مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر

9. كلمة وفد السويداء (طائفة الموحدين) - الأستاذ المهندس نبيه السعدي

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة على أنبياء الله المرسلين، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، والسلام على آل بيت رسول الله الطاهرين، وأئمة دينه المنتجبين.
(الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه، والظاهر لقلوبهم بحجته، خلق الخلق من غير روية، إذ كانت الرويات لا تليق إلا بذوي الضمائر، وليس بذي ضمير في نفسه. خرق علمه باطن غيب السترات وأحاط بغموض عقائد السريرات). تلك كانت كلمات الإمام علي (ع) بقول يتطابق كل التطابق مع نظرية التجلي التوحيدية.
أيها السادة العلماء والحضور الكرام... صبحكم الله تعالى بالخير والإكرام...
إن مجرد نظرة سريعة على التاريخ، تفيد بأن المآسي المضرجة بالدماء، التي تفوح منها رائحة الظلم والاستعداء، تكاد تكون الجامع المشترك بين جميع أتباع المذاهب والأديان، أينما وجدوا وعلى اختلاف عقائدهم. وكغيرهم من أتباع المذاهب الإسلامية مر الموحدون أيضا بمحن متتالية، غطت فترة الكشف عن دعوتهم في بداية القرن الخامس الهجري، وربما صادفوا من الظلم، ما لم تصادفه طائفة أخرى على الإطلاق. فلقد ذكرت الرسائل التوحيدية، أن تجمعات الموحدين كانت عرضة لاعتداءات متتالية، جرى فيها من الفظائع، ما لم يحدث في مكان آخر، ولقد عبرت عن ذلك، فوصفت المعتدين حينذاك بقولها: (... من... تعليق رؤوس الرجال الموحدين في أعناق أخواتهم وبناتهم، وذبح الأطفال الرضع في حجور أمهاتهم.. فلم يرعوا لأحد في الله إلاّ ولا ذمة، فيرحموا صغيرا لصبوته وصغره، ولم يعفوا عن كبير لشيخوخته وهرمه وكبره. بل أجروهم على حد السيوف قتلا وصلبا، وفي الشوارع شقا لبطونهم وجرا بأرجلهم وسحبا، و لأموالهم وذراريهم سبيا ونهبا).
لم تنصب حمم الحقد والاضطهاد على رؤوس الموحدين، بسبب نزاعهم أولياء الأمر على الملك والخلافة، لأن الموحدين لم يطالبوا يوما بكيان سياسي مستقل. إنما تسبب في اضطهادهم اختلاف نظرتهم إلى الإمامة، مع اعتقادهم بها. وعلى جميع هذه المظالم والمحن، جاء الرد التوحيدي مشوبا بالتسامح والسكينة والحلم، جاريا مترقرقا في مجاري الترفع والعلم، يقول كبير دعاة التوحيد آنذاك: (فالله الله معاشر المستجيبين اصبروا وصابروا في البأساء والضراء. والشدة والرخاء)، فالمحن عبارة عن امتحان، يعرف به الكفر من الإيمان.
لا شك أيها السادة... أن المأساة الحسينية تمثل دليلا صارخا من دلائل الظلم، في معظم أوصال تاريخنا المغمسة بدماء الأبرياء والمظلومين. وحري بنا، ونحن نزعم أننا نسعى إلى الصلاح والإصلاح، إدراك الأسباب، والوقوف على العلل التي لطخت في يوم من الأيام بياض التسامح الإسلامي بالعوار، وحاولت اجتثاثه من مواقع العزة والفخار. فلقد ضحى أبو عبد الله الحسين (ع) بحياته راضيا مرضيا، بعد أن وضع يده على العلة، ونأى بنفسه عن الذلة. والواقع أن أنواء القهر والظلم، عصفت دوما بمجتمعات، غابت عنها قواعد العدالة الاجتماعية، ونمت في تربتها أشواك الأنانية والفردية، وذوت في أقاليمها القاحلة أشجار الثوابت الأخلاقية. انسابت سيمفونية المأساة الحسينية بألحانها الحمراء الحزينة الدامعة، لتنتهي بنشازات التعسف والقهر، التي كتب نوتتها الخليفة القابع على عرشه العاجي في دمشق، يزيد بن معاوية، وقام بقيادة الجوقة عامله على العراق عبيد الله بن زياد. ونقتبس من أهم مشاهد المأساة الحسينية على كثرتها ثلاثة، تجاوبا مع عنوان هذا اللقاء، كي تتحدد بها صفات ذلك المجتمع، الذي يمثل الأمة: فالمشهد الأول، يبرهن على غياب البعد الإنساني، وفيه أمر الخليفة يزيد باقتياد نساء الحسين (ع) سبايا إلى دمشق، ومن ضمنهم زينب (ع). فوصف دعبل الخزاعي جزءا من هذا المشهد، وهو سبي زينب (ع)، بقوله:
كيف القرار وفي السبايا زينب          تدعو بفــــــرط حرارة يا أحمد
ثم إن عبيد الله بن زياد، لم يتورع عن إدخال الناس إلى مجلسه، ورأس الحسين (ع) مقطوعا بين يديه، وفي يده قضيب يدخله في فم الحسين، ويلعب بشفتيه، أمام أخته المفجوعة زينب. وكأننا بزينب قد أحست برعشة لسان أخيها الحسين، وسمعت صوته يتردد في أذنيها بآخر كلماته قبل موته: (اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت به العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبة إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه. فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة). وقد أجاد الشاعر جعفر الحلي في وصف هذا المشهد، فقال:
أومثل زينب وهي بنت محمد برزت تخاطب شامتا ملعونا
وغدا قبالتها يقلب مبســــــما         كان النبي برشفه مفتونا
نثرت عقيق دموعها لما غدا        بعصاه ينكت لؤلؤا مكنونا
المشهد الثاني، وفيه تجسدت الأنانية والفردية، بخذلان أكثرية الناس لصاحبهم، ولحاقهم بالجهة التي تنتعش فيها مصالحهم الشخصية، فارفض الناس عن الحسين في لحظة حاجته إليهم، حتى انطبق عليهم قول الإمام علي (ع)، في جماعة قد سيطرت على اليمن: (إني والله لأظن أن هؤلاء القوم، سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل. وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم).
أما المشهد الثالث والأخير؛ فهو غياب الرادع الديني، الذي يتجسد في تواطؤ الناس على دينهم، بوقوفهم ضد حفيد نبيهم، لدرجة قتله وقطع رأسه، ودوس جسده بسنابك الخيل، وسبي نسائه، ثم تركه مرميا دون رحمة فوق الفلاة. وفي ذلك قال جعفر الحلي بلسان الحسين (ع):
نادى: ألا هل من معين، لم يجــــد               إلا المحددة الرقـــاق معينا
فبقي على وجه الصــــــعيد مجردا               ما نال تغســــيلا ولا تكفينا
وسروا بنسوته على عجف المطا              تطوي سهولا بالفلا وحزونا
كل هذه الأفعال نجمت عن مجتمع أقرب إلى الجاهلية، كان قد وصفه الإمام علي (ع) سابقا، وخاطب أفراده بقوله: (مالي أراكم أشباحا بلا أرواح، وأرواحا بلا أشباح، ونساكا بلا صلاح، وتجارا بلا أرباح، وأيقاظا نوما، وشهودا غيبا، وناظرة عميا، وسامعة صما، وناطقة بكما).
كانت السيدة زينب (ع) الصوت الناطق لمشاهد المأساة الحسينية جميعها، وأداة التعبير عنها، وربما هذا ما جعلها تبدو أكبر بكثير من مأساتها، ولا عجب أن معرفتها قد التبست على صديقتها أم لقمان، لكثرة ما تحملت من مصاعب خلال أشهر المأساة القليلة، فقالت لها عندما استقبلتها في المدينة: من أنت يا أخيه! وكأن صدى صوت زينب (ع)، مستنجدة بجدها النبي (ص)، مازال يتردد بلوعة وحرقة في تلك الوهاد، ويدوي صداه في آذان العباد، عندما شاهدت جثمان أخيها الحسين بدون رأس مرميا على الفلاة: (يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء! هذا الحسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا)، إنها ذات اللوعة المستبطنة في استغاثة داعي التوحيد، بعد حوالي ثلاثة قرون ونصف، حين قال: (فإلى الباري تعالى وإلى وليه المستغاث والمشتكى. وإلى رحمته المفزع والملتجا. فما أجريت إلى مثل هذا الكفر بعد الإنذار والتخويف أمة من الأمم. ولا سمع بمثل هذه الفادحة في العرب و العجم).
أيها السادة...
إذا كنا نطمح إلى الاتعاظ بما حدث في مجتمع قديم، أفرز المأساة الحسينية، وأنطق صوتها الصادق زينب بنت علي (ع)، كما أنطق داعي التوحيد بلوعة وحرقة، فلا بد لنا أولا من الإيمان بان ثمة استطالات سرطانية من ذلك المجتمع القديم، مازالت متجذرة في مجتمعاتنا المعاصرة، توفر الإمكانية اللازمة لفرز زينب أو زينبات معاصرات. ثم لا بد لنا ثانيا، من أن نعمل جاهدين ومتعاونين على إحلال العدالة، وإرساء قواعدها في مجتمعاتنا التعددية، فهي وحدها تحفظ للمجتمع البشري توازنه، وتدفع مجتمعاتنا نحو الحداثة والتماسك.
أيها السادة...
لا ريب أننا اليوم نقف أمام الخيارات الصعبة، في نظام عالمي جديد، يريدنا عبيدا نصلي للهبل الجديد، الذي يحاول بشتى الطرق، وباستعمال كافة الذرائع استعباد جميع شعوب العالم، والسيطرة على كافة ثرواتها. إنه يتذرع بتطبيق ديمقراطيته الحرباء، التي تخدم مصالحه وحده، مقنعا بقناع قداسة القائم الهادي المنتظر، أو المهدي المنتظر، أو المسيح العائد، محاولا إقناع الناس بان الهبل الجديد إنما أتى مخلصا للناس، كي يملا الأرض عدلا، وهو في حقيقته ظلم أجنف، ورب مزيف. وختاما أيها السادة، فإن الحل كل الحل يكمن في ترسيخ مبدأ بسيط جدا، مع أنه صعب جدا في نفس الوقت، لأنه يحتاج إلى ثورة انقلابية في طريقة تفكيرنا وتصرفنا جميعا، وهو اعتراف كل منا بحرية الآخر في ما يفعل ويقول ويعتقد. فإن أبقى كل منا قلبه أمام لسانه، على حد قول الإمام علي (ع)، فسوف لا يؤدى بنا الاختلاف إلى الخلاف. وإذا ما وصل بنا الاختلاف إلى مفصل حرج، فلنعتصم جميعا بالعقل، ذلك الحبل الذي يصل كلا منا بالخالق سبحانه، ولنجعل من العقل الحبل مركز تآلفنا وتعاضدنا، عملا بقوله تعالى: [واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداء، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا] صدق الله العظيم...
أعاد الله على الأمة مولد السيدة زينب (ع) بالمحبة والتفاهم والوئام.
شكرا لإصغائكم، والسلام عليكم ورحمة الله.