مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثامن

كلمة الأستاذ الدكتور محمد علي آذرشب المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وكل عام وأنتم بخير...
جزى الله القائمين على أمر هذا المهرجان خيرا ولا أدري ماذا أقول بعد ما قاله الشيخ الدكتور حسن الصفار فقد أوفى المقام حقه فجزاه الله خيرا، وأريد أن أشير إلى مسألة واحدة وهي أدب السيدة زينب (ع) أي تلك النصوص العظيمة التي ذكرت في كتب التاريخ، وفي الواقع تخلو كتب تاريخ الأدب العربي -مع الأسف الشديد- من ذكر خطب السيدة زينب، وأقول هذا أمام أستاذ الأدب العربي في الشام بل في العالم العربي الأستاذ الدكتور أسعد علي وأتساءل: (لماذا لا تدخل خطب السيدة زينب في مادة الأدب العربي؟)، إني أعتقد أن هذه الخطب لا تقل بلاغة وفصاحة عما نقرأه من نصوص أخرى بل تتفوق عليها كثيرا فلماذا لا تدخل أمثال هذه النصوص في مادة الأدب العربي؟! وكم كان اهتمامنا -نحن أتباع أهل البيت- بقراءة هذه النصوص وتقويمها تقويما أدبيا وتعليمها لأبنائنا والكشف عن جوانبها الأدبية والبلاغية، فكيف عن الآخرين؟
إننا نحتاج أيها الإخوة إلى أدب القرآن وأدب أهل البيت الذي هو أدب القرآن، ونحن بأمس الحاجة إلى التفاعل مع القرآن فكرا وعاطفة وروحا وذلك لا يتيسر إلا إذا فهمنا جمال القرآن وتذوقنا حلاوته، وذلك غير ممكن إلا بفهم وتذوق اللغة العربية، وهذه مسؤولية كبرى تقع على كل المسؤولين سواء في الجامعة أو الحوزات العلمية والمساجد والمدارس إذ علينا أن نعلم أدب القرآن بما فيه من بلاغة وفصاحة حتى نتذوق القرآن. هناك شيء اسمه فهم القرآن، وهناك شيء اسمه تذوق القرآن الذي نحن بحاجة إليه لكي يدخل في نفوسنا وعواطفنا ومشاعرنا ويصبح جزءا من سلوكنا وتوجهاتنا واهتماماتنا، فلا يمكن أن يخلق القرآن الفرد المسلم والجماعة المسلمة إلا إذا تفاعل الفرد والجماعة معه على هذا المستوى. يقول إقبال اللاهوري: (أكثر كلمة أثرت في حياتي قول أبي: يا بني اقرأ القرآن وكأنه أنزل عليك)، إن القرآن ليس خطابا للرسول فقط بل هو خطاب لكل الأجيال حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلماذا لا نتلقى القرآن بهذا التلقي ليصنع منا أمة مسلمة حقيقية؟ وفي اعتقادي أن أتباع أهل البيت يتحملون مسؤولية أكبر تجاه القرآن من غيرهم لأن أهل البيت أكثر تفاعلا من غيرهم مع القرآن، فنرى السيدة زينب تستلهم القرآن في كل خطبها بشكل عجيب حتى وكأنها تنطق بالقرآن، وقد وقفت عند بعض ما قالته هذه السيدة الكريمة عقيلة بني هاشم فوجدت أنها تنطق بكل مفاهيم القرآن وعلى أحسن وجه وبأفضل صورة لأنها تعيش القرآن فكرا وروحا وعاطفة فما أحوجنا نحن أتباع أهل البيت الذين ندعي بأننا نتبع هذا الرهط الكريم أن نتفاعل مع القرآن على هذا المستوى.
أينما ذهبت في العالم الإسلامي وجدت مسلمين يحفظون القرآن ويتلونه ويرددونه آناء الليل وأطراف النهار وهذا مطلوب من أتباع أهل البيت أكثر، ولا أدري هل نحن بمستوى بقية المسلمين في تلاوة القرآن وحفظه أم لا؟ إن مسؤوليتنا أكبر لأننا ندعي بأننا من الموالين للسيدة زينب (ع). أنظروا إلى هذه المقاطع من خطبة لها وأنا أقف عندها لأبين ما فيها من تأثير قرآني، تقول السيدة زينب مخاطبة أهل الكوفة:( أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختر و الخذل ألا فلا رقأت العبرة و لا هدأت الرنة إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) وهذا كلام قرآني تمثل فيه السيدة زينب هؤلاء المخاطبين من أهل الكوفة في تخاذلهم وضعفهم بمن خاطبهم القرآن في قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) (سورة النحل91-92)، وهذا هو خطاب القرآن للأمة المتخاذلة التي نكثت بعهدها ونقضت أيمانها ورأت أن قوة الكفار أربى من قوة المسلمين، والأمة في هذه الآية معناها الجماعة وهذا يذكرني بما انتقد به البعض ما يقوله الشيعة في زيارة الإمام الحسين (لعن الله أمة قتلتك) بأن اللعن يقع على الأمة الإسلامية جميعها والعياذ بالله لأن المقصود لعن تلك المجموعة المتخاذلة الحائدة عن طريق الحق، لقد كان أهل الكوفة يبكون على الحسين ولكن هذا البكاء لم يكن يؤثر في أخلاقهم وسلوكهم لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى القرآن في تربيتهم وإرادتهم وسلوكهم بل كان بكاء عاطفيا سطحيا لفداحة المصيبة التي شاهدوها ورأوا أن قوة يزيد أربى من قوة الحسين.
تقول السيدة زينب في مقطع آخر: (أتبكون إي و الله فابكوا كثيرا و اضحكوا قليلا) وهنا تشير إلى قوله سبحانه وتعالى: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) (سورة التوبة81-82) لاحظوا ضعف الهمة والضمير الذي قتل الحسين. وفي نفس الخطبة تقول السيدة زينب: (لقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة ومنار محجتكم فبعدا لكم وسحقا لقد خاب السعي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة) وهنا أقف عند جملة (ألا ساء ما تزرون) وهي مستلهمة من قوله سبحانه وتعالى: (قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون) (سورة الأنعام31) كما أنها مستلهمة من مقطع قرآني آخر عظيم الدلالة على مكانة السيدة زينب في هذا المجال إذ يقول سبحانه وتعالى:(إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون، لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين، وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون، قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) (سورة النحل 21-26) وهذه المعاني الدقيقة تنطبق انطباقا كاملا على الذين تخاطبهم السيدة زينب مما يؤكد الإلهام القرآني عند هذه السيدة العظيمة.
انظروا كم كانت هذه المرأة العظيمة متفاعلة مع القرآن بحيث أنها تنطق بكل ما ينسجم مع المقام من المفاهيم القرآنية، ولاحظوا خطبتها في الشام عندما بدأتها بقولها:(الحمد لله صدق الله و رسوله يا يزيد حيث يقول: ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون) مضمنة قوله تعالى: (أوَلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون،ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون) (سورة الروم 9-10)، إنها تقول ليزيد إنك كفرت بالله ورسوله لأنك أثمت، إن سبب الكثير من التوجهات المادية في التاريخ ليس فكريا أو عقائديا بل هو سبب نفسي وهو أن أصحابها قد وقعوا في أوحال الرذيلة ومستنقع الموبقات فأرادوا أن يبرروا آثامهم وذنوبهم حتى يستريحوا نفسيا فكذبوا الله ورسوله وابتعدوا عن الطريق وقالوا ما سمعنا إلا أساطير الأولين حتى يتخلصوا من عقاب الضمير وتأنيبه وهذا ينطبق على الكثير من حكام المسلمين الذين كانوا يتجاهرون بالإثم والفسق فهذا أحدهم يخاطب القرآن قائلا:
إذا لا قيت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد
وبهذه الآية تبين السيدة زينب عاقبة يزيد (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون).
لقد تجاوزت الوقت الممنوح لي في الكلام وأخشى أن أطيل لذلك أختم كلامي وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.