تميز بالجرأة والشجاعة في طرح آرائه الفكرية والعلمية والفقهية وإن كانت مخالفة للرأي السائد، وهو الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (رحمة الله عليه). وهو إلى جانب فقه ومرجعيته كان أديباً، وفيلسوفاً، وله كتاب (الدعوة الإسلامية) الذي يمكن القول انه تدشين لعلم الكلام الجديد.

ولد سنة 1294هـ، وتوفي سنة 1373هـ. وهو من أسرة علمية عريقة، فأبوه الشيخ علي آل كاشف الغطاء، المعرف بـ (شيخ العراقين)، وجده الشيخ موسى آل كاشف الغطاء، المعروف بـ (مصلح الدولتين) حيث أصلح بين العراق وإيران في أزمة سياسية وقعت بينهما، وجده الكبير الشيخ جعفر الذي عرف بـ (كاشف الغطاء) لتأليفه كتابٍ فقهيٍّ عميق اسمه: (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء). وهي أسرة تنحدر من مالك بن الأشتر النخعي، صاحب أمير المؤمنين .

تتلمذ على يدي السيد اليزدي، صاحب العروة الوثقى، وكان قد ساهم مع السيد اليزدي في إعداد متن العروة الوثقى، بمعية أخيه الأكبر الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء. وبعد السيد اليزدي آلت المرجعية للشيخ أحمد، ثم إليه.

وكان للشيخ كاشف الغطاء دور سياسي إذ كان مشاركاً في مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق وكان مع المجاهدين في جبهة الكوت.

وله دورٌ في المطالبة بحقوق الناس من الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق، وقد حذره البعض من التدخل في السياسة، إلا أنه أعلن قائلاً: إذا كانت السياسة تعني الخديعة والمكر والانتهازية وطلب المواقع والمناصب فأنا أبرأ إلى الله منها، وإذا كانت السياسة تعني الدفاع عن مصالح الناس وحقوقهم فإني غارق فيها من قرني إلى هامتي.

وكانت له صداقة مع الأديب المسيحي المعروف أمين الريحاني، وكانت هذه العلاقة من مآخذ العلماء عليه. وكانت للإمام كاشف الغطاء مع هذا الأديب سلسلة من الحوارات وطبعت في كتاب عنوانه: المراجعات الريحانية.

وللشيخ كاشف الغطاء تعليقة على المجلة العدلية التي صدرت من قبل الدولة العثمانية لتقنين الشريعة، وهي أول محاولة في هذا الاتجاه، وفق المذهب الحنفي، فعلق عليها الإمام كاشف الغطاء بما يوافق المذهب الجعفري ليكون تقنين الشريعة موافقاً لمذهب أهل البيت .

ومن آرائه التي كانت مخالفة للسائد والمألوف أنه كان من أوائل الداعين لتعليم المرأة، وإلى الانتصاف لحقوقها.

ومن آرائه ومواقفه الجريئة أنه وقف ضد بعض الممارسات لدى الشيعة في اليوم التاسع من ربيع، وبسبب تلك الجهود تلاشت تلك الممارسات المثيرة.

ومن مآثره الكلمة المشهورة التي يقول فيها: بني الإسلام على دعامتين: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة.

وشارك في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس سنة 1350هـ، وفيه أكثر من 150 من القيادات الإسلامية، وطلب منه مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني أن يُصلّي بالمسلمين صلاة العشاء ويخطب فيهم وقد حضر في المسجد الأقصى عشرات الألوف وكان ذلك في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب وهي ليلة مباركة ومقدسة. وبالفعل لبى الشيخ كاشف الغطاء هذا الطلب وألقى خطبة رائعة حول إنقاذ فلسطين ومواجهة الصهاينة، وطُبعت بعنوان: الخطبة التاريخية.

ومن آراء الشيخ الفقهية المخالفة للمشهور عند الشيعة: جواز الزواج الدائم بالكتابية.

وأصدر الشيخ كاشف الغطاء حكمه المشهور عندما أعتقل السيد كاظم الكفائي بسبب تأليف كتاب حول السيدة فاطمة الزهراء ، والذي سبب إثارة عند السنة في العراق. فكان حكمه: الكفائي يُطلق والكتاب يُحرق، وعندما عاتبه بعض العلماء على الحكم باحراق كتاب عن السيدة الزهراء ، كان رأيه: يُحرق هذا الكتاب أفضل من أن تُحرق مصلحة الوطن والأمة.

