كلمتا الشيخ الدكتور حسن الصفار - السعودية
        - في حسينية الزهراء
        - في المركز الثقافي العربي بالمزة

أولا-
كلمة
الشيخ الدكتور
حسن الصفار
(السعودية)
(في حسينية الزهراء)


حسينية الزهراء

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته...
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين.
السلام على سيدتنا ومولاتنا عقيلة الطالبيين بطلة كربلاء مفخرة الأمة والشام السيدة زينب بنت أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليها وعلى آلها الطاهرين.
أبارك لكم أيها الإخوة الأعزاء والأخوات الكريمات هذه المناسبة العطرة ذكرى ميلاد سيدتنا زينب صلوات الله وسلامه عليها، وبهذه المناسبة أتحدث شيئا مختصرا عن جانب وبعد من حياة هذه السيدة،
قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) هذه الآية الكريمة جاءت عن لسان نبي الله عيسى بن مريم (ع) وهي تعبر عن واقع وحال أي ولي من أولياء الله المصطفين المختارين...
(وجعلني مباركا) البركة هي النماء، والمبارك كما يقول المفسرون هو النفّاع للناس الذي له نماء وعطاء ينفع الناس، (وجعلني مباركا) أي جعلني معطاء للناس (أينما كنت)، هذه هي سمة الأولياء وسمة من اصطفاهم الله سبحانه وتعالى من الأنبياء والأوصياء والأولياء أنهم نفّاعون للناس.
وكتمهيد لهذه الحقيقة أقول لو تصفحنا حياة الناس المعاصرين معنا أو قرأنا سير الماضين في التاريخ لوجدنا أن الناس أصناف في هذا الجانب، قسم من الناس لا نمو لهم حتى فيما يرتبط بناسهم، هو غير نام، يقف عند حد معين من النمو وأقصد النمو هنا بمعناه المعنوي والعملي أما النمو الجسمي فهو حالة طبيعية وقد تكون حالة مرضية تمنع النمو الجسمي فمرض من الأمراض يمنع نمو الإنسان الجسمي أو العقلي لكن الحديث عن النمو العملي والمعنوي، قسم من الناس لا ينفعون حتى أنفسهم ويقصرون تجاه أنفسهم وكما يقول القرآن الكريم عنهم: (وهو كَل على مولاه أينما يوجهه لا يأْت بخير)، هو لا ينفع نفسه ويعيش عالة على غيره، هذا قسم من الناس، وقسم آخر ينفع نفسه ولكن عطاءه ونفعه يتوقف عند حدوده الذاتية فهو أناني يعطي لنفسه ويعمل من أجلها فقط ولا يهمه الآخرون ولا يعمل من أجلهم، هذا هو القسم الثاني أما القسم الثالث فيتوفق للعطاء ويساعد الآخرين وينفعهم ولكن ضمن حالة زمانية أو مكانية محدودة أو ضمن واقع وصفة معينة فهو قد يكون معطاء للناس في بلده وحين تفرض عليه الظروف الهجرة والابتعاد فقد لا يكون في هذه الظروف قادرا على العطاء أو لا يتجه بهذا الاتجاه، وقد يعطي في فترة شبابه فإذا كبر سنه توقف عن العطاء، وقد يعطي في فترة ارتياحه النفسي فإذا تأثر نفسيا بمشكلة لم تعد لديه قابلية للعطاء، وفي أفضل الظروف فإن بعض الناس يكونون معطائين في حياتهم فإذا انتهى أجلهم في هذه الحياة توقف عطاؤهم... هذه هي أصناف الناس.
