قطوف من المهرجانات الولائية:
المهرجان الولائي الخامس
1996م-1417هـ

حوار القلوب

الشيخ جميل أبوترابي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله منزل الذكر، وولي الخلق والأمر، ومبدل اليسر بالعسر، وصلى الله على رسوله الرفيع القدر، الشفيع يوم الحشر، محمد سيد البدو والحضر، وعلى الأئمة من ذريته، أئمة كل زمان وعصر، وسلم تسليما.
السادة العلماء، أيها الحضور الكرام:
من دواعي سرورنا واعتزازنا أن يكون لنا شرف المشاركة في هذه المناسبة الكريمة العطرة التي دعينا إليها لنحتفل مع المحتفلين بعيد ميلاد السيدة الفاضلة زينب بنت أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وبنت فاطمة الزهراء رضي الله عنهم أجمعين، وكم كنت أتمنى لو كان يمكنني الوقت من أن أبسط الحديث في ميلاد السيدة الطاهرة زينب حفيدة رسول الله ولكن السادة العلماء والخطباء الكرام قد أغنوا المناسبة بحديثهم القيم الذي أنعش القلوب وأبهج النفوس وإن كان الحديث في مثل هذه الليلة المباركة يحتاج إلى صفحات طوال ويجب أن يتمحور حول هذه المناسبة الشريفة. وحديثي إليكم في هذا العيد المبارك -أعاده الله على الجميع بخير- هو حديث القلب للقلب، حديثٌ هيكله المعرفة وروحه المحبة وهو وجه آخر من وجوه هذا اللقاء الأخوي الكريم الذي أستلهمه من وجودي بينكم في إحياء هذه الذكرى العزيزة على قلوبنا جميعاً، حديثٌ كنت قد أعددته منذ أمد قريب للإجابة عن سؤال طرحته مجلة النور الصادرة في لندن تحت عنوان (حوار المذاهب المتعددة في الدين الواحد)، وكان الأحرى أن يسمى (حوار القلوب) وكان لي شرف الاشتراك في الإجابة عنه على المقدار ما ألهمني الله له ووفقني إليه. والسؤال المطروح هو:
(نحن كأمة عربية تعددت فيها المذاهب والطوائف والعقائد نواجه اليوم تحدياً عالمياً إذا لم يكن تآمرياً على الثقافة والهوية العربية. كيف تنظرون لأهمية الحوار في الزمن الراهن بين الأديان، أوبين الطوائف، وما ضروراته ومقوماته؟، أومن جانب آخر أين يقع الحوار العلماني من ذلك، ولماذا يستبعد عن حلقات الحوار الديني؟).

والجواب:
الأديان والمذاهب كلها طرق ووسائل للوصول إلى الله عزّ وجلّ وليست غايات، وهي مظاهر مختلفة لجوهر واحد يجب أن يقود في النهاية إلى التحقق العرفاني، فإذا ما تحولت الوسائل إلى غايات تجمدت وأصبحت قوالب صنمية تعبد من دون الله وهذه هي العلة التي تهدد بالتعصب والتقوقع رؤية حقيقية الوجود كوحدة، والله سبحانه وتعالى واحد في جميع الديانات والمذاهب، ولكن أسماءه فقط تختلف، والأديان كلها منه ودالة عليه، وتوحيد الخالق والطرق إليه على عدد نفوس الخلائق كما قال الإمام علي كرم الله وجهه.
فعندما يكون الإنسان صالحاً ومخلصاً فإن أي دين يأخذه إلى الله على حد تعبير الحكيم الهندي راما كريشنا، والرجل المتعصب المقتنع بأن دينه أفضل من جميع الأديان الأخرى يتحدث ويجادل باستمرار عن هذا الدين بلهجة كلها ضوضاء وحدّة ولكن عندما يمتلئ قلبه بالإيمان الحقيقي ويضيء عقله بالحكمة المشرقة فإن جميع أشكال مشاحناته تختفي تماماً كالنحلة التي مادامت تُحوِّم فوق الزهرة يُسمع لأجنحتها طنين وونين، ولكن ما إن تحط في قلبها حتى تبدأ بامتصاص رحيقها بشهية وصمت، كذلك الإنسان فطالما هو يناقش ويجادل حول المذاهب والأديان وأيها أفضل فهذا يعني أنه لم يذق بعد رحيق الإيمان، أما عندما يدخل الإيمان السليم قلبه فإنه يشعر بالنشوة الحقيقية ويلوذ بالصمت.
