اليوم الأول:
5. الشاعر الأستاذ محمد عباس علي ـ وفد اللاذقية:

 

بعيدَاً عن المِحرابِ تَرتاضُ زَينـبُ بَعيدَاً عن الأطفالِ وَالزوجِ وَالمُنَى
بَعيدَاً عن الأحلامِ في طَيبةِ الهُدى
تَنَاوَحَها رَيبُ الزَّمانِ وَعسفِهِ
وَهَلْ زَينبٌ إِلا قَنَاةُ عَزيمَةٍ
وَذَا قَدَرٌ أَولَى إِلَيها مهمَّةً
سَبايا... عَرَايا... في مَهَبِّ غَضُوبَةٍ
تَوَاصَتْ بِهِنَّ الأَمنَ
لم تَخشَ غَاصِباً
أَبُوها أَميرُ المُؤمِنينَ وَحَسبُها
مُجَمَّعُ أَخلاقِ النُّبوّاتِ حَيدرٌ
هُنَالِكَ في أَرضِ الطُّفوفِ بُطُولَةٌ
دِماءٌ أُرِيقَتْ زَاكِياتٍ لَعَلَّها
وَمَا تِلكَ إِلا نُصرةً لِعَقيدَةٍ
يُواكِبُ ذَاكَ الدَّمَّ: دَمعُ حَرائِرٍ
دُمُوعُ بُنيَّاتِ النَّبِيِّ كَواشِفٌ
تَصُولُ بِهِ الحَوراءُ في عُقرِ دَارِهِمْ
يُؤَدِّي رِسَالاتِ السَّماءِ خِطابُهاوَمَا هَالَها أَنَّ الطُّغَاةَ تَأَلَّبُوا
فَظَلّتْ خِطاباً ساطعاً بِبَيانِهِ
وَلَمّا أَرادُوا بِالحُسينِ شَمَاتَةً
تَنَمَّرَتِ الحَوراءُ وَهي جَريحَةٌ
وَلَكِنْ رِجالٌ عَاهَدوا اللهَ وَارتَضَوا
فَنَحنُ بَنو الزَّهراءِ مثلُ كَواكِبٍ
وَفاجَأَهُمْ أَنَّ الحُسينَ بِصوتِها
وَلا غروَ... هذِي الهَاشِمِيَّةُ تَغتَدِي
فَكانَتْ بِكُلِّ الفَخرِ أُختَاً شَريكَةً
عَقيلةَ آلِ البَيتِ نَجمُكِ سَاطعٌ
لَقَد أَشرَقَتْ شَمسُ النَّهارِ وَأغرَبَتْ
وَإِنْ فَوَّحت خُضرُ الجَنائِنِ زَهرُها
تُجَدِّدُ ذِكرَاكِ الزَّمانُ فَتَغتَني
وَهَا نَحنُ في رَحبِ المَقامِ على هَوَىً
