بسم الله الرحمن الرحيم

   

مع الشكر الجزيل للعلامة العامل والمجاهد الشيخ حسن الصفار على هذه الثقة الغالية في هذه الظروف الصعبة والحرجة.

ومع التقدير للأخ الأستاذ الدكتور عصام عباس على هذا الجهد الكريم الذي عودنا عليه سنويا قبل أن نعود إلى العراق لنخوض معركة جديدة من صفحات كربلاء . نقدر هذا الجهد ونتمنى أن نساهم ولو قليلا في إعطاء صورة قد تساعد على إحياء الأهداف التي ضحت من اجلها سيدتنا العالمة الفاضلة المهذبة الناشئة في بيت النبوة سيدتنا بطلة كربلاء الحوراء زينب سلام الله عليها.

أريد أن انطلق خلافا لما كان يجول في ذهني في هذا الحديث من كلام سماحة الشيخ حسن الصفار إلى شروح إضافية وآفاق جديدة وهو كلام فيه حيوية وفيه انطلاقة تدعونا إلى التأمل والى المتابعة ..

أولا :- حول مشاركة النساء في هذه الندوة : أنا قررت أن أعطي ثلاثة دقائق   من الدقائق الخمس عشرة التي اتفقنا أن نزاحم أوقاتكم فيها للأخت الفاضلة التي أرادت أن تتحدث بالأمس بدقيقة واحدة فلم تسمح لها الفرصة.

 

ثانيا : مرتكزات الشخصية المضحية واتلي تتمتع بالخصال الثلاث .. المسؤولية والكفاءة والتضحية ..

يقال أن القرارات التي تغير مسيرة الأمم وتحدد مصيرها في الأغلب تكون قرارات غير شعبية في البداية : أي أنها تخالف المعروف والمشهور والمتداول بين الناس ، فهنالك  جمع من الناس يسيرون في طريق يأتي شخص ليرتفع في وسطهم وهو يتمتع بالمسؤولية وبالكفاءة والتضحية ليقول لهم إن الطريق الذي تسيرون فيه هو طريق خاطئ ومنحرف يؤدي إلى فوارق والى ظلال ... هكذا كانت دعوة الأنبياء ، رسول الله "ص" نشأ في مجتمع كله يعبد الأصنام ويقدسها ، وإذا به يقول لهم إن ما تعبدون به من دون الله حصب من نار جهنم .. ليس هناك أكثر من هذا العنف في توعية الأمة لكي تنتقل من واقعها السيئ إلى واقع آخر وصفه ربنا سبحانه وتعالى بقوله :  (( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم فيها))  .. فهي في فطرة الإنسان ولكن كيف تتفجر هذه الفطرة ؟  تتفجر إما بعوامل خارجية وهي في نظري عوامل ثانوية ، أما العامل الأكبر فهو عامل ذاتي ينبع من إيمان الإنسان بالله تعالى وقدرته على حمل أعباء الرسالة بمسؤولية ليوصلها إلى الناس ولو بظروف حرجة ..

والعامل الثالث : هو عامل التضحية .. فمن أحس بالمسؤولية وآمن بالرسالة  سيكون على استعداد لكي يضحي في سبيلها .. وحياة الإنسان أجمل ما يكتشفها إذا ضحيت في سبيل الله تعالى وفي سبيل العقيدة الصحيحة وفي سبيل المبادئ السامية ...

سيدتنا زينب سلام الله عليها هي مثال لكل هذه المعطيات التي أتحدث عنها بل هي الأسوة والمعلمة :  يقولون في المثل الشعبي الشامي  " الأم   تلم  "     يعني أم العائلة تجمع أبنائها  ، ما دامت الأم موجودة الخلافات قليلة ...

يبدو ان العائلة البشرية بحاجة إلى أم ..

كانت مريم سلام الله عليها أما للبشرية يوم انفردت في الهيكل لتعبد الله على حق ولتهيأ لولادة المسيح ، ليصبح أمناء الهيكل السابقين للحق ، وأمناء الهيكل موجودون بكل مكان وانتم تعلمون ذلك..

أم البشرية في عهد رسول الله "ص" كانت خديجة حتى ولدت فاطمة وقامت هي بالدور لذلك قال رسول الله "ص"  ( فاطمة أم  أبيها )   فهي أم البشرية التي تجمعها على خير ..  وبعد فاطمة كان لابد من دور آخر في المنعطف الحاسم الذي يمثل قمة الصراع بين الرسالة الإسلامية وبين الجاهلية ...

ومنعطف المعركة الكبرى في كربلاء كانت زينب سلام الله عليها تؤدي هذا الدور خطوة خطوة ، فهي تمثل القيادة والثقافة وكلما تبحث عنه الإنسانية من خير ،  في ذلك الوقت ظهرت السيدة زينب "ع" ليس تلك الضعيفة التي تبكي ولا تلك التي تضرب رأسها بالمحمل ولا تلك التي تولول ... بل هي التي اتبعت وصية أخيها الحسين"ع"  الذي قال لها :

" تعزي بعزاء الله فان أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون فان أنا مت فلا تخمشي علي وجها  ولا تشقي علي جيبا "  ...  هكذا كانت السيدة  زينب عليها السلام ...

وكلمتها المعروفة التي سمعناها بالأمس حين وقفت على جسد أخيها الحسين وهو خير جسد طاهر لتقول " اللهم تقبل منا هذا القربان "

 

آخر المطاف وأهمه .. زينب ليست قصة في التاريخ ..  نحن نستطيع ان نجلس ونبكي على المأساة ، ونحزن على الحدث ، ونكتب قصص أدبية وننظم أشعاراً ..  لكن زينب حالة متجددة ، حالة قائمة يحتاجها الرجال والنساء معا ...  إن  المعركة قائمة أيها الإخوة  في العراق وفي فلسطين وفي لبنان وفي أفغانستان ....

هذه المرأة الفلسطينية التي تقول إنا ضحيت بخمسة أولاد هي تمثل بالحقيقة صورة زينب

المرأة اللبنانية تحت القصف تقول انأ أقدم أولادي في سبيل الله لتستمر المقاومة تمثل صورة زينب

المرأة العراقية في الفلوجة أو النجف أو البصرة أو كربلاء حين تقول  لا  للأمريكيين  ولا  لبطشهم  ولا لاستعمارهم  ولا  لمخططاتهم  ولا  لتفرقتهم  الطائفية  ولا لبرامجهم التخريبية  ... هذه تسير على نهج السيدة زينب سلام الله عليها

الشاعر الشيعي في العراق  -  يقول للفلوجة :-  تحية فلوجة الإباء .. ويا شموخ كربلاء .. يا صرخة الأرض تنادي صيحة السماء ..

هذا هو الموقف الزينبي الموحد ..  زينب ليست طائفة معينة من الناس ..  زينب للأمة كلها وللإنسانية كلها .. زينب ليست شيعية ولا سنية بالمعنى الطائفي المفرِّق الذي يثيره الأعداء بيننا .. ولكنها شيعية لولاء آل البيت فهي رمز هذا الولاء ، وهي سنية لإتباع سنة المصطفى محمد "ص" فهي منتسبة له ..  هذه هي زينب

 

نحن في هذه المناسبة بحاجة إلى مجابهة الخطر القادم لتحديد المنهج المعادي الذي يريد أن يعصف بالأمة ...

ما يجري في العراق أيها الإخوة هو مشروع استعماري صهيوني .. ليس هو تحريرا ولا إنقاذا للشيعة على حساب السنة ولا دفاعا عن السنة  على حساب   الشيعة  ولا إنقاذا  للأكراد على حساب العرب ...  هذا كله زيف تُخدعُ  به بعض الناس أو بعض الشرائح في بعض الأوقات ، ولكن الحقيقة ظهرت بعد أربع سنين من الاحتلال وبعد الاستدمار والبطش .. بعد أربع سنين اكتُشفت الحقائق وتوضجت الصورة ..

الشعب العراقي اليوم يعتز بانتصاره  على مشروع الاحتلال بالمجاهدين الأبطال من أبنائه الذين لا يعرفهم احد ، واستذكر الذين يسيرون حفاة على أقدامهم ، يقاتلوا اعتى قوة في العالم .. هؤلاء هم أبناء العراق الذين نعتز بهم جميعا والذين اسقطوا المشروع الصهيوني الأمريكي في العراق وسيقضون عليه بإذن الله ، ولكن أمامهم تحدٍّ خطير وهو تحدي بناء المشروع  الوطني الموحد البديل وهذا هو الذي نعمل عليه جميعا مع المخلصين بعد أن توضحت الصورة ..

ونحن نستلهم من سيدتنا زينب مواقفها ونسال الله أن يقبل شفاعتها فينا وان يسمع دعائها لنصرة أبناء أمتها ليخرجوا من هذا التيه ومن هذا الظلال ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.