كلمة
الأستاذ محمدالله حيدري
سفير دولة أفغانستان بدمشق


المركز الثقافي العربي بالمزة

التقديم:

عندما كانت السيدة زينب (ع) تتحدث في دمشق أمام الحاكم كان المجلس يغص بممثلي الحكومات المختلفة والدبلوماسيين الذين لم يعرفوا زينب من قبل فأصغوا لكلامها وأدانوا الحاكم عندما عرفوا أنها بنت نبي المسلمين لأنهم دبلوماسيون ساسة. ومجلس زينب المقدسة هذا اليوم ينعقد في دمشق بعد مئات القرون ولكن هذه المرة سنستمع لحديث الدبلوماسيين المتفهمين والعارفين منهجية السيدة زينب والمقتدين بها والمهتمين بتطوير منطقتها كونها فخر حضارات دمشق إنه سعادة سفير دولة أفغانستان في الجمهورية العربية السورية الأستاذ محمد الله حيدري.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه المنتجبين...
(فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)...
الحديث عن السيدة زينب (ع) حديث عن البطولة والإباء، وعندما نتذكر السيدة زينب فإننا نجد أنفسنا أمام قلعة شامخة تتحدى الظلم والجور فزينب بطلة كربلاء وهي التي شاطرت أخاها الحسين (ع) بثورته وأعمرتها بشجاعتها وإبائها وكلماتها، ولم تنحن هذه السيدة الجليلة أمام البغي والظلم رغم مشاهدتها أشــلاء أخوتها وأخيها الإمام الحسين مقطعة على رمضاء كربلاء.
إنها زينب بنت علي وفاطمة، زينب التي ورثت الصبر والعفاف من أمها، والشجاعة والبلاغة من أبيها، ولم تهادن الطغاة بل قارعتهم بصبرها ولسانها، وكان لخطبتها المشهورة في الشام في مجلس يزيد دوي هائل أربكت الطغاة وهزت أركانهم وكشفت زيف الحكم اليزيدي الجائر.
إن ثورة كربلاء تعرف اليوم باسم الحسين وزينب، وستبقى هذه الثورة وأبطالها مخلدين على مر الدهر واسم الحسين وزينب يتألقان كالنجم في سماء العزة والكرامة والبطولة والفداء، ولم يبق ليزيد وزمرته الظالمة سوى الخزي والعار إلى الأبد.
إننا في ذكرى ولادة السيدة زينب نتساءل كيف لنا أن نسير بهدي زينب ونقتدي بها وما هي حاجتنا لدراسة حياتها وسيرتها، وهل نكتفي بالبكاء على مصائبها؟ أم أنها مدرسة يجب أن نتعلم منها معنى الصبر والجهاد والمقاومة؟ فزينب هي التي اتخذت قرارات صعبة في مواقع حساسة وخطيرة واستطاعت أن تستغل المكان والزمان المناسبين والخطاب السياسي المناسب لتحقيق أهدافها.
إننا في الوقت الراهن بأمس الحاجة إلى السيرة الزينبية لنتعلم منها النضال والمقاومة والحركة والمنطق الرزين والخطاب السياسي المناسب والمنسجم مع الظروف والواقع وعدم الرضوخ والاستسلام للطغاة والجبابرة. إن السيدة زينب تمثل القيادة الواعية الإستراتيجية والاستثنائية لتاريخ الجهاد والمقاومة ضد الطغاة والظلمة، تلك القيادة التي استلمت زمام الأمور في أصعب مرحلة وأشد الظروف، وتمكنت بفضل وعيها واستقامتها وصبرها أن تكسب المعركة دون أن تستعين بقوة سوى المنطق الرصين والتوكل على الله والاستقامة على الحق.
إن الاعتماد على منطق القوة والعنف هو في الواقع قوة الذين لا يملكون قوة المنطق والخط الفكري، وهم دائما يصطدمون بالطريق المسدود وينهارون أمام قوة المنطق والإيديولوجيا الفكرية الواضحة. إن على المسلمين اليوم أن يجعلوا السيدة زينب قدوة لهم، وعليهم أن يتسلحوا بالمنطق والخطاب السياسي المعقول والمناسب والاستعداد أمام التحديات.
إننا في ظل التعاليم الإسلامية القيمة نستطيع بناء حياة عزيزة وكريمة وأن نتعايش مع الآخرين، ويجب أن نشير إلى أن الإسلام هو دين السلم والأخوة والسلام ودين العدالة والكرامة والإنسانية ويعتمد على المنطق والعقل والحرية، وإن علينا أن نمد جسور الأخوة والعلاقات الحسنة القائمة على الاحترام المتبادل مع الغرب ليتمكن الغرب من سد حاجاته الروحية والمعنوية من معنويات الإسلام، ونتمكن نحن من الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي الغربي.
أيها الإخوة...
إن أخوتكم في أفغانستان عانوا من مشاكل كبيرة جدا خلال العقدين الماضيين ولا يزال أمامهم مشاكل كثيرة؛ لقد انتهى الغزو السوفييتي لأفغانستان ولكن بدأ فصل جديد من الاختلافات والتناحر الداخلي، وانتهت تلك الاختلافات التي ألحقت بالبلاد خسائر مادية ومعنوية وإنسانية كبيرة بطريقة أشد وهي ظهور حركة طالبان واستيلاء هذه الحركة التي تمثل العنف والتخلف على أفغانستان، ولا شك في أن طالبان حركة متخلفة وجاهلة، وكان الهدف من تأسيسها ودعمها هو ضرب الإسلام والمسلمين بقناع الإسلام. لقد ارتكبت هذه الحركة جرائم فضيعة بأفغانستان لم يحدث مثلها من قبل في التاريخ، وكانت تهدف إلى تكريس المذهبية والطائفية بين المسلمين، وتدفع أسوأ صورة للإسلام إلى العالم وإظهار الإسلام على أنه دين منغلق ومعارض للمدنية والحداثة والعلم والثقافة والتطور العلمي والحداثي وأنه دين الإرهاب والعنف وسلب الحريات. ومن قوانين هذه الحركة المفروضة على الشعب الأفغاني منع التلفاز والتصوير وإغلاق المراكز العلمية والثقافية ومنع النساء والفتيات من العمل والتعليم وضرورة إطلاق اللحى للرجال، وحدث ذات مرة أن طالبان جلدوا ميتا بجريمة حلقه للحيته وذلك بحجة إقامة الحد الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية. وإنني أقول بصراحة بأن طالبان كانت كورم سرطاني يفتك بجسد الأمة الإسلامية، وإذا ما كان يقدر لها البقاء فإن الأمة الإسلامية كانت ستنتهي خلال فترة غير بعيدة وكانت ستواجه مشاكل جمة وخطيرة في المستقبل القريب. إلا أن قوات الدولة الأفغانية استطاعت أن تستأصل هذه الغدة السرطانية الخبيثة، إن إخوتكم قدموا الكثير من الضحايا للتخلص من طالبان ويسعدنا أن نقول بأن تلك الدماء والضحايا لم تذهب هدرا وتشهد أفغانستان اليوم تشكيل دولة وحكومة وطنية شعارها الوحدة الوطنية وإعادة البناء والإعمار ونأمل من الدول الصديقة والمحبة للسلام والعدالة أن تمد يد العون والمساعدة إلى الحكومة الوطنية في أفغانستان. وفيما يتعلق بالعراق فإننا نأمل أن يتمكن إخوتنا هناك من تشكيل حكومة وطنية في العراق وعلى جميع الفصائل العراقية أن تعتمد الوحدة الوطنية وأن توحد جهودها وتكرس طاقتها لبناء عراق جديد تسوده العدالة والديمقراطية بعد انتهاء النظام الديكتاتوري الدموي الظالم في العراق.
وختاما أرى من الواجب أن أتوجه بالشكر إلى الجمهورية العربية السورية قيادة وشعبا، هذه القيادة الحكيمة التي تزدهر سورية بفضل وجودها ودرايتها وهي التي توفر مثل هذه الفرص السعيدة التي نلتقي ونحتفل فيها بذكرى أعلامنا، كما أشكر الأخ الدكتور عصام عباس على منحي هذه الفرصة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.