إذا قرأنا سيرة الأولياء ومنهم سيدتنا زينب التي نحتفي الليلة بذكرى ولادتها العطرة فسنجد واقعهم ولسان حال كل واحد منهم (وجعلني مباركا أينما كنت) فهم في عطاء دائم مستمر في جميع مراحل العمر وفي كل مكان جغرافي وفي أية حالة من الحالات التي تعتور أجسامهم أو نفوسهم بل ويمتد عطاؤهم إلى ما بعد وفاتهم ورحيلهم عن هذه الحياة. سيدتنا زينب هكذا كانت وما تزال مباركة أينما كانت، حينما كانت تعيش في المدينة المنورة كان لها عطاء، وحينما انتقلت مع أبيها إلى الكوفة تجدد عطاؤها، وحينما رافقت أخاها الحسين في كربلاء تدفق عطاؤها الثر، وحينما كانت في الكوفة سبية أسيرة وحينما دخلت الشام مصابة مكلومة وحينما آبت إلى المدينة محزونة مفجوعة وحتى حينما التحقت بالرفيق الأعلى وتشرفت أرض الشام بجسدها الطاهر فإن عطاءها مستمر، وهذا الوجود الإيماني والديني والمعرفي هنا إنما هو تجلٍّ من تجليات عطاء السيدة زينب. (وجعلني مباركا أينما كنت) أي سواء كانت جسدا يمشي ويتحرك على الأرض ضمن الحياة المادية أو كانت جسدا يضمه الثرى بعد أن التحقت روحها بالرفيق الأعلى فهي عطاء مستمر دائم وبركة ونمو... وهنا أشير إلى بعض العينات والنماذج من عطاء السيدة زينب في مختلف المجالات المادية والمعنوية والمعرفية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية وهي بعد صغيرة في سنها لكنها كانت قد دخلت مرحلة العطاء وأخذت تفيض من حنانها وعطفها على الآخرين. يذكر المؤرخون كما هو ثابت أن السيدة زينب فقدت أمها فاطمة الزهراء وهي صغيرة في السن قد أكملت الخامسة من العمر وغابت فاطمة الزهراء بجسدها عن البيت العلوي فأصبح مظلما بفقدها، وكان في حاجة لمن يملأ هذا الفراغ ويأخذ دور الزهراء، يتحدث المؤرخون كيف أن زينب الصغيرة في السن ملأت فراغ أمها بشكل أو بآخر فكانت هي سيدة بيت علي وكانت هي ملجأ تلك العائلة على صغر سنها، صحيح أن عليا قد تزوج أمامة تنفيذا لوصية الزهراء ولكن أمامة مع مكانتها وفضلها لا تكون شخصيتها ونفسيتها وصفاتها وسماتها كالغصن المتفرع من شجرة فاطمة الزهراء أي كزينب، فزينب هي التي ملأت هذا الفراغ. وبعد ذلك في حياة أبيها علي في الكوفة كان بيت زينب مدرسة للعطاء العلمي، وكانت النساء تقصدها لتستلهم منها العلوم والمعارف في تفسير القرآن والحديث النبوي وفي أخلاق الحياة وما يحتاجه الإنسان في شؤونه المختلفة. وفي كربلاء تجلى عطاء زينب العظيم الكبير الذي يعجز الإنسان عن وصفه أو التحدث عنه حتى أنه يمكن القول بدون مبالغة أن ثورة كربلاء صنعتها شخصيتان؛ شخصية الحسين وشخصية أخته زينب، وهما ركيزتان في صنع هذه الثورة العظيمة وتفاعلاتها ونتائجها على مر التاريخ. إن السيدة زينب هي شريكة الإمام الحسين في ثورته ونهضته وهي بطلة كربلاء. عطاؤها في مختلف الأبعاد والمجالات... عطاؤها السياسي واضح فقد كانت لسان الثورة الناطق الذي نقل صوت الثورة إلى مختلف المدن والبقاع والآفاق، وهي التي عبرت عن مواقف الثورة والنهضة الحسينية بشكل واضح صريح وكانت أول وأفضل مَن بيَّن أهداف هذه الحركة وكيف حصلت أحداثها وما هي نتائجها المرجوة والمتوقعة، وقد هز موقفها عروش وصروح الحكم الأموي.
هذا عطاؤها السياسي أما عطاؤها العلمي والمعرفي فقد كانت محدثة تروي عن أمها الزهراء الخطبة الجليلة العظيمة المتعلقة بفدك، وهذه الخطبة إنما وصلت للأجيال بواسطة السيدة زينب التي حفظتها للبشرية جمعاء، كما روت عن أبيها علي بن أبي طالب وبعض أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات، وروى عنها الكثير من الصحابة والأعلام.
أما عطاؤها المادي فقد كان بيتها بيت الجود والسخاء وكان من تقدير الله سبحانه وتعالى لها أن تكون زوجة لجواد قريش المعروف عبدالله بن جعفر وهو من الأجواد المشهورين في تاريخ العرب المعروفين بالكرم والعطاء والسخاء لذلك ينقل المؤرخون كيف كان بيت السيدة زينب محجة للفقراء والمساكين والمحتاجين. لقد كان من طبيعتها العطاء والسخاء حتى في أحلك الظروف وأصعب الأوقات، فالزهرة الفواحة والوردة العطرة لا تتوقف عن نشر العطر في أي مكان وضعتها فيه وفي أي زمان كانت، وهكذا كانت السيدة زينب إذ يروي المؤرخون بأنها كانت تتنازل عن حصتها من الماء والغذاء لصالح أطفال أخيها الحسين الأسرى ونبقى مضطربة الجسم لا تقدر على الصلاة من قيام لما أصابها من جوع إضافة إلى آلام المصيبة، ويذكر المؤرخون كيف أن السيدة زينب (ع) عندما عادت إلى المدينة - وكان المسئول عن قافلة عودتها من قبل الأمويين النعمان بن بشير- أخذت ما تبقى لديها ولدى أختها من حلي وقدمتها إلى النعمان قائلة هذا جزاء إحسانك معنا في رحلتنا فردّ عليها بأنه لم يفعل ذلك من أجل أجر مادي لكنها أصرت عليه أن يتقبل ذلك هدية منها مع الاعتذار بأنها لا تملك أكثر من ذلك.
عطاؤها المعنوي... الإمام زين العابدين(ع) مع أنه إمام ومعصوم فقد أغدقت عليه السيدة زينب من عطائها وكانت ترفع من معنوياته كما فعلت يوم الحادي عشر من المحرم عندما قالت له: (ما لي أراك يا بقية جدي وأبي وإخوتي مضطربا منزعجا)، كما حمته من القتل أكثر من مرة وفدته بنفسها.
هذه صور ونماذج وعينات من عطاء السيدة زينب وسخائها في حياتها، وبعد التحاقها بالرفيق الأعلى استمر عطاؤها بالتدفق والنمو والزيادة وكما أشرت فإن ما نعيشه اليوم في سورية وظلال ذلك وأشعته في سائر المناطق إنما هو من بركة السيدة زينب... (وجعلني مباركا أينما كنت)، في حال الحياة وبعد الوفاة، في أي بقعة زمنية أو جغرافية، عطاء دائم مستمر ولكن كيف نستفيد من هذا العطاء؟...
أشعة الشمس تسطع على الجميع ولكن هنالك من يحول أشعة الشمس إلى طاقة ونور، وهناك من قد تصبح أشعة الشمس ضارة عليه تصيبه بالمرض والألم في رأسه، كيف تتعامل مع العطاء والنعم؟... حين تنهمر الأمطار من السماء فهناك من يستفيد منها زرعا وخيرا، وهناك من تصبح الأمطار سببا في تهديم بيته وشقاء حياته.
نحن في جوار السيدة زينب وضيافتها، ونعيش عطاء هذه السيدة وبركتها في كل لحظة من هذه اللحظات. ولكن كيف نتعامل مع هذا العطاء ونحوله إلى طاقة محركة وإلى ضياء ونور نستفيد منه؟ وكيف نبتعد عن أساليب الاستغلال وسوء الاستخدام لهذا العطاء؟ هناك من يسيء الاستخدام والاستغلال بالتأكيد، ولكن الصالحين المؤمنين هم من يستفيد من هذا العطاء الثرّ.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا ولكم في ذكرى ميلاد هذه المباركة الدائمة البركة والعطاء.
