كلمة سماحة المفكر الإسلامي العلامة الدكتور الشيخ حسن الصفار "حفظه الله"

لدى ترؤسه الجلسة العلمية الثانية

في  مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي السادس عشر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته   

﴿بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (آل عمران:195)

عنوان هذا المهرجان: الدور الثقافي والسياسي والقيادي للمرأة في منهجية السيدة زينب ، ونحن نعلم أن فكر السيدة زينب مستوحى من الإسلام، فهي بنت الإسلام وربيبته وهي من حملته فكراً، وجسدته عملاً وسلوكاً، ولذلك ونحن نتحدث عن هذا الموضوع أحببت الإشارة إلى الفكرة التالية:

أكثر الناس في الحياة يدورون ويدارون، وقلة من الناس هم من يكون لهم دور، أما الأكثرية فهم يدورون في أفلاك مجتمعاتهم، وقد لا يكون ذلك وفق تخطيط واختيار مدروس من قبلهم، ولكنهم وجدوا أنفسهم في بيئة فأصبحوا يدورون في فلكها، وقسم آخر وهم القليل من الناس الذين يقومون بدور القيادة في مجتمعاتهم، فيكون لهم دور مؤثر في حياة تلك المجتمعات، أما الأكثرية فهم يُدارون ويكونون أتباعاً غير مؤثرين في حياة مجتمعاتهم، القلة المحدودة هي التي تكون صاحبة دور.

أريد أن أتحدث عن العوامل التي تجعل الإنسان رجلاً كان أو امرأة صاحب دور في مجتمعه. ويبدو لي أن هناك ثلاثة عوامل ذاتية إذا توفرت في شخصية إنسان أصبح صاحب دور في مجتمعه، وإلا فهو جزء من الأكثرية التي تدور وتدار.   

العامل الأول: الشعور بالمسئولية:

فأكثر الناس يفتقدون الشعور بالمسئولية تجاه مجتمعاتهم، وتجاه الحياة، إما بسبب اللامبالاة، أو لضعف ثقتهم بأنفسهم، و لتجميد عقولهم. الشعور بالمسئولية هو الذي يحرك المصلحين والقادة وأصحاب الأدوار لكي يتبوءوا مواقعهم القيادية في مجتمعاتهم.

العامل الثاني: امتلاك الكفاءة:

فالدور إنما تصنعه كفاءة الإنسان، من يمتلك الكفاءة يستطيع أن ينتزع دوره، أي يكون مؤهلا لانتزاع دوره، والكفاءة موجودة في أعماق كل إنسان، لكنها بحاجة إلى اكتشاف والى تنمية، قلة من الناس يكتشفون طاقاتهم وكفاءاتهم  ويفعلونها في حياتهم، فينتزعون أدوارهم في المجتمع.

العامل الثالث: الاستعداد للبذل والعطاء:

كثير من الناس قد يتطلع ويطمح إلى أن يكون صاحب دور، لكن تحقيق ذلك يحتاج منه إلى تضحية وبذل، وكما قال الشاعر:

لولا المشقة ساد الناس كلهم   الجود  يفقر  والإقدام  iiقتّالُ

إضافة إلى أن هناك عوامل خارجية، وأبرزها البيئة الثقافية والاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان، فبعض البيئات تشجع الإنسان أن يكون له دور، وبعض البيئات الثقافية والاجتماعية تقعد بالإنسان، وتثبّط عزمه، وتفتعل أمامه العوائق والعقبات، حتى لا يمارس دوره السليم والرائد في الحياة، وهنا يأتي دور الثقافة، ويأتي دور البيئة الاجتماعية، بعض البيئات الاجتماعية تحفّز الإنسان حتى يتطلع، المجتمعات التي تعيش أجواء الحرية والتي تقدر الكفاءة، وتتاح فيها الفرص للفاعلية والإنتاج، يظهر فيها القادة، ويظهر فيها الرواد، حيث يتنافسون على الأدوار، وعلى التضحيات، وعلى العطاء.

وهنا نرى شخصية السيدة زينب، التي نحتفي بذكرى ميلادها المبارك، هذه المرأة أخذت دورها الكبير ليس في عصرها فقط، وإنما امتدّ تأثيرها لمختلف العصور والأجيال.

الثقافة السائدة في ذلك المجتمع الجاهلي قبل الإسلام تقوم على التمييز بين الرجل والمرأة، فتعطي الرجل الفرصة كاملة في الإدارة والقيادة، وتجعل المرأة تابعة خاضعة مهمشة، لا دور لها في قيادة شئون المجتمع والحياة، ولكن رسالة الإسلام جاءت ثورة على ذلك الجو الجاهلي، لتضع المرأة  في مكانها الطبيعي، إلى جانب الرجل، فالخالق واحد، والمصدر واحد، والمصير واحد، والمسئولية مشتركة بين الرجل والمرأة، يقول تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض من أراد أن يلعب دوراً في واقع المجتمع فالمجال متاح أمامه، وهكذا شقت رسالة الإسلام الطريق أمام المرأة لكي تأخذ دورها الكبير، لهذا نجد أن بداية الدعوة كانت بمساعدة ومؤازرة امرأة، فحينما بعث رسول الله ص وتلقى الوحي لأول مرة، فان أول من استقبله وآزره وساعده ووقف إلى جانبه، كانت خديجة بنت خويلد أم المؤمنين سلام الله عليها، وقفت إلى جانبه، ووضعت كل إمكاناتها تحت تصرفه، وبالمناسبة فان هناك رواية تشير إلى أن رسول الله ص حينما أوتي له بالسيدة زينب وهي وليدة صغيرة، قال: «أوصيكم بها فإنها شبيهة خديجة» وكأن في ذلك إشارة إلى الدور المشابه للدور الذي لعبته السيدة خديجة.

ولكن مع الأسف الشديد حصلت انتكاسة في واقع الأمة، عادت فيها تأثيرات الرواسب الجاهلية، لكي تنحي المرأة عن موقعها المشارك للرجل، وتعود المرأة إلى وضع هامـشي، فلا تشارك بفاعلية كاملة في شئون المجتمع الإسلامي، واحتفاؤنا بالسيدة زينب إنما هو دعوة لكي  تستعيد المرأة دورها.

اكتفي بهذا القدر واترك المجال لكي استفيد ونستفيد جميعا من مشاركات الإخوة الفضلاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

تعقيبات سماحة العلامة  الدكتور  الشيخ حسن الصفار

كرئيس جلسة عقب الكلمات التي قــُدِّمتْ خلال الجلسة العلمية الثانية التي ترأسها

***

أذكِّر بما قاله الشاعر العربي المسلم :        ولو كُنّ النساء كمثل هذي            لفُضِّلت النساء على الرجال

                                                 فما التأنيث لاسم الشمس عارٌ        ولا التذكير  فخرٌ  للهــــلال

الإنسانية جوهر والجسم مجرد شكل يحتوي هذا الجوهر في هذه الدنيا ، أليس هناك تفاوت في جوهر الإنسانية بين أن يكون في شكل أنثى أو شك ذكر؟ ..

المهم أن يكون ذلك الجوهر صافيا وان يمارس عطاؤه في هذه الحياة.

والعقيلة زينب بسيرتها تريد أن تؤكد لنا هذا المعنى

خاصة ونحن نعيش في عصور وبيئات أوجدت نوعا من اللبُس حول هذا المعنى بإنتاجها شيئا من الثقافات التي تنتقص من مكانة المرأة وتنتقص من موقعيتها وتصوّر وكأنَّ المرأة إنسان في الدرجة الثانية والرجل إنسان في الدرجة الأولى وهذا مخالف لمفاهيم القران ،

فالإنسانية درجة واحدة ليس فيها أولى وثانية ...

نعم ، هناك تفاوت في المقاييس الصحيحة(( إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم)) .. بالتقوى والعمل (( ولكلٍّ درجات مما عملوا ذكراً كان أو أنثى )) 

فبالتقوى وبالعمل الصالح تتحدد موقعية كل إنسان وليس بالذكورة والأنوثة ولا بشكل الجسد الجسم ولا بمختلف الاعتبارات الطارئة في عالم الماديات .

***

وتعقيبا على مداخلة سيدة دمشقية على موضوع تعدد الزوجات ورفضها القاطع لكلمة المحامي حمود البكفاني ممثل طائفة الموحدين "الدروز"

حول الالتزام بزوجة واحدة والابتعاد عن تعدد الزوجات وهو مذكور في نص كلمته المدونة

ذكَّرَ سماحة الشيخ حسن الصفار بنقطة هامة :

ان ما طُرح بالامس حول موضوع تعدد الزوجات فهي مسالة فقهية مقررة في الفقه الاسلامي في الاصل ولكنها مقررة على نحو الجواز اما الممارسة فهناك راي بالكراهية ... الشيخ الطوسي شيخ الطائفة رحمه الله له راي يخالف فيه راي اكثر الفقهاء حيث قال بكراهة تعدد الزوجات .. اذاً المسالة هذا أصلها : هي جائزة بنص القران ونص الاحاديث الشريفة وهذا ما اجمع عليه فقهاء المسلمين ، ولكن هذا الجواز محدد بضوابط وشروط ، وكما ان البيئة التي يعيشها الناس من وقت الى اخر ومن عصر الى اخر قد تُكيِّف هذا الامر من حيث الممارسة وليس من حيث اصل التشريع.

***

وفي ختام الجلسة التي ترأسها والتي شملت متحدثين من العراق والجزائر والجماهيرية العظمى

شكر سماحته المتحدثين على كلماتهم القيّمة وأرائهم السديدة ..

وتابع قائلاً: جزا الله الدكتور عصام عباس خير الجزاء حينما أعطى لهذه المناسبة وجهها المشرق بان تكون مناسبة جامعة ...

المناسبات الدينية ينبغي أن تكون دافعا للاجتماع ولكن أجواء التخلف الذي تعيشها الأمة ربما في بعض الأحيان تجعل من هذه المناسبات سببا لإثارة التصفيفات ولإثارة الخلافات في بعض الطروحات وبعض الممارسات ..

هؤلاء هم أهل بيت الرحمة الذين يجتمع المسلمون بل تجتمع الإنسانية كلها في ظل خيمتهم .. خيمة الرحمة والعدل والكرامة والمحبة .. سلام الله على السيدة زينب..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