قطوف من المهرجانات الولائيّة

الشيخ الدكـتور حسن الصفّار

(المهرجان الولائي الثاني 1414هـ\1993م)

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على سيدتنا ومولاتنا بطلة كربلاء ومن صاغت بالتاريخ أروع صور التضحية والفداء... سيدتنا السيدة زينب الكبرى بنت علي أمير المؤمنين ثم السلام عليكم أيها الأخوة المحتفون بذكرى ميلادها المبارك...
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته...
قال الله العظيم في كتابه الحكيم: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه)...
سئل رسول الله (ص) حينما نزل الوحي بهذه الآية الكريمة من قبل بعض الحاضرين من أصحابه والذي أشار إلى بيت علي وفاطمة قائلاً: يا رسول الله هل هذا من البيوت التي ذكرتها الآية؟ أين البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه؟ فأجابه رسول الله فوراً وبلا تأخير وبلا تردد وعلى مسمع من جميع الحاضرين... قال: (بلى إنه من أشرفها).
... من أشرف البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه هو بيت علي وفاطمة هذا البيت العلوي الشامخ شاء الله سبحانه وتعالى أن يبقى شامخاً على مرور التاريخ والعصور وأن لا يتحدد ضمن منطقة جغرافية واحدة وإنما أصبحت له فــــروع وامتـــــدادات في مختلف البقاع التي شاء الله تعالى أن تكون مكاناً لهذه البيوت الرفيعة، ونحن هنا في منطقة نفتخر ونعتز بأن فيها امتداداً لذلك البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، بيت علي وفاطمة... مرقد الحوراء زينب فرع من ذلك البيت الطاهر العظيم الشامخ ويجب أن نشكر الله تعالى على نعمة مجاورة هذا المرقد الشريف، ويجب أن نشكر الله تعالى على التوفيق لزيارة هذا المكان المبارك المقدس... إنها التفاتة طيبة ومبادرة رائعة أن يُحفل بميلاد السيدة زينب (ع) حيث مرقدها المبارك وحيث مقامها الشامخ... إننا نشكر الأخ الدكتور عصام على مبادرته الطيبة، ونرجو أن تصبح سنة حسنة في هذه المنطقة وأن تكون تأسيساً لتقليد عام شامل في الاحتفاء بذكرى ميلاد السيدة زينب في هذه المنطقة التي بوركت بأنها احتضنت جثمانها المبارك.
كما تعلمون فهناك في مصر مرقد ينسب أيضاً للسيدة زينب (ع) وعادةً ما تحتفي تلك المنطقة بذكرى ولادة السيدة زينب  (ع) بمهرجان شامل واسع يعم المنطقة كلها... أجواء القاهرة في ذكرى ميلاد السيدة زينب تكون عامرة بالفرح والبهجة والسرور والمهرجانات... لقد توفقت في إحدى السنوات أن أحضر مثل هذه المناسبة في القاهرة فرأيت مظاهر البهجة والاحتفال والسرور في تلك المنطقة بميلاد السيدة زينب، وفي الواقع فإن هذه المنطقة هي أولى وأجدر لما أثبته البحث والتحقيق من أن السيدة زينب الكبرى ـ في الأقرب والأصح ـ أنها هنا في هذه المنطقة ولما في هذه المنطقة من وجود ينتسب إلى السيدة زينب فكان الأولى والأجدر والأحرى بأهل هذه المنطقة جمعاء الذين هم يعيشون من بركات السيدة زينب المادية والمعنوية ويتشرفون بمجاورتها... يفترض أن تكون هذه المنطقة في مثل هذه الأيام عامرة بالاحتفالات ومظاهر البهجة والسرور والفرح والتعظيم والتكريم لهذه الذكرى العظيمة العطرة، ولكن كثيراً من القضايا والحقائق لها في نفوس الناس جذور واهتمام لكن شيئاً من الغفلة والإهمال هو الذي يحول بين الناس وبين الاهتمام بهذه الحقائق وفي مثل هذا المورد تنطبق الآية الكريمة: (فذكِّرْ إن الذكرى تنفع المؤمنين)...
