...كلمة الشيخ الدكتور حسن الصفار
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله الطاهرين.
قال الله العظيم في كتابه الحكيم: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)
تتحدث هذه الآية
الكريمة عن نبي الله إبراهيم (ع) أبي الأنبياء، والإسلام هو الانقياد والاستسلام
لله سبحانه وتعالى، ويمكننا أن نرى أن الإسلام الشامل لله يتم في ثلاثة أبعاد؛
البعد الأول هو البعد الفكري والعقلي بأن يتحرر فكر الإنسان لله وأن لا يكون منشدّا
إلى أي عصبية من العصبيات ولا يتقيد بأي محور غير الحق والحقيقة، والبعد الثاني هو
البعد العملي وهو أن يكون الإنسان في أعماله مستسلما منقادا لأوامر الله سبحانه
وتعالى، والبعد الثالث هو البعد العاطفي وهو الأدق والأهم والأخطر وبه تكون عواطف
الإنسان ومشاعره منقادة إلى الله سبحانه وتعالى.
عادة ما تتأثر مشاعر الإنسان وأحاسيسه بذاته وأنانيته، وقد يتمرد الفكر على
الأنانية والذات، وقد يتمرد العمل اختيارا أو اضطرارا فيقوم الإنسان بعمل يخالف
ذاته لأنه قد فرض عليه أو اختاره، ولكن مسألة المشاعر والعواطف هي أقرب الدوائر إلى
ذات الإنسان حينما نقول عن الإنسان بأنه ذات، وغالبا ما يصعب على الإنسان أن تتمرد
عواطفه ومشاعره على ذاته فهي التعبير الأول الصريح عن ذات الإنسان، وعادة ما يصعب
أن تتمرد عليها في حب الإنسان أو بغضه أو اقترابه من الأشياء أو نظرته الذاتية
النفسية العاطفية للأمور، وهي تصبح عند الإنسان الذي يسلم عواطفه لله غير متأثرة
بذاته، ولا تكون انعكاسا لذاته بقدر ما هي انعكاس للحقيقة، وهذا ما نراه في مشاعر
الأولياء وأحاسيسهم، فقد تكون مصلحة الإنسان وأنانيته في اتجاه بينما مشاعره في
اتجاه آخر وفق مبدأ (قلوبهم معك، وسيوفهم عليك)، فالمسألة ليست مسألة عقل فقط بل
يوجد بعد آخر كما هو الحال حين يطلب من أحدنا النوم بجوار جثة ميت. لقد أسلم
الأولياء مشاعرهم وعواطفهم لله سبحانه وتعالى، وأم البنين التي نعيش اليوم في ضيافة
ذكراها العطرة نموذج رائع لإسلام الذات بكاملها لله سبحانه وتعالى، دخلت بيت الإمام
علي المضاء بأنوار فاطمة الزهراء كزوجة أخرى، وهي في هذا الوقت عروس أي أنها في وقت
تجلي ذات الفتاة بأكثف صوره، ومع ذلك فهي تخاطب أبناء الإمام علي قائلة: (يا سادتي
أبناء رسول الله، جئت إليكم خادمة لكم، فهل تقبلوني خادمة لكم في بيتكم؟)... هذا هو
إسلام المشاعر لله، ومع أن اسمها فاطمة فقد طلبت من الإمام علي أن لا يخاطبها به
لأنها تخشى من إثارة مشاعر أبنائه ومنذ ذلك الوقت أطلق عليها أم البنين، وعندما
كانت تتحدث عن فاطمة الزهراء فإنها تصبح في عالم آخر على العكس من إحدى زوجات النبي
التي كانت تنزعج من ذكره لزوجته الأولى خديجة، وعندما جاء الناعي إلى المدينة ينعى
أبطال كربلاء جاءته أم البنين تستفسره: (أخبرني عن الحسين) فأجابها أن أولادها
الأربعة العباس وجعفر وعثمان وعبدالله قد قتلوا فقالت له: (قد سألتك عن الحسين وبه
الخلف والعوض عن الدنيا وما فيها) وهنا لم يكن له بدّ في أن يقول لها: (عظم الله
أجرك في حبيبك وولدك الحسين). ما هذه الأم التي لا تفكر في أولادها الأربعة وإنما
محور اهتمامها هو الإمام الحسين؟! ونحن اليوم في ضيافة هذه المرأة العظيمة التي
أسلمت مشاعرها لله تعالى فأعطاها الله تعالى هذا المقام العظيم.
لقد اقترح الدكتور عصام عباس أن تكون هذه الجلسة في هذا اليوم، ولكن بدت لي مهمة
أسافر فيها فاتصلت به وطلبت منه أن يؤجل هذا اللقاء إلى ميلاد السيدة الزهراء (ع)،
ولكني اتصلت به في اليوم التالي بعد أن جاءني عتاب في عالم الرؤيا من أم البنين (ع)
التي قالت لي: (أتستكثر علي أن يكون هناك مجلس حول ذكري؟ إن الزهراء سيدتي وسيدتكم
وسيدة الجميع ولكنني نلت شرف خدمة أبنائها) وقلت للدكتور: (امض لما عزمت عليه ولتكن
المناسبة هي مناسبة ذكرى أم البنين ولنقتبس شيئا من أنوار هذه المرأة العظيمة).
أشكر الدكتور عصام عباس على هذه المبادرة الطيبة، وأشكر الأستاذ الدكتور أسعد علي
على حسن ظنه وما تلطف به من ثناء وتقويم على الشيء اليسير الذي تفضل الله سبحانه
وتعالى عليّ به من عمل أو خطابة أو كتابة فهذا كله فضل من الله، وكما في الدعاء:
(فكم من ثناء جميل لست أهلا له نشرته)، وأكبر ما نطمح إليه جميعا أن نحظى برضا الله
تعالى وأن يجمعنا يوم القيامة مع أهل البيت وعلى مأدبة أم البنين في الجنة إن شاء
الله، ولكن لا بد من تقدير هذا التقدير وتوجيه الشكر للدكتور أسعد علي وبقية
الدكاترة والمهتمين والمنصفين والمخلصين الذين يبحثون عن الطاقات والكفاءات ويشيدون
بها ويخرجونها فهذا عمل هام جدا لأننا نعيش ضمن معادلات معينة في هذا العالم إذ
يوجد لدينا رجال في حوزاتنا العلمية وأجوائنا العملية والاجتماعية يعملون وليس في
خاطرهم أن يمنحوا شهادة في يوم من الأيام فهم لم يقصدوا الشهادة ولكن الشهادة
قصدتهم كما هي الحال في عدد ممن نالوا شهادة الدكتوراه من الاتحاد العالمي للمؤلفين
باللغة العربية. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكي نستمر على خط الحق والحقيقة الذي
هو خط أهل البيت لخدمة الإنسان من أي دين أو مذهب أو مكان، لأن الإنسان هو المقصد
من خلق الكون ونزول الشرائع والرسالات. أكرر شكري مرة أخرى للدكتور أسعد علي
والأساتذة في الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية وجامعة الإبداع ومجمع نهج
البلاغة العالمية، وأشكر الدكتور عصام عباس على جهوده الطيبة في جمع القلوب والوجوه
المشرقة والمؤمنة دائما وأبدا وعلى إحياء هذه المناسبات العطرة، وأشكركم جميعا
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين.