كلمة فضيلة الشيخ الدكتور
محمد حبش
عضو مجلس الشعب السوري


حسينية الزهراء

التقديم:

وتبقى دمشق عاصمة كل السوريين بل كل العرب، بل وتبقى سورية الأسد رمزا لوحدة كافة الطوائف الإسلامية، ســورية الأســـد التي سارت بخطى السيدة زينب (ع) صمودا مشرفا ولغة طاعنة للمعتدين فتُذعن الجبابرة وتَتبدد أوهامهم. شيخ دمشقي وأستاذُ شريعة تألق في أحاديثه المتكررة عن آل بيت محمد في محافل مختلفة واليوم جاء وقد ألغى كل المواعيد ليتحدث عن سيدة الأحرار وعقيلة الأبرار وسليلة الأطهار زينب المقدسة (ع) انه فضيلة الشيخ الدكتور محمد حبش عضو مجلس الشعب السوري ورئيس مركز الدراسات الإسلامية بدمشق.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه المنتجبين الطيبين الطاهرين وآل كل وصحب كل أجمعين.
أيها الإخوة والأحبة...
شرف لي أن أقف في هذا المهرجان الطاهر الكريم لأتحدث عن زينب المقدسة بنت أمير المؤمنين، وهي المرأة التي رسخت بظلال جهادها ملامح شخصية مختلفة للمرأة المسلمة من خلال انطلاقها في الحياة يتيمة صابرة فارقت والديها وهي بنت خمس سنوات... فارقت أمها الطيبة الطاهرة لتبدأ حياتها وكفاحها وجهادها في رسالتها للنهوض بالمرأة المسلمة وتقديم الدليل تلو الدليل على أن هذا الإسلام الذي هو رحمة للعالمين هو عطاء الله المتكرر يظهر في وجه محمد (ص) ويظهر في حنايا خديجة (ع)، أول قلب اطمأن بالإسلام قلب امرأة هي خديجة بنت خويلد، وأول شهيد في الأرض قدم دمه فداء للرسالة كان امرأة هي سمية بنت خياط، ثم جاءت زينب بنت أمير المؤمنين لتتحرك مع أخيها المجاهد السبط أبي عبدالله الحسين (ع) من أرض المدينة المنورة إلى كربلاء، كانت من قبل قد رحلت مع أبيها إلى الكوفة ثم رجعت إلى المدينة المنورة ثم عادت مع أخيها الحسين لتشهد واقعة الطف... لتشهد يوم كربلاء... لتقول بكل وضوح إن المرأة التي يتحدثون عن حقوقها في القرن الحادي والعشرين قد نالت كل تلك الحقوق يوم كانت في ظلال الإسلام، وها هي إلى جانب أخيها أبي عبدالله الحسين تشهد اليوم كربلاء وتقول للمرأة المسلمة في كل جيل (كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء)... هكذا شهدت مقتل الحسين... شهدت ذلك اليوم الذي زفت فيه أرواح الشهداء إلى نعيم الجنة، ثم تحركت فيمن تحرك ممن بقي من أهل بيت رسول الله (ص) مع زين العابدين فاجتازت بمدائن الشام ونزلت في حماة وحمص حتى وصلت إلى دمشق الشام وهنا كانت تقف أمام الجبارين وتصدع بكلمة الحق والنور، إنها أم لا كالأمهات وامرأة لا كالنساء، وشهدت تلك المحاكم الهزلية التي كان الطواغيت يعقدونها لأصحاب الأرواح الطاهرة الذين جاؤوا من كربلاء، ثم أوت مرة أخرى إلى المدينة المنورة قرب قبر جدها (ص) ثم عادت مع زوجها عبدالله بن جعفر ابن عمها جعفر الطيار، وهنا يشاء لها القدر أن تنزل في هذه القرية... في راوية جنوب مدينة دمشق لتصبح هذه الراوية الصغيرة نبعاً ثراً يرتوي منه أهل الشام يرتشفون محبة رسول الله ويقرؤون دروس الكفاح واليقين.
إني سعيد أن أقف هنا اليوم لأفرح في يوم مولد امرأة، وإني أعلم أن الغرب لا يستطيع أن يقدم أنموذجا لامرأة تحظى في التاريخ بالتكريم والتقديس كما تحظى السيدة الطاهرة زينب (ع)، لقد زرت عواصم كثيرة في الدنيا، ولكني لم أر امرأة تعيش في ضمائر الناس كما تعيش هذه السيدة الطاهرة، ولا يتوقف في الليل ولا في النهار طوفان الراغبين في الوقوف عند أعتابها، ولا يتوقف في ليل أو نهار سيل الراغبين في اقتباس نورها ونفحاتها ، كثيرات هن النساء اللواتي ذكرن في التاريخ ولكن لم تخلد امرأة في ضمير الناس كما خلدت السيدة الطاهرة زينب.
إني أملك أن أقول هنا بفخر واعتزاز إن المرأة التي تطالب بحقوقها اليوم تحتاج أن تقف وقفة تأمل وتدبر عند روضة السيدة الطاهرة زينب، إني أدعو كل المنظمات العاملة في حقل المرأة في بلادي وفي بلاد العرب والمسلمين أن ينظموا جولات للنساء لتقف مؤتمراتهن عند هذه الأعتاب الطاهرة من أجل أن نتذكر جميعاً إلى أي أفق تمكنت المرأة أن تبلغ في ظلال محمد (ص).
إننا لا نستطيع حتى اليوم أيها الأخوة أن نشير بأصبعنا إلى امرأة منذ أكثر من خمسمائة عام نتحدث عنها أنها كانت قائدا جماهيريا في بلادنا كما كانت هذه السيدة الطاهرة زينب، إنني أتمنى أن تتحرك الجمعيات النسائية الراغبة بتحرير المرأة لتدرك أن تحرير المرأة يبدأ من تحرير عقلها وإرادتها، وأن الحجاب الذي تلبسه المرأة المسلمة ينعكس ضياء وفيض نور ولا يحول دون تفوقها في مراكز المجد والخير والتقدم. إن نساءنا الباحثات عن التحرر بحاجة إلى أعتاب زينب، إن الاتحاد العام النسائي ومنظمات المرأة في الدنيا مدعوة إلى أن تحضر إلى أعتاب زينب لترى كيف يقف الكبار والصغار من ذوي الشأن والثقافة والعلم والمعرفة بالأدب والحبور عند أعتاب هذه السيدة المقدسة... يا له من درس يقدمه لنا أئمة أهل البيت... ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
وبعد أيها الإخوة...
لقد كتب الإمام الجليل الحافظ المزي كتابا كبيرا أسماه (الكمال في أسماء الرجال)، ثم اختصره وسماه (تهذيب الكمال في أسماء الرجال)، ثم جاء ابن حجر فاختصر الاختصار وسماه (تهذيب التهذيب في أسماء الرجال)، ثم عاد ابن حجر واختصر اختصار الاختصار وسماه (تقريب التهذيب) فاجتمع له مجلدان عظيمان هو التلخيص من الدرجة الرابعة، وعندما قلبت صحائف ذلك الكتاب وقفت على 824 امرأة تركت بصماتها في تاريخنا الإسلامي معلمات مربيات داعيات مرشدات، طويت الكتاب وبدأت أستعرض تاريخنا الإسلامي منذ أن رحل عصر النور والمجد الذي كان يتألق بأصحاب رسول الله (ص) ولم أتمكن من العثور من القرن الثاني إلى زماننا هذا على 824 امرأة أخرى. ما الذي جعلهن يتألقن في تلك الأيام المجيدة؟ ما الذي جعل المرأة آنئذ تتبوأ موقعها في ريادة الحياة؟ إنه المعنى الذي أراد رسول الله أن يلفت الأنظار إليه في بيان منزلة المرأة يوم أكرمه الله عز وجل بالنصر الأعظم في فتح مكة وتعلقت به الأبصار بعد أن دك أصنامها الثلاثمائة والستين وبعد أن أعلى فيها كلمة التوحيد... تعلقت الأبصار برسول الله... أين سينزل المصطفى وتحرك المختار بناقته المأمورة وتعلقت بها الأبصار... كانوا يتوقعون أن ينزل في رأس جبل النور أو رأس جبل أبي قبيس أو أن يكون منزله بين الصفا والمروة... عند المرتسم أو زمزم أو المقام... في مكان يليق بمجده وجلاله، ولكنه تحرك بناقته ميلا أو بعض ميل شمال البيت الحرام... وهناك في الحجون حيث يرقد عم رسول الله أبو طالب، وحيث ترقد السيدة الطاهرة خديجة عند أحجارها السود... وصل رسول الله بناقته ونزل عنها وقبل تلك الأحجار السود التي تذكره بذكرى خديجة، وهناك أمر أن تنصب خيمته. لقد أراد أن يقول للدنيا وللتاريخ: لقد كانت شريكة كفاحي ومن حقها اليوم أن تكون اليوم شريكة نصري. لقد أراد أن يقول أن هذا الدين الذي أعلى الله لواءه بخاطر الأنبياء شاركت فيه المرأة أيضاً وكانت جزءا من مجده وجلاله.
إنني أشعر بالغبطة القلبية والاعتزاز والفخر والشكر لأولئك الذين بعثوا في الشام رقاد ثلاث سيدات طاهرات؛ رقية بنت الحسين وسكينة بنت الحسين وزينب المقدسة بنت علي بن أبي طالب. لقد تمكنا أن نستعيد ذاكرتنا وأن ندرك أن المرأة في صدر الإسلام الأول شريك كامل في بناء هذا المجد.
شكرا لك زينب... شكرا لك أيتها المرأة التي يزّاحم على أعتابها المحبون من كل أرجاء الأرض... إنك تقولين كل يوم: بالإسلام تمكنت المرأة أن تكون شيئاً خالداً في ضمير العالمين.
لم يبق لي إلا أن أشكر اللجنة التي نظمت هذا اللقاء الكريم وشكرا لكم أيها الإخوة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.