وختم الشيخ خطابه بالتأكيد على أن هذا الإمام وأمثاله من العلماء المصلحين الذين ما كانوا يترددون في إعلان رأيهم بشجاعة وببطولة، هم الذين أثروا الساحة الدينية وطوّروا فكرها، وقد دفعوا الثمن بما نالهم من الإيذاء، إلا أن ذلك يهون في سبيل رضا الله سبحانه وتعالى، فالعالم مسؤول عن تبليغ ما اعتقد انه رأي الشرع، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (الأحزاب، 39).

 

خطبة الجمعة

 تطوير المنبر الحسيني بما يتناسب مع العصر

أشاد سماحة الشيخ حسن الصفّار ـ في خطبة الجمعة 5/ 1/ 1430ﻫ ـ 2/ 1/ 2009م الأولى ـ بالدور الذي تمارسه المواسم الولائية في إحياء أمر أهل البيت ، وبخاصّة ما تعيشه المنطقة هذه الأيام من إحياء لموسم عاشوراء الذي تُخلّد فيها قضية ثورة الإمام الحسين ، وذلك بما مارسه من دور كبير في حياة الأمّة الإسلامية في بعث روح الثورة ضدّ الظلم والاضطهاد، وهي القضية التي ظلّت منارًا للثوّار والأحرار في العالم على طول التاريخ.

وذلك بعدما افتتح الخطبة بما يلي:

«الحمد لله الذي رفع مقام الشهداء، وخصّهم بمزيد الفضل وجزيل العطاء، وأنزلهم أعلى درجات السعداء.

نحمده سبحانه على السرّاء والضرّاء، ونشكره في حالتي الشدّة والرخاء، ونستلهمه الصبر عند المصيبة والبلاء. ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، الربّ المتعال، مخلصين له الدين في الأقوال والأفعال، متكلين عليه في رفع الشدائد والأهوال.

ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أفضل من صبر على نوائب الزمان، وتحمّل الأذى في جنب الرحمن، وخاض معارك الجهاد ضدّ الظلم والعدوان.

صلى الله عليه وعلى آله صلاة تضارع ما تحمّلوا في ذات الله من المصائب، وتكافِئ ما أصابهم في نشر الدين من النوائب، وتحقّق لهم في الدنيا والآخرة أعلى المقامات والمراتب.

أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله والالتزام بالدين الذي ضحّى من أجله الأنبياء والأئمة والأولياء، فإنه الأمانة في أعناقنا، وهو سبيل سعادتنا ونجاتنا، جعلنا الله وإياكم ممن يلوذ بالتقوى ويعتصم بالعروة الوثقى».

وأشار سماحته إلى أن هذه المواسم الثقافية الدينية تعدّ من أجلى النعم الإلهية على مجتمعاتنا، حيث تشكّل موسمًا للوعظ والإرشاد والتوجيه والتثقيف الديني والاجتماعي، فَعَدّ المنبر الحسيني أبرز البرامج انتشارًا في هذا الموسم، مقدِّرًا عدد المجالس الحسينية في المنطقة (القطيف والأحساء) في العشرة الأولى من المحرّم بِـ 2000 مجلس تقريبًا، مثمّنًا الدور الذي يقوم به هذا المنبر، وهو الدور الذي تطوّر عما كان يمارس قديمًا، إذ لم يكن المنبر قديمًا سوى وسيلة لذكر فضائل ومصائب وسِيَر أهل البيت ، ليتطوّر اليوم، فيعالج العديد من المسائل الدينية في العقيدة والفقه والتفسير والأخلاق وبعض المبادئ والقيم الدينية، إضافة إلى ما كان له من دور في الماضي، داعيًا إلى تطوير هذه الوسيلة، لترقى إلى مستوى ما تتطلّبه الساحة الشيعية اليوم، ذلك أن هذه الساحة ما عادت معزولة ومنغلقة على ذاتها، كما هو الحال سابقًا، فكل ما يدور داخلها ينقل بالصوت والصورة على شتّى الفضائيات والإذاعات ووسائل الإعلام المحلّية والعالمية، بل أصبحت كثير من هذه الطقوس والبرامج مثار جدل وتساؤل لدى الكثيرين، طالبًا من خطباء المنابر الالتفات إلى هذه المسألة، ليكون المنبر وسيلة للتثقيف والوعي الدينيين في المنطقة، وكذلك أن يشكّل صورة مشرقة لمدرسة وتعاليم أئمة أهل البيت أمام العالم والمحيط الذي نعيش فيه، فما نعيشه اليوم من توفّر وسائل الاتصال والإعلام أصبح حجّة علينا لكي نوصل صوتنا وفكرنا إلى الآخرين بصورة صحيحة غير مغلوطة، حتى لا تكون هذه الوسائل منبرًا لتصيُّد الأخطاء من قبل الآخرين، وذلك بحجة المحافظة على عاداتنا وتقاليدنا التي توارثناها دون أن يكون لها أي مستند ودليل شرعي يدعونا للالتزام بها على حساب المصلحة الإسلامية العليا، ومشيدًا بما شهدته المنطقة من ظهور لبعض البرامج الحضارية، وذلك من قبيل برنامج التبرّع بالدم، طالبًا استمراره وتفاعل المجتمع معه، داعيًا ـ في نهاية الخطبة ـ الإخوة من بقية المذاهب والاتجاهات إلى حضور مجالسنا الحسينية ليتعرفوا إلى واقعنا مباشرة ودون أي تشويش من قبل الآخرين.