ولا يسعني هنا إلا أن أشيد بهذا النشاط الكبير العظيم الموفق الذي يقوم به الأخ الدكتور عصام عباس حفظه الله ووفقه في الاحتفاء بهذه المناسبة العظيمة. إنه وانطلاقا من حبه العميق لهذه السيدة العظيمة ومن معرفته الواعية بدورها وتأثيرها وأبعاد عطائها وإخلاصه حمل على عاتقه هذه المهمة الكبيرة، إنه ليس مرجعية دينية ولا حوزة ولا مؤسسة ولا منشأة معينة حتى يكون هذا العمل جزءا من برنامجه الطبيعي الاحترافي فهو مشغول بعمله الخاص كطبيب ولكن ما يقوم به من هذا النشاط العظيم إنما هو انطلاق وانبثاق من وعيه وإيمانه وصدقه فحياه الله وبارك له هذا النشاط وتقبل الله منه وجعل منه قدوة للآخرين حتى يقوم كل إنسان بأي صفة كانت وفي أي موقع كان طبيبا أو مهندسا أو رجل أعمال بتحمل مسؤوليته تجاه هذه الكنوز المعنوية العظيمة التي نفخر بها ويجب أن نستفيد من عطائها. بارك الله في جهود أخينا الكريم ووفقه وإن شاء الله تستمر هذه الاحتفالات وهذه المناسبات كل عام مع تطوير وزيادة في العطاء كما هو شأن سيدتنا زينب، ومن يرتبط بها وينثني إليها يصبح مرتبطا بشلالها المبارك وعطائها المتدفق. بارك الله لنا ولكم هذه المناسبة العطرة وأعادنا وأعادكم جميعا على أمثالها بخير وتقدم وصلاح إنه ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.

ثانيا-
كلمة
الشيخ الدكتور
حسن الصفار
(السعودية)
(في المركز الثقافي العربي بالمزة)


المركز الثقافي العربي بالمزة

التقديم:

(واقع المرأة في مجتمعاتنا يحكي عمق التخلف والانحطاط الذي انحدرنا إليه، فمع أننا نعيش أدنى درجات التطور والنمو، ومع حاجتنا إلى أقل وأبسط الطاقات والقدرات من أجل دفع عجلة التنمية والتطور في بلادنا، إلا أن نصف مجتمعنا المتمثل في المرأة قد فرضنا عليه حالة الشلل والجمود، وأسوأ مافي الأمر أن يتم تجهيل المرأة وتهميشها باسم الإسلام، وأفضل رد يفضح الواقع المتخلف للمرأة في مجتمعاتنا، ويثبت مخالفته للدين وبراءة الإسلام منه: القراءة الواعية لحياة السيدة زينب (ع)).
هذه الكلمات دونها المفكر الإسلامي العلامة الشيخ الدكتور حسن الصفار في صدر صفحات كتابه القيّم ( المرأة العظيمة) الذي قرأته النجمة المحمدية في عددها السابق والذي هو واحد من كتب قيمة أغنت المكتبة العربية والإسلامية أبرزها (التعددية والحرية في الإسلام)، و (معرفة النفس)، و (كيف نقهر الخوف) وغيرها. واليوم جاء من المملكة العربية السعودية وهو من حملة لواء أهل البيت فيها والذي -بأسلوبه العلمي الرفيع المقنع- تمكن من الالتقاء بكافة المذاهب الإسلامية وخاصة في بلده وإبراز المعنى الحقيقي لفكر أهل البيت أمامهم والإرشاد والتوجيه نحو هذا المنهج. جاء وفي خافقيه صوت زينب المهذب والمربي للنفوس صوت زينب الذي علا في دمشق عام 61هـ في وجه الطغاة فبدد إرهابهم وحطم غطرستهم الجاهلية الموروثة... فلنستمع لحديثه.

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته...
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله الطاهرين وصحبه الأوفياء المخلصين...
السلام على سيدتنا عقيلة الطالبيين مفخرة الإسلام ومنارة الشام بطلة كربلاء سيدتنا زينب صلوات الله وسلامه عليها...
