نحن و عاشوراء

بقلم : م.غريبي مراد عبد الملك(*)

 

مدخل منهجي : عديدة هي المناسبات الدينية التي تختزن قيما و مفاهيما و عادات و تقاليد لدى المجتمعات الإنسانية و لعل الدين عنوان متوغل القدم في حياة البشر، حيث لا يمكننا أن  تصور اجتماعا إنسانيا بعيدا عن الفكرة الدينية، بغض النظر عن صدقيتها أو نوعيتها سماوية كانت أم أرضية، و المناسبة كعنوان هي ذات إتصال وثيق بالحادثة التاريخية لكل دين ، فهؤولاء المسيحيون يحيون ميلاد المسيح عيسى عليه السلام  على طريقتهم و استنادا للتراكمية التاريخية لهذه المناسبة في الوجدان المسيحي بالإضافة إلى التصورات المختلفة حول الميلاد لدى كل طائفة مسيحية ، نفس الأمر تقريبا حاصل لدى اليهود إلا انه بنسبة أقل و غير واضحة تماما لان المجتمع اليهودي منغلق على الإنسانية و قابع في ترانيم أساطيره التاريخية، لهذا لا يمكنك التدقيق بسهولة في الحركة المناسباتية لدى اليهود مثل الديانات الأخرى، فهناك مفارقات عديدة بين الطوائف اليهودية ...

أما نحن المسلمون لدينا مناسبات عديدة تتعلق بديننا الحنيف و إحياؤنا لهذه المناسبات يختلف بإختلاف المجتمعات الإسلامية وأيضا المذاهب الفقهية و نظرتها التحليلية لتلك المناسبة أو لنقل يتعدد من خلال محاور الاهتمام و وعي قيمة تلك المناسبة و أهدافها، و ربما الواقع الإسلامي في حركته الإحيائية للمناسبات الدينية ليست بعيدة عن جوهر الدين تماما بل قد تنحرف عليه أحيانا نتيجة عرضة ثقافة الإسلام في وعي المسلمين لبعض الترهلات الناتجة عن الأعراف الاجتماعية أو الإختراقات الثقافية و إلا المؤامرات السياسية عبر التاريخ الإسلامي ، على كل هذا موضوع جد شائك و بحاجة لنقاشات جادة ترتكز على الروحية و الموضوعية في الحوار حوله، ما يهمنا في هذا المقال المقتضب هي ذكرى ذات أثر بالغ العظمة في الوجدان الإسلامي و واسعة الحديث في التراث الإسلامي كله و من لدن المدارس كلها ، و عظيمة لأنها تمثل منطقة جوهرية في الإسلام زماكنيا و رساليا...إنها عاشوراء، كلمة عربية تحدث عنها النبي الأكرم (ص) طيلة حياته الزكية الرسالية العظيمة ، حيث تناولها رسولنا الحبيب (ص) من جميع الجوانب الحياتية و لعل خصوصية هذه الكلمة في حديث رسول الله (ص) و تركيزه عليها و الدعوة للبقاء في رحابها لأنها قد  ربطت بشخصية إسلامية عظيمة عبر الزمن كله ، شخصية من عمق رسول الله (ص) ، شخصية عاشت في مهد النبوة و ترعرعت في جنة الإسلام واستمدت قوامها من بيت الحكمة الإسلامية ، شخصية تمثلت رسول الله (ص) أجمل تمثيل رسالي منذ صغرها حتى شهادتها، حملت الحق روحا و موقفا و حركة و تطلعا ، شخصية أحبها كل المسلمين ممن عايشوا رسول الله (ص) و التزموا القرب منه و آمنوا برسالته و حتى غير المسلمين المنصفين ، شخصية لم تعش لذاتها قيد أنملة بل كانت بكلها من رسول الله فعاشت لله و رسول الله و للحق و الصدق و العدل و الإسلام الأصيل الذي يغني حياة الواحد منا تقوى و صبرا و إيمانا ونورا، لأنها نور من نور و زين السماوات و الأرض و أحب الناس لأهل السماء منها لأهل الأرض كما أخبر عبد الله بن عمرو بن العاص  و  عمر بن الخطاب رضوان الله عنهما في  روايات بكتب العامة...إنه الإمام الحسين بن علي المرتضى و فاطمة الزهراء عليهم السلام ، أرادنا المصطفى(ص) أن نستحضر عاشوراء في رحاب الحسين عليه السلام لأن عاشوراء موسى عليه السلام قد خلدها القرآن العظيم لكن عاشوراء الحسين أريد لها أن تموت بالرغم انها هي خالدة عبر الإسلام التاريخي من لدن أنبياء الله عليهم السلام ، كون روح الحسين عليه السلام لم تأت كأية روح لتعيش بين الناس و تؤدي سيناريو في الدراما الإنسانية و تنال وسام الشهادة ثم ترتفع للبرزخ و تنتظر الحساب ...أبدا، إنها من الأرواح المجندة التي لا تتوقف في الزمن و المكان ، إنها روح تتجاوز الحياة الدنيا لتعود إليها حتى تغنيها بالحقيقة الناصعة التي ترشد التائهين و تنهض بالمستضعفين و تنصر المظلومين و تفضح المنافقين وتلم شعت المتفرقين ، هي روح أريد لها أن تبقى رغما عن الحاسدين والحاقدين و المغضوب عليهم و الضالين، روح من روح رسول الله و العكس صحيح ، كونها بإنبجاستها النوارنية في عاشوراء استمر الصوت المحمدي مدويا في دنيا الناس متحديا لكل الظلم و الإستكبار...إلى هنا أتوقف لأن لي مع نور عيني و حبيبي و سيدي و مولاي أبا عبد الله الحسين سر لا أبوح به إلا لخاصة أحبائه ، فالحسين في رحابه كل الفرح الصادق البعيد عن الحزن البليد ...و عودا للبدء هذه هي عاشوراء الحسين عليه السلام تحل علينا قادمة من ذكرى  الهجرة النبوية آخرا و من كربلاء التاريخ أولا و أبدا ، لسنا بحاجة لاستطراد تاريخها و أسبابها و نتائجها فتلك مباحث موجودة بالكتب التاريخية المنصفة و الهادفة من لدن المدرستين ، ما يهمنا سؤال وحيد : ما سمة العلاقة بيننا "نحن" و عاشوراء الرسالة"؟ حيث قبل الولوج لإيضاح مقاصد هذا الإشكال لابد أن ألفت  أخي القارئ لمسألتين :