وفي الخطبة الثانية ـ التي افتتحها بإحدى فقرات خطبة الإمام الحسين في كربلاء التي يقول فيها: «ألا وأن الدعيَّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السلة[1]  والذلة، وهيهات منّا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهُرت، وأنُوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلَّة العدد وخذلان الناصر» ـ أشار إلى أن الإنسان حينما يواجه عدوًّا لديه شيء من التعقّل، فإنه قد يستطيع الوصول معه إلى منطقة محايدة، وإلى حالة من الهدنة والمسالمة، وهي الحالة التي لا تعني انتهاء الصراع بين هذين الطرفين، وإنما إدارته بوسيلة أخرى غير الحرب الحاسمة.

مشيرًا إلى أن الإمام الحسين لم يكن في مشروعه الإصرار على المواجهة المسلّحة، وإنما الوصول إلى حالة من إدارة الصراع بشيء من المسالمة، دون اللجوء إلى المواجهة الحاسمة التي ينتصر فيها أحد الطرفين المتنازعين، ذلك أن الحرب من المفترض أن تكون آخر مراحل الصراع، فهناك العديد من الوسائل يراهن عليها أطراف النزاع، من قبيل الإضعاف التدريجي للطرف المقابل، أو زيادة القوّة الرادعة عند أحدهما، أو حصول أمر خارجي يغيّر المعادلة لصالح أحد الطرفين، أو المراهنة على عنصر الزمن الذي قد يُنهك أو يتعب معه أحد الطرفين، وغيرها من الطرق.

وهذا في حال كان الطرف الآخر قابلاً للحوار، وليس متعنّتًا متجبّرًا، كما كان الحال مع يزيد وواليه على الكوفة عبيد الله بن زياد، اللذين كانا مصرّين على مقاتلة الإمام الحسين، فلم يتيحا له المجال، فلم يخيّراه إلا بين: الإذلال أو المقاتلة، فلم يقبل إلا بالتضحية في سبيل إعلاء كلمة الدين ونصرته، فخطّت تضحيته الطريق نحو الأحرار والثوّار في جميع أنحاء العالم، وما هذه المآتم والمجالس الحسينية التي لا تكاد تخلو منها بقعة أو دولة من دول العالم، إلا نتيجة لهذا الإخلاص والرؤية الثاقبة التي تمتّع بها سيد الشهداء والأحرار الإمام الحسين .

مذكرًا بما تشهده الأراضي المحتلّة في فلسطين من تجبّر وتعنّت القوّة التدميرية الوحشية الإسرائيلية ضدّ إخواننا الفلسطينيين، وبخاصّة ما يعيشه الغزّاويون لليوم السابع على العدوان الإسرائيلي، الذي ذهب ضحيته أكثر من 400 شهيد، و2100 من الجرحي، وكان من ضحايا هذا العدوان الغاشم استشهاد القيادي البارز في حماس الدكتور نزار ريّان، الذي استشهد في غارة إسرائيلية على منزله، ذهب معه فيها تسعة من أهله، زوجاته وبعض أبنائه، وهو المجاهد الحاصل على شهادة دكتوراه في الحديث، وخطيب وإمام مسجد في غزّة.

طالبًا من الإخوة الفلسطينيين أن تكون ذكرى عاشوراء الإمام الحسين ملهمًا لهم في الصمود والإباء والتضحية والفداء من أجل القضية العادلة التي يدافعون عنها، ومن الحكام العرب والمسلمين نصرة هذا الشعب المظلوم والمضطهد بما يملكونه من وسائل الضغط والمساعدة.