وبتعبير آخر عندما يموت هذا الأنا المظلم المستحكم في النفوس المدمر لطبائعها الخيِّرة، وعندما يحكم العقل تسقط الأغطية ويصل إلى الإنسان ساعتئذ إلى شيء من التحقق على مقدار إخلاصه للحق، فيعرف إذ ذاك ما كان عليه من الجهل والحرمان، وهذا شبيه بمن وضع قطعة قماش سميكة بينه وبين شخص آخر فلن يعود بإمكانه أن يراه رغم أنه موجود إلى جانبه. كذلك الله سبحانه فبالرغم من أنه أقرب إلينا من حبل الوريد فإن رداء أنانيتنا يحجب عنا نور وجهه الكريم.
ويقول أحد الحكماء: (إن الوحدة تبرز في جميع الأديان، ولا نجدها فيها إلا عندما نتعداها إنما الشيء الوحيد الذي يستأهل منا الحياة هو السعي إلى الحقيقة، فمن وجدها وجد ضالته...).
إن الحكمة واحدة في كل مثوى وزمان، لا تتجزأ ولا تختلف في الجوهر، لوحدة الحقيقة ووحدة الكشف عنها، ووحدة الروح والعقل البشري، و(الحكمة ضالة المؤمن) كما قال عليه الصلاة والسلام.
وحوار الأديان أوحوار الطوائف ضمن الدين الواحد قد يكون على شيء من الأهمية في ظل هذه الظروف العصيبة التي تتعرض لها الأمة العربية والإسلامية، والضغوط التي تمارس عليهما في كافة الميادين والاتجاهات، ويجب إزاء ذلك -إذا قُدِّر لهذا الحوار النجاح- أن يقوم على أساس وطني وقومي يرمي إلى جمع الكلمة ووحدة الصف لمواجهة التحديات والتصدي للمؤامرات التي تحاك ضد أمتنا العربية بوجه خاص والإسلامية بوجه عام.
وحوار الأديان إذا لم يرتكز في أصله على العقل والشعور المشترك بالمصير الذي يواجهنا جميعاً وإذا لم يسده جومن المحبة والإخاء ونبذ الخلافات المذهبية والتعصب جانباً فلن يُكتَب للمتحاورين النجاح.
والدين الواحد الذي هوعند الله الإسلام مهما تعددت مذاهبه وتنوعت مسالكه فهي في النهاية واحدة، كالأنهار التي تنشأ من مياه المحيط ثم تعود لتصب فيه من جديد.
أما الأسس التي يجب أن يقوم عليها -حسب اعتقادنا- حوار الأديان هذا فهي كثيرة ومتعددة أهمها وأولاها الاحترام المتبادل لمعتقدات المتحاورين، فلا يدعي فريق العصمة دون فريق، ولا يكفِّر فريقٌ فريقاً آخر بفتاوى ظالمة تقوم على السماع ولا تخدم في الحقيقة والواقع سوى أهداف عدونا المشترك الذي يتربص بنا الدوائر.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد كيف يتصوّب مفهومنا لهذا الاحترام المتبادل ونشعر بالمساواة مع من نحاورهم، وينمو اعتبار الأخوة فينا إنسانياً واجتماعياً ضمن الدين الواحد إذا كان في أصل ما نعتقده أن فلاناً ينقصه شيء، وأنه لن يخلص في الآخرة إلا إذا أجريت له بعض الطقوس أوكفر بهذا وآمن بذاك، فيتوزع الناس إذ ذاك في نظر بعضهم البعض إلى مؤمنين وكفار، أي إلى جماعات متفاوتة من البشر، يتوقع كل فريق منهم للآخر ولجاره وقريبه الجنة أوجهنم في نهاية المطاف، ونسوا أو تناسوا أن الجنة التي ستجمعهم في النهاية هي واحدة، وهي ذاتها ولو اختلفت وتنوعت الدروب في المسلك إلى القطب الحرم، في حين أن الهدف الأخير للأديان فيما يتعدى طقوسها ومسالكها هو قيادة البشر للتحرر من كل ارتهان يحجب الإنسان عن التحقق من كونه وعياً حراً أي إنساناً مجرداً فالنعمة الإلهية هي نعمة الوعي التي لم يحرم منها أحد، والتي بها يرفض المسلم المستنير التسليم بحق أي فريق في تكفير فريق آخر بسبب اختلاف المذهب أو العرق.
وها هو الحلاج رضي الله عنه، وهو أحد أقطاب التصوف العظام يأبى أن يتميز أحد في الدين أو العرق فيقول لأحدهم وقد خاصم يهودياً وشتمه: (يا بني، الأديان كلها لله عز وجل، شغل بكل دين طائفة لا اختياراً فيهم بل اختياراً عليهم، فمن لام أحداً ببطلان ما هو عليه فقد حكم بذلك لنفسه، وهذا مذهب القدرية، والقدرية مجوس هذه الأمة، واعلم أن اليهودية والنصرانية وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف ...).
وفي هذا المنحى يقول السيد المسيح عليه السلام: (أحبوا بعضكم بعضاً، هذه هي الشريعة وهذا هو الناموس). وأعظم ما تتجلى هذه المحبة في مناجاة أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه حيث أراد أن يفتدي الناس جميعاً بنفسه من نار جهنم فيقول: (إلهي، إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحداً من خلقك في النار فعظِّمْ خلقي (أي جسدي) فيه (أي في النار) كي لا يسع معي غيري... ما النار؟ لأستندن غداً إليها وأقول اجعلني لأهلها فداء).
حوار الأديان، أوسمِّه حديث القلب للقلب، القائم على العقل ونبذ التعصب، لا يعدو أن يكون في أصله عودة حقيقية إلى تمثُّل مضمون الآيات القرآنية الكريمة التي دعا الله فيها المؤمنين إلى العمل بها والتمسك بآدابها، وأدب الدين قبل الدين كما تقول الآية العرفانية.
بسم الله الرحمن الرحيم... [وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم] (الحجرات13)، [ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم] (الأنفال46)، [يا أيها الذين آمنوا إنما المؤمنون إخوة] (الحجرات10)، [واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا] (آل عمران103).
وما أكثر الأحاديث النبوية الشريفة التي دعا فيها الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مثل ما دعا إليه القرآن الكريم، حيث دعا إلى التضامن والإخاء والمحبة، كقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً)، وكقوله أيضاً: (المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه).
وفي هذا المعنى يقول الإمام جعفر الصادق: (المؤمن أخو المؤمن من أمه وأبيه)، والدين -أيها الإخوة- ظاهرة انفتاح على الجماعة، ونقيض للأنانية الفردية التي يحجب حضورها الوعيَ عن إدارة المطلق الكوني، وحضور الله يتجدد بالقدر الذي تتلاشى فيه الأنا وتغيب، والدين نفسه هو وثبة الحياة الحية والأخلاق السامية، إنه لهب مقدس يتوقد بحب الإنسان فيتجاوز الإيمانَ إلى المحبة الخالصة، وبدون محبة الجوهر في كل إنسان لا يستقيم العدل كما أن المبنى لا يستقيم إلا بمعناه. والدين أيضاً وعي طاهر ومحبة خالصة، وما أحسن ما قاله ذلك الحكيم الهندي المتحقق شري اتمنندا في هذا الخصوص: (أنا لست فكراً وليس لي فكر، أنا لست جسداً وليس لي جسد، أنا وعي طاهر لا يعرف التبدل ولا يعرف الزوال). ومثلما يدعو الدين إلى المحبة والتآخي والمساواة، يدعو كذلك إلى الجهاد المقدس في سبيل الله، والجميع أمام هذا الواقع في خندق واحد، وهذا أول ثمرة يجب أن يتمخض عنها حوار الأديان أو لقاء القلوب كما أسميناه، وفي هذه المرحلة الصعبة على الأقل.
وللمثل والتذكير حينما أعلن الشريف حسين الجهاد المقدس لتحرير البلاد العربية من نير الحكم العثماني،لم يكن إعلانه هذا ودعوته للجهاد مقتصرَين على المسلمين وحدهم أو على فئة دون فئة، بل هبَّ لتلبية داعي الجهاد جميع الطوائف والمذاهب والأديان، لأن الأرض التي تجمعهم كلهم تحت أديم واحد تلتقي فيها الكعبتان -مكة والقدس الشريف- والحضارة العربية الشرقية الواحدة نستظل جميعنا على اختلاف معتقداتنا وارف ظلها، وحينما أعلن المجاهدان سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي الجهاد على الاستعمار الفرنسي لم يكن إعلانهما قائماً على أساس طائفي ولا مذهبي، بل تنادى له جميع الطوائف والأديان انطلاقاً من مبدأ (الدين لله والوطن للجميع).
ولقاء الأديان وفي النهاية سداه ولحمته المعرفة، فلا حوار بدون معرفة، ولا لقاء بدون محبة، فالمعرفة وحدها سبيل الخلاص، وسبيل التحرر من الجهل والكوابيس القديمة، والأقدمون أدركوا أن المعرفة هي الوسيلة الأولى والأخيرة للتحرر قبل المحبة، لأن الإنسان إذا لم يعرف الشيء الذي يحبه فكيف يمكن له أن يحبه؟ [وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون].
والإنسان في النهاية هو غاية الأديان والمعتقدات كلها، لأن هو نفسه غاية الباري من جميع ما خلق، فهو سبحانه غني عن العبادات، منـزَّه عن جميع الديانات، وأعمال خلقه مردودة إليهم [ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره].
واعتبار الإنسان غاية أخيرة يوحِّد والطقوس تفرِّق، (كلكم لآدم وآدم من تراب)، فالمحبة والتآخي والمساواة والتضامن هي الأهداف المشتركة لأهل الأديان ليكونوا يداً واحدة على من يظلمهم ويغتصب حقوقهم ويكيد لهم.
وخلاصة القول أنه ما من قوة على وجه الأرض، وما من قوالب قديمة تستطيع أن تقف في وجه تلاقي أفراد المجتمع الواحد، أو المذاهب المتعددة في الدين الواحد،وتوحدهم في شعور الأخوة الإنسانية في عاطفة الوطنية والتعاون والمصلحة المشتركة.
وهذه المؤامرات التي تحاك ضد العرب والمسلمين عامة، تدفعنا بالرغم منا ومن عقائدنا إلى الانسجام والتوحد والانصهار، وإلى نمو الوعي الوطني وعلمنة الدولة، وتدفعنا أيضاً إلى إلغاء كل فارق وكل تمييز وكل طائفية.
وليبقَ في أذهان الجميع أن عصر تلاقي الشعوب واتحادها من فوق الحدود، وعصر القارات وتكتل الأقاليم الواسعة والقارات هو في دور تحققه بيننا، فعلينا أن نعيش حالة العصر ونمد أيدينا للتضامن والالتقاء في الأخوة وفي المحبة وفي النضال الإنساني الأكبر، الذي هو في حقيقته جهاد النفس الذي عناه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر).
وفي الختام كم هو جميل أن يبني الجميع لله في قلوبهم هيكلاً من الحب لا هيكلاً من الحجارة، وفق تعبير الشاعر الكبير طاغور، وإن الذي يرى الله في قلبه يراه في العالم الخارجي، أما الذي لا يجد الله داخل قلبه فلن يجده في العالـم المحيط به مهما تعددت محاولاته.
وفقنا الله جميعاً وألهمنا سواء السبيل والحمد لله وحده وكل عام وأنتم بخير.