الأولى: "نحن" أقصد بها المسلمين و ليس المذهب لأن الحسين من رسول الله و رسول الله من حسين و كلا المدرستين يقول باحترام الحسين إلا أنه هناك مفارقات منهجية في التعاطي مع شخصية الحسين و احترامها.

الثانية: "عاشوراء" كمناسبة تختزن تاريخا زمكانيا رساليا ، و خاضعة للتشريع الإسلامي الوارد من رسول الله بخصوصها و ليس العرف الإجتماعي  و التوجه التقليدي الوراثي الذي كثيرا ما يعطي للمناسبة سياقات بعيدة عن الأصالة الإسلامية المحافظة على روح المسؤولية لدى الشخص المسلم.

هناك مسائل لابد منها عند محاولة  استشراف أي أمر أو تطلع أو مشروع ، كما أن من العقل أن يتحرى المرء كل أفعاله و انفعالاته قبل إصدارها وإلا كان أحمقا لا يدرك كل ما يصدر عنه ، أعمى في حياته بلا بصيرة و هذا عين مرض القلب ، و عليه  من المجدي و النافع للمسلم النبيه أن يراجع حقائق المناسبات من مصادرها و يتحقق من صحة الروايات و تفاصيل التاريخ و إلا كان تعاطيه بجهل كمن يشرب دواءا بلا معرفة هل ينفعه لدائه أو بلا اتصال بطبيب أو صيدلي ليرشده للدواء السليم، حتى يكون إنساننا المسلم واعيا لمسؤوليته عارفا بتاريخه الإسلامي و شخصياته و رسالته الإسلامية ومسؤوليته  وحتى يكتسب بصيرة لإسلامه يتوجب استنهاض كل القدرات الفكرية و الأدبية و الروحية لمراجعة خريطة الذات و الإجتماع الذي يعيش ضمن دائرته و حتى يمكنه قراءة الصحيح من السقيم في الفكر و التراث و العادة و العبادة و ما هنالك  مما يتعلق بثقافة المتدين ، حيث ثقافة المتدينين هي غير ثقافة الدين، فيها الغث و السمين فيها الأصيل و الأيديولوجي ، فيها العقلانية و الهوى و هلم جرا مما يفسد الروح العلمية عند غالبية المتدينين ، لهذا فالتعامل و التفاعل مع  عاشوراء لا يكون صحيحا إلا من خلال وعي روح عاشوراء أي رسالتها للأجيال المسلمة و الإنسانية جمعاء ، و إذا كنا فعلا نريد أن نرتب بيتنا الإسلامي بما يهيؤه لان يكون صورة للتمدن الإسلامي و الحضارة الإسلامية السمحاء التي تملأ العقل و القلب و الحياة بالحق و الصدق ، فهذا طموح بحاجة لهمة روحية و إرادة فكرية و تجربة حركية إصلاحية لا تخشى لومة لائم لتقف أمام كل ما من شانه تشويه رسالة عاشوراء الحسين أو طمسها أو استثمارها في مشاريعه الذاتية ، فعاشوراء الحسين لم تكن حكرا لمذهب دون مذهب و لم تتحدث بإسم طائفة دون أخرى كانت الفيصل بالنسبة لشبهة الباطل بالحق فأماطت اللثام عن الإسلام المزيف و لم يكن في خطابها سوى "لا إله إلا الله محمد رسول الله" عاشوراء الحسين لم تكن تربصا لنتعلم البكاء ونفتعله او للضحك حتى نزداد حمقا و بلادة...  لا أبدا ...عاشوراء أنجبت رجالا يصنعون البسمة على وجوه المظلومين ، عاشوراء الحسين رسالة حضارية، توحي  بأن البناء الحضاري بحاجة إلى ثقافة حضارية إسلامية محمدية تغني الوجود بالتوحيد الصافي ، إنها عنوان الرشاد الإنساني الثائر على الظلم و الإستدمار و الاحتقار و الهون و الذلة ،إنها ثقافة الإصلاح الجذري، من الخلجة القلبية إلى الحركة الإسلامية ، كانت تقويما لهدفية الشهادتين و الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج في رحاب معامل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، عاشوراء الرسالة هي مجلس افتراضي علمي فقهي ثقافي ثوري لا يعني أن أتهيأ صوريا بعباءة سوداء أو عمامة أو ما هنالك و أرتب ذاتي نفسيا لأن أبكي أكثر من غيري حتى يقال عني يحب الحسين و أولاد الحسين و أصحاب الحسين ...