ثالثاً: قطوف من المهرجانات الولائية
الشيخ الدكتور حسن الصفار (المهرجان الولائي السابع 1419هـ-1998م)
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله
وبركاته. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
نبينا وحبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله الطيبين
الطاهرين المعصومين.
والسلام على سيدتنا ومولاتنا عقيلة بني هاشم بطلة كربلاء سيدتنا الحوراء السيدة
زينب بنت أمير المؤمنين سلام الله عليها وعلى آلها الطاهرين. وأبادلكم التهاني
والتبريكات بهذه المناسبة العظيمة العطرة ذكرى ولادة سيدتنا زينب صلوات الله وسلامه
عليها وأسأل الله تعالى أن يجعل هذه المناسبة سبباً لنزول المزيد من لطفه ورحمته
على عباده المؤمنين في كل مكان.
من المعروف أن الواحد منا إذا أحبَّ شخصاً فإنه يسعى إلى أن يجنبه المخاطر والأسواء
وأن يبعده عن كل ما ينغص عليه راحته ويسبب له الإزعاج في حياته؛ فالمحب يسعى لوقاية
حبيبه من كل خطر أو سوء أو إزعاج وهذا معروف في معادلتنا البشرية الإنسانية، أما في
المعادلة الإلهية فهناك وضع آخر مختلف عن ذلك وما تؤكده النصوص من آيات وأحاديث أن
الله سبحانه وتعالى حينما يحب عبداً من عباده فإن هذه المحبة لا تعني أن هذا العبد
يجنَّب الأخطار والابتلاءات والمشاكل وما ينغص عليه راحته ويسبب له المشاكل
والمصاعب في حياته بل على العكس من ذلك مع أن الله سبحانه وتعالى قادر وقدير على أن
يجنِّب أولياءه البلاء والمخاطر والأسواء لأن الحول بيده وكل شيء بمشيئته وإرادته،
لكن حكمته شاءت رسم معادلة أخرى غير هذه المعادلة المعروفة بيننا وعندنا فتؤكد
النصوص أن الله تعالى إذا أحبَّ عبداً ابتلاه وفي حديث آخر: أشد الناس بلاء
الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل.
لماذا إذا أحب الله عبداً ابتلاه؟ طبعاً فلسفة البلاء والابتلاء بحث واسع؛ إن الله
يبتلي عباده بأنواع الابتلاءات إما للتمييز حتى يميز الخبيث من الطيب أو للتمحيص أو
للتأديب أو ما أشبه من أسباب البلاء والابتلاء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
يقول: (البلاء للظالم أدب وللمؤمن امتحان وللأنبياء درجة).
نحن نعيش الآن في رحاب ذكرى ميلاد سيدتنا زينب ومما يميز حياة هذه السيدة الجليلة
أنها تكاد تكون قطعة من البلاء والابتلاء فمنذ السنوات الأولى في حياتها واجهت
المصائب والمشاكل بدءاً من فقد جدها العظيم رسول الله وما حصل على أثر ذلك لأهل
بيتها ثم تتابعت حلقات المصائب والابتلاء إلى آخر لحظة من لحظات حياتها ومن
العبارات التي يقرؤها الزائرون في بعض زيارات السيدة زينب: (السلام عليك يا أم
المصائب) وحينما يقارن أحد العلماء المحققين وهو الشيخ جعفر النقدي "رحمة الله
عليه" في كتابه عن السيدة زينب بين المصائب التي تعرضت لها وبين ما تعرض له أخوها
سيد الشهداء الإمام الحسين فإنه يعلق على ذلك قائلاً: (إن ما أصاب السيدة زينب كان
أعظم وأشد لأن كل ما أصاب الحسين قد أصابها وزيادة على ذلك تحملت ما جرى بعده في
العاشر من محرم حيث انتهت الآلام والمصائب الظاهرية بالنسبة للإمام الحسين إذ
استشهد ومضى إلى الرفيق الأعلى لكن العقيلة زينب بقيت بعد الحسين ثلاث أو خمس سنوات
-على اختلاف الروايات- وهي تتحمل المزيد من المصائب والابتلاءات، زينب العزيزة عند
الله والحبيبة إلى الله ورسوله وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسنين (ع)، هذه
العزيزة الحبيبة لماذا كانت عرضةً لهذه المصائب والابتلاءات؟
إذا كانت المصائب والابتلاءات عند سائر الناس للتمحيص والتمييز وإزالة آثار الذنوب
في حياتهم فهي بالنسبة إلى السيدة زينب وأمثالها لها معنى آخر، فحينما يتعرض أولياء
الله للبلاء والمصائب فإن من أهداف وحِكَم ذلك أن يكتشف المجتمع شخصياتهم القيادية.
