|
كلمة |
|
|
التقديم:
السويداء جبل العرب الشامخ الذي خرج منه عرفاء وشعراء وأدباء مشهورون، وخرج منه
قادة تحدوا القهر وإرهاب المستعمرين كسلطان باشا الأطرش شيخ الجبل وقائد ثورة
التحرير، وكلهم عشقوا أهل البيت (ع) وتغنوا بنضالهم فازدادوا بذلك علما ومعرفة وبطولة
وإباء.... |
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الرحمة وسيد المرسلين وعلى آله
وصحبه الطيبين إلى يوم الدين وبعد...
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)...
السادة العلماء... أيها الحفل الكريم...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
بالأمس القريب وما أسرع ما تنقضي الأيام كان لنا شرف اللقاء بكم في مثل هذا الوقت
المبارك في المهرجان الولائي والوفائي الحادي عشر إحياء لذكرى ميلاد السيدة الفاضلة
بطلة الحرية بطلة كربلاء زينب عقيلة أهل البيت الكرام (ع)، وفي الحقيقة ما إن تبدأ
الحديث عن مزايا العقيلة حتى تشعر أحيانا بالحيرة والذهول أمام عظمة وقدسية هذه
الشخصية النادرة وأن الكلام قد لا يطاوعك لما تريد فتبقى حائرا مدهوشا لا تدري من
أين تبدأ ولا ماذا تقول. ونحن حينما نتحدث عن العقيلة إنما نتحدث عنها أكثر الأحيان
من حيث واقعنا نحن ومن حيث إمكاناتنا الشخصية لا من حيث هي، ونعبر عنها بلغة
التاريخ ونقيسها بمقاييسه المحدودة ونحكم عليها بأحكامه والأولى أن يعبر عنها بلغة
أهل الذوق والحال الذين لا ينطقون عن الهوى وتقاس عظمة شخصيتها بمقاييس أولياء الله
عز وجل وأحبائه لأنه لا يعرف الولي إلا الولي. وإنني في هذه المناسبة الكريمة أجمل
الحديث عن العقيلة من خلال أبعاد ثلاثة تجلت في شخصيتها هي محور كل الدراسات عنها
في الماضي والحاضر وهي: البعد الروحي، والبعد العلمي، والبعد القومي أو سمه فضيلة
الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله. أما البعد الروحي المتأصل في نفسها فلا أعتقد أن
التاريخ الزمني قد وفاه حقه من العناية والاستقصاء رغم أنه قد تحدث عن حياتها من
البداية إلى النهاية، وإن كان قد أشار إلى هذا البعد بوجه من الوجوه فلعلها إشارة
عابرة لم تتجاوز حدود الوصف العام، وبقي سر هذا البعد مستغلقاً عليه ومن بعض سمات
هذا البعد الروحاني على سبيل المثال إيمانها الراسخ بالله تعالى الذي ارتقت به إلى
درجة الرضا والتسليم بمشيئته سبحانه في محنتها التي ابتلاها الله بها في كربلاء،
والرضا والتسليم هما أعلى درجات اليقين. ثم وهبها الله معرفة لدنية نجم عنها بصيرة
شفافة كشفت لها مسبقا نتائج ما حدث لأهلها وما يحدث، ونجم عنها أيضا ذلك الصبر
الجليل الذي قذفه الله بقلبها والذي لا تفجع معه ولا جزع من حكمه فذبحت لوعتها في
قلبها وتمالكت نفسها وكظمت غيضها وسيطرت على أصحابها لدى مرأى 73 شهيدا كالكواكب
الدرية من أهل البيت ومن صفوة الناس وإنما أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الذين
يلونهم ثم الأمثل فالأمثل كما قال رسول الله (ص)، ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب (ع): (البلاء للظالم أدب، وللمؤمن امتحان، وللأنبياء درجة) فلا يليق بالعقيلة مع
تلك المعرفة السامية العلوية أن تجزع وتستسلم للبكاء وهي أعلم الناس بثواب الصبر
المعد للصابرين (وَبشِّر الصَّابرين)، (وإنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب)،
وتعلم أيضا أن من جزع من قضاء الله فقد ثواب الصبر عليه. فمعرفتها وحكمتها وشجاعتها
منعتها من كل ما يوهن الضعفاء فكان حزنها وتفجعها مناجاة وتسبيحاً للخالق سبحانه
وصلاة شكر وعرفان على هذه النعمة التي أضفاها عليها وعلى أخيها. هكذا أولياء الله
يعدون البلاء نعمة والصبر عليها يرفع الدرجات والدليل على ذلك أنها توسلت إلى الله
سبحانه بأوجه الوسائل أن يتقبل منها جثمان أخيها الحسين (ع) قربانا مقدسا لهذه النعمة
الإلهية التي نالتها وهي نعمة ثواب الصبر، والصبر عند الصدمة الأولى كما قال جدها
رسول الله.
يا قلب زينــــب ما لاقيـــت من محن فيـك الرزايا وكل الصبر قد جمعا
لو كان ما فيك من صـــبـر ومن محن في قلب أقوى جبال الأرض لانصدعا
هذا الصبر العظيم هو سر من أسرار البعد الروحي في شخصية الحوراء.
كيف تأتّى لها ذلك؟ لقد انتصرت على نفسها بقوة اليقين في أحرج الأوقات وأحلك
اللحظات و
الانتصار
على النفس هو الجهاد الأكبر، والمعركة الحقيقية كانت مع نفسها وما الصبر إلا وليد
هذا الانتصار المؤزر. إن الله سبحانه وتعالى لا يبتلي العبد بشيء إلا ووراء ذلك
حكمة بالغة وسر عميق، فإذا كان الابتلاء لسواد الناس لتمحيص الذنوب والتكفير عنها
فماذا يعني بالنسبة للأنبياء والأولياء ومن هم في مستوى منزلتهم؟ أليست الحكمة في
ذلك أن يكونوا قدوة للناس وأهلا لقيادتهم وهدايتهم ففي وقت السلامة والرخاء يتساوى
الناس جميعا وإنما يحتاج الناس إلى الاقتداء والاهتداء والتأسي وقت الشدائد والمحن
فحينما ابتلى الله هابيل بأخيه قابيل كان المغزى من وراء ذلك أن لا يستعظم أحد
القتل ظلما وإنما هو مجال للتأسي وارتفاع الدرجات، ونبي الله إبراهيم الخليل (ع) لم
يصبح إماما للناس إلا بعد أن ابتلاه الله وانكشفت حقيقته له (وإذ ابتلى إبراهيمَ
ربُّه بكلمات فأتمهن،قال إني جاعلك للناس إماما)، والنبي العربي محمد (ص) ما ابتلاه
الله بمشركي قريش وعبدة أوثانهم إلا لتظهر كفاءاته ومؤهلاته القيادية بالصبر على
مجتمع وثني جاهلي واجتياز المحن بهمة عالية وصبر شديد وعقل حصيف فكان أهلا للأمانة
وحمل مسؤولية الرسالة وهداية الناس.
فالابتلاء يظهر حقيقة المبتلى وحقيقة كفاءته التي تشد الناس إليه وتجعله قدوة صالحة
لهم ومثلا أعلى في الصبر واحتمال الشدائد وكذلك الحال لدى السيدة زينب (ع) لم تكن في
منأى عن هذا الابتلاء أيضا لكنها تجاوزته بصبر وشجاعة ورضا وتسليم فكانت بحق قدوة
صالحة لجميع نساء العالم. وتكريما لها كانت تعلم مسبقا أن الله سبحانه خصها وأهل
بيتها بنعمة الابتلاء هذه ليكونوا قادة هدى للناس ومعقل إمامتهم. فحينما أشار ابن
عباس على الإمام الحسين (ع) بعدم الخروج إلى العراق قال له الإمام: (شاء الله أن
يراني قتيلا ويراهن سبايا) فقال ابن عباس: (ما معنى حملك لهؤلاء النسوة؟ أخشى أن
يصيبك ما أصاب عثمان فتقتل ونساؤك ينظرن إليك)، فإذا بالعقيلة زينب تقول من خلف
الستار: (من هذا الذي يشير على شيخنا وسيدنا أن يتركنا ويرحل عنا؟! لا والله بل
نحيا بحياته ونموت بمماته) لقد اختارت الخروج مع أخيها على علم منها لأهداف أعظم من
الموت، ولو لم يكن ذلك كذلك لما كانت أهلا لأن تكون تلك الشخصية القيادية الني هزت
مشاعر الناس وكسبت تأييدهم وجندتهم للثورة على الحكم في ذلك الحين وخلدت ذكرها
وصارت قبلة للزوار والمتبركين بقدسيتها على مر الزمن.
والبعد الثاني في شخصية الحوراء هو البعد العلمي لكني لن أقف عنده طويلا لأنني لا
أزيدكم به معرفة ويكفي الإشارة إلى أنها كانت عالمة غير معلّمة ومرجعا أعلى لجميع
السيدات في الفقه والفتاوى والتقدير وإقامة مجالس الذكر والعلم ومعنى ذلك أن علومها
ليست كعلومنا نحن بل هي علوم طبعية لدنية وليست علوما مدرسية كسبية لا تنال إلا
بالكدح والمعاناة.
وبين هذا البعد والبعد الثالث وهو الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق صلة وثيقة
من الأهمية بمكان أن نوجز الحديث عنها وهي أنها كانت ألمع خطيبة في الإسلام فقد
قلبت الرأي العام في خطبها التاريخية في الكوفة ودمشق، ومما قالته في خطابها
المشهور وهي تقف أمام يزيد بن معاوية كالأسد الهصور: (أظننت يا يزيد، حيث أخذت
علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أنّ بنا على الله
هوانا، وبك عليه كرامة؟) إلى أن تقول (فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أنسيت قول الله
تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا
إثما ولهم عذاب مهين) ثم تقرعه في خطابها تقريعا شديدا لهوانه عليها فتقول له: (أمن
العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت
ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل
المناهل والمعاقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد)، ثم تدعو عليه دعوة تقطع
المسافة بين السماء والأرض فتقول: (اللهم خذ لنا بحقّنا،وانتقم ممّن ظلمنا، واحلل
غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا)، ولعمق احتقارها له تقول: (إنّي لأستصغر قدرك،
وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكنّ العيون عبرى، والصّدور حرّى، ألا فالعجب كلّ
العجب، لقتل حزب الله النّجباء بحزب الشيطان الطلقاء). إن هذه الخطبة التاريخية
القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء وجرأتها البالغة، وأرفع أنواع العبادة قولة
حق أمام سلطان جائر كما روي في الحديث النبوي الشريف، وستبقى خطبتها صرخة مدوية في
وجوه الجبابرة على مدى الدهر وتعاقب الأجيال، ولا شك أنها امتداد لثورة كربلاء
وتجسيد رائع لقيمها الكريمة وأهدافها النبيلة.
إن ما اقترفه الظالم من سفكه لدماء العترة الطاهرة وعدم مراعاته لقرابتهم لرسول
الله (ص) كان مدفوعاً إلى كل ذلك بحكم نشأته وموارده، فلا عجب. والمؤرخون المنصفون
يؤكدون أن أقسى كارثة مُني بها العالم الإسلامي إقصاء أهل بيت النبوة ومعدن الرحمة
عن المسرح السياسي إذ كان شعار الذين انتزعوا منهم زمام السيادة (لا تجتمع النبوة
والخلافة في بيت واحد) فلم يحفلوا بوصايا النبي (ص) في حق أهل بيته من أنهم سفن نجاة
الأمة وأعلام هدايتها حيث قال فيهم: (لا تقدموهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنهم أعلم
منكم) وعلى ذلك فإن يزيد لا يحارب أهل البيت فحسب وإنما حارب الله فيهم فحرمه الله،
فعن رسول الله (ص) عن جبريل (ع) عن الله تبارك وتعالى قال: (من آذى لي ولياً فقد استحل
محرمي)...
وكم من ولـــــي تأذى وكم وكم من تقي طــواه الظلم
وكم من رضيع يعاني الظما وكما من ظلوم طغاه الحكم
وبعد سماع يزيد خطبة العقيلة تلبدت أجواؤه السياسية وحار في أمره لأن العقيلة قد
فضحته بخطابها الخالد وجردته من السلطة الشرعية، فأخذت الأوساط الشعبية في دمشق
تنقم عليه وتستنكر جريمته بإبادته لعترة رسول الله (ص) فأخذ يلتمس لنفسه المعاذير
الواهية وراح يبني مجده على تغلبه وقهره لسبط رسول الله. ورغم ذلك فقد انتصر الإمام
الحسين في ثورته وهاهي الدنيا تعج بذكره والمسلمون يطوفون بحرمه من أنحاء الأرض،
ودمشق على وجه التحديد تزينت وازدانت باحتضان جثمان العقيلة الطاهر فتباركت الأرض بها وتقدست ولا يزال إلى يومنا هذا منارة مشعة وقبلة الزوار المتبركين والمتوسلين
به إلى الله تعالى.
ولا يفوتنا في الختام أن نرفع من رحاب هذا المكان المقدس شكرنا إلى راعي هذا
الاحتفال وقائد المسيرة سيادة الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية
حفظه الله ورعاه ونصره على من عاداه، وشكرنا أيضا إلى السيد الدكتور عصام عباس منظم
هذا الاحتفال والذي لا يدخر وسعا من وقته وماله في إحياء هذه الذكرى السنوية العطرة
من خلال دعوة هذه الحشود الكريمة إليها وإنشائه مجلته الغراء (النجمة المحمدية)
ديوان هذه الاحتفالات وذكراها، فبارك الله جهوده وأثابه خيرا. والشكر لكم جميعا وكل
عام وأنتم بخير.