كلمة المجلس الإسلامي الشيعي الإمامي الاسماعيلي لسورية

ألقاها : الأستاذ المهندس علي قبلان - نائب رئيس المجلس

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

أيها الأخوة الأفاضل                                                                                           

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله حمداً يوازي نعمه ولا يقصـّر عن فضائله، وصلى الله تبارك وتعالى على خيرته من خلقه محمد نبيـّه وعلى آله الأطهار وصحبه الكرام الطيبين الأخيار. وبعــــد

يسرني أن أشارك في هذا الاحتفال المبارك بمولد امرأة قلّ نظيرها بين نساء العالمين فهي امتداد للاصطفاء الإلهي الذي اصطفى مريم وخديجة وفاطمة، وهي نتاج تربية فريدة. فجدها نبي وأبوها وصي وكلاهما " أبوا هذه الأمة".  

من مرابع حكمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مهبط الوحي ومحط الرسالة ومن أعماق إيمان علي عليه السلام، ومن طهر الزهراء نما نبت زينب، وفي ظلال هؤلاء الثلاثة وفي أحضانهم كبر وشبّ هذا النبت. نبت وحي وحكمة وطهر، ورعاية سماوية عالية فريدة وحيدة يسميها الله زينب ويستجيب الجد الأكمل والأب الأطهر والأم الأنور، فتكون زينب عقيلة " بني هاشم" كما سّماها ابن عباس لا عقيلة الطالبيين وحدهم. فإليها ينسب الشرف وبه تعلو حتى حين كاد الظلم لها ولأهل بيتها.

يعلم الناس أن أثر الإنسان يمتد إلى من يأتي بعده، أما أثر زينب فتجاوز من بعده وعاد إلى أجدادها إلى هاشم وذريته، ومن ذريته معظم أبطال الإسلام وروافد الإيمان وحملة شعلة تحرير الإنسان.   تحرير الإنسان من ظلم الجهل وسطوة الأنا وحب الذات وجمع المال وما إلى ذلك من شرور عالم الدنيا.   حملت زينب العظيمة ميراث بني هاشم في موقف تأسيسي ما كان لأحد أن يحمله إلاّ أخيها حسين كربلاء.   حين سقطت الراية من يد الشهيد تلقفتها يد زينب،  ورفعتها شامخة وأنطقتها بلسان علي عليه السلام وبلاغته،  وأفصحت عن قضيتها بشجاعته وصدق بيانه، وأذهلت عقل ولسان الظلم والطغيان يزيد بن معاوية بحكمة محمد صلى الله عليه وسلم وصبره. بل أية شجاعة كشجاعة زينب وقد ذبحها طغيان الظلم وسيف القوة سبعين مرة في سبعين شهيد بكربلاء ولكنها على حنانها ورقتها وهول ما أصابها لم تنس ما بعد المحنة.   وهذه شيمة الإمام والقدوة والأسوة والنموذج والمثل.   لو استكانت زينب يوم واجهت يزيد لهول محنتها لانتصر يزيد،  وربما لا نمحت قيم رسالة جدها. ولكنها أسست لما بعد المحنة وأشادت بناء كرامة الأمة، يوم احتضنت ابن أخيها المريض علي بن الحسين إمام الصابرين عليه السلام و حمت نساء أهل بيت محمد حتى لا تخرج البركة والرحمة من حدود الأرض. استصغرت يزيد وتفاوقت عليه حين قالت: " لئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك إني لاستصغر قدرك واستعظم توبيخك"  لعل هذا الصوت أيها الأخوة ليس صوتاً بشرياً ولكنه صوت يفوق التصور ويعلو على الخيال ولعله مع إرادة من الله " صوت الحق " يمدّه قـَدَرٌ من الله.   إنه جمال صوت محمد وجلجلة صوت علي عليهما السلام اجتمعا في الزهراء فأنبت زينب.  

فإليك يا عقيلة بني هاشم وصفية محمد وعلي في يوم مولدك نرفع التحية ونخفض الرأس إجلالاً وإكباراً.

ما هي زينب ؟  

أيها الأخوة الأكارم

زينب، امرأة  مسلمة ولدت شريفة وربّـاها أشراف، ولكنها واحدة من أهل بيت مثلت فيه دور المرأة المسلمة خير تمثيل، فهل لها اليوم من عديل؟ هل تقبع المرأة المسلمة في بيتها تطبخ وتنظف وتترك الشأن العام لنصف المجتمع فقط.  

من المؤسف أن فقه المسلمين تسلّى بالمرأة وأدار جدالات حول مجال تحركها وكيف تستر نفسها وكيف تسير..الخ ما لا حاجة بنا إلى تعداده حتى ظن معظم المسلمين أن لا دور للفقه سوى الاهتمام بالمراة حجاباً وزواجاً ومتعة وإنجاباً.  

ماذا نعرف عن لباس زينب ومجال تحركها في بيتها وعلاقتها بزوجها؟ هل ذكر التاريخ من ذلك شيئاً يمـيّزها؟ لا ! ولكنه ذكر لها موقفاً ترك أثراً في المجتمع، فلنبحث عن الأثر الذي يجب أن تتركه المرأة في المجتمع وكيف. وما هي الطريقة التي يجب أن نربي عليها نساءنا لكي يأخذن دورهن في المجتمع.  

لقد ولّى عصر يزيد وزينب بسياقه، ولكن قيم زينب لن تزول وكذلك شرور الطغيان لن تزول. والحياة صراع ينتصر الخير حيناً ويطغى الشر حيناً ولكلّ رجال ونساء. ولا يزول طغيان الشر إلا بكفاح حضنة الخير وحاملي لوائه.  

ليس وضع المسلمين اليوم بأفضل من وضعهم يوم استصغرت زينب يزيد، وإن تغيرت الأشكال والسياقات والمواقف.

إن وضع المسلمين اليوم يدعو حملة لواء الخير إلى التصدي لكل ما يحيق بالمسلمين من الأذى ولمكافحة من يوقع بهم الأذى.  

هذا وإن حفيد زينب العقيلة الإمام شاه كريم بن علي الحسيني الإمام التاسع والأربعين للمسلمين الشيعة الإماميين الإسماعيليين يتولى دور الكفاح لنصرة الإسلام والمسلمين وهو الذي يرى في الجهل عدو المسلمين الأول لذلك أقام الجامعات والمعاهد وما يستتبع ذلك  في دول العالم النامي، من أجل إزالة الجهل وإحلال المعرفة وتطبيقاتها وما ينتج عنها، ومثالنا على ذلك ما تقوم به شبكة الآغا خان في بلدنا العزيز سورية. وقد قال في مقابلة مع مجلة دير شبيغل الألمانية حين سئل عن صراع الحضارات قال: " أنا أفضل الحديث عن صراع الجهل. يوجد الكثير من الجهل الخطير والمؤذي والمريع. ثم يشير إلى جهل العالم الغربي بالإسلام والمسلمين قائلاً: ماذا تظن أن شخصاً متعلماً في القرن الحادي والعشرين يعرف عن الإسلام؟ انظر إلى التعليم الغربي وستجد أن الحضارات الإسلامية كانت غائبة وحسب علمي لا شيء. نحن بحاجة إلى عمل الكثير على صعيد التعليم للتغلب على ذلك. عوضاً عن أن نصرخ في وجه بعضنا البعض، نحن بحاجة لأن نصغي لبعضنا. بالعمل المشترك والمتبادل نستفيد من بعضنا البعض.  لقد حققنا معاً بعض أعظم الإنجازات في تاريخ الحضارة الإنسانية. لدينا الكثير للبناء عليه. لكن أعتقد بأننا لا يمكن أن نبني شيئاً على الجهل."  

لم تكن زينب إلا رائدة في مجال التعليم بالقول والقدوة، وهكذا يجب أن تعود نساؤنا إلى العلم والمعرفة، إلى التحرر من الجهل والسيطرة الذكورية التي ورثناها من ثقافة القرون الوسطى لكي تساهم في بناء مجتمع الحضارة والتقدم والازدهار ولن يفلح بعقل نصفه أو بجهد نصفه. 

إننا اليوم في بلدنا العزيز سورية ننعم بقيادة واعية مدركة لأبعاد تحرر المجتمع بكل أطيافه ومكوناته،  لذلك شهدنا في العقد الماضي بناء الجامعات والمعاهد العلمية المتعددة التوجهات والتخصصات لكي تعيد إلى هذا المجتمع وبخاصة الشباب الدور التاريخي الذي قام به في تكوين الحضارة الإنسانية.

إن الاحتفال بميلاد زينب لا يجوز أن يكون احتفال فريق في المجتمع بل احتفالاً بأحد النماذج الكثيرة في تاريخنا العربي، وإذا كان هذا التاريخ قد شهد بعض الشوائب، ومنها الصراع على السلطة باسم الدين فإن حاجاتنا اليوم تتطلب السمو فوق تلك الشوائب والتطلع إلى الوحدة الوطنية والوحدة المعرفية والعمل بكل قوة لتحقيقهما في أقصر الأوقات وبأمتن السبل.  

أخيراً أشكر الأخوة القائمين على تنظيم هذا الاحتفال وأدعو الله أن يكتب لهم الأجر والتوفيق.  

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته