كلمة
الشيخ الدكتور
حسين شحادة
المهرجان الولائي الخامس
1417هـ 1996م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى الشهداء والصالحين والتابعين لهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.
سادتي أصحاب الفضيلة أيها الأخوة المؤمنون...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
حينما طلب مني الدكتور عصام عباس المشاركة في هذا الاحتفال السنوي المبارك بميلاد سيدة الصبر الحوراء زينب لم يتسن لي الوقت لأكتب شيئا من قلب أو شيئا من عقل، وحتى الساعة الثالثة يتصل الدكتور عصام عباس لأشاطركم ميلاد الصباح وميلاد النهار وميلاد الشجر، وفي الساعة السابعة مع أذان المغرب خالجني ما يمكن أن أسميه بنبضة قلب أو بحديث طالع من القلب مستوحى من تلك القصيدة التي استمعنا إليها من أبي الشعراء الدكتور أسعد علي في العام الماضي ومن هذا المنبر الزينبي الحسيني بالذات وكانت رسالة شعرية مفتوحة من زينب إلى فاطمة، فرحت أبحث عن صدى صوت زينب البنت وهي توجه مواجعها إلى السيدة الأم الزهراء. قلت في السر: ألا من رسالة من السيدة زينب (ع) إلى الشام وصباحات الشام؟ لا سيما وأن موضوع زينب وموضوع الحسين (ع) هو في الأساس موضوع كرامة وحرية وعدالة، وهي قضايانا الأكثر احتشادا في تحدياتنا مع العصر الإسرائيلي الذي يواجهنا بالاستبداد وتحديات جديدة مثقلة لمصادرة الكرامة والحرية والعدالة. لا بد أن نستحضر زينب وفاطمة (ع) ونحن في صراعنا لهذا العدو المستبد لتظل الكرامة والحرية والعدالة هي نشيدنا الذي لا يكف عن الاستشهاد...
قبل الرسالة استئذان، ولن أطيل عليكم، فهي دقائق أخرى نمد بها جسر الهوى للقاء ذاكرتنا، وأقول ذلك أيها السادة لأنني عندما زرت الحجاز لحج بيت الله الحرام وجدت في جدة الكثير الكثير من الجسور التي تربط القرى والمدائن، لكنني عندما زرت البقيع لم أجد جسرا يربطني بالروح والذاكرة. إلى الذين يعيشون حالة الانبهار بالاسمنت والمنبهرين بهذه الحضارة المعدنية نقول لهم: لن يستوي شفاء الإنسان حتى تتوازى جسور الاسمنت مع جسور الذاكرة والروح.
يا زينب...
كما اهتزت الأرض تحت جسم الحسين هزي سرير الزمان لتهتز الأرض تحت وقع خطاك، صمتا وصمتا وصمتا... فالكون الآن في حالة ارتجاج وعقولنا في حالة انبهار وعيوننا في ذهول فليعلن العالم صمته وصمته بانتظار سدة العرش واللغة الفصيحة، وزينب الآن قادمة، فيا سماء أقلعي ويا أرض ابلعي ماءك واستوت على الجودي، من أينا تبدأ موجة تدعى حنين الماء؟ من أين تبدأ نبضة تدعى رنين القلب؟ من أين تبدأ زينب تدعى طلوع الفجر؟ لها أو لكَ قدس ما في الشام فهل أحنيت غصن الروح كي ترمي على روحي السلام؟ سلام على قمرين... إني اشتبهت... سلام على زينب، فهل تعفيني فاطمة إذا ما احتبست جراحي على صدر الحسين؟ فاستوطني -سيدتي- هواء هذا القلب، لك أو له ماء هذا القلب يا زيتونة الرب، فكوني مفتاح خضرتها فلا شيء لائق بصبرك سوى زيتونة الصبر والرب، ولا سماء لائقة بوجهك إلا الشام فأبقي عينيك فيما بيننا على عينيه ورؤى مصباحه بعرس الشجر واشتهاءات اللغة السنبلة، فها عرَّشت فيَّ كربلاء واخضرت على ساعديَّ قباب الزمان، حاولت فتح الحزن كي أتعرف القلب الذي فيه انطوى، حاولت فتح القبر كي أتعرف الجسد الذي فيه ارتمى، ألفيت داخله مرايا... قبَّلتها... كسَّرتها فوجدتُني تلك الشظايا، وبقيت منتظرا على شباكها... لم تفتح الشباك... ففتحت قلبي كي أراها وأطلقت روحي وقلت: (إذن سأستريح وأحلم بالزهرة الخالدة)، زينب تنمو وتشرق مثلما تنمو الزهور، زينب تعلو وتكبر مثلما يعلو النهار، وآن لزينب ميلادها فمدي إلى القادمين يديك ومدي إليه كي يرمي إلى روحي السلام.
