حاجة الأمة ... في صبيحة الاستشهاد بقلم : الدكتور عصام عباس
بسم الله الرحمن الرحيم
اليوم: هو الخامس عشر من شهر رجب

وهو ذكرى استشهاد السيدة زينب (ع) عام 62 هجرية
حيث القرار الأموي الجائر والغاشم بتهجيرها من مدينة جدها رسول الله (ص)
بعد عودتها لديارها في المدينة المنورة من كربلاء ..
لكنها بقيت الصوت النبوي المدوي الذي عرى الظالمين وفضح زيفهم وهد أركانهم،
فكانت البذرة التي بذرت في الأرض لتحطيم الطغيان وتعرية الطغاة وقمعهم وإزالة الظلم بكل أشكاله وأصنافه ومحاسبة مقترفيه والمتعامين عنه لأنه داء وخيم يلوث أي مجتمع وأية بيئة ..
فكانت السيدة زينب نجمة محمدية وغرسة علوية وزهرة فاطمية وفطنة حسنية وشعلة حسينية انبثقت من الكساء المطهر حيث زهت بها الأرض فطهرت الأرض ومن عليها من رجس الظالمين وكيدهم وحقدهم الأعمى وبقيت منارا تهفو لها أفئدة المظلومين وأرواح المقهورين وسواعد المناضلين لتتلمس منها طهارة ونجاة وفرجا ونصرا مبينا ...
كانت ثورة إعلامية ثقافية تحارب بالبيان الواثق والبلاغ الصادق فتحفز الجماهير للانقضاض على صروح الظلم وتهديمها مهما بلغت بهم العنجهية والهمجية ومورّثات الجاهلية ..
كانت المرأة التي كرم الله جنسها وصنفها بعزة ومجد وانتصار بعدما همّشت الجاهلية وشيوخُها هذا الصنف من الخلق الرباني العزيز ذلا وجهلا واحتقارا ...
ففي عهد جد السيدة زينب رسول الله محمد (ص) كانت المرأة صاحبة قرار تتخذه بحرية مطلقة إذ كانت زوج النبي أم المؤمنين السيدة خديجة (ع) جدة السيدة زينب (ع) الرافد القوي والداعم الرئيسي لمسيرة النبي محمد (ص) ماليا ومعنويا ، وبمالها شاء الله أن توضعُ اللبنة الأساسية لبناء الدين الإسلامي الحنيف ، هذا من الناحية الاقتصادية ودور المرأة في البناء ..
وكانت المرأة صاحبة قرار سياسي يصغى إليه ويُعلي قرار الحق ويُهزم الباطل يوم انبرت السيدة الزهراء فاطمة(ع) بفضح الذين قادوا الانقلاب على دين الله وسنة رسول الله فسارت غير آبهة بجهالتهم ولا مكترثة بإيذائهم فذهبت برفقة زوجها الإمام علي (ع) لتعرية أحدوثتهم وفضح انقلابهم وفسخ قرارات جهالتهم وتثبيت ما أمر به الله عز وجل وسنّه أبوها رسول الله (ص) وان لم يحقق شيئا على الأرض وقتها ، لكن حركتها بقيت دستورا يختطه كل مؤمن ويتعامى عنه كل منافق في كل زمن وبكل العصور جيلا بعد جيل ... وبقي هذا الدور السياسي بامتياز الذي قامت به سيدة النساء في بناء الإنسان وإصلاح الأمة إشارة واضحة مع مرور الأزمان في تكريم الله عز وجل للمرأة ومنحها كامل الحقوق والأدوار الريادية في تطوير المجتمع...
واستمرت المسيرة إذ سطع نور السيدة زينب على عالمنا فأعطى المولى عزوجل مثلا أخرا في تكريم المرأة وإعلاء شأنها في المجتمع فكانت برغم الحروب التي واجهت خليفة المسلمين والدها الإمام علي (ع) في سني خلافته بين 35-40هـ تأخذ الدور الثقافي والتعليمي والتوجيهي لبناء المرأة التي هي نواة المجتمع والعمد الأساسي في بنائه فأنشأت أول مؤسسة ثقافية في الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية لتعليم المرأة أحكام الله وقوانينه عبر تعليمهن القرآن الذي لا يمسه إلا المطهرون الذين طهرهم الله وخصهم بفقهه .. وخلال عقدين من الزمن كان دورها التربوي والرعوي للبيت المحمدي المقدس بمرافقة شقيقيها سبطي الرحمة و إمامي الهدى الحسن والحسين عليهما السلام ... حيث كانت تتهيأ للأدوار التي كانت بانتظارها أثناء كربلاء وبعدها .. فقد عاشت كربلاء لحظة بلحظة وكان الإمام الحسين(ع) يشاورها وتشاوره ونزلت إلى ساحة الميدان بعد استشهاد الإمام الحسين وهنا بدأت تؤدي أدوارا رسالية منذ ظهر عاشوراء إلى الكوفة وفي كل محطة توقف ركب السبايا وكانت دمشق محطتها الأهم حيث أبادت ببيانها الرباني وخطابها المحمدي وبلاغها العلوي ومنهجها الفاطمي أبادت صرح الظلم والطغيان وولى إلى مزبلة التاريخ ...
كم نحن بحاجة إليك اليوم .. سيدتي..
كم نحن بحاجة إلى قداسة روحك وشفافية خطابك وصلابة نطقك لتحمينا من الظلم الذي يهدد الأمة ومن الجهل الذي يستشري في ضلوعها ومن الفساد الذي يخترق مفاصلها...
حاجة الأمة إلى زينب الريادة والقيادة .. حاجة الأمة إلى زينب العلم والمعرفة .. حاجة الأمة إلى زينب النضال والجهاد ضد الظلم والطغاة .. حاجة الأمة إلى زينب المقاومة بكل فصولها ومعانيها ضد ما نعانيه من صنوف الإرهاب والدمار وإزهاق الأنفس البريئة دون ذنب .. حاجة الأمة إلى زينب الصوت المدوي في الإصلاح والبناء وحفظ كرامة الإنسان...
نعم سيدتي .. تنحني الهامات أمام عظمة مواقفك وتقف بإجلال على أعتاب مجدك وبطولاتك الخالدة ..
وكأني بصوت العارف الدمشقي الشيخ عبد الغني النابلسي منشدا:
زينبٌ بنت حيدر معدن العلم والهدى
عندها بابُ حطةٍ فادخلوا الباب سُجّدا
.. فسلام عليك سيدتي يوم ولدت ويوم انتقلت ويوم تبعثين ..
الأربعاء : 15 رجب 1427هـ