لا ...إنه مجلس لا أحضره لأسمع فقط لابد أن أحضر درس الحسين العاشورائي -و للحسين دروسا قبل عاشوراء و بعدها- لأناقش الخطيب و أرتفع بوعي الجماهير من العقل الجمعي إلى العقل الرسالي، عاشوراء تجديد للحياة الإسلامية بدون المساس بحلال محمد و حرامه الذي يبقى حتى يوم القيامة ، عاشوراء سلام إسلامي لكل الإنسانية بأن القضية الحسينية لم تكن انتفاضة جوفاء للإخلال بأمن الدولة الإسلامية بل كانت نهضة سياسية في قلب الأمة الإسلامية للحفاظ على قيمة الإنسان الكبرى "الحرية" و روحه "الكرامة" ...هكذا عاشوراء يمكنها أن تعقلن واقعنا و توحده و تجمعه و تصنع منه قوة حسينية علوية محمدية إسلامية عظمى ، تزكي النفوس و تصلح الأحوال و تنشر السلام و تؤمن التعارف و التواصل و التعايش ...عاشوراء الإسلام هي  أن نفتح قلوبنا لنور الحسين و عقولنا لمواعظ الحسين و بيوتنا لأمة جد الحسين ...عاشوراء الإسلام أن تتحدث إسلاميا بإسم الحسين، أن تكون حسينيا فتنصر كل المسلمين حيثما وجدوا ...عاشوراء ليست مزاجا أو مهرجانا أو فولكلورا شعبيا ، لعاشوراء قيمة إسلامية عظمى  فيها الصلاة لله و على رسوله و آله الأطهار  و صحبه الكرام و الصوم عن الحقد و الكذب و السباب و التكفير والمكر و البهتان و ظلم النساء و الولدان و زكاة للنفس من جورها و فجورها و هواها و حج بالقلب و العقل إلى  طيبة فمكة فالكوفة فكربلاء و تحليق في رحاب العالم الإسلامي لنتأمل هل نريد إصلاح امة جد الحسين كما فعل الحسين عليه السلام، أم ننتحب في بيوتنا و بين أهلنا و لا يهمنا فلسطين و العراق و لبنان و باكستان و السودان و البوسنة و الصين و نيجيريا ...هذه هي عاشوراء ذلك العنوان المحرج الذي يحاول البعض تغليفه بالحزن و بالفرحة آخرين ، عاشوراء ليست خلجة نفسية فقط و إن كان ذلك منها و إنما هي همة روحية لا تقتصر على كلمة أو جلسة أو دمعة أو بسمة أو حركة، إنها ثورة على الذات و المجتمع  عندما يسقط كلاهما رساليا  في معترك  صراع إرادات الحق و الباطل ...و يبقى لعاشوراء ذلك الصوت الصاخب على "نحن" لان يراجع حركته و قيمته و رسالته في كل تحريكة عبر الزمن و المكان و الحياة كلها ، و حتى لا يكون الإسلام  لعق على ألسنتنا كما حدثنا الإمام الحسين عليه السلام  و عاشوراء العاشر من محرم فقط ...تعالوا نتواضع لإسلامنا و شخصياته العظيمة و نستلهم منها الرسالية و البصيرة و الصبر و الحكمة و النباهة لنكون أهلا للإنتساب و الإنتماء للإسلام في عاشوراء  الحياة و كل المناسبات الإسلامية التي تركز الوحدة و تخطط التنوع لخدمة  رسالة التوحيد في العالم و ليس العكس ...لنحدث زوجاتنا و أولادنا و أهلنا و أحباءنا و جيراننا عن عاشوراء الإسلام نطلق ثقافة عاشوراء مع ثقافة الوحدة و التعايش و نصد ثقوب الخصام  بحب الحسين و آله الأطهار و صحبه الأبرار، فكروا و اعملوا لأن يبقى الحسين عنوانا إسلاميا يعطي للإنسانية ثقافة الحياة الإسلامية و لا تقحموا الحسين في خلافاتكم الوهمية ، حدثوا الناس عن الحسين عليه السلام الذي حدث كل الناس كجده رسول الله (ص) و أبيه المرتضى (ع) و أمه الزهراء (ع) و أخيه المجتبى (ع) ، عرفوا بناتكم و زوجاتكم و أمهاتكم و أخواتكم إسلاميا  عن العقيلة  زينب عليها السلام  و السيدة رقية والسيدة سكينة و أم البنين ، جالسوا شبابكم بالحديث عن القاسم و علي الأكبر و ذلك الشاب الذي أنشد قائلا :