من رجيع النداء تمد المآذن أعناقها، والشفق عطر سيدة ظفّرت نخلها في حنين الأرق، كيف أسافر يا طلة الشام؟ كيف أسافر فيكِ هلالا؟ يا أنت... فوق سمائك أنشر حبة نور، فوق قبابك أكتب حبة ماء فكيف يصعد في الضوء نبض هواي، دمي من لونه يطلع الناي، يا أنت... أي هذا العلي... فيك حييت زهرة نار، وبتُّ على صهوة الأمنيات أجلي امتدادك، يا طلة الشام... يا لحظة من عقيق اللقاء... كاشتعال اليواقيت يأتي اللقاء، وكالشدو يعتصر الآخ سر الإياب، لماذا الليالي تكور قبضتها في مخاض الألق؟ ولماذا العصور تشّقّق في سحنة الكلمات، ومن شظفي سلّمُ الاشتعال، قل لي إذن متى تشرع التألف في وجهي المنتظر؟ ومتى من قصائدك النبع يطلع مثل القمر؟ خامدا كان زهر القرنفل صوتك أشعل فيه المنى فاعتذر. عيوني رقتني لبوح القمر، أتسأل رأسي متى انفصلت؟ لست أنهض منك بعمري إلا إليك، قل إذن... هذه الشمس خائنة حين تخفي جراح الحسين، كما قطعة من جليد تدور ملتهبة، أرى للجفون جسورا، أرى وجع التمتمات ولا لمطالع الرأس أرى جمرة، صرت من ولهي أعتلي الوصل، ألوي قرون الأصائل، أصعد في كونك الليلكي، تجوهرت الذات، ما عدت أحمل ظلي، سريت على رفرف الوجد أبكي حسينا وأبكي حسن، إنما على صفحة القلب أنقش حقلا يغرد فيه الضياء، ومن نفس العشق يشهق فيه البهاء، يا أنت النهر كيف تكون كمثلي نهرا؟ وكيف عذابك يصبح موجا؟ قل إذن لينبت الصبر... كيف ينبت الصبر؟ أدق... يدقون خلف السحاب... تطل علينا التي نشتويها، بمخزون أسرارها تتبدى، تفيض... تسكنني زرقة الفيض، فيا أيها الشام أسرج جيادك، ويا أيها الماء أعلن صلاتك، إن المدى يتأرجح من خطوها في مخاض الألق، والبروج لها لغة أثمرت لهبا ورهب، هل بروق الشعر أضرمت حطب المشتهى؟ قل لي إذن... يا أبي النهر... يا أخي النهر... كيف أكون كمثلك نهرا؟ زينبتني خطاي لوعد السماء... زينبتني دموعي لهذي الجراح، هددني العصر، شردني العشق، والقدس على بعد دمعة من دموع الحسين، والقدس على بعد آهة من آهات زينب، وقذفت نفسي من القهر وجئت إليك، لست أنهض منها بعمري إلا إليك.
معكم أيها الإخوة نحتفي بمليكة الإسلام وسيدة الصبر واللغة والصمت والشجر والقدس، ونتوج احتفالنا هذا بالصلاة على محمد وآل محمد، وشكرا لكم.