هذه البادرة الطيبة في إقامة الاحتفال بولادة السيدة زينب إنما هي رسالة تذكير لنا جميعاً، لجميع المقيمين في هذه المنطقة ومحبي السيدة زينب بأن يهتموا بهذه المناسبة وأن تقام الاحتفالات والمهرجانات على مختلف المستويات... ونأمل أن يكون الاحتفاء في السنة القادمة بشكل أوسع وأعظم وأكبر بما يليق والمكانة العظيم لهذه السيدة الجليلة.
عندنا أحاديث ونصوص كثيرة تشجع الإنسان المؤمن على مجاورة الصالحين وتعتبر الجار الصالح من مظاهر السعادة في هذه الدنيا. لماذا تكون مجاورة الجار الصالح من تجليات السعادة؟ ولماذا يشجع الإسلام على مجاورة الناس الصالحين؟ السبب جلي وواضح لأن الإنسان يتفاعل مع من يجاوره ويكتسب منه ويتأثر به... إذا جاور الإنسان أناساً صالحين فإنه مع مرور الوقت والزمن يتأثر بأجوائهم وأخلاقهم وسلوكهم... هو يتأثر وعائلته تتأثر وأولاده يتأثرون...
نحن نعتقد أن أولياء الله أحياء يرزقون عند الله... هم ليسوا أمواتاً... السيدة زينب وأهل بيتها الكرام أحياء ليسوا أمواتاً... إنهم أحياء عند ربهم يرزقون وحينما نجاور مرقد السيدة زينب يجب أن ندرك أننا لا نجاور شخصاً ميتاً إنما نجاور شخصاً يعيش الحياة بأفضل تجلياتها... نحن لا نجاور زينب الميتة... نحن لا نجاور زينب المتوفاة...
نحن لا نجاور زينب التي هي جسد في باطن الأرض... نحن نعتقد أننا نجاور زينب الخالدة... زينب الحية عند الله... زينب حية خالدة ماثلة في القلوب وفي الأرواح عند الله... وهذا أمر واضح لكل المؤمنين والموالين لأهل البيت، ولذلك نحن حينما نقف على عتبة أي مرقد من المراقد المقدسة فإننا نستأذن للدخول لأننا نعتقد أن من يسكنه حي وليس ميتاً، ولذلك نستأذنه ونبدي كل مظاهر التقديس والتعظيم والإجلال والاحترام. بناءً على ذلك عندما نجاور السيدة زينب وهي أفضل مصداق للجار الصالح، وعندما نعتقد أنها حية حاضرة شاهدة فهذا يعني أن علينا أن نسأل أنفسنا عن انعكاسات هذا الجوار علينا ؛ إلى أي حد نستفيد نحن من بركات جوار السيدة زينب حتى ينطبق علينا أننا نستفيد من هذا الجوار الصالح الطيب، يهمني هنا أن أشير إلى بعض النقاط تذكيراً لنفسي ولجميع الأخوة المؤمنين بهذا الأمر الهام:
أولاً: إن علينا ونحن ننعم بمجاورة السيدة زينب أن نسأل الله أن يديم هذه النعمة علينا. كثيرون كانوا يجاورون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ويجاورون سيد الشهداء الإمام الحسين ولكنهم لظروف قاهرة قاسرة اضطروا لمغادرة تلك الأماكن المقدسة، فارقوا تلك القباب النيرة المشعة وقلوبهم يغمرها الحنين والألم لمغادرة تلك الأماكن المقدسة... إننا نرجو أن لا يحرمنا الله نعمة زيارة السيدة زينب ومجاورة السيدة زينب... نسأل الله أن يديم الأمن والأمان والاستقرار في هذا البلد الطيب بوجود السيدة زينب حتى يكون المجال متاحاً للمؤمنين دائماً وأبداً لكي يتنعموا بزيارة