ثالثاً: قطوف من المهرجانات الولائية

الشيخ ناصر الأسدي (المهرجان الولائي السادس 1418هـ-1997م)

بسم الله الرحمن الرحيم

العلماء الأفاضل، الأساتذة الكرام، الجمهور المحتفل، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم والثناء بما قدم من عموم نعم ابتداها وسبوغ آلاء أسداها وتمام منن أولاها، جم على الإحصاء عددها و نأى عن الجزاء أمدها وتفاوت عن الإدراك أبدها، ثم الصلاة و السلام على رسول الله خاتم أنبياء الله المبلغ لرسالات الله وعلى آله آل الله محال معرفة الله ومعادن حكمة الله.
حينما انعقد القران المقدس بين إمام المتقين وسيدة نساء العالمين أخذ رسول الله يد سيدة النساء ووضعها في يد علي وقال بقوة: يا علي إنها وديعتي عندك، ثم رفع يديه الكريمتين إلى الله خاضعاً بالدعاء قائلاً: اللهم اجمع شملهما واجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمل الأمة. وهكذا كانت سيدتنا الصديقة الصغرى زينب الكبرى مصداقاً لقول رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فكانت مفتاحاً من مفاتيح الرحمة ومعدناً من معادن الحكمة وأمناً للأمة.
كيف سُمِّيت زينب؟ كان رسول الله في سفر فأقبل علي إلى الدار وأخذ السيدة الجليلة الطفلة الطاهرة المقدسة وقبلها فقالت سيدتنا فاطمة الزهراء: سمها يا علي. قال علي: ما كنت لأبتدئ في مثل هذا الأمر على حبيبي رسول الله. وبعد يومين أو ثلاثة قدم رسول الله من السفر وأول ما جاء إلى بيت الطهر و القداسة بيت الزهراء التي قدمت له زينب فقبل رأسها، فقال علي: حبيبي رسول الله سمِّها. قال: ماكنت لأسبق ربي. وما مرت إلا لحظات وإذا بالأمين جبرائيل ينزل في بيت الزهراء قائلاً: يا رسول الله السلام يقرئك السلام و يقول لك سمها زينب.
إذاً فاسمها من السماء. وما معنى زينب؟ الجواب: أحد معنين؛ زينب الشجرة المثمرة العطرة المعطرة للأجواء، أي الموجود الذي يخدم الآخرين، و الآخر زين الأب (كلمة مركبة من زين وأب) أي زين علي؛ وعلي زينة الجهاد والعبقرية والعلم والعظمة.
لقد كانت ذات مقام جليل جداً حتى أنها دخلت على الإمام الحسين وهو جالس يقرأ القرآن فما كان منه إلا أن قام إجلالاً لها، ويقول يحيى المازني الذي كان بجوار بيت علي في المدينة سنيناً طويلة: (إذا أرادت زينب أن تزور جدها رسول الله كانت تخرج في الليل وعلى يمينها الحسن وعلى شمالها الحسين وأمامها أبوها)، كما قال لها الإمام زين العابدين: (عمة أنت عالمة غير معلمة و فهمة غير مفهمة) أي أن علمها لدني من الله تعالى.
وفي الكوفة كانت تدرّس النساء وتربي جيلاً من الفتيات المؤمنات وتعلمهن الحديث والتفسير وتروي لهن الروايات عن الرسول حتى صارت منبعاً للرواية وهناك الكثير من معتمدي الروايات الموثوقين ينقلون رواياتهم عن السيدة زينب (ع)، و كان ابن عباس حبر الأمة عندما يريد أن يروي عنها يقول: (قالت عقيلتنا زينب) وعقيلة صيغة مبالغة من العاقلة أي ناضجة العقل والإدراك ولقبت بعقيلة بني هاشم.
لقد كانت معدناً للحكمة و مفتاحاً للرحمة ومن نتائج كونها مفتاحاً للرحمة هذه الرحمات الواسعة التي رأينها حوالي قبرها الشريف فهذه المنطقة قرية صغيرة تسمى الراوية وصارت المنطقة تتطور مع مرور الزمن حتى صارت ما نرى.
يقول مؤلف (قصة الحضارة): (يتجمع الناس حول الماء ومع مرور الزمن تتكون حضارة معينة كما هو الحال في حضارة العراق (ما بين النهرين) وحضارة السند، أما في الإسلام فإن منبع الحضارة هو القيم؛ انظر إلى النجف الأشرف إذ ليس فيه ماء ولا بحر ولا نهر إنما هو منطقة حارة جافة ولكن بوجود أمير المؤمنين أصبح مع مرور الزمن منطقة حضارية متطورة ومقراً لحوزة علمية كبيرة، وكذلك كربلاء المقدسة التي تحولت إلى معقل من معاقل العلم بوجود قبر سيد الشهداء، وهذه المنطقة التي أصبحت ببركات السيدة زينب (ع) منطقة يقصدها رجال العلم.
عندما زار هذه المنطقة السيد مهدي الشيرازي ومعه نجله الشهيد حسن الشيرازي قبل خمسين عاماً خاطبه قائلاً: (ولدي لو تهيأت لك الظروف أسِّس في هذه المنطقة حوزة علمية)، والآن هناك حوزات ومدارس وحسينيات ومؤسسات وما أروع أن يقيض الله لنا رجلاً ليؤسس لنا جامعة باسم السيدة زينب في هذه المنطقة المباركة لأن السيدة زينب مفتاح للرحمة ومعدن للعلم، والإمام الصادق (ع) -كما يذكر صاحب الجواهر- كان يستند إلى أقوال وأفعال السيدة زينب (ع) ويفتي فتواه، هذه السيدة التي لقبت بالعالمة والعابدة والكاملة والفقيهة وصاحبة الشورى لأن الإمام الحسين كان يستشيرها فهي مكرمة عنده أعظم التكريم.
وكما كانت السيدة زينب (ع) مفتاحاً للرحمة ومعدناً للعلم كانت أملاً للأمة فقد تصدت للظلم وأدت دوراً عظيماً في زعزعة الامبراطورية الأموية و اقتلاع جذور الظلم المتمثل فيها، وقفت ببسالة وقالت كلمة الحق بكل قوة ورباطة جأش (يا يزيد اسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا)، وبعد كربلاء قالت: (سينصبون لهذا الطف علماً لا يدرس أثره ولا يمحى على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة على محوه وتطميسه فلا يزداد أمره إلا علواً ولا شأنه إلا ارتفاعاً). ما هذا التنبؤ التاريخي العظيم؟ لقد بقي الحسين وزينب (ع) خالدين يتحديان كل ظلم يقع على الأرض وعلمت السيدة زينب (ع) الأمة دروس الشجاعة والتضحية ولقبت في التاريخ بشريكة الحسين ولولاها لما عرفنا قضية الحسين فهي أول خطيبة حسينية في التاريخ وأول من رفع صوت الثورة الحسينية بشموخ وتألق.
أرجو من الله أن يوفقنا لنتعلم من السيدة زينب (ع) دروس الجهاد وقول الكلمة الشجاعة أمام السلطان الظالم، وما أروع أن يؤلف حولها موسوعة تاريخية علمية، وما أروع أن يتحد المسلمون تحت لوائها بعد هذا الانشقاق الكبير الذي يعيشونه فهي والحسين رمز للوحدة الإسلامية للنهوض من واقع التخلف.
أرجو من الله أن يوفقنا لما فيه رضاه والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.