مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر

الجلسة الثالثة

2. محاضرة سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني وكيل آية الله العظمى السيد علي الخامنئي في سوريا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين، وعلى بقية الله في الأرضين، وعلى جميع من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قبل كل شيء، أهنئكم بذكرى مولد السيدة زينب (ع)، وكذلك أشكر الأخ العزيز الدكتور عصام عباس المحب للعلم والثقافة وإحياء ذكرى أهل البيت القدوة العليا الإنسانية.

موضوع بحثي اليوم: دور السيدة زينب في تعبئة الجماهير للانقضاض على الظلم وحتمية النهوض لإزالته ومحاسبة مقترفيه دورا في تحريك التاريخ وتوليد طاقة التغيير لإزاحة الواقع المعادي للإنسان، وهذا البحث يحتاج إلى مجال كبير، ولكنني سأختصر وأكتفي بالإشارة إلى نقاط أساسية فيه.

إذا أردنا أن نعرف دور السيدة زينب في تعبئة الجماهير، فلا بد أن نعرف دور عاشوراء والأهداف السامية المنشودة من وراء مسألة عاشوراء التي أقامها الإمام الحسين (ع) وأهل بيته، فهل كان القصد من عاشوراء إزالة حكم الباطل الشرس من خلال القيام بانقضاض مسلح عليه؟ أم كان هناك هدف آخر؟ إننا نرى في عاشوراء الحسين (ع) جانبين أساسيين هما: الشهادة والأسر، وتتمثل الشهادة بالإمام الحسين (ع)، أما الأسر فيتمثل بالسيدة زينب(ع).

إن الأدلة المتوفرة لدينا، سواء من الكلمات التي صدرت عن الإمام الحسين (ع) أو من أهل بيته، أو من التنبؤات التي جاءتنا من الرسول (ص) ومن بعده من الإمام علي بن أبي طالب (ع)، تؤدي إلى نتيجة تلخص هدف عاشوراء في ثلاث نقاط:

أولا: عدم الاعتراف بيزيد والحكومة التي كانت قائمة آنذاك، فالحسين لم يبايع يزيد لأنه كان يعتبر أن حكومته لم تكن إسلامية، فالحكومة الإسلامية الشرعية كانت باسم رسول الله وأمير المؤمنين، ومبايعته لها تعني الاعتراف بشرعيتها وعندها لن يبقى من الإسلام شيء، وفي كلماته إشارة إلى هذا الموضوع، فمثلا عندما يخاطب الوليد بن عقبة يقول: (يا أيها الأمير، إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحل الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله). أريد أن أشير إلى نقطة مهمة في هذا المجال، وهي أن حركة الإمام الحسين (ع)، لم تكن موجهة ضد عقيدة أو طائفة أو فكر مخالف له، بل كانت حركة الحق ضد الظلم والانحراف والاعتداء على البشرية والقيم، فشرب الخمر وقتل النفس المحترمة وإعلان الفسق أمور مرفوضة من قبل الكل، وعلى هذا لا يعتبر كلام الإمام الحسين مناقشة إنما هو عتاب، ولم يكن يتحاور معه على أساس أنه لديه موقف فكري وعقيدي مقابل لموقفهم الفكري والعقيدي فيناقشهم على أساسه، بل أراد أن يبين أن الحكومة القائمة منحرفة عن الطريق الشرعي.

ثانيا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبرفضه للمبايعة أراد أن يعظ الناس وينصحهم ويبين لهم ملامح الإسلام والقيم الإسلامية، فقد قال في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: (إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإني خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، خرجت لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين).

ثالثا: تلبية دعوة أهل الكوفة، بعد أن أرسلوا إليه رسائل كثيرة يدعونه فيها لقيادتهم.

إذا تمعنا في النقاط الثلاث السابقة، فلن نجد فيها أن الإمام الحسين ينقض انقضاضا مسلحا على الحكم، فهو يحمل فكرا وثقافة وإيمانا، وهذا لا يتماشى مع أساليب القوة والقهر، لذلك تراه يقول للفرزدق: (إن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد في الأرض، وأبطلوا الحدود، وشربوا الخمور، واستأثروا في أموال الفقراء والمساكين، وأنا أول من قام بنصرة دين الله وإعزاز شرعه والجهاد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا)، فعلى ذلك كانت رسالة الإمام الحسين (ع) هي رسالة الإصلاح والحب والنجاة والدعوة إلى الحق وإحقاق الحقوق.

إن أمر الإمام الحسين (ع) يختلف عن أمر هؤلاء الذين يهجمون على حكومة من أجل إسقاطها لإقامة حكومة أخرى، فلو كان يريد إقامة حكومة في الكوفة لما ذكر في حديثه الشهادة والقتل في سبيل الله من أول الأمر كقوله: (خُيِّر لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا)، وقوله: (من كان فينا باذلا مهجته موطنا إلى لقاء الله نفسه فليرحل معنا)، وعندما جاء الإمام الحسين (ع) إلى الكوفة وواجه جيش الحر الرياحي الذي منعه من التوجه إلى الكوفة أو الرجوع إلى المدينة المنورة، وجد بأن هذا الجيش عطشان فسقاه من ماء كان يحمله.