لا بد وأن أختار زاوية معينة أو نقطة محددة أنطلق منها في الحديث عن هذه المنطقة اللامتناهية من المكارم والفضائل والقيم العظيمة وسأختار جانبا واحدا يتعلق بالمهمة الكبيرة التي أنجزتها السيدة زينب (ع) بالاشتراك مع أخيها الإمام الحسين (ع).
ينبغي أن نقرأ ثورة الإمام الحسين (ثورة كربلاء) باعتبارها ثورة للتصحيح ولتحرير الدين من الاستغلال، خاصة وأننا نعيش في هذه المرحلة مشكلة وفتنة عظيمة تحمّل من ورائها الإسلام والمسلمون أعباء وآلام ومخاطر جسيمة، هذه الفتنة هي فتنة استغلال الدين وتشويه صورته. إن الله سبحانه وتعالى أنزل دينه رحمة للعالمين وهداية للناس ولكن هذا الدين الرحمة وهذا الدين العدالة والذي هو في جوهره أفضل منهج لتأمين حقوق الإنسان وكرامته، طالما تعرض للاستغلال وأصبح سيفا مشهورا بأيدي الطغاة أو بأيدي بعض الفئات المستَغلة من قبل الطغاة أو الطامحة لبعض المكاسب والمصالح.
كان يزيد بن معاوية والحكم الأموي يتستر بستار الدين، فيزيد أمير المؤمنين وتقام صلاة الجمعة والجماعة ويتلى كتاب الله، المظاهر الدينية كانت موجودة ولكن كان الدين ستارا للظلم وغطاء للجور والانحراف والفساد وهذا ما ثار عليه الإمام الحسين والسيدة
زينب (ع)، ونحن في هذا العصر نواجه هذه الفتنة أيضا وهذه المشكلة. إن فئات باسم الدين والإسلام صارت تمارس أعمالا توجب اضطراب الأمن، هناك سفك للدماء وانتهاك للحرمات وممارسات سيئة إجرامية تنسب للدين. هذه الممارسات التي حصلت في هذه الفترة وأعطت المبرر للأعداء حتى ينفذوا ما يريدون من مخططاتهم في بلاد المسلمين وهي تجري باسم الإسلام والدين وكما قال القرآن الكريم (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون، قل أمر ربي بالقسط)، لا يمكن أن يقبل الله تعالى بأي درجة من درجات الظلم والاعتداء على حقوق الناس، ولعل الأعداء هم وراء هذه الأعمال والتصرفات حتى يشوهوا صورة الإسلام الذي أخذ في الانتشار وأخذت قيمه تلتقي مع النتائج التي توصل إليها تقدم البشر، وبالتالي فإن البشرية ستصل إلى ما وضعه الدين وما جاء به الوحي ولكن بعد مسيرة طويلة من الكفاح والتجارب أراد الوحي أن يوفر هذه التجارب على البشرية وأبان هذه التعاليم والقيم من أول يوم وبالتالي ستحتشد البشرية عند هذه القيم الإلهية فهي القيم الحقة الصحيحة، وفي عصرنا هذا حصل الاختراق وبدأت هذه القيم تتضح أمام البشرية بفعل تطورها وتقدمها المعرفي والتكنولوجي فتأتي هذه الفتن العمياء لكي تشوه صورة الدين بممارسات سلبية سيئة لا تلتقي مع قيم الدين، وقد سمعنا ورأينا ما حصل في الدار البيضاء والرياض وما اكتشف أخيرا في مكة كما أبانت السلطات السعودية حيث وجدوا مصاحف ملغمة ومعدة للتفجير عند هؤلاء المتشددين المتطرفين وقبل ذلك حدث في سورية مثل هذه الأعمال باسم الدين والإسلام وبالتأكيد (قل إن ربي لا يأمر بالفحشاء)... (قل أمر ربي بالقسط) لا يمكن أن يرضى الله تعالى بمثل هذه الأعمال والتصرفات. أمس قرأت في الصحف خبرا هالني وصدمني ولكنه نتيجة طبيعية لهذه التوجهات وهو أن الشرطة في زامبيا عثرت خلال دهمها مدرسة إسلامية على 280 طفلا محتجزين في أقفاص حيث كانوا يرغمون على تعلم التدريب العسكري واللغة العربية وأوضح شرطي شارك في عملية الدهم لوكالة فرانس برس أن معظم التلامذة في العاشرة من العمر وأن المدرسة التي كانوا محتجزين فيها تقع في إحدى ضواحي لوساكا الشعبية. هكذا يظهرون الإسلام أمام العالم... أطفال يوضعون في أقفاص من أجل أن يتعلموا الإسلام ويتربوا قسرا عليه... هذه الممارسات التي شوهت الإسلام تحتاج إلى مقاومة عبر النماذج الصحيحة الأصيلة التي تحمل قيم الإسلام وفكره، ومشكلتنا أن البعض تخلى عن هذه القيم وشرقوا أوغربوا وأبقوا الساحة فارغة لمثل هذه الجهات والفئات. الإسلام هو الكنز العظيم الذي يحفظ لنا هويتنا وكرامتنا، وهو الأمانة التي يجب أن نحملها إلى العالم وشعوب الأرض، وعلينا أن لا نسمح بتلويث أو طمس هذه الأمانة المشرقة. نعم... سيدتنا زينب وأخوها الحسين كان دورهما في واقعة كربلاء الوقوف أمام هذا الانحراف وهذا الاستغلال للدين؛ فالدين هو العدالة والحرية وكرامة الناس وحقوق الإنسان، وحينما كان حكم يزيد بن معاوية يمارس الظلم والجور رفض الإمام الحسين والسيدة زينب (ع) هذه الممارسات المنحرفة.
بقي أن نقول أن الإمام الحسين (ع) ما أراد لحركته أن تكون دموية وقتالية من ناحية الشكل، بل أرادها حركة سلمية ولذلك سعى وحاول إلى آخر لحظة من اللحظات تجنب المعركة؛ فقد أتيحت لسفيره مسلم بن عقيل فرصة لاغتيال عبيدالله بن زياد عندما جاء لزيارة شُريك ولو فعل ذلك لتغير المسار، ولكنه امتنع وعندما سئل عن ذلك أجاب: (الإيمان قيد الفتك)، وعندما واجه الإمام الحسين في طريقه إلى كربلاء طليعة الجيش الأموي بقيادة الحر بن يزيد الرياحي وقد أخذ منهم الظمأ مأخذا كبيرا طرح أحد أصحاب الإمام الحسين الاستفادة من هذه الفرصة ومقاتلة هذه الطليعة لاغتنام أسلحتهم وليكون ذلك رادعا لمن يأتي خلفهم فرفض الإمام الحسين وقال: (إنا لا نبدأهم بقتال)، وعلى العكس من ذلك استقبلهم بالماء وقال: (اسقوا القوم ورشفوا قلولهم ترشيفا)، منحهم الحياة وقد كانوا على مشارف الموت عطشا وظمأ، وفي يوم عاشوراء أيضا عندما حصلت ملاسنة قبل بداية المعركة بين حبيب بن مظاهر الأسدي وبين أحد أفراد جيش ابن سعد أراد حبيب أن يوجه له سهمه فمنعه الحسين وقال إني لا أريد أن نبدأهم بقتال، ولكن حينما بدؤوا التفت الحسين إلى أصحابه وقال هذه رسل القوم قد جاءت إليكم فقوموا بارك الله فيكم ودافعوا عن أنفسكم وعن عيالاتكم... إذن كان موقفه في الحرب موقفا دفاعيا، إذ خرج من مكة المكرمة حتى لا تحصل مشكلة في الحرم وتنتهك حرمته بقتل الإمام الحسين... كان يريد أن يتجنب أي نوع من أنواع المواجهة العسكرية ولكن الجيش الأموي هو الذي فرض هذه الحالة، ويحدثنا التاريخ كيف أن جلسات وحوارات دارت بين الإمام الحسين وعمر بن سعد واستمرت ليالي في كربلاء وأوشك الاتفاق أن يحصل بين الطرفين طالما خطب الإمام الحسين فيهم: (إني لم آتكم إلا بعد أن وصلتني رسائلكم، فإن كنتم لمقدمي كارهين فدعوني أنصرف لأرض الله-وفي مرة أخرى من حيث أتيت، وفي مرة ثالثة إلى ثغر من ثغور الإسلام-) وكاد الاتفاق أن يحصل بأن ينصرف الإمام الحسين من كربلاء ويذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام ونهاية الأمر أن الإمام الحسين يعلن موقفه سلميا بأنه يرفض حكم يزيد بن معاوية ولا يريد أن يعطيه الشرعية والاعتراف أو يبايعه، ولكن القوم لم يتحملوا منه هذا الموقف، فقام شمر بن ذي الجو شن الذي يطمع بمكان عمر بن سعد في قيادة الجيش بكتابة رسائل إلى ابن زياد ووشى بعمر بن سعد ففسد ذلك الاتفاق. هذا ما جرى في الظاهر رغم أن ما حصل كان مكتوبا ومقدرا ضمن مخطط إلهي يسير الإمام الحسين فيه إذ قال في أول يوم (شاء الله أن يراني قتيلا) وقال عن السيدة زينب وأخواتها: (شاء الله أن يراهن سبايا)، وقد حصل ما كتبه الله سبحانه وتعالى بهذه الصورة الدموية الأليمة لكي يأخذ الحدث موقعه في وجدان الإنسان ومشاعره طول التاريخ إلى جانب ما تجلت عنه الأحداث من مواقف وبطولات عظيمة باسلة. إذن جانب من جوانب عظمة السيدة زينب هذه المهمة الكبيرة التي أنجزتها إلى جانب أخيها الإمام الحسين أنها تصدت لحالة التستر في الدين وممارسة الظلم والفساد باسم الدين عبر خطبها وكلماتها ومواقفها، كل حياة السيدة زينب كانت مكرسة للقيام بهذا الدور، ونحن نقرأ عن المظاهر العاطفية في حياة السيدة زينب وبكائها، إن بكاءها لم يكن حالة عاطفية انفعالية عفوية وإنما كان وظيفة ودورا تؤديه بلفت النظر وتوجيه القلوب والنفوس إلى حقيقة ما حدث في كربلاء ولذلك يتحدث المؤرخون كيف أن بكاء السيدة زينب هو الذي أشعل نار الثورة في المدينة على الحكم الأموي وكيف كانت مواقف السيدة زينب حتى في الشام أيام حكم يزيد إذ أثارت أمواج الاستياء والرفض والنقمة على سياسة يزيد.
أيها الأخوة الأعزاء... أيتها الأخوات الكريمات...
إن منهج السيدة زينب يقول لنا ويحدثنا ويوجهنا إلى وظيفتنا... إن علينا أن نتمسك بقيم الدين الحقيقية، وأن ندافع عنها في وجه من يتنكر لها، فهناك من يتنكر للدين وغالبا ما يكون التنكر ناشئا عن الجهل بحقيقة هذه القيم... وهناك جهة أخرى وهم الذين يستغلون قيم الدين فعلينا أن نتحمل مسؤوليتنا تجاه من ينكر ويتنكر لهذه القيم عبر نشر الوعي وتعريف الناس بحقيقة القيم الإلهية الصحيحة. وعلينا أن نواجه من يحاول استغلال الدين وتوظيفه وتجييره من أجل مصالحه ولعل هذه الفئة الثانية هي الأخطر والأشد، ونحن في هذا العصر نواجه هذا الموقف، موقف المدافعة عن قيم الدين تجاه من يريد استغلال هذه القيم وعناوين الدين لكي يطرح الإسلام وكأنه تطرف وإرهاب ورجعية، وبالتأكيد فإن الأعداء يضخمون الأمور ويخلطون بين الإرهاب وبين الحق المقدس في الكفاح والنضال، ولكننا أيضا يجب أن نكون جريئين وواضحين في فضح أي استغلال للدين بأي شكل وبأي صورة من الصور. إن القرآن الكريم يتحدث في آيات كثيرة ضد هذا الصنف من الناس فيقول: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا)، قد يمارس الظلم من جهة ما تريد التسلط فهذا أمر قبيح ولكن أن يمارس الظلم باسم الله وباسم الدين فهذا افتراء وكذب على الله، ولدينا أكثر من آية في القرآن الكريم تقول (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) وهذا هو نهاية الظلم وأشد أنواعه أن يمارس الظلم بحق الناس ثم ينسب إلى الله وبأنه يحصل من أجله. وفي يوم كربلاء كان عمر بن سعد يخاطب الخيل التي وطئت صدر الإمام الحسين وعدَت على خيامه ومعسكره بقوله: (يا خيل الله اركبي، وبالجنة أبشري)... الخيل التي يطلب منها أن تقوم بأفظع جريمة تخاطب بهذه العبارة! إن حياة الإمام الحسين وكل أهل البيت هي كما قال رسول الله (ص) لعلي بن أبي طالب (ع): (إنك ستقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتَ على تنزيله) تأويل القرآن أي تبيين حقائقه وتبيين المقاصد الحقيقية للإسلام بوجه من حاول التزييف وسوء الاستغلال.
بقي أن نشير إلى أنه في مجال المرأة هناك ظلم وإجحاف بحقها باسم الدين وبأن الدين يريد للمرأة أن تبقى جاهلة منكفئة على نفسها مهمشة في مجتمعها كما نقرأ في بعض النصوص غير الثابتة أو التي يساء فهمها، وقبل فترة كنت أقرأ كلمة في جريدة لأحد العلماء الكبار عندنا في المملكة جاء فيها حول ما كانت عليه المرأة: (كانت المرأة إذا كلمت الرجل الأجنبي ترتعد فرائصها وتتصبب عرقا وتتلكأ في ألفاظها خجلا وحياء) بالله عليكم هل ينطبق وصف هذه المرأة على السيدة زينب التي خطبت في مجلس يزيد أم على السيدة الزهراء التي خطبت بعد وفاة رسول الله أو أمهات المؤمنين اللاتي كن يحدثن الناس ويرجع إليهن الصحابة في الروايات والأحاديث؟! من أين جاء هذا التصوير للمرأة؟! ومن أين اعتبروا أن هذه الصورة هي صورة المرأة في الإسلام؟! وفي إحدى الدول الخليجية أصدرت الحكومة قبل سنوات قرارا بمشاركة المرأة في الانتخابات النيابية ولكن النواب وخطباء الجمعة تحدثوا ضد مشاركة المرأة في الانتخابات على أساس أن المرأة لا حق لها في أن تَنتخب أو تُنتخب واعتبروا ذلك حراما شرعا بينما نتحدث عن حياة السيدة زينب التي كانت تقود الثورة وتحمل صوتها وتواجه أعنف حاكم في عصرها وتحملت تلك المهام الكبيرة. إذن عن أي إسلام يتحدث هؤلاء وأي صورة يريدون أن يرسموا للمرأة؟ هذه صورة خاطئة وعلينا أن ننقذ الإسلام من هذا الزيف وبالتالي أن ننقذ أنفسنا من هذه الحالة المتخلفة التي يحاول البعض أن يفرضها علينا باسم الإسلام. إن حياة السيدة زينب وأهل البيت (ع) هي الصورة الحقيقية للإسلام والصوت البليغ لرسالته، وحينما نحتفي بذكرى السيدة زينب إنما من أجل أن نستحضر هذه المواقف والقيم.
شكرا لكم جميعا على إصغائكم وشكرا لأخينا العزيز الدكتور عصام عباس على هذه الجهود العظيمة التي يقوم بها من أجل أن نجتمع ونحتفي جميعا بهذه المناسبة ونقتبس من نورها وأشعتها. أسأل الله تعالى أن يضاعف له الأجر وأن يوفقه للمزيد من العطاء وكل عام وأنتم بخير والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.