ثانياً - قرأت في كتاب

الكتاب: السيدة زينب (ع) بطلة التاريخ ورائدة الجهاد
المؤلف: سماحة الشيخ باقر شريف القرشي
الناشــــر: دار المحجة البيضاء-بيروت-لبنان
الطبـــعة: الأولى (1422هـ-2001م)
الصفحات: 312 من القطع الكبير
قراءة: سماحة الشيخ حبيب آل جميع (باحث سعودي مقيم في دمشق)
 

سماحة الشيخ
حبيب آل جميع

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يحدثنا التاريخ كثيرا عن سير العظيمات من النساء ممن صنعن التاريخ ووقفن مواقف كان لها أثر كبير في تغيير مسيرة المجتمعات الإنسانية، أو قدمن نموذجا للكمال الإنساني حيث تتجسد القيم والمثل العليا في موقف عصيب يكشف عن المستوى الذي يمكن أن تصل إليه المرأة بشكل عام و المرأة المسلمة بشكل خاص، ولم يكن ذلك تحيزا من التاريخ لصالح العظماء من الرجال، وإنما لقلة العظيمات من النساء في التاريخ، والسبب في ذلك لا يرجع إلى قصور ذاتي في المرأة أو خصوصية خَلقية تمنعها من الوصول إلى مراكز العظمة، وإنما بسبب أنانية الرجل وحرصه عبر التاريخ الإنساني على تقليص دور المرأة في صناعة التاريخ وتهميش موقعها والعمل على إقصائها من جميع ميادين الفعل الإنساني وحركة المجتمع المتنوعة لإنجاز الحضارة، كل ذلك خوفا من منافسة المرأة له، وحرصا منه على الاستئثار بالبطولة والعظمة والتميز.
لكن مع هذا الحرص على إقصائها استطاعت مجموعة قليلة من النساء أن تتحرر من هذه القيود والعوائق التي وضعها الرجل أمامها، وتمكنت من الوصول إلى أعلى درجات السمو والكمال، وقدمت لنفسها ولمجتمعها وللإنسانية خدمات جليلة، كما أكدت أن باستطاعة المرأة إذا توفرت لها الظروف المناسبة الوصول إلى مراكز متقدمة في جميع المجالات وأنها كأخيها الرجل لديها الاستعداد الفطري للكمال ولتحقيق المنجزات الكثيرة على غرار ما يحققه الرجل. وهذا ما تؤكده سير وحياة نساء أهل بيت النبوة، بدءا بأم المؤمنين خديجة (ع) التي ظل الرسول(ص) وفيا لذكراها حتى أن إحدى نسائه شعرت بالغيرة الشديدة من كثرة ذكر الرسول لخديجة وترحمه عليها، وقالت له: (لقد أبدلك الله خيرا منها) تقصد نفسها باعتبارها أصغر سنا من خديجة، لكن الرسول لم يسكت بل أجابها: (لا والله، ما أبدلني الله خيرا منها) ثم ذكر فضائلها وكيف أنها آمنت به عندما كفر بنبوته قومه، وواسته ووقفت بجانبه تؤازره وتدعمه بكل ما أوتيت من وسائل الدعم المادية والمعنوية، إلى أن التحقت بالرفيق الأعلى فكان وقع فراقها ثقيلا وأليما على قلب الرسول لكنه وجد العزاء في ابنتها وفلذة كبدها وكبده هو كذلك، إنها فاطمة الزهراء (ع)، سيدة نساء العالمين، التي لقبت بأم أبيها، وهذا اللقب يختزل الكثير من السمو والعظمة والكمال، فكيف تصبح البنت أما لأبيها، اللهم إلا إذا بلغت من العطاء ما بلغته الأم، من حنان وعطف واهتمام وحرص على ابنها، وسيرة الزهراء تشهد لها أنها لم تصل مرتبة سيدة نساء العالمين فقط لأنها بنت خاتم النبيين والرسل بل استحقت اللقب والاسم عن جدارة واستحقاق، بغزارة علمها وهي المعصومة الملهَمة والمحدَّثة، وبعبادتها التي فاقت بها كبار الرجال من الصحابة، دون أن يؤثر ذلك في مسؤولياتها تجاه زوجها وأطفالها فقد كانت نعم الزوجة للإمام علي ونعم الأم للحسنين ولزينب، بالإضافة إلى اهتمامها الخاص بأبيها الرسول بحيث استحقت أن يطلق عليها لقب (أم أبيها)، وقد كان الرسول لا يخرج إلى غزوة إلا بعد زيارتها والسلام عليها، وعندما يعود يكون بيتها أول بيت يزوره ليلقي عليها السلام كذلك ويسأل عن أحوالها.
