مدخل الإصدار الرابع
الدكتور عصام عباس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وخاتم المرسلين سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى أنبياء الله أجمعين وبعد...
يطل علينا عام زينبي جديد والاحتفاء بمولد زينب المقدسة في دمشق مستمر بفضل الله تعالى، وبعد ثلاثة عشر ربيعا يتجدد اللقاء حول مائدة كريمة أهل البيت الفكرية بين كافة الطوائف الإسلامية والأديان السماوية في المهرجان الولائي الثالث عشر، والغاية من ذلك كله وحدة الكلمة ووحدة الرأي ووحدة المفاهيم بفكر وعقيدة ومبادئ البيت المحمدي المقدس الذي بعث سيده لإكمال مكارم الأخلاق والذي تبوأت فيه السيدة زينــب (ع) السيادة بعد أمها الزهراء (ع) فكانت سيدة البيت المحمدي الصغرى التي حملت مبادئ هذا الفكر ومفاهيمه وعقيدته السمحاء وأخلاقه العظيمة وثقافته الشافية لتثبتها في عصر مظلم فقدت فيه المفاهيم ونشرت فيه الضلالة وأعيدت فيه الجهالة الممرضة وانقلبت فيه المعادلات وسلبت فيه القيم عند قتل سبط نبينا وريحانته الإمام الحسين (ع) فأشرق في حينه عبق من نور محمد وفرع من الأصل ونجمة من الكواكب المحمدية مستلمة الوصية وحاملة الراية فقادت زمام الأمور يوم لم يبق قائد للمسلمين بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) فحركت المشاعر وأنبت الضمائر واعتلت المنابر لتعطي كل ذي حق حقه وتثبت المفاهيم القرآنية أمام من تحدوا القرآن وربه والحاقدين على مفاهيم القرآن ونبيه والمستهزئين بالقرآن ووحيه، فصفعت الطغاة بصدق بلاغها وقوة إيمانها ورفعة ثقافتها (فكد كيدك وأسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا). فالاحتفاء بمولدها هو الاحتفاء بمولد الإسلام المتجدد بعد ما أراده الطغاة والمارقون من القضاء على الإسلام ديناً وقيماً وفكراً وثقافة على مبدأهم المعروف:

لعبت هاشـم بالملك فلا                خبر جـــاء ولا وحي نزل

فأوكلت المهمة للسيدة زينب بالقيام بها وتثبيت أركان دين جدها وانتشال الفكر الإسلامي من مستنقع الردة وأفكار الجاهلية، فكانت القائدة الضرورة من غير منازع وكانت العالمة والفهمة بفقه القرآن وسنة النبي والمحدثة بإقناع، فغيرت ببيانها الموازين وبددت الإرهاب وهشمت هامات المتغطرسين أعداء الإنسانية وسادات الجهل ممن لفظتهم أحقاد الكفر والزندقة فتجرؤوا على نبينا محمد (ص) بانتهاك حرمته واستباحة عقيدته، فحفظت بذلك حقوق الناس التي سنتها التعاليم السماوية والتي طرحها وأرسى بناءها سيدنا محمد (ص) جد السيدة زينب(ع) من العزة والكرامة والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحطمت الضعف والتهاون والتخاذل في نفوس الناس التي هددها النظام المرتد والمتسلط على رقاب الأمة بسيف الحقد الأعمى على دين أضيء بنور سيد الخلق محمد (ص)؛ هذا السيف الذي ما هدأ يوما من نشر الذعر وجرح الكرامة وفرض الآراء الوثنية المرتدة بالترهيب والترغيب، لذا قاد الإمام الحسين(ع) ثورة إصلاح الفساد والخلل الذي أحدثته تلك العصابة الفاسقة في كربلاء فقدم الروح قربانا لترسيخ تعاليم الله وحرصا على كرامة وعزة وحقوق الإنسان التي سلبها طغاة الجاهلية ووارثيها، ومن الطرف الآخر قادت السيدة زينب (ع) بذات التضحية عندما فرضت على الطغاة آراء ثورة الإصلاح وإرساء دعائم الدين الإسلامي الحنيف بعدما انتهك الدخلاء المارقون حرمة الإسلام بقتلهم الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه وذلك من خلال خطبها في الكوفة ودمشق اللتان أصغتا لصوت السيدة زينب (ع) الذي بدد إرهابهم وحطم عنجهيتهم، فكانت الضرورة التي فرضت نفسها في أن تكون وتبقى كربلاء الحسين وشام زينب مدرسة خالدة لحماية حقوق الإنسان على مر الدهور في كل مكان وبأي زمان.
من ذلك كله كانت السيدة زينب (ع) كعبة دمشق المشرفة والمطهرة للترب والأرواح، وسيبقى كل مؤمن وكل ذي غيرة بمن فيهم أهل دمشق أولا يكنون الاحترام لشخص السيدة زينب (ع) وكبريائها وصمودها وصبرها، وسيبقى الخامس من جمادى الأولى يوم ولادة النور المحمدي والسيف العلوي والفقه الفاطمي والنصر الحسيني السيدة زينب (ع) عيداً مباركاً ويوما خالداً من أيام دمشق الخالدة التي انقلبت على المرتدين وهمشت أفكارهم ودحضت جاهليتهم وكنَّتْ وتُكِنُّ كل التبجيل والتقديس لعظيم الخلق وسيده محمد بن عبد الله (ص) جد السيدة زينب (ع) ومربّيها ومعلمها الأول ومرشدها الروحي ورائد مسيرتها ومنبع أفكارها.
فسلام وتهنئة لك سيدي أبا الزهراء وللعترة الطاهرة من ذريتك والتي تشمخ دمشق وتتشرف أرضها ومن عليها باحتضان جسد واحدة من هذه العترة المطهرة ألا وهي بطلة كربلاء السيدة زينب المقدسة (ع).