أصلاً لماذا كان هؤلاء القادة و القدوات؟ أراد الله تعالى من الأنبياء والأوصياء
والأئمة والأولياء أن يكونوا قدوات للناس. في أي حين يقتدي بهم الناس؟ في الظروف
العادية وأوقات الرخاء قد لا تكون الحاجة ماسة للقدوة والاقتداء، لكن يحتاج الناس
إلى القدوة والرمز والمعلَم أكثر في أوقات الشدائد والمحن، والأنبياء والأولياء هم
قدوات بالدرجة الأولى لمثل هذه الحالات ولو كانوا يعيشون حياة الرفاهية والرخاء
بينما من طبيعة الحياة أن يعاني فيها الإنسان المشاكل والصعوبات فكيف يكونون قدوات
للناس؟
إذاً لا بد أن يعيش الأولياء حالات الشدائد والابتلاء حتى يكون تعاملهم مع الابتلاء
مجال تأسٍّ واقتداء من بقية الناس. وكان لا بد أن تعيش السيدة زينب هذه المصائب
والابتلاءات لتكون قبلة للناس في أوقات شدائدهم ومصائبهم ومصاعبهم يرون في حياتها
مجال التأسي وميادين الاقتداء وآفاق الاهتداء.
السؤال الآخر الذي يُطرح: كيف يلتف الناس حول رمز أو إنسان أو شخص ويصبح قائداً
لهم؟ ونقصد الالتفاف الحقيقي الذي ينطلق من أعماق النفس، أما الانقياد المادي
الخارجي فهو ما يتقنه كل الأقوياء والمتسلطين وكل إنسان لديه قوة يفرض بها القيادة
النافذة. كيف ينشدّ الإنسان إلى عظيم من العظماء أو شخصية من الشخصيات وتجذبه
أنوارها؟ يحصل ذلك عندما تنكشف الشخصية القيادية لهذا الإنسان ويرى لديه ما لا يراه
لدى غيره من الكفاءة المتميزة والصفات الفريدة فحينئذ ينساق ويندفع بشكل طبيعي
للانقياد له واتباعه والاهتداء به.
إن الله تعالى أراد لأهل البيت أن يكونوا محور انقياد الناس ومعقد إمامتهم فكيف
يكون ذلك؟ وكيف يكتشف الناس الصفات الفريدة والميزات المتميزة لأهل البيت؟ كيف
ينكشف جوهر الإنسان وتظهر ملكاته وطاقاته؟ يبين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب (ع) ذلك بقوله: (في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال)؛ أي إنما يُعرف جوهر
الإنسان عند المحن والشدائد أما في الظروف العادية والطبيعية فقد لا يُعرف ذلك.
إذاً أراد الله تعالى أن يعرِّض أولياءه لأنواع المحن والابتلاءات لتتجلى صورهم
الرائعة على حقيقتها أمام الناس فيندفعون للاهتمام بهم ويقبلون على التأسي بهم
والانقياد لهم ولذلك قال سيد الشهداء الإمام الحسين: (رضا الله رضانا أهل البيت؛
نصبر على بلائه فيوفينا أجور الصابرين) وعبر الابتلاء تمر الإمامة فنبي الله
إبراهيم الخليل إنما أصبح إماماً للناس بعد أن ابتلاه الله وانكشفت حقيقته للناس،
(وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن، قال إني جاعلك للناس إماما)، بالنسبة لله
فهو لا تخفى عليه خافية ويعلم الحقائق والأسرار لكن طريق إمامة النبي إبراهيم أصبحت
سالكة لأن حقيقته أصبحت واضحة أمام الناس وانبثقت من نفسه كفاءاته التي تشدهم
وتستقطبهم، ومن هنا كان أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل
فالأمثل، ومن هنا أحاطت المحن والمصائب بالعقيلة زينب لتكشف عن مقامها الكبير عند
الله وحقيقة ملكاتها وكفاءاتها أمام المجتمع وأمام الأجيال، ومن أشد المحن وأصعبها
من ما مر على العقيلة زينب كانت محنة كربلاء، والحمد لله فإن الحاضرين من أبناء
المجالس الحسينية وتلامذة منبر الإمام الحسين لذلك لست بحاجة للحديث حول ما عانته
السيدة زينب في واقعة كربلاء وما بعدها ولكنني أشير بعض الإشارات كعناوين لقضايا
وأحداث سمعتموها وتسمعونها دائماً وأبداً من أفواه خدمة المنبر من الخطباء
الحسينيين، لقد كشفت واقعة كربلاء عن الشخصية القيادية عند السيدة زينب بكل ما
للكلمة من معنى؛ فمن خلال هذه الواقعة تجلّت شخصيتها وظهرت ملكاتها وكفاءاتها وشاء
الله تعالى أن يكون هذا الظهور بشكل واضح أمام أوسع شريحة من أبناء الأمة الإسلامية
وهذا هو معنى كلام الإمام الحسين إذ قال: (شاء الله أن يراني قتيلاً ويراهنّ
سبايا)، ولو كانت محن السيدة زينب تقتصر على وجودها في كربلاء لما عرف الكثير من
أبناء هذه الأمة حقيقة هذه الشخصية، فما حصل في الكوفة والشام وبعد ذلك في المدينة
المنورة حينما واصلت تعبئتها للناس وإيضاح الحقائق لهم مما أزعج الولاة والحاكمين
فصدر الأمر بإخراجها من مدينة رسول الله كل ذلك كشف للمعاصرين آنذاك ولأجيال
البشرية اللاحقة شيئاً من ملكات السيدة زينب وكفاءاتها.
إن هذه الروح التضحوية التي أبدتها السيدة زينب تناقض ما يدّعيه البعض بأن السيدة
زينب تورطت في مجيئها إلى كربلاء، فقد يقرأ الخطباء في مجالس التعزية واستثارة
العواطف وتبيين مظلومية أهل البيت بعض النصوص الأدبية التي تظهر السيدة زينب متورطة
في مجيئها إلى كربلاء وكأن هذه المصيبة قد جاءتها على غير اختيار منها واستعداد في
نفسها!!! كلا وألف كلا؛ فالعقيلة زينب كانت مدَّخرة لكربلاء ومعدّة ومهيَّئة
لعاشوراء وكما هيأ الله سبحانه وتعالى الإمام الحسين هيَّأ أخته زينب إلى جانبه
لتكون العنصر المكمِّل لثورته العظيمة المقدسة؛ فهي اختارت المجيء إلى كربلاء مع
أنها كانت متزوجة من عبدالله بن جعفر وعندها بيت وعيال وفي ذلك عذر كافٍ لها لتبقى
في المدينة المنورة لكنها أصرّت أن تصحب أخاها الإمام الحسين، حتى أن ابن عباس
حينما أشار على الإمام الحسين بعدم الخروج إلى العراق قال له الإمام: (شاء الله أن
يراني قتيلاً ويراهن سبايا) فقال ابن عباس: (ما معنى حملك لهؤلاء النسوة، أخشى أن
يصيبك ما أصاب عثمان فتقتل ونساؤك ينظرن إليك) فإذا بالعقيلة زينب تقول من خلف
الستار: (من هذا الذي يشير على شيخنا وسيدنا أن يتركنا ويرحل عنا، لا والله بل نحيا
بحياته ونموت بمماته). لقد اختارت المشاركة وهي عالمة بما سيواجهها كما تشير
الروايات فقد حدثتها أم أيمن بحديث مفصل عما سيحصل في كربلاء وسألت أباها أمير
المؤمنين في اللحظات الأخيرة من حياته عن ذلك فقال لها: (نعم، الحديث كما حدثتك أم
أيمن وكأنني أنظر إليك في هذه البلدة مع نسائك من أهل بيتك وأنتن سبايا).
إذاً فالسيدة زينب كانت تعلم وكانت مستعدة، والمواقف التي وقفتها يوم عاشوراء في
الكوفة والشام إنما كانت باندفاعها الذاتي إدراكاً منها للمسؤولية والواجب وإلا فما
الذي كان يجبرها أن تقف تلك المواقف وتمارس تلك الممارسات، لقد كانت تعلم قساوة
القوم وأن الرحمة قد نزعت من قلوبهم وأنهم لا يتورعون عن فعل أي شيء بأهل البيت ومع
ذلك حين هموا بقتل الإمام زين العابدين علي بن الحسين ألقت بنفسها عليه وقالت: (إن
كنتم أردتم قتله فاقتلوني قبله)، وكان من الوارد أن يقتلوها فلا رادع لهم عن ذلك إذ
كانوا قد قتلوا بعض النساء وأطفالاً رضّعاً في عاشوراء ولكنها وطّنت في نفسها أن
تُقتَل فداءً وحماية للإمام زين العابدين. وكذلك آثرت الأيتام على نفسها بالماء
والطعام وبقيت جائعة حتى أثّر الجوع والعطش في قوتها ولم تستطع أن تنتصب قائمة
لأداء صلاة الليل؛ فقد ورد في الروايات أن الإمام زين العابدين رآها تصلي صلاة
الليل من جلوس فسألها: (عمة، ما لي أراك تصلين من جلوس؟) فقالت: (إن قتل أبيك قد
هدّ أركاني وإن القوم يدفعون لكل واحد منا كلّ يوم رغيفاً من الخبز وكوباً من الماء
وقد رأيت أطفال أبيك الحسين يتصايحون من الجوع والعطش فآثرتهم على نفسي).
في كل المواقف كانت تنكشف حقيقة شخصيتها القيادية، وفي مواجهتها مع ابن زياد سألها:
(كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟) فأجابته هذه المرأة التي عانت ما عانت ورأت
ما رأت من الآلام والمصائب بلسان واثق مطمئن: (ما رأيت إلا جميلا، أولئك قوم كتب
الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصَم فانظر
لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يابن مرجانة). وخطبتها في مجلس يزيد بن معاوية التي تقول
فيها: (ولئنْ جرَّت عليَّ الدواهي مخاطبتك إني لأستصغر قدرك)، تخاطب حاكماً متسلطاً
قد قتل كل رجالها وفعل ما فعل من أساليب القمع و البطش بهذا الخطاب! أية عظمة في
نفس السيدة زينب؟! هذه الشخصية القيادية هي التي جعلت الإمام الحسين يعتبرها مرجعاً
لشيعته من بعده كما تشير الروايات التي منها رواية الشيخ الصدوق بأن السيدة زينب
كانت لها نيابة خاصة عن الإمام الحسين بعد مقتله فكان الناس يرجعون إليها في مسائل
الحلال والحرام حتى برئ الإمام زين العابدين من مرضه وانجلت عنه المحنة.
الآن يتحدث علماؤنا وفقهاؤنا ويتناقشون حول جواز تقليد المرأة ويقولون ليس هناك
دليل يمنع من تقليد المرأة حينما تجتمع فيها شرائط التقليد لكن سيرة المتشرعة أو
المعروف من ذوق الشرع أو ما أشبه ذلك جعل الكثير من الفقهاء يفتون بخلاف ذلك. لقد
جعل الإمام الحسين السيدة زينب مرجعاً لشيعته من بعده في ذلك الظرف الاستثنائي
وكانت قائدة القافلة بعد مقتله فهي وصيته التي عهد إليها بوصاياه حول عائلته
والمرحلة القادمة من حركة الثورة الحسينية المقدسة.
إذاً ما مر على السيدة زينب من الشدائد والمحن هو ما كشف للأمة والتاريخ الشخصية
القيادية لسيدتنا الحوراء زينب (ع).
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياكم على خط أهل البيت وولايتهم وأن يتقبل
منا جميعاً زيارة السيدة زينب وأن يرزقنا زيارتها دائماً وأبداً في حياتنا ويرزقنا
شفاعتها في الآخرة إن شاء الله، وأن يجعل هذه المناسبة مناسبة خير وبركة لنا ولجميع
المؤمنين وللأمة الإسلامية جمعاء وأن يعيد هذه المناسبة علينا وعليكم في أحسن وضع
وأفضل حال، ولا يفوتني أن أعرب عن ابتهاجي وسروري بهذه الاحتفالات المتعددة الكثيرة
التي تعمر بها هذه الفترة الزمنية وهذا المكان المقدس وهذه حالة جديدة نرجو أن
تتطور وأن تدوم وتستمر إن شاء الله فقبل سنوات لم يكن هناك احتفال بهذه المناسبة
بهذا الشكل وأول من بادر وسنّ هذه السنة الحسنة هو الدكتور عصام عباس جزاه الله
خيراً منذ سبع سنوات وقال: (لا يصحّ أبداً أن تمر هذه المناسبة علينا ونحن نقيم
بجوار السيدة زينب دون احتفال)، فسنّ هذه السنة الحسنة فله إن شاء الله أجرها وأجر
من عمل بها إلى يوم القيامة. أرجو أن يوفقنا الله جميعاً للاستفادة من بركات هذه
المناسبة العظيمة إنه وليّ التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.