وَنَشعُرُ أَنَّا في رِحابِكِ خَفقةٌ
أَتُشرِقُ مِنْ خَلفِ السِّتارِ أَشِعَّةٌ
أَزينبُ إِنَّ المُسلِمِينَ بِمِحنَةٍ
وَطاشَتْ عَنِ المَرمَى الخَصيمِ سِهامُهُمْ
وَلَولا رِياضٌ صَالِحاتٌ لأُحبِطَتْ
فَطهرانُ لاقَتْ في الشَّآمِ تَعَاضُدَاً
هُما هَمُّ أَعداءِ السَّلامِ لِتسقُطا
وَلِكنَّهُم بَاؤُوا بِخُسرانِ هَمِّهم
أَزَينبُ لا يُنسَى مَدَى الدَّهرِ مَوقِفٌ
سَمعتِ حُسيناً يَا لِعَيني نِداؤُهُ
وَجِئتِ بِهِ وَالقَلبُ نَارٌ حَمِيَّةٌ
وَقُلتِ كَلامَاً لَمْ تَزَلْ نَبَراتُهُ
فَأَيّةُ أُختٍ قد تَقودُ مَنيَّةً
وَكَانَتْ خَبايا النَّفسِ تَحوي وَديعَةً
وَديعَتُها أَنْ تَلثُمي نَحرَهُ الّذي
وَجِئتِ قُبيلَ الكَربِ يَخترِمُ الحَشَا
وَوَجَّهْتِ أنحاءَ البَقيعِ تَحيَّةً
وَقُلتِ أَيَا أُمَّاهُ رُدَّتْ وَديعَةٌ
وَرَدَّ حُسينُ الأَمـرَ يُوصيكِ جَهرةً
أُخيَّةُ يُرضيني بِأَنْ لا تُشمِتِي
وَلا تَخمشي وَجهاً وَإيَّاكِ مَسلبَاً
فَلِلّهِ يَا آلَ النَّبِيِّ مُحمدٍ
وَأَنتُمْ عَلَى السَّرَّاءِ لُطفٌ وَنِعمَةٌ
أَيَا زَينَبَ التَّاريخ لا زِلتِ شَاهِدَاً
أَدَنْتِ بِمَا سَجَّلْتِ لِلحَقِّ نُصرَةً
وَلَخَّصتِ أَهدافَ الجِهادِ بِقَولَةٍ
قَرابينُنا يَا رَبُّ طِفلٌ وَيَافِعٌ
وَأَعظَمُها رَأسُ الحُسينِ مُضرَّجَاً
أَزَينَبُ غَنَّاكِ البَيانُ تَطَرُّبَاً
فَإِني مُوَالٍ يَستَقِيمُ وَلاؤُهُ
أَمانِيَّ يَا سِتَّ الشَّآمِ كَثيرَةٌ
أَنالُ وَأَحظى مِنْ شَفَاعَتِكُمْ غَدَاً
لَئِنْ كَانَ لِلإِسلامِ فَضلُ تَدَيُّنٍ

 

 

وَتَمشِي عَلى رَملِ الخُطُوبِ وَتخطُبُ تَخُطُّ سُطُورَاً في الجِهَادِ وَتَكتُبُ
إِلى كَربَلاءِ الشَّرِّ وَالقَهرِ تُجذَبُ
كَأَنَّ لَيالِيها مِنَ الفَجرِ تَهرُبُ
أُعِدَّتْ لِتِلكَ الحادِثَاتِ وَمضربُ
فَتَحمي صِغَارَاً لِلحُسَينِ وَتحدبُ
مِنَ الرِّيحِ تَفرِي البَاسِقاتِ وَتقضبُ
كَمَا كَانَ يَستوصِي الأمانَ بِها: أَبُ
أَباً كَأَميرِ المُؤمنينَ يُهَذِّبُ
يُحِبُّ وَيَرضَى في الإِلهِ وَيَغضَبُ
تَظَلُّ بِذِكراها الطُّفوفُ تُطيَّبُ
تُثِيرُ عَزيماتِ الرِّجالِ وُتُلهِبُ
يَحِقُّ بِها عَدلُ الإِلهُ وَيُوجبُ
فَينخَذِلُ السَّيفُ الظَّلومُ وَيعطبُ
جَرائِمَ مَنْ آذُوا النَّبيَّ وَخَيَّبُوا
وَيَكبرُ شَأنُ الثَّورةِ المُتَوثِّبُ
كَأَنَّ أَباها في المُلِمَّاتِ يَخطبُلإِرغامِها وَالحِقدُ فِي مَا تَألَّبُوا
تُجَابِهُ دَعوَى الظَّالِمِينَ وَتَقلبُ
وَكَشَّرَ عَنْ نَابِ الشَّماتَةِ أَذؤُبٌ
تَقولُ مَعاذَ اللهِ نُخزى ونُكذَبُ
مَضاجِعَهُمْ تَزكُو بِما تَتَخَضَّبُ
إِذا غَابَ مِنَّا كَوكَبٌ لاحَ كَوكَبُ
وَسهمَ حُسينٍ في الخِطابِ مُصَوَّبُ
شَريكاً يُتِمُّ الوَاجِباتِ وَيُعرِبُ
تَدُكُّ عُروشَ البَغيِ لا تَتَهَيَّبُ
وَاسمكِ مثلُ الحَقِّ لا يَتَغَيَّبُ
وَأنتِ شُرُوقٌ دَائِمٌ لَيسَ يَغرُبُ
فَذِكرُكِ مِنْ عِطرِ الجَنائِنِ أَطيبُ
ضَمائِرُنا مِمَّا أَفضْتِ وَتَكسبُ
نُحِفُّ وَنَدعُو في الرِّحَابِ وَنُطنِبُ
بِها حُبُّ مَنْ وَالَوا وَلَمْ يَتَرَيَّبُوا
فَتغمُرُنا بِالأَبْهَيَينِ وُتوهبُ
وَقَد (بَلغَ السَّيلُ الزُّبَى) وَتَنَكَّبُوا
وَسَادَتْ جَهالاتٌ وَسَادَ تَعَصُّبُ
أَمَانٍ وَأَلوى بِالعَنَاقِيدِ ثَعلَبُ
وَظَلَّ قَويّاً يَستطيلُ وَيصلبُ
وَيخلُو لَهُمْ شَرقُ البِلادِ وَمغرِبٌ
وَما زَالَ شَيطانُ الحُروبِ يُجَرِّبُ
عَجيبٌ بِما قَدَّمْتِ بَل هُوَ أَعجَبُ
يُصَوِّتُ هَاتُوا لِي الجَوادَ وَقَرِّبُوا
تَقُودِينَ بِاليُمنَى الجَوادَ فَيركبُ
لَهيباً بِأسماعِ الدُّنى يَتَصَبَّبُ
لِمَنْ هُوَ أَغلَى مِنْ بَنِيها وَأَقرَبُ
تَوَدُّ بِها الزَّهراءُ أَمراً وَتَرغَبُ
يُشابِهُ نَحرَ المُصطَفَى وَهوَ مُنجبُ
وَقَبَّلْتِهِ مَثنى وَطَالَ التَّأَهُّبُ
بَقيعٌ بِهِ الزَّهراءُ مَثوىً مُثوّبُ
إِلى الأَهلِ وَارتَجَّتْ لِذلِكَ يَثرِبُ
أُخَيَّةُ قَدْ حُمَّ القَضَا فَتَجَلبَبُوا
عَدُوَّاً بِنا فَاللهَ نَرجُو وَنطلبُ
وَرَدَّدتِِ طِبْ نَفسَاً وَقَلبُكِ يَلهبُ
لَأنتُمْ بِدُنيانا العَشيرُ المُحَبَّبُ
كَذلِكَ فِي الضَرَّاءِ غَايٌ وَمَأرَبُ
عَلَى غُربَةِ التَّاريخ يَعشُو وَيَغربُ
مَواقِفَ مَنْ للهِ لَمْ يَتَحَزَّبُوا
تَقَبَّلْ قَرابِينَاً بِهَا نَتَقَرَّبُ
لِيَسلَمَ إِسلامُ النَّبيِّ وَيخصبُ
أَلا فَاقبَلَنْ يَا رَبُّ مَا نَتَحَسَّبُ
وَلَو لَمْ تَكُوني أَنتِ مَا كُنتُ أَطربُ
يَموتُ وَيَحيا في الوَلاءِ وَيُصلَبُ
وَلكنَّ أَغلاها عَلى القَلبِ أَوجَـبُ
مَنالاً يَفُتُّ السَّيئاتِ وَيُذهِبُ
فَحُبُّ بَني طه وَلاءٌ وَمَذهَبُ