كلمة الأستاذ المهندس مراد عبد الملك غريبي
باحث وكاتب إسلامي - الجزائر
العنوان: السيدة زينب عليها السلام...نموذج المرأة الرسالية الخالدة
هي ذكرى ليست كالذكريات الجامدة جمود الروح و العقل و القلب و الحياة و الإنسان و الرسالة، هي ذكرى كلها حياة كلها نباهة كلها إيمان كلها ولاية كلها علم كلها شجاعة كلها عفة كلها تقوى كلها إسلام، في رحابها تلتقي بالأطهار تنهل من العصمة تتعلم العزة تستوعب منهج الإسلام ، على هداها تعشق الشهادة و تعبر للخلود إنها ميلاد الثورة بعد الشهادة إنها ذكرى الثورة الخالدة إنها عنوان كربلاء الرسالة إنها وزيرة الوعي الكربلائي...
إنها درة إنها جوهرة إنها لؤلؤة البيت المحمدي بنت القمر و الكرار أخت الحسنين و عمة السجاد عقيلة بني هاشم العالمة غير المعلمة، سرها أنها سر لا تعرف منه إلا الجمال و الصفاء و النقاء و البيان و الإيمان...
من أكون حتى أتحدث عنك يا ابنة المعصومة و المرتضى و أخت السبطين المجتبى و الشهيد في كربلاء، من أكون يا بنت رسول الله فو الله لست سوى مواليكم قدم ليتعلم من علومكم و يستلهم من نوركم الوهاج و يرقى في رحابكم إلى الحياة، فبدونكم حالي كالتائه العطشان لايرويه إلا ماء ولايتكم فسلام عليك يا ابنة الزهراء يا زينب المرأة الرسالية العظيمة الخالدة في الزمن الإسلامي كآلك الطيبين الأطهار و السلام على كل مؤمن جاءك ملبيا دعوة أحباءك من كربلاء حتى هذا اليوم السلام على كل من يعرف قدرك يا رمز العفة و الشجاعة و عنوان الرسالية و البلاغة يا صوت أبي عبد الله المدوي بعد كربلاء لن تمحو ذكرنا يا عين الصدق الكربلائي يا زينب يا أمنا...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
و الحمد لله رب العالمين و صلى الله وسلم و بارك على سيدنا محمد و آله الطيبين الأطهار و صحبه المنتجبين الأخيار و على جميع أنبياء الله و المرسلين:
بسم الله الرحمن الرحيم :
"سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ" (الأعراف/146)
إنها الدنيا بمدلهماتها و شهواتها و تغيراتها نعيشها عيش الراغبين فيها و نرقب أيامها رقابة الطامعين في الخلود الموهوم بها...
تمر السنين و الشهور والأيام و الساعات واللحظات و كلها ذهاب من بعض حياتنا، دون أن ينالنا شيء من الإعتبار و التدبر و التفكر فيها و معرفة صانعين المجد الحق لا الزيف الممجد و نحن في لقاءنا بكل ذكرى ننتسب إليها عنوة أو إيماء من ذكريات الإسلام الخالدة لا نستطيع أن يستقر بنا النوى على حقيقتها و قيمتها و أبعادها لو لم ننفتح على آفاقها الروحية و جواهرها الرسالية و علومها القرآنية...
حيث الحركة في طريق الإسلام الأصيل الذي أرادنا أهل البيت عليهم السلام أن نتحرك فيه ، من شروطها –الحركة-قيم الصدق و التقوى و التوكل الرسالية ، حتى نكون أهلا لبلوغ الأهداف الكبرى التي أرادنا الله و رسوله و المؤمنون أن نبلغها...
في هذا اللقاء الإيماني الإسلامي الإنساني المفعم بالأخوة الإسلامية والموعظة الحسنة و الكلمة الطيبة و العفة الرائدة و الشجاعة البليغة و العلوم الإمامية نكتشف ما معنى الإسلام عقيدة و شريعة و منهجا و مسؤولية و حركة في الحياة ...
في مثل هذه الأيام حلت بالدنيا عقيلة بني هاشم عليها السلام و عاشت في رحاب النبوة كما تربت في أحضان الإمامة و العصمة ونالت وسام الشهادة و بعثت رسالة الإباء و العزة و الكرامة في أبعاد العصر الإسلامي كلها...عاشت بنتا و فتاة و أختا و زوجة و أما لكل المسلمين الذين عايشوها و عرفوها حق المعرفة، عاشت كل هذا بحكمة إسلامية و قوة إيمانية، وعاشت من رسول الله القمة الروحية و ورثت من خديجة العطاء الإنساني و عاشت الشجاعة الحيدرية و العفة الفاطمية و الرحابة الحسنية و الشموخ الحسيني ، عاشت الولاية بكل تفاصليها فاستحقت العصمة الصغرى فمن منا له القدرة أن يجيب الناس عن حقيقة السيدة زينب عليها السلام كلها...
إنما نحن تلاميذ المدرسة الزينبية التي إذا التزمنا مواعيد دوامها سنتمكن من ولوج الصف الإمامي و النبوي بصحة و فعالية و امتياز و نباهة و رسالية، سنبقى نستوحي من قصة عظمة المرأة الهاشمية العلوية الفاطمية العقيلة زينب عليها السلام ما دمنا نتحسس مسؤوليتنا عن الواقع الإسلامي بكل تحدياته...
في رحاب هذا اللقاء وددت الحديث معكم عن السيدة زينب عليها السلام المرأة الرسالية الخالدة من خلال مواقفها البطولية و كلماتها البليغة و عقيدتها الإسلامية الراسخة كمحاولة لوعي دور المرأة و مسؤوليتها في الحياة الإسلامية الراهنة بعيدا عن التخلف و الجمود و الفوضى ...
تعالوا إلى حياة السيدة زينب عليها السلام مع أهلها و بسالتها في المحنة و ثقافتها في الدين و تجسيدها للقمة الروحية و العفة الإسلامية، لماذا لا نعرف عن السيدة زينب عليها السلام سوى النسب أيها المسلمون ؟ و بعضنا لا يعرفها حقا و صدقا ؟ لماذا نظلم زينب بدلا من نصرتها بضيق قراءتنا لسيرتها العطرة إما إفراطا أو تفريطا؟
لنسكت قليلا كما أومأت السيدة زينب عليها السلام للناس في الكوفة أن اسكتوا ، لكن لنسكت سكوت التلميذ لسماع أستاذه حتى لا نكون على شاكلة عامة ذاك الزمان فكلامها عليها السلام سره أنه مخترق للزمان و المكان لأنه باختصار صوت الحق :
الحمد لله و الصلاة و السلام على أبي محمد و آله الطيبين الأخيار ...
يا أهل الكوفة-وهناك عدة كوفة في العالم الإسلامي في زمننا المعاصر- يا أهل الختل و الغدر...
أتبكون ؟ !
و السؤال يحلق في الزمن الإسلامي ليحط في كل عصر ليسأل المسلمين على لسان العقيلة عليها السلام
أتبكون؟ !
إنه سؤال موجه للضمير المسلم سؤال ينفض الغبار عن المسؤولية في داخل كل مسلم
بالنسبة لنا اليوم سؤال السيدة زينب عليها السلام يتمحور حول كربلاء الرسالة في واقعنا فكل نفس مسلمة و كل عرض و مال و كل أرض-إسلامية- تنتهك في هذا الزمان هي ظلم للحسين عليه السلام و أهل البيت عليهم السلام و الإسلام الذي يفرض علينا مودتهم المودة الحقة و الرسالية لا المودة كخلجة من خلجات القلب بل روح تشع بنور الولاية الإسلامية...
و تقرب العالمة غير المعلمة لنا جميعا هذا المشهد السلبي بلغة قرآنية صلبة
إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ...
و ترجع لتؤصل السؤال و تفضح النفاق في النفس المعجبة بوهمها
أتبكون وتنتحبون ؟ !
إي و الله فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا ...
تعالوا نقتحم هذه الكلمات العظيمة باقتضاب و بمودة أكثر لقائلتها بعيدا عن اليأس و الخنوع و التنكر للحقيقة الساطعة في ثنايا كلامهم عليهم السلام جميعا...
إن السيدة زينب عليها السلام تريدنا أن نرتب حياتنا وفق الإسلام لتكون مواقفنا إسلامية فنفرح إسلاميا ونحزن إسلاميا...
و الحزن و الفرح في المعجم الإسلامي هو المسؤولية الرسالية الثابتة ثبات اليقين الإسلامي في وجداننا لا ذلك الحزن الإعتباطي و الفرح التقليدي بل هما الإحساس الذي يقرأ الواقع فيكشف زيفه و يحدد مواطن الخلل فيه فيتوجه نحو التخطيط للتغيير و البناء للإصلاح و التطلع للشهادة الرسالية...
و تبقى الفهمة غير المفهمة عليها السلام ترسم لنا النموذجية الرسالية للمرأة أولا و للرجل دائما، حيث تواجه الواقع السياسي المستكبر المجرم بكل دقة و حكمة و شجاعة و لا تنفعل باستفزازات المستكبرين ، كانت تدقق في كل ذلك الواقع و تجعل موقفها وراء عقلها الإيماني و ثقافتها الإسلامية السياسية ...
فهذا الشقي ابن زياد انفعل من ترفع السيدة زينب عليها السلام عن تهكمه في مجلسه، فاندفع يخاطبها غاضبا شامتا:
الحمد لله الذي فضحكم و قتلكم و أكذب أحدوثتكم !!
هنا وقفت السيدة زينب عليها السلام لممارسة دورها في الثورة الإسلامية الرائدة مؤكدة الموقعية العظيمة أهل البيت عليهم السلام في حياة الأمة كلها، مسقطة كل هالة السلطة الظالمة فردت على الفاسق الفاجر قائلة:
"الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد، وطهرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفتضح الفاسق، و يكذب الفاجر، و هو غيرنا يا ابن مرجانة"
فبهت الذي كفر سائلا: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟
فسطعت العقيدة الثابتة الراسخة النقية المطهرة، كالشمس لتطرد الظلام و تنشر نور الإيمان :
ما رأيت إلا جميلا، هؤولاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، و سيجمع الله بينك و بينهم ، فتحاج و تخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ؟ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة"
ونتأمل بعد ذلك بدقة ، الشروق الزينبي في أسمى و أبهى عفته و شجاعته و رساليته في مجلس يزيد الملعون ، حيث انفتح على هدم أركان هذه السلطة الظالمة و نفذت عليها السلام إلى نفض التمويه السياسي الذي صنعه ابن الطلقاء في عقول العوام فعرجت على التاريخ الإسلامي بمنهج قرآني راقي يثبت ليزيد الفرعون و ابن زياد الهامان أن لها عن السجاعة لشغلا و شغلها كمرأة مسلمة مسؤولة هو فوق السجاعة التجريدية بل إنه شجاعة رسالية ثقافتها قرآنية ومنهجها محمدي علوي فاطمي حسني حسيني ووصلت بفقاهتها السياسية إلى واقعة كربلاء و استخلصت بإيمان قوي صلب شامخ نقي قائلة للجور و الظلم السياسي عبر الزمن الإسلامي كله:
"...فكد كيدك، و اسع سعيك و ناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا، و لا تميت وحينا ، و لا يرحض عنك عارها..."
في هذه الفقرة من خطاب السيدة زينب عليها السلام يقين ثابت و إخلاص محض للإسلام كله بأن المستقبل للإسلام الأصيل الذي يقف في وجه الاستبداد كله و الظلم كله و الفجور كله ، و إن الخطاب يستبطن استشراف إسلامي إستراتيجي للمستقبل المنتظر و حشاها أن تقسم بالله انفعالا و هي التي أقسمت موقفا و رسالة قبل أن تقسم قولا ، لقد أقسمت لتحرك الإنسان الرسالي ليعمل على تحريك الإسلام في العالم من خلال ما زودته به هذه المرأة الرسالية العظيمة -العقيلة العالمة الفهمة غير المعلمة و غير المفهمة- من ثقافة قرآنية إمامية إسلامية حركية...
و تبقى مشكلة المسلمين أنهم لا يتعلمون الإسلام من نماذجه العظيمة و لا يعيشونه في أصالته و رحابته و رسالته ...
أيتها الأخت المسلمة كوني قوية و لا تخضعي للمستكبر في كل صوره الثقافية و الإجتماعية و السياسية و الأمنية ، و إذا أردت فعلا أن تكوني قوية فانفتحي على العقيلة عليها السلام و ادخلي صفها الإسلامي المليء بالعلم و الحكمة و الأخلاق الكريمة و الروحية العظيمة ، هنا في رحاب السيدة الطاهرة زينب عليها السلام تتربى الأجيال الرسالية الطامحة للحاق بجامعة العصمة و الإمامة الكبرى ، السيدة زينب عليها السلام مقرر إسلامي لابد منه للمرأة أكثر و أعمق لأن دور المرأة في المجتمع الإسلامي الإنساني مصيري و حساس لا يختلف عن دور الرجل من حيث المسؤولية الرسالية في الحياة ذات الخط الإسلامي ، و السير مع زينب عليها السلام يغني إسلامنا رجالا و نساءا فكريا و عاطفة و حركة ومنهجا و وسيلة و هدفا...
هذه هي زينب عليها السلام التي هي أمة بمواقفها و كلماتها كما لو أنها معنا الآن ...نزورها سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا لنصلح كل ما نعيشه من فساد و مشاكل في بيوتنا و مجتمعاتنا و ما نواجهه من قضايا في علاقاتنا، سنجد عندها الحل و التخطيط و الإدارة و التطلع لأنها انطلقت من الثقلين و في رحاب الثقلين لن تظلوا أبدا ...
و الحمد لله رب العالمين