كلمة الأستاذ الدكتور أسعد علي -مرشد الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية خارج الوطن العربي، من سورية- (حسينية الزهراء)
باسم الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وصلِّ
اللهم على محمد حبيبك المصطفى وآله الأطهار كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم
حبيبك المجتبى وآله الأبرار والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها الأخوة الأحرار.
عندما أسلم على أخوات وإخوة أحرار أفكر بهذا اللقب الذي يجعل السيدة حرة أو السيد
حراً، ربما تقولون أنه لنكون أحراراً لا بد لنا من صفة ما تجعلنا أحراراً. هذه
الصفة من يعطيها من آمن بها؟.
في الفلسفة يتحدثون عن الضرورة و الحرية؛ أنتم تعطشون بالضرورة وتجوعون بالضرورة
وتولدون بالضرورة ثم تغادرون بالضرورة أيضاً. إذاً كيف نكتشف صفة الأحرار وحياتنا
من مولدنا إلى مغادرتنا هي ضرورة، لا يد لأحد في شفتيه ولا يد لأحد في عينيه فهو
مضطر أن يحمل شفتين حُمِّلَتا له وهو مضطر أن يحمل عينين حُمِّلَتا له.
كيف -من البداية- أسلم على الأخوات والإخوة الأحرار مقارناً مع آل محمد الأطهار وآل
إبراهيم الأبرار فكأن الأطهار والأبرار والأحرار من جوهر واحد، هذا الجوهر يجعل
الطاهر من الأطهار والبار من الأبرار والحر من الأحرار، وفيلسوفة كل هذا سيدة كل
يوم، وإذا أردنا أن نصفها بكلمة واحدة فهي الحوراء أو العقيلة أو... أو...
كلمة اليوم التي أحب أن تسمعها عين الله فيكم من أبي الحسنين وزينب الذي يقول
(ضمائركم عيون الله) وأحب أن تفتح عين الضمير جفنيها لتخرج منها أشعة تساوي كلمة
تعبر عن فلسفاتكم وموقفكم من سيدة اليوم، ومتروك لكم أن تفكروا بكلمة ومن الجميل
جداً أن تجمعوا الكلمات فعلاً في اقتطافات تبقي هذا الشهر مشغوفاً بمنهج الإمام
الهادي (ع) وقد امتُحِن طلاب جامعة دمشق بمادة مقتضى الحال المتعلقة بمنهجه في
الكشف ووعي الكلام وتأملت 896 ورقة ورأيتهم كيف يضعون فيها عنواناً لرباعية منها:
يُذاع لأهلِ الحالِ جَذبةُ حَقِّهِم فيا ليتَ تَبقَى بالوَفاءِ الحَوافِـظُ
والذين وصلتهم (النجمة المحمدية) يعرفون أن هذه
المهرجانات موصوفة بالولاء، وأن تكون بالولاء فلا بد أن تكون بالوفاء.
وفي هذا المهرجان لا بد أن نهدهد آلات الموسيقى في مشاعركم، ولي رباعية من خمس عشرة
كلمة معلقة بعلاّقة تقول:
مولِدُ زَينَبَ شرقُ الأدَبِ
أرَجُ الغيبِ كِسـاءُ العَرَبِ
فأبو الأرضِ وأمُّ أبيـها عِمَّةُ مَولِدِ
ذاتِ الرُّتَــبِ
والكلمة المكررة هي (المولد) وهي العنوان.
كيف نتعامل مع هذا المولد؟، من هو أبو الأرض ومن هو أبو التراب؟، هو الإمام علي بن
أبي طالب (ع)، والسيدة زينب بنت علي وعلي أبو التراب، ونستطيع أن نقول في البلاغة
(التراب ابن لعلي) بمعنى علي حفيّ بالتراب وأهل التراب، علي معتنٍ بالأرض بالأرض
وأهلها، علي أب للكرة الأرضية... أب للتراب... يحتفي به ويحبه مع زهده بالدنيا،
معنى حبه لأهل الأرض هو صميم الرسالة، الرسالة التي يحملها أبو التراب وأم التراب
وذات الرتب وكساء العرب، الرسالة هي الرحمة للعالمين لذلك عندما يحب أبو الترابِ
الترابَ وأهله يكون منسجماً مجانساً مطابقاً تمام المطابقة لمسألة الرسالة المحمدية
أو الرسالة الكلية، و الرسالة الكلية مسألة الرحمة للعالمين، والعالمين جمع عالم؛
عالم الإنس في الوسط وعالم الجن في الأدنى وعالم الملائكة الأعلى ومحمد رحمة لهذه
العوالم.
أبو التراب حفيٌّ بهذا التراب، وزينب بنت علي كأخيها التراب حفية به، و لذلك يتحمل
محبوها ما يتحملون من أجل هذا التراب، والذين يقرؤون سيرة السيدة زينب (ع) في عشرات
الكتب بلغات شتى في مناطق شتى من العالم يشعرون بحفاوة زينب وصبرها على هذه القضايا
وليس ذلك لتحصيل منفعة أو شيء خاص فأبوها يقول (لا تملوا فلا أمانة لملول)، الملول
لا يؤتمن وتجارب العرفاء والأنبياء والخلصاء تجارب لصقل المواهب بما يكسبونه من
الصبر حتى يتمكنوا من الصبر في ساعات الشدائد.