وكما أنجبت خديجة الكبرى الزهراء لتصبح أم أبيها الرسول(ص) أنجبت الزهراء زينب الكبرى(ع) لتكون بطلة كربلاء وأم يتامى الحسين، لذلك لم يكن عبثا اختيار الحسين لها للذهاب معه إلى كربلاء لمواجهة الموت على أيدي الظالمين من شيعة بني أمية وجنود يزيد، كان الإمام الحسين(ع) يعلم علم اليقين أن الدور الذي يجب أن تلعبه السيدة زينب بعد قتله في كربلاء مهما وضروريا وليس هناك امرأة أو سيدة من بيت النبوة تستطيع القيام بذلك غيرها. لذلك طلب منها الرحيل فلبت طائعة ولم تتوان أو تتلكأ أو تعتذر، وإنما حملت نفسها واتجهت مع أخيها تتقاسم معه المحن والمصائب.
والحقيقة أن من يتتبع مواقفها في كربلاء كما سطرها قلم الشيخ باقر القرشي، يلاحظ أن هذه السيدة لم تكن تربيتها تربية اعتيادية على غرار ما تربي الأسر بناتها، لقد كانت تربيتها متميزة وكأنها كانت تستعد لما سيقع في كربلاء، لأن أي امرأة أخرى في صفات السيدة زينب قطعا لم تكن لتصمد أمام هول الفجيعة و فداحة المصاب، غيرها كانت ستنهار مباشرة لسماع مقتل أخيها أو أحد أقربائها وسيذهل عقلها، وستشل قدرتها على التصرف بحكمة لكنها وقفت صامدة كالجبل الأشم، أجساد إخوانها ملقاة على الأرض مضرجة بالدماء، والرؤوس مفصولة عن الأجساد، والخيام مشتعلة تحترق والأطفال قد توزعوا في كل الاتجاهات، يصرخون ويبكون، لا يعرفون ماذا حل بهم وماذا سيفعلون، والسيدة زينب أمامها الكثير مما تفعله، عليها أن تطمئن على حياة من يحارب، وأن تجمع الأطفال وتهدئ من روعهم، وأن تواجه سهام الظلمة ورماحهم المتساقطة من كل مكان، وخيلهم التي تجوب المخيم تثير الرعب في الأطفال وتنهب وتسرق. في الحقيقة يعجز القلم عن تصوير الحالة النفسية التي كانت عليها ابنة الزهراء وعقيلة الهاشميين، وكيف استطاعت أن تواجه كل هذه الأحداث بقلب قوي وجنان متماسك وروح مؤمنة مطمئنة، غير متبرمة أو قانطة، بل مستسلمة لقضاء الله وقدره، راضية بحكمته وإرادته، هذه السيدة لم تكن لتقف هذه المواقف لو لم تكن قد ربيت تربية إسلامية تهيئها لهذا اليوم، وتجعل منها بطلة حقيقية ورائدة من رواد الجهاد. ومثال يحتذى وقدوة يقتدى بها في جميع الميادين وعلى رأسها الجهاد، وهي بذلك تفند جميع الإدعاءات التي تتحدث عن ضعف المرأة وعدم قدرتها على صناعة التاريخ، أو تخاذلها وقصورها على اتخاذ مواقف البطولة والعظمة، فهذه زينب استحقت كما استحقت أمها الزهراء من قبل لقب أم أبيها وسيدة نساء العالمين، استحقت هي بدورها أن تلقب ببطلة كربلاء فما قدمته للحسين وليتامى الحسين وأطفاله سواء قبل المعركة أو أثنائها أو بعدها، عندما استطاعت أن تجمع الأطفال وأن تهدئ من روعهم وتخفف هول الصدمة عليهم وأن تجعلهم يستقرون نفسيا ويتابعون الطريق على ظهور الجمال، وهم في حالة من الذهول لما حل بهم وعيون الناس تراقبهم بإشفاق. بل إن عظمة هذه السيدة وهذه الثمرة الطيبة من شجرة أهل البيت تظهر في أكثر من موقف سواء في كربلاء أو بعدها، فهول الفاجعة لم ينسها الحلال والحرام ولم ينسها ما يحق لأهل البيت وما لا يحق لهم، فعندما أعطيت لأحد أطفال الحسين الجوعى ثمرة ووضعها في فيه سارعت إلى إخراجها منه أعلمته وهو الطفل اليتيم المفجوع والجائع بأن أهل البيت لا يأكلون الصدقة، غيرها لم يكن لينتبه لهذه المسألة الجزئية وهو يواجه مصائب لو صبت على الجبال الرواسي لهدتها، وكذلك موقفها وتحديها ليزيد بن معاوية هذا المجرم الذي اعتدى عليها وعلى أخيها وعلى البيت النبوي فقتل الرجال وسبى النساء والأطفال، وقفت في وجهه وفي مجلسه وخاطبته مخاطبة الأنداد الشجعان الذين لا يخافون في قول الحق لومة لائم ولا سطوة جبار ظالم، فأفحمته وردت كيده إلى نحره، فانهزم أمامها خاسئا هو وجنوده وأتباعه وكادت تحدث فتنة داخل قصره. وغيرها من المواقف الكثيرة في حياة هذه السيدة الفاضلة.
إن الدرس المهم الذي يمكن الاستفادة منه من وقائع سيرة بطلة كربلاء كما تتبعها الشيخ القرشي من يوم ولادتها وإلى وفاتها، هو أن المرأة المسلمة قادرة على اجتراح المعجزات والوصول إلى أعلى درجات الكمال الإنساني، وأنها باستطاعتها كذلك أن تساهم بجهادها وصمودها وعطائها في جميع الميادين وعلى رأسها الجهاد وخوض المعارك الحربية ومنازلة الأعداء، في كتابة صفحات مضيئة في التاريخ، وأن تحتل مكان العظيمات في التاريخ، لكن بشرط أن تهيَّأ لذلك منذ البداية وأن تربّى تربية قيمية وروحية، وأن تتعلم منذ البداية كيف تتحمل المسؤولية، فالمرأة القوية لن تكون وليدة اللحظة التي تتعرض فيها للتحديات وإنما القوة المكتسبة تراكمية ولها عناصر متعددة لا بد من توافرها. ولو علم الحسين أن أخته زينب غير قادرة على تحمل المسؤولية الجسيمة التي ستلقى على كاهلها لما حملها معه إلى كربلاء، لم يكن الإمام ليشك في قوة أخته وقدرتها على تحمل الصعاب وهي بنت الزهراء التي لقبت بأم أبيها، وتكفي نظرة على أهم مراحل حياتها كما تتبعها الشيخ القرشي لمعرفة أهمية التربية في صنع الإنسان المؤمن القوي الذي يشبه معدن الذهب الذي لا تزيده النار إلا لمعانا وتكشف عن أصالته، لقد نشأت السيدة زينب (ع) كما يقول الشيخ القرشي في بيت النبوة ومهبط الوحي، وقد غذتها أمها سيدة نساء العالمين(ع) بالعفة والكرامة ومحاسن الأخلاق والآداب، وحفّظتها القرآن، وعلمتها أحكام الإسلام، وأفرغت عليها أشعة من مثلها وقيمها حتى أصبحت صورة صادقة عنها.
لقد تربت السيدة زينب (ع) في بيت الإيمان والطهر والعلم والشجاعة، وانطبعت هذه الصفات في شخصيتها حتى أصبحت صفات فطرية لا تنفك عن ذاتها، فقد روى التاريخ كما ذكر الشيخ القرشي أنه كان لها في الكوفة أثناء خلافة أبيها مجلس خاص تزدحم عليها فيه النساء المسلمات يتعلمن فيه على يديها تفسير القرآن وأحكام الإسلام، ويكفي لمعرفة مكانتها العلمية أن ابن عباس حبر الأمة كان يسألها عن بعض المسائل ويعتز بالرواية عنها، ويقول: (حدثتنا عقيلتنا زينب بنت علي)، كما كانت ترد على الأسئلة التي تأتي إلى الإمام زين العابدين(ع) أثناء مرضه وقد قال عنها بأنها (عالمة غير معلمة).
وهذا العلم إنما هو مصداق من مصاديق الإيمان ودرجة من درجاته وقد اشتهرت السيدة بأنها كانت من عابدات زمانها، وليس ذلك غريبا عن أهل بيت النبوة. أما الصبر والشجاعة فلا تحتاج إلى دليل لتأكيد ذلك فقد تكاثرت على هذه السيدة الصابرة النوائب والفجائع منذ عايشت الأحداث الجسام التي ألمت بالبيت العلوي بظلم أبيها واغتصاب الخلافة منه، وإقصائه عن قيادة المجتمع والدولة الإسلامية، التي شارك في صنعها وبنائها بجهاده وصبره ومؤازرته لابن عمه (ص)، كما شاهدت مقتل أبيها علي(ع) وتكالب الأعداء عليه ومقتل أخيها الحسن(ع) على يد معاوية الذي دس له السم بعدما تمكن من إقصائه عن سدة الخلافة، وأخيرا جاءت ملحمة الحسين(ع) ومأساة كربلاء وهي من أقسى ما تجرعنه هذه الصابرة من محن ومصائب، فلو ابتلي بها أي إنسان -يقول الشيخ القرشي-: (لأوهنت قواه، ولاستسلم للضعف النفسي، وما تمكن من مقاومة الأحداث ولكنها (ع) صمدت أمام ذلك البلاء العارم، وقاومت تلك الأهوال بنفس آمنة مطمئنة راضية بقضاء الله صابرة على بلائه فكانت ممن خاطبتهم الآية القرآنية الكريمة التي يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى:(وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) (سورة البقرة 155-157).
أما الشجاعة فمواقفها في كربلاء وكذلك مواجهتها للطاغية من المواقف النادرة الشجاعة الفريدة في تاريخ الإنسانية، وليس فقط في تاريخ الإسلام، فمن يجرؤ على مواجهة طاغية في قصره وبين جنوده ويفضح ظلمه أمام الملأ؟ مما جعله يخاف من أمره، ويأمر بإبعاد هذه السيدة الفاضلة عن بلاد الشام كي لا يعلم الشاميون حقيقة ما وقع في كربلاء ومن قُتل فيها ومن تكون السيدة زينب.
وجملة القول في سيرة عقيلة بني هاشم وبطلة كربلاء أنها من قلائل النساء عبر التاريخ ممن أحرزن صفات الكمال والسمو الروحي وممن تحلين بجميع الفضائل التي تجعل العظيم عظيما، وليس ذلك كثيرا على من ورثت خصائص جدها رسول الله(ص) وأبيها الإمام علي وأمها الزهراء وأخويها الحسن والحسين (ع)، وتمثلت أخلاقهم، وتغذت من منابع الوحي وعاشت للحقيقة ودافعت عنها بكل ما أوتيت من قوة وصبر وإيمان، حتى أصبحت بحق مثالا يقتدى به ونموذجا فريدا للمرأة المسلمة في تاريخ الإسلام، ودليلا آخر على عظمة هذا الدين الرباني القادر عبر منهج أهل البيت(ع) على صناعة رجال ونساء يفيدون التاريخ ويتركون بصماتهم واضحة عليه، كل ذلك في سبيل الدعوة إلى الكمال الإنساني، وحث للبشرية لسلوك هذا الطريق الذي به تسعد في دنياها وأخراها، وصدق الله سبحانه وتعالى الذي يقول: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (سورة الأنعام 124).