كلمة الافتتاح للدكتور عصام عباس -مقيم المهرجان- (المركز الثقافي العربي بالعدوي)
بسم الله الرحمن الرحيم
استذكار العظماء سمة حضارية تعتبرها الأمم عاملاً لتقدمها، وإحياء ذكراهم مناسبة تستذكر بها الأجيال المواقف المشرفة للمحتفى به مهما تباعدت الأزمان، والأمة العربية والإسلامية تتشرف دائماً باستذكار أعظم خلق الله من شرفه المولى عز وجل بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) وتجمع الأمة أن الاحتفاء بالذكريات العظيمة التي مرّت في حياة النبي الأعظم محمد بن عبدالله (ص) هو عامل أساسي لتقدمها ونجاحها وانتصارها، فتلوذ بتواريخ تلك الذكريات وتتوسل إلى الله بالنبي محمد وعترته الطاهرة لإنقاذها من الملمات التي تحيط بها من كل حدب وصوب مستذكرة قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)... هذا من ناحية علاقة العبد بربه من خلال مَن فُرِضَت مودتهم ومحبتهم في القرآن الكريم وهذا ما عبر عنه الإمام الشافعي بقوله:
يا آل بيت رســول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
ومن ناحية أخرى فإن جميع الدول الإسلامية تتشرف دائماً بوجود واحد من قرابة الرسول (ص) فيها فتُبنى الأضرحة وتُنشأ المقامات تودداً للنبي وعترته الطاهرة. ودمشق إحدى العواصم العربية والإسلامية التي شرفها الله تعالى باحتضانها جسد ركن من أركان البيت المحمدي، حفيدة النبي وسليلة الوصي وبضعة الزهراء وأخت الحسنين، الطاهرة المقدسة زينب (ع)، فتطهرت دمشق بطهرها وتقدست بقدسيتها وصارت واحدة من المدن الإسلامية المقدسة التي تفد إليها جموع الزائرين من كل أنحاء العالم تلتمس الاستضاءة بنور السيدة زينب الذي عم أرض الشام وتغلغل في كل ذرة من ترابها فأنجبت العلماء العظام الذين عرفوا كيف يفهمون أهل البيت وميزوا بين الصالح والطالح ونشروا هذه المعرفة كما فعل المؤرخ ابن عساكر الدمشقي والعارف الشهير الشيخ عبدالغني النابلسي، وفي عصرنا هذا أنجبت دمشق سيد العرب القائد الخالد حافظ الأسد "طيب الله ثراه" الذي عُرف بقراءته للتاريخ واستفادته من التجارب التاريخية في كل ما خاضه من تحديات في سبيل عزة الأمة وتحقيق الانتصار، فكان أن وجد من خلال استلهامه للتاريخ أن أهل البيت سبب لنيل توفيق الله ونصره فنصب راية محمد وآل محمد خفاقة فوق قاسيون دمشق تُرهب أعداء الإسلام وتعد المؤمنين بنصر من الله وفتح قريب وأتاح بذلك المجال لمحبي أهل البيت بأن يقيموا مجالس الاحتفال بذكرهم وخاصة السيدة زينب التي أصبح ضريحها رابطاً مباشراً يربط دمشق بأهل البيت (ع) ولا أدل على ذلك من قول العارف الدمشقي الشيخ عبد الغني النابلسي حين أنشد مادحاً:
زينـــــــب
بنت حيدر معـدن العلم والهدى
عندها بــــــاب حطَّة
فادخلوا الباب سـجَّدا
وقد جاء الرئيس القائد الدكتور
بشار الأسد منتهجاً نهج أبيه في الحفاظ على ثوابت الأمة وعقدنا في عهده الميمون أول
احتفال بذكرى مولد السيدة زينب في مركز ثقافي بدمشق فاحتضن المركز الثقافي العربي
بالمزة مهرجاننا العاشر في العام الماضي وها نحن نعقد مهرجاننا الحادي عشر في المركز
الثقافي العربي بالعدوي حيث اجتمعت كافة الطوائف الإسلامية من كل أنحاء سورية ومن
خارجها توحدها أهم ركيزة وحدوية في الإسلام وهي مودة النبي والعترة الطاهرة وتهنئ
بصوت واحد سيد الخلق ورسول الإنسانية بمقدم حفيدته العظيمة مكررةً مراسم التهنئة
التي تلقاها النبي في ذلك اليوم المبارك من السنة الخامسة للهجرة حينما كان أول
المهنئين الأمين جبرائيل الذي أخبره بما سيجري على السيدة زينب من تجارب ومواقف
ومحن.
لقد عاشت السيدة زينب (ع) ستة عقود قدّمت خلالها نموذجاً
ثقافياً إعلامياً متميزاً، فحبر الأمة عبدالله بن عباس يروي عنها خطبة حفظتها عندما
كان عمرها ست سنوات ويقول: (حدثتنا عقيلتنا زينب)، كما قامت بدور هام في تحقيق
ثقافة المرأة وتعليمها وأسست أول مؤسسة فكرية لتعليم النساء في الإسلام وقت خلافة
أبيها بين عامي 35-40ﻫ فانتشلت المرأة من الظلام إلى
النور، وكانت المحطة الأعظم هي واقعة كربلاء ففيها كان الجهاد الأعظم وتقويم
الانحراف المتعمد والانقلاب الخطير على الرسالة المحمدية ووقعت على السيدة زينب
مسؤولية تهيئة الأجيال القادمة لمعرفة الحقيقة فوقفت الناطقة الرسمية باسم أهل
البيت وكلها تصميم وقوة لتبين للناس بأنه لا توفيق ولا انتصار ولا نجاح إلا بالتمسك
الحقيقي والفعلي برسالة أشرقت على الدنيا بنور الله وقدمت للأجيال درساً ظلت تستلهم
منه ثباتها وصمودها في موقف الحق.
إن خطاب السيدة زينب (ع) جاء في وقت كان خالياً من الفرز
الطائفي ولم يكن موجهاً إلى إنسان دون غيره بل جاء عاماً شاملاً صالحاً لكل زمان
ومكان، فحري بنا ونحن نعيش مأساة فلسطين بأقسى مراحلها أن نستلهم دروس السيدة زينب
لنحقق الانتصار الذي بدأت بوادره تلوح في الأفق بعد ما قدمه الشعب الفلسطيني من صور
تؤكد تفهمه لتلك الدروس، والجنوب اللبناني البطل شاهد حي على فعالية تعاليم السيدة
زينب التي فعلت فعلها في المقاومين الشجعان فتجمعت لديهم كل عوامل النصر من الإرادة
القوية والتمسك الشديد بحول الله وقوته والثبات على المبادئ وكانت (سورية الأسد)
نعم المؤازر للمجاهدين وبذلك تحقق الانتصار الذي أصبح رمزاً وقدوة.
|
فَصَرخَةُ
زَينَبٍ
مَلَكَتْ
قُلُوبَاً
وَدَعوتُنَا
بِخَامِسِ
مِنْ
جُمَادَى |
|
وَمِحورُ
قَولِها
أنْ
تَعرِفُوا
الحـقْ
عَرينُ
الأُسْدِ
لِلتَّوحِيدِ
أَسبَقْ |
وفي ختام كلمتي أوجه جزيل شكري للسادة الحضور على تجشمهم عناء السفر وترك الأعمال
للحضور إلى مجلسنا ومشاركتهم الطيبة بالتبريك لسيدنا محمد (ص)
بذكرى مولد حفيدته السيدة زينب وأرحب بهم أجمل ترحيب.كما أشكر وسائل الإعلام
السورية التي تغطي المهرجان ووزارة الإعلام التي منحتنا موافقتها الكريمة على إصدار
النجمة المحمدية لتغطية أعمال ونشاطات هذا المهرجان السنوي بدءاً من العام الماضي.
وأقدم الشكر الكبير للسيدة وزيرة الثقافة في الجمهورية العربية السورية التي أتاحت
لنا إقامة هذا المهرجان في رحاب المركز الثقافي العربي بالعدوي واهتمامها البليغ
والمشكور بهذا المهرجان الثقافي.
وشكري الجزيل للسيدة مديرة المركز التي بذلت منذ اللحظة الأولى لعلمها بالمهرجان كل
جهد ممكن وعملت عملاً دؤوباً متواصلاً لإنجاحه، كما أشكر كافة العاملين بالمركز على
جهدهم. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته .