مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثالث
كلمة سماحة العلامة الشيخ أحمد الوائلي ألقاها نيابة عنه الأستاذ أبو أوس الحيدري
بسم الله الرحمن الرحيم
لعل من الواضح أن ولادة
ووفاة شخص ما مهما عظم ذلك الشخص قد لا تثير الاهتمام ما لم يتصل ذلك الشخص بمشاعر
الناس ويملؤها شعوراً بأنه قيمة من القيم الكبيرة وموقف من المواقف التي يمجّدها
الناس وحالة تتصل بموطن قداسة في نفوسهم وتوحي لهم بما هو موضع اهتمامهم وإلا
فالولادة والوفاة ظاهرتان تتكرران
في كل لحظة، وقد سارت الأمم والشعوب في عملية انتقائية على الاحتفال بولادةٍ ووفاةٍ
لأشخاص معنيين يندرجون تحت ما ذكرنا من الصفات، وفي هذا السياق درج الجمهور المسلم
خاصة الإمامية على الاحتفال بهذه المناسبات التي رأوا فيها عطاء ينفع الناس ولما
كانت الدوحة المباركة آل محمد بغصونها النظرة موضع تقديس المسلمين دأب محبو أهل
البيت (ع) وعارفو مكانتهم ومدركو أهمية العظات في التعبير عن سيرتهم على الاحتفال
بهذه المناسبات ولا بد من الإشارة إلى ما يحققه هذا العمل من جليل الفوائد ومنها:
أولاً ـ إن الاحتفال بمواسم أهل البيت(ع) فيه تلبية لنداء القرآن الكريم، فقد قال
الله تعالى: (قُل لا أسألُكُم عليه أجراً إلا المودَّةَ في القُربَى) ومن أبرز
مظاهر مودة ذي القربى الإسهام في أفراحهم وفي أحزانهم كتعبير عن الشعور بحبهم.
ثانياً ـ تحقيق ما أراده النبي الكريم(ص) بكثير من الأحاديث التي حفل بها تاريخ
المسلمين في الدعوة للالتفاف حول آل محمد كقوله:
(إني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي)
و أمثال ذلك من الأحاديث.
ثالثاً ـ تربية النفس على مقتضى الفطرة السليمة من رد الجميل للمنعم ولا نعرف
منعماً أكثر نعمة على هذه الأمة من محمد وآله عليهم السلام.
رابعاً ـ تقديم الأدلة على أن الأمة لم تمت لوجود مشاعل حية فيها تضيء الدرب وتلفت
الأنظار إلى نبض قوي يدل على سلامة النية لأن وجود الأرقام المتجسدة في أشخاص أدلة
على أن الأمة ليس عقيمة.
خامساً ـ إعلان دعوة للجيل بأن يسير على خطى عظمائه لضمان استمرار تيارات التواصل
في امتداد الأمة فإن تأريخ البطولات يشد مشاعر الأمم ويستقطب الأجيال المتلاحقة.
وهنا يرد التساؤل: أين موقع السيدة زينب من كل هذا؟
فنقول:
أ ـ إن عقيلة الطالبين في ذكراها والاحتفال بها من موارد ينطبق عليها تلبية نداء
القرآن وتحقيق رغبة الرسول في التمسك بأهل بيته.
ب ـ إن في اجتلاء سيرتها تقديم دروس للمرأة المسلمة في الإيمان والصلابة والجهر
بالحق في سبيل الحق والكشف عن قوة الصمود وغزارة الفكر والحسن البلاغي التي تجمعت
عند هذه التي هي امتداد علي (ع).
ج ـ في تسليط الأضواء على فضائلها تقديم برهان قوي على ما للمرأة عامة والمسلمة
خاصة من كفاءات تسير جنبا إلى جنب مع رفيقها الرجل في مختلف الميادين وإن الفروق
التي منعتها عن الرجل إنما هي فروق وظيفية لصيقة بموقعها الأساسي في صنع الجيل
وليست مؤشرات لكونها تقل عن الرجل ولا تهبط به عن مستواه، ولو كان النساء كمن ذكرنا
لفُضِّلَت النساء على الرجال.
د ـ وبناء على هذه الحقائق فإننا نريد من الاحتفال بذكراها أن تكون حافزاً لأمهاتنا
وأخواتنا وبناتنا على الارتفاع لمستوى الأدوار الرسالية التي قامت بها ربيبة الوصي
وبنت فاطمة وحفيدة خديجة وأي إرث أضخم من هذا الإرث.
إنها تكشف لنا أن المرأة ليست هي المتاع الرخيص في نطاق الغريزة وإنما هي مقلع
طاقات
و مدرسة أجيال وصانعة رجال.
هـ ـ إننا في فترة تتعرض فيها المرأة المسلمة إلى تحد قوي وامتحان صعب يحتاج إلى
الإيمان والصبر، وفي زينب قدوة حسنة ومثل رائع. إن الأسوة الحسنة هنا لها الأثر
الكبير في تخفيف وقع المحنة على المرأة المسلمة والتنفيس عن آلامها والاقتداء بها
في التحلي بجميل الصبر.
و ـ إن الاحتفال بها يقدم الدليل الحي على انهزام الباطل والزيف وخلود الحقيقة
والواقع والعاقبة للمتقين.
و بعد ذلك فإن أقل ما يُوجَّه للقائمين بهذا الاحتفال التقدير والشكر لقيامهم
بإعادتنا إلى أجواء طاهرة تعود على جيلنا بالفوائد الجمة وتضعنا في ساحة يظللها
القرآن الكريم ويعبق منها أريج النبوات وتتسم بهدي آل محمد (ع). إننا بمسيس الحاجة
لأن نكون على تماس مع النبع الأصيل من الإسلام واستلهام الفترات المشرقة في آفاقنا،
لتدب الحياة في أوصالنا ولتتأجج العزيمة في نفوسنا والعنفوان في تطلعاتنا ولنسير في
درب سارت فيه عقيلة الطالبين تخط بالفكرة الصائبة والكلمة المقاتلة والوقفة الجريئة
نهجاً لا بد لمن ينشد الحياة الكريمة من السير عليه، وما كان الطريق الذي اختطه
النفر الطاهر من آل محمد إلا النموذج الذي يريدون منا أن ننسج على منواله لنبني
الحياة المنشودة الجديرة بكرامة الإنسان وإن أعطى الإنسان من أجل ذلك الكثير فما
قيمة العيش بمناخ لا يرتفع عن مستوى مناخ الحيوان تشبع فيه الغريزة وتجوع فيه الروح
وتزيد فيه ساعات العمر على نقص من الكرامة. لقد حملت عقيلة الطالبين عبئاً كبيراً
متمِّماً لما قام به أخوها من أجل الإنسان المسلم:
فتشاطرت هي والحسين بنهضة حتم القضـــاء
عليهما أن يندبا
هذا بمشتبك النصـــول وهذه في حيث معترك
المكاره في السبا
فسلام على سيف من سيوف آل محمد قارع في دنيا البيان، وعزيمة كافحت وجاهدت في ساحات
القتال، وروح تحملت أعباء المحنة حتى أدت دورها كاملاً، وتحية للمحتفلين والمستمعين
يستلهمون من عطاء آل محمد في ذكرى كريمة من كرائمهم ودعاء ضارع إلى الله تعالى أن
يجعلنا من الآخذين بمنهج محمد وآله الأطهار،
و الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.