كلمة
فضيلة الأستاذ
صدر الدين المحمد
عضو المجلس الإسلامي الإسماعيلي لسورية
(السلمية)


حسينية الزهراء

التقديم:

حبهم لأهل البيت وولائهم لسيدة البيت المحمدي الصغرى دعاهم أن يقطعوا مئات الأميال ويتركوا كل شي كبقية الموالين... عتبوا على مقيم المهرجان عندما عرفوا أنه المهرجان الثاني عشر وتقبل منهم العتاب لا لتقصير بل تأخير في التعارف... من السلمية عاصمة الطائفة الإسلامية الإسماعيلية التي يقول عنها طه حسين (أم القاهرة) فضيلة الأستاذ صدر الدين المحمد عضو المجلس الإسلامي الإسماعيلي لسورية.
 

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها العلماء الأفاضل، أيها الحفل الكريم...
السيدة زينب الكبرى (ع) ودورها في مواجهة الظلم والطغيان...
من هذه السيدة زينب العقيلة؟ إنها حفيدة خاتم النبيين محمد (ص)، إنها ابنة الإمام علي المرتضى (ع)، إنها ابنة سيدة نساء الجنة فاطمة الزهراء (ع)، وإنها أخت سيدي شباب أهل الجنة الإمامين الحسن المجتبى والحسين شهيد كربلاء وقدوة الأحرار (ع).
أبوها الإمام علي (ع) هو الذي مصّر الكوفة وعمّرها، واتخذها عاصمة لحكومته فصارت في أيامه مشهد القضاء والخطابة إضافة إلى العلم والعبادة وكانت السيدة زينب أميرة الكوفة حينما كان أبوها أميرا للمؤمنين وكان ابن عمها عبدالله بن جعفر الملقب بالطيار سيد الأجواد، وهكذا كان بيتها في الكوفة ملجأ للمحتاجين والفقراء ومرجعا للوجهاء والأمراء، فإلى عاصمة أبيها كان سبي زينب الطهر عقيلة أهل البيت حيث دخلتها في جملة ربائب الخدر من آل الرسول وحولها يتامى وذراري أبيها علي (ع).
السيدة زينب (ع) وكربلاء...
لم تفارق السيدة زينب (ع) أخاها الحسين سيد شباب أهل الجنة وإنما رافقته من المدينة المنورة مع أهل بيته وإخوته وبني أخيه قاصدا مكة المكرمة، ثم تابعت معه نحو الكوفة بعد أن تلقى من أهلها الكتب التي يستقدمونه فيها ليبايعوه وينصروه ضد الظلم والظالمين، وعندما بدأت المعركة في كربلاء جاءها العزاء من سيد الشهداء أخيها الإمام الحسين حين أوصى وقال لها: (يا أختاه تعزي بعزاء الله، وكل شيء هالك إلا وجهه، ولكل مسلم برسول الله أسوة) وهنا قالت السيدة العقيلة: (أخي أفأشاهد مصرعك، وأبتلي بهذه المذاعير من النساء والأطفال؟)، وهنا هبَّ أصحاب الإمام الحسين (ع) وصاحوا وهم بباب السيدة زينب: (السلام عليكم يا عزنا، السلام عليكم يا فخرنا، السلام عليكن يا عقائل الرسالة ويا معاشر حرائر رسول الله، هذه صوارم رجالكم آلوا أن لا يغمدوها إلا في رقاب أعدائكم)، فخرجت إليهم زينب (ع) ومعها النساء وقلن أيضا: (حاموا عن بنات رسول الله وحرائر أمير المؤمنين). وفي آخر لحظات معركة الشهادة والاستشهاد معركة كربلاء وصلت السيدة زينب (ع) إلى الميدان وشقت طريقها بين القتلى إلى أن وصلت إلى سيد شباب أهل الجنة فجلست عنده ومدت يديها تحت ظهره ورفعته عن الأرض وأسندته إلى صدرها وهي تقول بجرأة وخشوع: (اللهم تقبل منا هذا القربان) وهنا أوصاها أخوها الإمام الشهيد بقوله: (يا أختاه ارجعي إلى الخيمة واحفظي لي العيال والأطفال)، وقبل ذلك أراد الإمام السجاد علي زين العابدين (ع) أن يقاتل وقد كان مريضا فرده أبوه إلى فراشه وأوصاه بوصاياه وودعه ليبقى بعده ولتستمر كلمة الهداية النورانية في عقبه الطاهر إلى يوم يبعثون وهنا تقف السيدة زينب (ع) إلى جانب ابن أخيها الإمام زين العابدين وتعلن عن استعدادها للتضحية بنفسها فداء له وقد صاحت بعد أن رمت بنفسها عليه: (إن أردتم قتله فاقتلوني معه) ثم توجهت في خطابها إلى ابن أخيها الإمام السجاد وهي تقول: (يا بقية جدي وأبي وإخوتي، فوالله إن هذا عهد من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون عند أهل السماء فيجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف عَلما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام، ولو اجتهد أئمة الكفر وأشياع الضلال على محوه فلا يزداد أثره إلا علوا). وعندما وصل موكب أسارى كربلاء إلى الكوفة خاطبت السيدة العقيلة الجموع المحتشدة بقولها: (أنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم، ألا ساء ما تزرون... أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم؟ وأيّ كريمة له أبرزتم؟ وأيّ دم له سفكتم؟ وأيّ حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا إدّا تكاد السماوات يتفطّرن منه، وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هدّا، ولقد جئتم بها خرقاء، شوهاء، كطلاع الأرض، وملء السماء، أفعجبتم أن مطرت السماء دما؟ ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون)، وفي مجلس ابن زياد وقفت السيدة العقيلة تخاطبه وتقول الحمد لله الذي كرمنا بالنبوة وطهرنا من الرجس تطهيرا مشيرة إلى قول الله عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)، كما كررت استعدادها للذود بنفسها عن ابن أخيها الإمام علي زين العابدين بقولها لابن زياد: (إن أردت قتله فاقتلني معه).
السيدة زينب الكبرى في دمشق...
وفي دمشق تقف عقيلة أهل البيت السيدة زينب (ع) موقف البطولة في مواجهة الظلم والطغيان في مجلس يزيد بن معاوية وتقول صائحة: (وا أخاه... وا حسيناه... يا ابن محمد المصطفى ويا ابن علي المرتضى ويا ابن فاطمة الزهراء أهكذا يصنع برأسك يا حبيب رسول الله؟!) ثم تقول: (الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: (ثمَّ كانَ عاقبة الذين أســاؤوا السوأَى أن كَذَّبُوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون). أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى. أنّ بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة؟... فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أنسيت قول الله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين). ثم توجهت إلى الله تبارك وتعالى بهذا الدعاء: (اللهم خذ لنا بحقّنا،وانتقم ممّن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا) ثم خاطبت يزيد بقولها: (فوالله ما فريت إلاّ جلدك، ولا حززت إلاّ لحمك، ولتردنّ على رسول الله، بما تحمّلت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في ذريته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) وحسبك بالله حاكما، وبمحمد خصيما، وبجبرائيل ظهيرا). وأخيرا وليس آخرا تسأل السيدة زينب (ع) ابن أخيها الإمام علي زين العابدين (ع): (إلى أين يا نعم الخلف؟ إلى أين يا بقية السلف؟) ويأتي كلام الإمام (ع) ليجيب بشكل غير مباشر على تساؤل العمة العقيلة ويقول: (أيها الناس أعطينا ستا وفضلنا بسبع؛ أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب الناس، وفضلنا بأن منا النبي المختار ومنا الصديق والطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله ومنا سبطا الأمة ومنا سيدة نساء العالمين) هكذا جعلها الله تعالى كلمة باقية في عقبه لتستمر الرحمة الإلهية التي لا يمكن أن تنقطع والهداية النورانية الإلهية التي لا يمكن أن تنطفئ... إنها سلام الله على الإنسان وسلام الناس بعضهم مع بعض... إنها دين الإسلام. وقد ذكر إمام الشيعة الأماميين الإسماعيليين في العالم سمو الأمير آغا خان أن الإمام علياً المرتضى (ع) قد أكد أن هذا الدين يقوم على مبدأ السماحة واللطف والتسامح كما يقوم على مبدأ السعي لخدمة الفقراء والمحتاجين، إنه يقوم على مبدأ الصفح عن أولئك الذين أخطؤوا بحقنا أو آذونا لأن ذلك الصفح هو الذي يشد أزرنا ويجعلهم يحترموننا لسلوكنا ويشجعهم على إتباع هذا السلوك، ولنذكر أنه ما دمنا قد خلقنا ومعنا العقل فذلك إنما لنبحث به عن المشاكل التي تعترضنا لا من خلال الأساليب العنيفة بل من خلال أساليب التسوية والحوار والمحاولات المشتركة لحل المشاكل الآنية والمستقبلية لقوله تبارك وتعالى في قرآنه المجيد: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.