أميري حسين ونعم الأمــيـر               سرور فؤاد البشير النذيـر

علي وفاطمــة والــــــــــــداه               فهل تعلمون له مـن نظير

له طلعة مثل شمس الضحى               له غـرة مثـل بـدر منــــير

 و قصوا لشيوخكم عن  حبيب بن مظاهر الأسدي و زهير بن القين و مسلم بن عسوجة و كهولكم عن مسلم بن عقيل و الحر بن زياد الرياحي و الإمام العباس عليه السلام  ... أطلقوا قناة بإسم الحسين تجمع المسلمين و تصلح أحوالهم و تكون منبرا لبعث ثقافة الحسين الإسلامية بعيدا عن الاحتقان المذهبي و العقدة الطائفية ...هكذا لعل و عسى نقترب من عاشوراء لنعيشها بصدق و حق و عدل و رسالة تشع بنور الإسلام المحمدي الوجود الحسيني البقاء و نقدر أن نتحاور مع المسيحي من خلال الحسين فندع سيرة الحسين تعرفه عن حقيقة المسيح عليه السلام ...

اليوم نحن بحاجة للمرحمة أيها المسلمون فالحسين عليه السلام  عاش الإسلام الرحمة لأنه من رسول الله فبقي بجنب جده و أبيه و أمه و أخيه لينشروا الرحمة على العالمين بإذن الله ، فماذا يا من تحب الحسين عليه السلام صدقا و عدلا؟ هل تتقن نشر الرحمة أم انك لا تعرف إلا التظلم و السباب و التكفير و الفرقة ؟ يكفي أيها المسلمون لا تكونوا أحبة الحسين و في رحاب عاشوراء الرسالة إلا إذا عشتم الإسلام الأصيل كما عاشه الإمام الحسين عليه السلام ...السلام عليك و رحمة الله و بركاته يا سيدي و مولاي ونور قلبي و إمامي و بصيرتي و قدوتي و السلام على جدك المصطفى و أبيك المرتضى و أمك المعصومة و أخيك المجتبى و على الأئمة من ولدك و الصحابة الكرام و لا جعله الله آخر العهد مني إليكم يا عباد الله الصالحين ...

و الحمد لله رب العالمين

(*) كاتب و باحث إسلامي جزائري