بيت الرتب...، (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا
أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، وإذا قال مؤمن إني
أحسنت يقال له قل آمنت واصبر حتى يتفتح في دماغك الإشعاع الكاشف وعند ذلك تكون قد
أحسنت والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنك موقن بأنه أقرب إليك
من حبل الوريد وأنه يراك، وإذا قال عرفت يقال له لا تقل عرفت وقل أحسنت واصبر حتى
تصبح مفاتيح الكشف في يديك باستمرار كأهل الذكر آل محمد, فإذا عرف هذا العارف وقال
وقفت يقال له لا تقل هذا وقل عرفت واصبر على الوقوف حتى يوقفك الله على الوجهة التي
ينبغي أن تتجه إليها وعلى الفعل الذي ينبغي لك أن تفعله سواء أكان حفرةً في كربلاء
أو حصاناً على البراق أو رحلة في جوف حوت فاصبر على وقوفك حتى يؤذن لك، فإن قال قد
خوطبت يقال له لا تقل هذا و قل وقفت وانتظر حتى تسمع الخطاب، و إن قال قد ذقت يقال
له لا تقل هذا و قل خوطبت لأن الذوق أمر آخر، إن ذوق زينب، ذوق أهل الذكر أمر آخر،
لذلك حيروا ألباب الخلائق.
نحن لا نلوم أحداً عندما نكون على طريقة زينب، وأحد محبيهم وهو الشيخ ابن عربي صاحب
الفتوحات المكية يقول (عليٌّ إمام الكون لا ريب في ذلك) و يقول (قائم آل محمد صاحب
الزمان الكامل... أكمل الخلق الذين جاؤوا إلى الأرض... لأنه كلف بأكمل الرسالات)،
هذا الشيخ عندما يأتيه أحد ليقول له إن فلاناً قد كتب كتاباً في تكفيرك فيجيب (هو
غير ملوم عندي... إنه لم يذق مذاقنا... إته يتكلم عن مناسبته... إنه يتكلم عن
حاله).
ذلك هو مولد زينب، وذائقو مولد زينب لهم مقاييس وأذواق. وعالمياً فإن آخر الرسائل
التي وصلتني من السيدة هاميل تافيرنييه التي وقفت بيتها في أمريكا وسمّته بيت ابن
عربي، تقول في هذه الرسائل بعد أن جاءها كتاب من الشرق يدعى (إنسان الجنة) : إنني
أحدثت بيتاً جديداً في ديترويت بعد بيتي في واشنطن وعندما وصلني (إنسان الجنة) وجدت
ألوان الشرق، ألوان الشمس والبحر والزهر، ووجدت أن بيتنا في أمريكا كئيب ومظلم
فأخذني حال مثل الزوبعة وغيرت ألوان البيت وحولتها إلى مثل ألوان (إنسان الجنة).
الآن البيت الأبيض يقول عن الإسلام ما تسمعون أما بيوت الشعب الأمريكي فتتحول وفق
ما نريد ونحب دون طلب منا.
هذه السيدة نفسها كتبت في سنوات خلت لتسأل: (يا ترى؟ أما كانت السيدة زينب (ع)
تعتني بجدها النبي محمد (ص)؟ فكتّاب السيرة باللغة الإنكليزية لا يذكرون أنها كانت
تعتني بصحة جدها وطعامه، لكني أملك مصادر تشير إلى أن السيدة زينب (ع) كان لها من
العمر ست سنين وقت وفاة جدها وبهذا العمر تستطيع أن تكون ممرضة لجدها، لذلك قرّرت
أن أعود إلى الطبابة و التمريض). وتتابع: (طوال 50 عاماً يسميني أهلي الهرطيقة،
وبإلهام من السيدة زينب اعتنيت بأبي باسمها حتى شفاه الله بمعجزة، وفي عيد الشكر
وعيد الميلاد، يقول أبي للناس استغفروا الله لقد كنا خاطئين معها، لقد كنا نقول
عنها هرطيقة والآن هي الطبيبة والأم والمباركة).
الذوق مسألة، والحال مسألة، ربما نحاسب على قناطير من الذهب أو على ضياع وفي كل
هنيهة يصطاد أهل الذوق دهراً، الآن نقيس قضايا زينب وفاطمة وخديجة وأهل الكساء
بمقاييس لا نعرفها حقيقة، لكن (ضمائركم عيون الله) والله يعيننا على إمساك أعين هذه
الضمائر لنعرف كيف تصبح اللحظة دهراً، فيصرخ الصارخون الذائقون (غمرَت مياه البحر
قلبي لحظة فعشت حياة ألف ألف ربيع).
أسأل الله تعالى لكم أن تعيشوا في لحظات أعمالكم مثل هذا الأمر الذي يجعل لحظة
الذكر لزينب والاحتفال بمولدها مثل هذا المليون ربيع من عمر الزمان وهذا قليل جداً
لا يساوي شيئاً.
كل عام وأنتم بألف ألف خير.