مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر
8. كلمة المجلس الإسلامي الإسماعيلي لسوريا - الأستاذ صدر الدين المحمد

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها
الحفل الكريم...
عندما نحتفل بذكرى ميلاد السيدة زينب الكبرى (ع) لا بد من أن نذكر مبادئ إصلاح
الأمة وبناء الإنسان باعتبارها ركائز أساسية لمنهجية هذه السيدة الطاهرة فمن هي
السيدة زينب (ع)؟ إنها عقيلة بني هاشم. جدها لأمها النبي البشير النذير محمد (ص).
جدها لأبيها أبو طالب مؤمن قريش، عم النبي الكريم وكفيله وناصره وحاميه، إنها ابنة
الإمام علي بن أبي طالب (ع)، باب مدينة العلم وصاحب ذي الفقار، إنها ابنة سيدة أهل
الجنان فاطمة الزهراء (ع)، إنها أخت سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (ع)،
وإنها زوجة عبد الله ابن عمها الشهيد جعفر بن أبي طالب (الطيار بجناحين في الجنة).
وإننا نحتفل بهذه الذكرى الكريمة تمسكا برسالة الإسلام التوحيدية الداعية إلى إصلاح
الأمة وبناء الإنسان أينما كان وحيثما وجد، لقد ظهر جدها خاتم النبيين محمد (ص)
وقام بالدعوة الإسلامية التوحيدية فدعا قومه وكل العرب بل و كل الناس إلى سبيل ربه
بالحكمة والموعظة الحسنة وقد أكدت هذه الرسالة الإلهية مهمة الهداية التي تقوم بها
الأمة التي يرئسها نبي الهدى والحق و أهل بيته الأطهار كما جاء في قول الله عز وجل
في محكم التنزيل [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر]. إن
الهداية إلى الصلاح والإصلاح وبناء الإنسان في كل مكان هي المهمة الجليلة التي عبر
عنها رب العالمين في خطابه لرسول الرحمة محمد (ص) بقوله في قرآنه المجيد: [وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين]. و نفذ نبي الهدى والرحمة محمد (ص) أمر ربه فأكد شمولية
الرسالة التوحيدية الإلهية للبشر أجمعين حيث قال في حديثه الشريف معبرا عن هذه
الحقيقة (الخلق كلهم عيال الله أحبهم وأقربهم إلى الله أنفعهم لعياله). ولم يقبل مشركو قريش بالدعوة النبوية التوحيدية والإنسانية بل قابلوا إحسان النبي الكريم
بالإساءة والإيذاء فقام عمه أبو طالب، جد السيدة زينب (ع) بالتعبير عن إيمانه
العميق بالرسالة الإلهية التي يبلغها ابن أخيه رسول الرحمة، وقد قال معبرا عن هذا
الإيمان:
إني لأعلم أن دين محمد
من خير أديان البرية دينا
ثم قدم أبو طالب (مؤمن قريش) الدعم المعنوي و المادي لأبن أخيه نبي الحق والهدى في
تبليغه لرسالة دين التوحيد حماية له من المشركين الذين حاولوا ثنيه عن عزمه، ومنعه
من نشر عقيدته المقدسة بالتهديد والوعيد وفي كثير من الأحيان باستعمال القوة ضده...
فقال له مطمئنا:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى
أوسد في التراب دفينا
أما الإمام علي (ع) والد السيدة زينب (ع) فقد أكد شمولية دين الإسلام، دين الحق
والهدى، وبعد أن جاهد ضد المشركين لنشر دين التوحيد طيلة حياة الرسول الكريم محمد
(ص) فقد أراد لهذا الدين الحنيف أن يترك أثره في حياة الإنسان عدالة اجتماعية بصرف
النظر عن الانتماء العرقي والمذهبي أو الديني، وهذا ما نلمسه واضحا جليا في كتابه
الذي وجهه إلى واليه على مصر، مالك بن الحارث الأشتر حين قال له: (وأشعر قلبك
الرحمة للرعية ولا تكن سبعا ضاريا يغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين،
وإما نظير لك في الخلق فأعطهم من عفوك و صفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه
وصفحه).
ومن أجل تكريس هذه المبادئ السامية" مبادئ الإسلام السمحة لإصلاح الأمة وبناء
الإنسانية جمعاء، لم تفارق السيدة زينب (ع) أخاها الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة،
وإنما رافقته من المدينة المنورة مع أهل بيته وإخوته و تابعيه إلى مكة المكرمة، ثم
تابعت معه نحو كربلاء، وحضرت هذه المعركة الاستشهادية و هي المرأة الباسلة الشجاعة
حيث ضمدت جراح الرجال من أبناء بنت رسول الله (ص) وأتباع أخيها الحسين الشهيد (ع)
وقد تمثلت مبادئه الإنسانية في جميع مواقفها، وقامت بواجبها الديني والإنساني وقد
أوصاها بحفظ العيال و الأطفال. و عندما أراد الإمام السجاد علي بن الحسين (ع) أن
يشارك في القتال ضد الظلم والطغيان ـ وقد كان مريضا- رده أبوه الإمام الحسين (ع)
إلى فراشه وأوصاه بوصاياه ثم ودعه ليبقى بعده إماما هاديا تستمر في ذريته كلمة الحق
والهدى في كل عصر ومع كل جيل وحتى يوم الدين. وبعد انتهاء معركة الشهادة التي ما
كانت لتحدث إلا من أجل إحقاق الحق وإقامة العدل وإصلاح الأمة والبشرية جمعاء، تقف
السيدة زينب الكبرى (ع) إلى جانب ابن أخيها الإمام زين العابدين (ع) وتعلن
استعدادها للتضحية بنفسها فداء له في مجلس ابن زياد في الكوفة وتقول: (الحمد لله
الذي أكرمنا بالنبوة وطهرنا من الرجس تطهيرا) ثم تلت الآية القرآنية الكريمة: [إنما
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا]. وفي مجلس يزيد في دمشق تقف
عقيلة بني هاشم السيدة زينب (ع) موقف البطولة والصمود في مواجهة الظلم والطغيان
وتقول صائحة: (وا أخاه وا حسيناه، يا ابن محمد المصطفى ويا ابن علي المرتضى ويا ابن
فاطمة الزهراء.... أهكذا يصنع برأسك يا حبيب رسول الله !؟) ثم تقول: (الحمد لله رب
العالمين وصلى الله على رسول الله وآله أجمعين، أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار
الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء أن بنا على الله هوانا، وبك عليه
كرامة. فمهلا مهلا أنسيت قول الله تعالى [ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرا
لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين]). ثم توجهت إلى الله تبارك
وتعالى بهذا الدعاء: (اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك
دماءنا وقتل حماتنا). ثم تلت قول الله تعالى: [ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون]. وأخيرا وفى دمشق أيضا تسأل السيدة الطاهرة زينب
(ع) ابن أخيها الإمام السجاد علي بن الحسين (ع): (إلى أين يا نعم الخلف إلى أين يا
بقية السلف؟). ويأتي جواب الإمام (ع) وبشكل غير مباشر على تساؤل العمة المجاهدة حيث
يقول: (أوتينا سبعا، وفضلنا بسبع: أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة
والمحبة في قلوب الناس، وفضلنا بأنه منا النبي المختار ومنا الصديق والطيار ومنا
أسد الله وأسد رسوله ومنا سبطا الأمة ومنا سيدة نساء العالمين)، أجل يا ابنة أمير
المؤمنين وسيد الوصيين. إنكم يا أهل البيت مستودع سر الله وأمانته، وإنكم عترة رسول
الله وذريته وأنتم وارثو علمه وخلقه ومجده وشرفه و لقد سار على نهجكم كل موال ومحب
لله ولرسوله وهاهو شاعر أهل البيت الأطهار يقول:
آل بيت النبي أنتم غــياثي
في حياتي وعدتي لمعـــــــــادي
ما تزودت للقيامــــــــة إلا
صفو ودي لكم وحسن اعتقادي
لقد جعل الله تبارك وتعالى الهداية لإصلاح الأمة وبناء الإنسان حيثما وجد وحيثما
كان، مستمرة في الأعقاب الطاهرة رحمة إلهية لا يمكن أن تنقطع إنها سلام الله على
الإنسان، وسلام الناس بعضهم مع بعض. إنها دين الإسلام بقيمه الشاملة على كل
المستويات المادية و الروحية ولجميع الناس على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم
ومذاهبهم و أديانهم في كل عصر وفي كل زمان.
ولقد ذكر إمام المسلمين الشيعة الإماميين الإسماعيليين في العالم سمو الأمير اغا
خان، أهمية تطبيق قيم الإسلام في أعمالنا وهي مبادئ الاحترام المتبادل والتواضع
والاستقامة والأمانة والكرم، كما ركز على أهمية احترام تعدد المواقف والآراء
والعقائد ثم قال موضحا: (إن الرسالة الإسلامية شاملة وليست مقتصرة على مناطق محدودة
أو خاصة بمجموعات عرقية أو عنصرية منعزلة وإن ما نحاول إنجازه في هذا المحيط الذي
نتوقعه ليس خاصا بنا وإنما نريد أن تتشارك به البشرية جمعاء).
وختاما فإننا نتعهد بتطبيق هذه المبادئ العظيمة التي هي الركائز الأساسية لدين
الإسلام عامة ولمنهجية أهل البيت الأطهار والسيدة زينب (ع) خاصة مع تمسكنا بثوابتنا
الوطنية والقومية في ظل قيادتنا السياسية الرشيدة والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.