السيدة زينب والدور الجهادي للمرأة - (المجلس الأول - حسينية الزهراء في السيدة زينب)

آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي

بسم الله الرحمن الرحيم

[ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ولَو لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو والآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمَاً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ والأبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمْ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) ] صدق الله العلي العظيم
على مد البصر كانت الأسنة والرماح، وصهيل الخيول وحمحمتها، واليتامى والأرامل حولها، وبالقرب منها قد توزعت أشلاء أعظم أهل الأرض وأكرمهم، والسيدة زينب واقفة قرب مصرع أخيها، النبال تكسرت على النبال، والسيوف تواردت على السيوف، ولم يكن أحد يعلم إلا الله عدد الجراحات التي أثخنت هذا الجسد الشريف، جسد ابن بنت رسول الله وسيد شباب أهل الجنة الحسين (ع)، في هذه اللحظة وقف الإمام زين العابدين (ع) ينظر والمصائب تمر عليه كقطع الليل المظلم. هنا وفي هذه اللحظة وقفت السيدة زينب ولسان حالها يقول يا تاريخ اشهد بأن كربلاء بداية وليست نهاية، وقد بدأنا العمل من هذه اللحظة.
لا تستطيع المأساة أن تهزم رسالات الله، ولا يستطيع الظلام أن يهزم النور مهما تكاثر، لأن شمعة واحدة من النور تهزم صحراء من الظلام بالرغم من كل ما قد يقوله أو يفتعله الآخرون. أنا أتصور السيدة زينب وهي واقفة في هذا الجو المفعم بالحزن والمأساة في لحظة من أشد لحظات التاريخ خطورة وهي تساند ابن أخيها الذي كلفت بالمحافظة عليه كما حافظت السيدة خديجة على رسول الله (ص) وكما حافظت فاطمة الزهراء (ع) على أمير المؤمنين. لقد أرادت السيدة زينب أن تحافظ على أخيها وهذا لم يكن مقدراً فحافظت على الولاية المتمثلة في إمام زمانها الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع).
وسأنقل لكم رواية من بحار الأنوار (ج54،ص179) تبين لكم هذا الموقف. تقول الرواية على لسان الإمام زين العابدين (ع):
(إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتلُ أبي عليه السلام وقتلُ من كان معه من وُلده وإخوته وسائر أهله، وحُمِلت حرمه ونساؤه على الأقتاب، يراد بنا الكوفة فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا فيعظم ذلك في صدري ويشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبيَّنَت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم مرملين، بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يُدرس أثرُه، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً).
إن السيدة زينب (ع) كانت مطمئنة وفيها سكينة الإيمان، معتمدة على الله سبحانه وتعالى، متوكلة عليه، مستعينة به، والهدف كان واضحاً أمامها، وصبرها لا يقاس به صبر امرأة إلا صبر أمها فاطمة الزهراء(ع).
السؤال الذي أريد أن أطرحه في هذا الجمع الحاشد ونحن في ظلال حرم سيدتنا الصديقة الصغرى زينب الكبرى وفي هذه الليلة المباركة هو: (ماذا كان الله يريد من هذه الأمة ومن البشرية بمثل السيدة زينب؟ وما هي العبر التي يمكن أن نستفيد منها في حياتنا في وقت تتصاعد فيه القيم المادية وتكاد تغلب على الروح حتى تسحق كرامة الإنسان وتحوله إلى أداة في ماكينة الحضارة المادية الراهنة؟.
كل هذا الكون الواسع الذي خلقه الله تعالى في كفة والإنسان في كفة أخرى، فلقد خلق الإنسان ليحل ضيفاً على رب العالمين في جنة عرضها السماوات والأرض، هذا الإنسان كرمه الله تعالى بقوله [ولقد كرمنا بني آدم]، هذه الكرامة لم تنزل على الكائنات الأخرى، والأمانة لم تتحملها الجبال والسماوات بل حملها الإنسان، وأعطى الله الإنسان من صفاته بعض أسمائه، فأعطاه العلم والقدرة والمشيئة أي الحرية التي تمكنه من اختيار طريقه [إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا]، [وهديناه النجدين]، [ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها] وإلى آخر الآيات.
لقد ولدت الكرامة مع الإنسان في اللحظة التي نفخ الله فيها نفخته المقدسة في ذلك الصلصال والحمإ المسنون وأسجد لآدم حينها ملائكته، أي لم يُسجد الله الشمسَ والأرض فقط
لآدم، بل أسجد له الملكين الموكلين بهما.
الكرامة صفة لا تنفصل عن الإنسان، وإبليس الذي لم يسجد انطلاقاً من عصبيته كان يترصد دائماً لكرامة الإنسان كي يسحقها ويزيلها إذ أن هدفه هو جعل الإنسان مهاناً ذليلاً في الدنيا والآخرة وله أساليب مختلفة لبلوغ هدفه.
تارةً أصبحت المادة أصلاً للكرامة فكانت الطبقية وسحقت كرامة الإنسان المستضعف بها، وتارةً أصبح العنصر وسيلة إبليس في سحق كرامة الإنسان كما هو الحال عند الصهاينة الذين يهدفون كما الإقليميون والشوفينيون إلى سحق كرامة الإنسان.
وفي خضم هذا العمل المتواصل سحقت كرامة المرأة من قبل الرجل متمثلة بظاهرة الوأد التي ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة، وقد جاء الإسلام ليمنع سحق الكرامة فرفع شأن المرأة وبين أنها وزوجها من نفس واحدة واحتوى القرآن على مثل لامرأة حديدية صلبة هي آسية بنت مزاحم، وذكر كذلك السيدة مريم التي أرانا الله في كتابه كيف أنها عملت عملاً ذكّرت فيه نبي الله زكريا بأنه يستطيع أن يطلب من الله ولداً مع أنه شيخ كبير وامرأته عاقر. نذكر كذلك سيدتنا خديجة التي تنزلت الملائكة على الرسول (ص) بسلام من الله عليها وهي أم المؤمنين وأم الأئمة الأطهار وأم فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، هذه السيدة العظيمة التي تمثلت تجربتها بشخصية السيدة زينب (ع).
إن ما وصلنا إليه من حال سيئ يعود في سببه إلى التربية التي تقتل كرامة الإنسان وهو طفل، لماذا؟ لأن كرامة أمه قُتلت من قبل أماً وأختاً وزوجة. إنني أقول للرجل الذي يهين زوجته: (ما أدراك؟ فلربما تكون زوجتك ولية من أولياء الله وغداً تسبقك إلى الجنة ولن تشفع لك لأنك ما احترمتها ؟).
إن المرأة التي تبني شخصيتها على هدي شخصية فاطمة الزهراء (ع) ستنجب أبناء يتلمسون خطى الحسن والحسين وبنات يرين السيدة زينب مثلاً أعلى لهن وما بالك بامرأة لو وقف العالم ضدها لما تنازلت عن حقها .
إن الكرامة هي الأساس في ظروفنا المعاصرة فالإنسان الكريم لا يخضع للذل والهوان ويهتف دائماً (هيهات منا الذلة)، ونحن نريد أن نسير باتجاه أمة تتكسر عليها أمواج الفتنة الداخلية والخارجية وتتقدم في كل المجالات الفكرية والاقتصادية والعسكرية وتتصدى لعربدة إسرائيل في هذه المنطقة وكل ذلك يبدأ بالمرأة فهي التي ستربي المجاهدين، ولنا في قصة موسى عبرة فنهاية فرعون بدأت بأم موسى حبنما تلقت وحي الله فألقت بابنها في اليم ليقود فيما بعد حركة المستضعفين، وكذلك دور السيدة زينب في إكمال رسالة الإمام الحسين (ع).
أخيراً نسأل الله أن يوفقنا لما فيه خير الأمة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.