كلمة الأستاذ الدكتور فاضل الأنصاري

أنا سعيد لأننا نحتفي بشخص كريم وفي تربة طاهرة عزيزة على قلوبنا جميعاً, وعندما ذكر بعض مساهماتي الفكرية فإني ممتنٌّ له وأُكبِر فيه أفكاره وتقويماته.
على ذكر السيدة زينب (ع) وتربتها الطاهرة في محطة أشار إليها الدكتور آذرشب، يجوز أن أدب المنابر لم يعط السيدة زينب حقها كاملاً عبر التركيز على المحنة التي مرت بها، فهي شيء كبير في حياة الإسلام إذ تابعت ذلك الدور العظيم الذي تولته والدتها الزهراء فاطمة في الهداية والتبشير. وعندما قال الإمام الحسين (ع) قبل حادثة استشهاده وهو يودع أصحابه في مكة (التمسوا الظلمة) فقد كان يدعو لتأسيس حركة جهادية منظمة تقاوم الظلم والطغيان وتحارب المنكر... ليفجر تلك الثورة المستمرة في تاريخ الإسلام، فإن السيدة زينب (ع) تابعت ذلك النداء في مواقف مشهودة نحن بحاجة لإلقاء الضوء عليها، وظلت تحاضر في الفقه على الناس على طريق أمها الزهراء.
وفي محطة أخرى ذكرها الدكتور آذرشب، ليس من باب الرد بل الإضافة, بأن الانحدار لم يبدأ بالدولة الأموية بل من بعد وفاة الرسول مباشرة، عندما اختلف الصحابة وتطاحنوا حول الإمامة والخلافة لينفتح الطريق أمام خلافات متكلَّفة ظلت تهدد مجتمعاتنا. يجب أن نخرج من سفه التاريخ ومختلقاته التي أملتها السياسة والمصالح عبر العصور، إلى الحاضر، وصاحب الحق لا يهاب الحقيقة.
بدأ الانحدار منذ وفاة الرسول وتصاعد وكانت المؤامرة التي أرادت اغتيال الرسول في مكة هي نفسها التي حاولت بالتالي اغتيال عدد من الصحابة الكبار.
قد لا يتفق معي البعض, فأنا أعتقد أنها نفسها أيضاً المؤامرة التي حاولت اغتيال أبي بكر بأكلة جذيذة، والتي اغتالت كذلك سعد بن عبادة في تلك المؤامرة التي ما أن انكشف من يقف خلفها حتى اتهمت الجن بالقتل. وهي نفسها التي اغتالت عمر بن الخطاب على يد مولى المغيرة بن شعبة حيث يظهر القاتل منتحراً مباشرة، ويثأر عبيد الله بن عمر، بحمأة العاطفة، بقتل أشخاص آخرين، ثم تأتي الشورى أو ما سمي بشورى عمر وهي ما يحوم حولها الشبهات ويشك بصحتها أصلاً حيث ينفيها عدد من المؤرخين. ثم تتالت المؤامرات بعد ذلك لتقتص أرستقراطية قريش من الإسلام حتى كانت مرحلة الإمام علي بن أبي طالب (ع) حاسمة الخيارات في التصدي للنقائض التي عملت لها تلك الأرستقراطية.
لم يكن علي بن أبي طالب قاصراً في السياسة ولا ضعيفاً أو متردداً فيها لأنه صاحب نظرية كاملة معروفة في السياسة وإدارة الحكم لكن الوقت والظروف التي عادت فيها الجاهلية لم تتح له الوقت لتطبيق أفكاره، وظل خياره وسط كمٍّ من التداعيات صعباً أمثلَ لكي يبقى الإسلام ماثلاً حيوياً يقوده ثوار عقائديون في جانب، ومستبدون ظالمون في الجانب الآخر.
هنا أقف عند مسألة أخرى أثارها الدكتور آذرشب، وهي مسألة القومية والعنصرية، وهما نقيضان بين التسامح والتعصب، فالقومية رابطة تربط الجماعة لا تعالي فيها ولا شوفينية أو امتياز عرقي لتلك الجماعة، بينما العنصرية استعلاء وتفضيل على الآخرين وتعصب فئوي لا يمكن أن تكون له أية صلة بالعقيدة الإسلامية. وهكذا كان الأمويون قومياً متعصبين كتعصبهم للقبيلة والعشيرة، عنصريين في تصرفاتهم واصطفافاتهم كي يتحصنوا بالعنصرية لصالح حكمهم.
في القومية وطنية وهي سياسة تحكم أواصر الجماعة أما العنصرية فهي صنيعة للسياسة.
بمعنى أنهم أرادوا بالعنصرية نوعاً من الاصطفاء لكي يحصنوا أنفسهم بها ويكتسبوا شرعية حكمهم بهذا الطريق وليس لأنها مبدأ وعقيدة ووطنية، بل نوع من العصبية المطلقة فرقوا بها الشعوب المسلمة وميزوا بين الناس على أسس عرقية، فصارت تلك الشعوب ملاذاً لحركات شعوبية أضرت بالمجتمع الإسلامي. وسأسوق لكم بعض الأمثلة، الحجاج مثلاً المعروف بأنه سفاح إلى أقصى درجة, هذا الحجاج السفاح الجزار كتب مرةً إلى عبد الملك بن مروان يقول له: دعنا نخفف قليلاً عن سواد العراق، فأجابه عبد الملك: أراكَ حننتَ! فتِّشْ عروقك عرقاً عرقاً فإن وجدتَ عرقاً غير عربي فافصده, أين هذا من التفضيل على أساس التقوى في الإسلام؟ كذلك نجد مسلمة بن عبد الملك أخا الوليد وسليمان وهشام, كان قائداً وصل إلى حدود الصين وأقسم يميناً بأن لا يرجع إلى الشام فكتب إليه أخوته بأن يرجع فيرفض عاراً من أمه الرومية.أضر ذلك المشروع التعصبي المناقض لأسس وقواعد التفاضل في الإسلام بالدولة والمجتمع وساهم بانهيار الحكم الأموي في فترة قصيرة من الزمن، وانعكس بقوة على التداعيات التالية في تاريخ المجتمع الإسلامي.
هذه ملاحظات سريعة لم أكن مهيئاً للحديث فيها، وقد تحتاج إلى بحوث مسهبة وإغناء، وقد تتباين حولها وجهات النظر.
أنا ممتن للدكتور آذرشب، وأشكر الدكتور عصام عباس الذي جمعنا في هذا اللقاء لوداع شخص عزيز علينا، مفكر، مجتهد، مجد، سوف نحمل له دوماً ذكريات أثيرة.