خلاصة الكلام: أن الإمام الحسين في هذه الحركة أراد أن لا يعترف بالباطل لحفظ الدين وكرامته، وما أراد أن يقاتل أحدا وإنما أراد أن يلبي دعوة أولئك الذين استغاثوا به، فالفكر لا يعتمد مبدأ القتال وسيلة لنشره، وهذا نقيض ما يذهب إليه الإرهابيون حين يدعون أنهم يفعلون ما يفعلون ابتغاء مرضاة الله، فرسول الله (ص) لم يقاتل أحدا إلا دفاعا وكذلك الإمام علي بن أبي طالب (ع) وكافة القادة الذين خلفوه لم يقاتلوا إلا دفاعا عن أنفسهم والمظلومين.

أردت من هذه المقدمة أن أبين أن دور السيدة زينب (ع) في الانقضاض على الظلم لم يكن بالانقضاض المسلح، وإنما بالانقضاض الفكري من خلال الدعوة إلى الحق، ومن هنا نفهم القول المشهور للإمام الصادق (ع): (كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء، وكل شهر محرم)، فليس المعنى هو أن نتقاتل ونريق الدماء دائما، بل المعنى أنه يوجد دائما انحراف عن الحق فيجب حينها أن ندعو الناس إلى الحق وننصحهم ونثقفهم في نفس الوقت الذي نحمي فيه أنفسنا من الانحراف، لأننا نواجه في الدنيا خطر النفس والشيطان والإغراءات بشكل دائم.

لقد ذهب الإمام الحسين (ع) بأهله إلى كربلاء لأن هدفه السامي لا يتحقق إلا بوجود الأسرى، ولذلك نراه عندما يواجه بعض من يناقشه في أخذه النساء معه بقوله: (شاء الله أن يراني قتيلا، ويراهن سبايا). نحن نعرف أن مشيئة الله لا تأتي جزافا، وأن مقتل الإمام الحسين (ع) ليس كمن يقتل في حادث سيارة، فالله تعالى أبى إلا أن يجري الأمور بأسبابها، فمشيئة الله تعالى بأن يرى الحسين قتيلا تعني بأن الله شاء بأن يقوم الإمام الحسين (ع) بهذه الحركة لحفظ الدين وصيانته، وفي الوقت نفسه، شاء بأن لا تتم هذه الصيانة إلا بمساعدة أهله ونسائه في هذه الحركة، ولذلك لا يقل مقام الأسرى في قصة كربلاء عن مقام الشهداء، بل كل واحد من هذين الفريقين يكون جناحا من جناحي هذه الحركة الخالدة في التاريخ.

وهكذا وصلنا إلى بيان دور السيدة زينب (ع)، ونتساءل هنا عن خطاب السيدة زينب (ع) لأهل الكوفة، فهل كانت تخاطب قوما يخالفونها في الرأي والعقيدة؟ أم تخاطب قوما يوافقونها ولكنهم تخلفوا عن نصرة عقيدتهم؟ لنقرأ خطبتها في الكوفة حين تقول:

(الحمد لله، والصلاة والسلام على أبي رسول الله) وهنا تؤكد على أبوة رسول الله لها وأنها بنت رسول الله، (يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والخبل، فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنة، فما مثلكم إلا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) وهذا إشارة إلى أنهم عملوا ما لا يريدون فعله، بل فعلوا ما يضرهم، (ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف، خوارون في اللقاء، عاجزون عن الأعداء) هل تعني السيدة زينب (ع) بقولها الأعداء نفسها؟ لا، لأنها كانت مهزومة في حساب الظاهر، فهي تقصد أن موقفهم كان معها، لكنها تؤاخذهم على نكثهم وتخاذلهم والتحاقهم بمعسكر الأعداء، (أتبكون؟!، إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، لقد فزتم بعارها وشنارها، ولن تغسلوا دنسها عنكم أبدا، فسليل خاتم الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم وأمارة محجتكم ومدرجة حجتكم خذلتم؟ وله قتلتم؟ ألا ساء ما تزرون، فتعسا ونكسا، لقد خاب السعي وتربت الأيدي، وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة) إن هذا الكلام عتاب وليس مناقشة أو حوارا، لأن المناقشة مع المخالف، أما العتاب فهو مع الموافق في الرأي.

عندما يقول لها ابن زياد: ( الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم) تجيبه: (الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وآله، وطهرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر)، وكذلك عندما يقول لها: (كيف رأيت صنع الله بك؟) تجيبه: (ما رأيت إلا جميلا)، وكل ذلك يدل على أن السيدة زينب (ع) كانت تريد أن تحمل رسالة إلى هذه الأمة لهدايتها ودعوتها إلى الحق.

وكذلك أمام يزيد، فقد قالت له: (أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أنسيت قول الله تعالى: [ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين]، أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المعاقل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي).

إن مسؤولية السيدة زينب (ع) ورسالتها في تعبئة الجماهير هي دور تثقيفي يدعو إلى التنبه والتوجه نحو القيم، وهذا الدور ما يزال مستمرا لأنها حية بيننا، فعلينا أن نحيي ذكراها وأهدافها السامية حتى نكون مبلغين لها، وكما قال أحدهم: (إن الذين استشهدوا في كربلاء عملوا عملا حسينيا، فعلينا أن نكون زينبيين، وإلا فسنكون يزيديين)، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.