السيدة زينب. كم من المؤمنين يتمنون أن يلثموا عتبات حضرة الإمام الحسين (ع) كل المؤمنين يتمنون أن تمتلئ أبصارهم برؤية قبة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النجف الأشرف، ولكنها نعمة قد نكون حرمنا منها بسبب ذنوبنا وعدم استحقاقنا وتقصيرنا وعدم شكرنا لتلك النعمة حينما كنا نعيش في ربوعها وأجوائها. فعلينا أن نحافظ على هذه النعمة بأن نعرف حق السيدة زينب ومكانتها وأن نعرِّف أبناءنا وعوائلنا من هي السيدة زينب وما هو فضلها ومكانتها وحياتها وجهادها ونضالها... الزائرون الذين يأتون من أماكن نائية وبعيدة تجدهم يواصلون على زيارة السيدة زينب ولثم عتباتها المقدسة المباركة بينما قد ترى المقيم عازفاًأو زاهداً وقد لا يرى من اللازم ومن الضروري أن يكثر التردد... إن أحدنا لو كان يعيش مع والديه قد يرى من الجفاء أن يمر عليه اليوم ولا يزور فيه والديه فكيف يسمح الواحد منا لنفسه أن يقصر في مجال زيارة السيدة زينب وفي معرفة حياتها وسيرتها وجهادها ونضالها... علينا أن نتعرّف على ذلك ونتعمق في من يعرف عنها وأن نعرف ونربي عوائلنا وأبنائنا لكي يعرفوا قدر هذه النعمة، المسألة ليست مسألة الظروف الحياتية المادية التي قد تكون صعبة في منطقة وسهلة في منطقة أخرى... البارحة التقيت مع أحد المؤمنين، كان قد ذهب إلى لندن لكي يعيش هناك، ولكنّه عاد، سألته: لماذا عدت من لندن؟ فقد كنت تعمل من أجل أن تبقى هناك، فقال: نعم كنت أسعى ولكن حينما ذهبت إلى هناك ومرت الأيام والشهور عندها أدركْتُ وأدركَتْ عائلتي أننا فرَّطنا في نعمة كبيرة ما كنا نعرف قيمتها، قلت: وماذا تقصد؟، قال: زيارة واحدة للسيدة زينب تساوي الدنيا وما فيها. وفعلاً حسابات الإنسان الصالح المؤمن ليست حسابات مادية فقط، فالاعتبارات الروحية الدينية المعنوية تكون أرفع وأهم عنده من أي اعتبارات مادية إذاً هي نعمة يجب أن نعرف قدرها.
ثانياً: علينا أن نكون في مستوى مجاورة السيدة زينب، لأن الناس من الطبيعي أن يروا في أصحاب الإنسان ومجاوريه صــورة له... أنت حينما ترى تلامذة أي عالم وأتباعه وأصــحابه والمقيمين حولـه والملتفين حولـه فأنت تحكم عليه من خلال أخلاقهم... إذا رأيت هؤلاء الناس أخلاقهم طيبة جيدة حينها تدرك أن هذا العالم قد رباهم على هذه الأخلاق، وحينما ترى أن أخلاقهم سيئة غير مناسبة سوف لا تسقط شخصياتهم هم فقط في نظرك وإنما من
يلتفون حـــــولـه... عادة هكذا الناس يقيِّمون...عندما يأتي الناس إلى هذه المنطقة يجب أن يروا في الملتفين حول السيدة زينب صورة من شخصية السيدة زينب، أن تكون الأجواء في هذه المنطقة تعكس سيرة زينب، أن يكون المتوافدون لهذه المنطقة تلامذة صالحين صادقين للسيدة زينب بأخلاقهم وسلوكهم وأعمالهم وأنشطتهم، والحمد لله بتوفيق من الله أصبح هنا حول السيدة زينب وجود ديني إيماني اجتماعي، العديد من الحوزات العلمية والمدارس والمؤسسات، الكثير من المؤمنين من مختلف البقاع استظلوا بظلال السيدة زينب... هذه نعمة كبيرة وأمر مهم أن يكون الوجود حول مرقد السيدة زينب يمثل مركز إشعاع وصورة تعكس حياة السيدة زينب وشخصيتها ومواقفها، ولا بد هنا أن نذكر الفضل لأهل الفضل وأن نترحم على الشهيد المرحوم آية الله السيد حسن الشيرازي رحمة الله عليه لأنه كان سبباً مباشراً وقريباً، وطبعاً السبب الأساس وجود للسيدة زينب... السبب الأساس إرادة الله سبحانه وتعالى ولكن شاء الله أن يجري الخير على يدي هذا السيد فكان هو الذي باشر وأسس هذا الوجود في ذلك الوقت الصعب حيث لم تكن الأمور بهذا الشكل المناسب الذي نراه الآن، نعم، هذا الوجود الديني حول مرقد السيدة زينب ينبغي أن تتجلى فيه السمات والصفات التي تريدها السيدة زينب ويريدها أهل بيت السيدة زينب... هذا الوجود يجب أن تتجلى فيه الصفات الأخلاقية المناسبة ؛ التعاون، هداية الآخرين، الاهتمام بالقضايا الدينية والاجتماعية، فهل الأمر كذلك؟... هذا ما نرجوه وما نتمناه.كل مجاور للسيدة زينب يتحمل هذه المسؤولية، لكن الجهات المنتمية والمتصدرة للأنشطة الدينية من مدارس وحسينيات ومؤسسات تتحمل المسؤولية أكثر في أن تضفي على هذه المنطقة الطابع الزينبي سلوكاً وأخلاقاً وأجواء، هذه هي مسؤوليتنا جميعاً علينا أن نكون مبلِّغين ونعكس حياة السيدة زينب للآخرين... الزائرون حينما يأتون إلى هذه المنطقة ينبغي أن يخرجوا منها وقد ازدادوا إيماناً وفكراً وأخلاقاً طيبة وهدىً في دينهم وبصيرةً في حياتهم.
هناك عوامل سيئة تسعى لإيجاد بعض الأعمال والتصرفات المشينة وخاصة في المواسم وأيام كثرة الزائرين، تسمعون عن الكثير من القصص والمواقف والتصرفات التي لا تتناسب مع قداسة هذا المكان... بالطبع المسؤولون والقيادة في هذا البلد لا تريد هذا الشيء وإنما تريد هذا المكان لائقاً بكل ما يحيطه من أجواء مقام السيدة زينب لكن عناصر السوء تحاول أن تستفيد من مختلف الفرص وهنا تأتي مسؤولية المحيطين بهذا المكان... مسؤولية المجاورين للسيدة زينب في أن يتعاونوا ويتعاضدوا لتصبح أجواء هذه المنطقة أجواء لائقة بمرقد السيدة زينب ومكانتها.
أرجو أن يكون مثل هذا الاحتفال وهذه المناسبة دافعاً لنا جميعاً لكي نفكر في واجباتنا تجاه السيدة زينب ونحن نجاور مرقدها الشريف.
أكرر شكري للقائم على هذا الاحتفال وأشيد بمبادرته والتفاتته الطيبة وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بيديه إلى ما فيه الخير والصلاح وأن يوفقه لتطوير هذه البادرة وأن يتآزر الجميع معه في إحياء هذه المناسبة العظيمة.
و سلام على سيدتنا زينب وعلى جدها وأبيها وأمها وأخويها والتسعة المعصومين من ذرية أخيها وعليكم أيها المجاورون لها والمحتفون بذكرى ولادتها جميعاً ورحمة الله وبركاته وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين.