كلمة طائفة المسلمين الموحدين المؤمنين " الدروز"

ألقاها الأستاذ الدكتور المحامي حمود البكفاني

                                                                           

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين واله وأصحابه أجمعين

أيها السيدات أيها السادة

لقد واكب المسلمون المؤمنون الموحدون " الدروز" مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي منذ بدايته احتفاء بالذكرى العطرة لميلاد الحوراء زينب عليها السلام بمعية صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم أبو عسلي "دام ظله" .. وقد وقع الاختيار على شخصي المتواضع هذا العام للمشاركة بهذه الكلمة ..

والتزاما بشعار المهرجان الذي وضعته اللجنة المنظمة بإشراف الأخ والصديق الدكتور عصام عباس المتضمن ( دور المرأة الثقافي والسياسي والقيادي في منهجية السيدة زينب "ع" ) فإنني سعيت جهدي لوضع هذا الشعار ضمن السياق الإسلامي الإيماني التوحيدي لإلقاء الضوء على دور المرأة المسلمة المؤمنة الموحدة والمطلوب منها بعد أن تملك المؤهلات الثقافية والسياسية والقيادية ليكون الشعار واقعا معاشا وقابلا للتحقيق .. 

ولنبدأ بالدستور الإلهي الذي شرعه رب العالمين ليكون صالحا في كل زمان ومكان في الدين والدنيا .

فإذا كانت الآية الثالثة من سورة النساء قد ربطت تعدد الزوجات بنقطتين جوهريتين :

الأولى – الخوف من عدم القسط في معاملة اليتامى  . 

الثانية – الحرص على العدل بين الزوجات

وبالتطبيق العملي خلال هذه القرون لم نشعر أن التعدد قد حالفه التوفيق بل إن المرأة المسلمة قد وقعت تحت عبودية الرجل وضرر " الضَّرة "  فكيف يكون لها أي دور ثقافي أو سياسي أو قيادي إذا كانت مسلوبة الحقوق ومهددة في حياتها وحريتها ولا ينظر إليها الرجل إلا كسلعة وقطعة من أثاث منزله .

لذلك فان المسلمين المؤمنين الموحدين " الدروز " قد فهموا مضمون هذا النص مبكرا وتقيدوا بنص الآية 129 الحاسمة بقولها :

(( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ))

والمرأة المسلمة المؤمنة الموحدة تعرف سلفا أنها خلقت ليكون لها شريكا واحدا في حياتها الزوجية لتسكن إليه وتبني معه المودة والرحمة كما هو النص الواضح من الآية 21 من سورة الروم ، ولذلك فإننا نشعر باعتزاز كبير على إن أبناء مذهبنا الإسلامي الإيماني التوحيدي لا تهدد حياتهم الأهواء والنزوات بل يتعاون الشريكان على السعي لبناء أسرة فاضلة شعارها المودة والرحمة ليكونوا في مجتمع مترابط يشد بعضه بعضا ولذلك فان للمرأة في مجتمعنا الدور الأساسي في تنشئة الأسرة والخلية الأساسية في بناء المجتمع وتُرضع أطفالها حب الوطن وتقديم الغالي والنفيس في سبيله ..

وتاريخ المذهب يوضح الصفحات الناصعة عن دور المرأة والاحترام المتبادل معها لتبقى على طهرها وعفتها واقتداءً بأمِّنا فاطمة الزهراء وابنتها زينب الحوراء 

ـ  وعندما تحيق بالوطن الملمات والدواهي كانت المرأة المسلمة المؤمنة الموحدة هي الساعد الأيمن لأبيها وابنها وأخيها وزوجها وكثير من الأحيان فان المقاتل تشدّه حمية الدفاع عن العرض والأرض وينتخي بأعز الأسماء إلى قلبه من أخواته أو أمه أو بناته ..

والقائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش طيب الله ثراه قد رفع شعارا أساسيا ووحيدا وبايعه الشعب العربي السوري بقوله(( الدين لله والوطن للجميع)) ، فقد كانت الحمية تثور في رأسه عندما كان يقول قبيل كل معركة أو موقف حاسم   "  أنا أخو سميّة "

ولتسمحوا لي لإغناء  شعار هذا المهرجان أن أورد الحادثتين التاليتين من تاريخ الثورة السورية الكبرى :

الأولى: إن المجاهدة وأم الشهيد " السيدة بستان شلفين "  آلت على نفسها بعد استشهاد ولدها أن تُركب فرسها خِرج تضع في جانب منه الخبز والماء وفي الجانب الآخر الذخيرة والقنابل وعلى كتفها باروده حربية وتمد المقاتلين يوميا على هذا الشكل .

 

الثانية :  ليلة معركة المزرعة في 2 آب 1925م جردت فرنسا كل قوتها البرية والجوية في منطقة الشرق الأوسط لتضرب بؤرة الثورة في محافظة السويداء وقد سمعتُ شخصيا من القائد العام للثورة السورية سلطان باشا الأطرش بان الأخبار التي رصدت قوات العدو لم تكن مُريحة بالنسبة إليه لا من حيث العَدد ولا من حيث العُدد ، حيث كانت القوات الفرنسية تزيد على ثلاثة عشر مقاتل بقيادة الجنرال ميشو من أشهر قادة الحرب العالمية الأولى ، لذلك اخذ يفكر القائد العام بالمناوشة وإشغال العدو ليؤَّمّن انسحاب الأطفال والنساء تجنبا لما قد يقع من آثار لا تحمد عقباها ... وإذ المفاجأة المذهلة التي كانت له وللمقاتلين ونسجلها بمداد من الذهب بعد أن سجلتها صاحبتها السيدة " شمة أبو عاصي " بدمها وحماستها وذكائها أنقلها إليكم بمنتهى الأمانة التاريخية لتكون هدية لهذا المؤتمر تضاف إلى الصفحات الكربلائية :

لجا إلى منزل السيدة شمة أبو عاصي في بلدة نجران المحاذية لسير الحملة الفرنسية مجموعة من المقاتلين المتراجعين من أتباع مذهب المسلمين الموحدين المؤمنين وعلامات الإرهاق والإحباط بادية عليهم فتظاهرت بإكرام وفادتهم وقدمت لهم " منسفا عربيا" مملوءا باللحم والكبة والبرغل وترعت غطاء رأسها وصرخت بهم :  أخي وزوجي قد قتلا اليوم في مقدمة الحملة الفرنسية ومن لديه الحمية والرغبة الأكيدة بالدفاع عن الأرض والعرض فليتفضل ويأكل من هذا الطعام وكان الذهول الأكبر بانعطاف الحضور بان دبت الحمية والحماس وهلهلت الزغاريد لعين شمة أبو عاصي وداهم الحضور مؤخرة الحملة الفرنسية وسلبوا منها البغال المحملة بالذخيرة والعتاد والأدوية الطبية وسارعوا إلى مكان وجود القائد العام سلطان باشا الأطرش وهم يصيحون بشراك بشراك يا باشا ورووا له الحادثة وانتشرت تلك الرواية وتعاهد المقاتلون أن يشتتوا جمع الجيش الفرنسي .

أيها السيدات والسادة :

إن الإيمان يصنع المعجزات وذلك من قوله تعالى

" قالت الإعراب آمنا ، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم"

" إنما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون "

ـ نفخر بأننا من تلك الجذوة المباركة التي ترتبط بفاطمة وأبيها وزوجها وبنيها ونفخر بأننا من الجذوة التنوخية ، ونحن جذر أصيل من جذور الدولة الفاطمية بنت الأزهر الشريف .. ونحن الفاطميون كنا ومازلنا نشدد العزم على أن نبقى من العروبة بمثابة السيف ومن الإسلام بمثابة الروح

والفاطميون ما زالوا مسابقة              بأمة الخير .. والخيرات تكتسبُ

أسماؤهم قبب بشرى لمن وهبوا          جناتهم طربٌ ... إحقاقهم طلبوا

عاش العقيدة بالعرفان من فقهوا             وللمعري بغفران المدى عجبُ

وهذا الكلام لعلامة العصر الدكتور اسعد احمد علي مرشد الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية .

وهو النموذج المتميز للدعوة إلى التسامح وفهم الآخر واحترامه وأسس مجلسا لآدم عليه السلام لتكريس الفهم والتقارب بالفهم بين الأديان والمذاهب بلا تعصب ولا عصبية  والذي نسال له العمر المديد والرأي الرشيد والقوة والتسديد .

وهو أول ما زرع في عقلي وقلبي ما قاله الإمام علي في الوصية الوالدية لابنه الحسن عليما السلام :

"فتيقن إن صفا قلبك فخشع .. وتم رأيك فاجتمع .. وصار همك في ذلك هما واحدا ..

فانظر فيما فسرت لك وإلا فأنت تخبط  خبط عشواء .."

 ولذلك قال بلسان الحوراء زينب التي نحتفي بذكرى ميلادها العاطر:

العلم والذوق والأخلاق عِمّتهُ              وكفه الجود والتدبير والفقر

تلك الخصائص من يدري بمن سطعت      قالت أبي زينب واشتاقت الفطر

 وكما قال النفري الفقيه الصوفي " قلوب العارفين ترى الأبد وعيونهم ترى المواقيت "

 فقد خط اسعد علي هذا المنهج وقال :

تلاميذي جموح في ظموحي أروضه بروحي     وابعثه فتوحا كالمسيح تغذيها جروحي

تلونها بريشات المحبة .. فتنبت كل ضربة ربيعا تعشق الأزمان خصبه

تلاميذي محبة .. محبة مؤمن ما خان ربه

وإنساني برؤياه محمد .. به كلي توحد   فلون محبتي فيه تمجّد

وصار بياضه الفطري اسود

وصرت بنعمة التوحيد اسعد 

إن هذا الفهم القرآني المتميز قد عاشه المسلمون المؤمنون الموحدون منذ فجر الإسلام وطبقوه في حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والوطنية والدينية ، وأهلنا في الجولان الحبيب شعلة مضيئة تدل على الصمود  وصحة الانتماء لكل ما يعزز المواطنة ويرفع من قيمة الوطن ومن هنا نتوجه إلى أهلنا الصامدين بالتحية ونسال الله تعالى أن يجمع شملنا ويعود الجولان السليب إلى الوطن الحبيب ونكون قد رددنا التحية للشهيدة غالية فرحات التي فجرت نفسها في صفوف العدو بالجولان رفضا للجنسية الإسرائيلية.

 كما إننا بهذه المناسبة ونحن في أسبوع تجديد البيعة لقائد الوطن السيد الدكتور بشار الأسد الذي قال في زيارته  للسويداء أن سورية هي القلعة المنيعة والسويداء هي الصخرة الصلبة في هذه القلعة .. فإننا نجدد له العهد والبيعة على أن يبقى المسلمون الموحون المؤمنون الدروز على عهدهم بالوفاء للوطن و لسيد الوطن   والاستعداد الدائم للفداء مهما كانت التضحيات .

 ولا ننسى تقديم الشكر الجزيل إلى اللجنة المنظمة للمهرجان والقائمين على المركز الثقافي العربي بالمزة ..

والشكر كل الشكر للأخ والصديق الحبيب أبو علاء الدكتور عصام عباس على ما يبذله من جهود مادية ومعنوية لإحياء مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي ليبقى شعلة منيرة للأجيال وتسبيحا للجمال بذاته في قلوب العارفين وتقديسا للكمال في محاريب النفوس المطمئنة ..

 وأولا وأخيرا سبحان من ليس إلى أسبابه غاية .. وسبحان من  لم يجعل للعالمين طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته ...

الكل يسير وقليل هم الواصلون

طوبى للذين ابعد مداركهم .. وعزز مسالكهم .. فنعموا بوجدهم ومازالوا بهذا النعيم يتواجدون .. ومن بحر الأحد الفرد الصمد يغترفون وبكؤوس حقائق الإحسان والتوحيد يشربون ..

فجزاهم الشاهد والمشهود وانيسهم الباري المعبود ، بنعيم القيام والقعود حتى اليوم الموعود بظهور المهدي المنتظر ليملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملأت جورا وظلما .. عجّل الله فرجه

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته