مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر
7. كلمة حجة الإسلام السيد جعفر الشيرازي، ممثل المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي في سوريا

بسم الله الرحمن الرحيم
إصلاح الأمة وبناء الإنسان ركائز أساسية في منهجية السيدة زينب بنت علي بن أبي
طالب، سبطة الرسول الأكرم محمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام.
قال الله في كتابه الكريم:
[والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين] (الأعراف 170)،
هل يمكن أن يضيع البارئ الحكيم أجر المصلح؟!
نعم، لو لم يكن في البين تمسك بالكتاب، ولإقامة الصلاة،...
الإصلاح ضرورة عقلية شرعية معقدة ذات أجزاء دقيقة حساسة مترابطة متشابكة، ولا بد
منه، لا لضمان التقدم فحسب، بل لتفادي التراجع وضمان التصحيح، وتجاوز العقبات،
ولذلك وغيره من الأسباب صارت كل من الرقابة والتنمية عنصرين أساسيين من عناصر
الإدارة، وكان مبدأ المراجعة، فالمراجعة الدائمة للخطط في النظم والمؤسسات.
ولا تهدف بعثة الأنبياء والرسل إلا الإصلاح، كما أن استمرار الإمامة دليل على
استمرارية الحاجة إلى الإصلاح، والأحاديث الشريفة الدالة على عدم خلو البسيطة من
الحجة دائما تصب في هذا المنحى، طبعا إلى جانب تشريعات كالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر بالشروط الدقيقة المحددة، وتعريف الدين بالنصيحة، ووصف كل من الأمة والحاكم
بالراعي والرعية وما إلى ذلك.
هذا باختصار عن ضرورات الإصلاح وجذوره في الإسلام، وبالمعنى الشامل، لكن: ما هي
معوقات الإصلاح الشامل البنيوي؟
أو بعبارة أخرى: ما هي دعائم الإصلاح الرسالي؟
هناك العديد من الدعائم يتصدرها مثلث:
1ـ الإصلاح لله: نيةً وإخلاصا ومنهجا.
2ـ الإصلاح للإنسان: فيكون المحور هو الإنسان الذي كرمه الله عز وجل.
3ـ الإصلاح للإصلاح: كهدف استراتيجي بعيدا عن الانتهازية والمصلحية، وحتى عن النجاح
على المدى المنظور.
وهذا بحاجة إلى مراس وترويض متناسب مع حجم الهدف، وسمو رسالة الإصلاح بالمعنى
الشامل، لأن الإصلاح البنيوي لن يكون إلا إذا جاء شاملا، لترابط أجزائه وتشابكها
وتداخلها من جهة، ولتنوع وتعدد حاجات الإنسان وغرائزه ونوازعه وميوله ومواقفه
واتجاهاته و...، الإنسان الذي هو موضوع وهدف ووسيلة الإصلاح وغايته، وذلك الترابط
تشير إليه الرواية الشريفة: (من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين
الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه
الله حافظا).
فالخطوة الأصلية الأولى لتخليد الإصلاح وبزخم وتفاعل شعبي، له انعكاساته الإيجابية
الدنيوية التي تبدأ من إصلاح الذات... ذات المصلح، فذلك ولوحده يضمن للإصلاح
الرسالي الشامل الخلود والنجاح وإن تأخر ليجني ثماره الجيل التالي أو الأجيال التي
تتلوه.
أجل يبدأ من إصلاح الذات، ويكون إصلاحا شاملا، وكما هو الإصلاح المنشود، وكما في
الدعاء: (فأصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي)،
وكما في دعاء ثان: (وأصلح لنا نياتنا وشأننا كله)، وفي دعاء ثالث: (وأصلح كل فاسد
من أمور المسلمين)، وفي دعاء رابع: (ربي أصلح لي نفسي فإنها أهم الأنفس إلي، ربي
أصلح لي أهل بيتي فإنهم لحمي ودمي، ربي أصلح لي جماعة إخوتي وأخواتي ومحبّيّ، فإن
صلاحهم صلاحي).
نعم... إن صلاحهم هو صلاحي، فهناك ترابط بين: صلاح الفرد وصلاح الآخر... صلاح الفرد
وصلاح الآخرين، وللوصول إلى الصلاح لا بد من إصلاح البعيد ممن يشل الإصلاح ويفسده،
فالإصلاح ـ كأي عمل أو نشاط آخر ـ مجرد حسنه ومرغوبيته وضرورته وجذابيته لا تكتب له
النجاح، وكما قال سبحانه: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين، ثم أتبع سببا)، فالإصلاح
دوائر ومستويات ومجالات وأبعاد مختلفة ومجالات متداخلة متفاعلة، كما في النصوص
المتقدمة التي ذكرناها على سبيل المثال لا الحصر، فهو يشمل الأمور المعنوية
والمادية، الفردية والجمعية فالجماعات فالأمة، التدين والآخرة والدنيا، والاقتصاد
والإدارة والسياسة، والعلاقات: العلاقة مع الله... مع الإنسان... مع المجموعة
والمجموعات فالمجتمع مع الخلل والخطأ في التنظير أو التخطيط أو التنفيذ... مع
البيئة وما إلى ذلك مما يطول ذكره.
هذا بإيجاز عن ضرورة ودور ومساحة الإصلاح وترابط مفاصله، أما عن السر الذي يميز
ويجعل الإصلاح الرسالي بنيويا شاملا وخالدا على مر العصور فيكمن في أمور يتصدرها ما
يرتبط بالذات... بالنفس... بذات المصلح ونفسه، وصلاح ما بين تلك الذات وربها، فتكون
القدوة النزيهة المتقية المضحية بكل شيء على طريق الإصلاح، ولله وحده ولمصلحة
الإنسان ومحوريته، وبذلك يكون الثالوث المقدس للإصلاح قد توفر، لتشرع مسيرة صناعة
حواري الإصلاح وأبطاله من الرجال والنساء والشيوخ والشباب واليافعين بل وحتى
الأطفال.
هكذا كانت الحركة الإصلاحية الكبرى لسبط الرسول الأكرم الإمام الحسين بن علي بن أبي
طالب (عليهم أفضل الصلاة والسلام) فكتب الله لها الخلود.
والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة وعصية على الإحصاء، ولم تصبح معروفة بين المسلمين
فحسب، بل أمست مشهورة حتى عند غيرهم، وتفتخر بها البشرية، لكن في هذه الذكرى العطرة
لميلاد السيدة زينب الصديقة الصغرى بعد أمها فاطمة الزهراء (عليهما أفضل الصلاة
والسلام) نشير وبإيجاز إلى بعض اللقطات المشرفة المرتبطة بالإصلاح الرسالي ودور
صناعة الذات في ذلك لنلخص في الختام بعضا من ركائز إصلاح الأمة وبناء الإنسان التي
رسمتها السيدة الأولى في الكوكبة النسوية التي رافقت وشاركت الإمام الحسين (ع) في
حركته الإصلاحية الكبرى، وواصلت المسيرة بعده في حركة إعلامية متميزة قلبت كل
الموازين والمعادلات:
1ـ الحب لله فقط ومنذ أعوام الحياة الأولى:
في الأعوام الأولى من حياتها وفي اجتماع عائلي مصغر إلى جوار أبيها وأخيها العباس
(ع) وبينما الوالد يلاطفهما ويتبادل بعض الأسئلة معهما تتوجه إلى أبيها بالسؤال:
ـ أتحبنا؟
بطل العدالة الإنسانية يجيب:
ـ نعم، أولادنا أكبادنا.
وربما لتستعرض فتتأكد مما أراده الأب تحديدا، ويتشرب ذلك أخوها العباس الذي يصغرها
سنا فتقول لأبيها:
ـ يا أبتاه حبان لا يجتمعان في قلب واحد، حب الله وحب الأولاد، وإن كان لا بد
فالشفقة لنا والحب لله خالصا.
2ـ هجرة وأسر ونفي، والعطاء يتنامى:
حيث هاجرت (ع) مع زوجها وأبيها إلى الكوفة حين انتقل إليها، وأسست حلقة خاصة هناك
لتعليم المرأة القرآن والتفسير، أما هجرتها الثانية فكانت مع الإمام الحسين (ع)
وبرفقة ابنيها ليتقدما ركب شهداء الرسالة، فتقاد أسيرة من كربلاء إلى الكوفة
فالشام، وما أن عادت إلى المدينة حتى حكم عليها بالنفي، والتحقت في منفاها بالرفيق
الأعلى.
3ـ التقوى والتفاني المتواصل في العبادة وفي كل الظروف والأحوال:
فحتى بعد استشهاد بطل الإصلاح وإخوته وأبنائه وابنيها وأصحابه، وكل ما وقع مما لا
يطاق وصفه، لم تترك البطلة نوافلها الليلية، لكنها لم تستطع أداء الصلاة عن قيام.
يا عاصمة الصبر والصمود والإيثار: أستميحك عذرا... لماذا الصلاة من جلوس؟
الإمام السجاد (ع) يقول عن مسيرة الأسر عبر الصحراء: (إن عمتي زينب مع تلك المصائب
والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت نوافلها الليلية من قيام، وبعض
المجالس عن جلوس). فسألها السجاد (ع) فقالت: (أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ
ثلاث ليال، لأنها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الأطفال، لأن القوم كانوا
يدفعون لكل واحد منا رغيفا واحدا في اليوم والليلة).
4ـ الزهد دائما وأبدا:
يقول الإمام السجاد عنها (ع): (ما ادخرت شيئا من يومها لغدها أبدا).
5ـ تقديم حياتها لحماية الإمامة (الإمام السجاد (ع)):
فهي التي تمسكت بالإمام السجاد حين أراد ابن زياد قتله في الكوفة بعد واقعة كربلاء،
وخيرت الطاغية بين قتلها وقتله، فانصرف خشية الرأي العام الهش المتزلزل.
6ـ الرضى اللامحدود بقضاء الله سبحانه وتعالى:
يوم الحادي عشر من المحرم، بعد إعلان الأسر، وقبل أن يقاد الركب إلى الكوفة مروا
بالنساء والأطفال على الشهداء المفترشين التراب فتوجهت الحوراء نحو شقيق الدرب،
فبسطت يديها الطاهرتين تحت البدن الطاهر للإمام الحسين (ع) ورفعته قائلة:
ـ إلهي تقبل هذا القربان، إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى.
وحين سألها ابن زياد شامتا في ذلك الاجتماع الاستعراضي المصطنع:
ـ كيف رأيتي صنع الله بأخيك؟
أجابت وعلى الفور وبكل رصانة وحكمة إعلامية ملؤها الثبات والعزيمة والرضى بقضائه عز
وجل:
ـ ما رأيت إلا جميلا.
7ـ أداء مهام الإمامة:
لأن الإمامة كانت مهددة بالتصفية النهائية والكاملة، ولم يكن من منطق الرسالة
الاستسلام لخطة قطع ارتباط الأمة بالإمام علي بن الحسين السجاد (ع)، فتقدمت إلى
الواجهة بكل كياسة وتدبير، وتحملت المسؤولية مرة أخرى بكل أخطارها وتبعاتها، فكان
ما يخرج عن الإمام السجاد (ع) إلى الناس من علم وفتوى وموقف ينسب إلى الحوراء زينب
(ع).
8ـ الاستخدام الذكي المكثف للإعلام المتقن:
وعلى الدوام، قبل ومع وبعد واقعة الطف، وخلال رحلة الأسر الطويلة في البلاط والمسجد
وغيرهما، في الجمع وفي اللقاءات المباشرة، حتى قال كبار المؤرخين في كفاءة أدائها
الإعلامي: (ولم أرَ خفرة قط أنطق منها، كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (ع))،
والخفرة هي المرأة المستحية.
وبلغ تأثيرها الإعلامي حتى كتب والي المدينة حينئذ إلى يزيد ما نصه: (إن وجودها بين
أهل المدينة مهيج للخواطر، وإنها فصيحة عاقلة لبيبة، وقد عزمت هي ومن معها على
القيام للأخذ بثأر الحسين)، فجاء الرد من يزيد: (فرِّقْ بينها وبين أهل المدينة)،
فكان النفي، وكانت في المنفى حتى لحوقها بالرفيق الأعلى.
إن السمات المتقدمة تمثل بعض الركائز الأساسية لمنهجية السيدة زينب (ع) في إصلاح
الأمة وبناء الإنسان، وهي تتمحور حول:
الدؤوب لصناعة الذات عبر إصلاح العلاقة مع الله والتنمية المستدامة والعمل لتلك
العلاقة لمقاربة الثالوث المقدس للإصلاح الرسالي البنيوي الخالد المتمثل بالإصلاح
لله، وبهدف الإصلاح فقط، ولتكريس محورية الإنسان الذي كرمه الله عز وجل، فلا تغيير،
كما لا إصلاح دون قدوة تكون أسوة للآخر والآخرين.
هكذا أمست قدوة خالدة هذه السيدة العظيمة العالمة غير المعلمة، الفهمة غير المفهمة،
كما قال الإمام السجاد فيها، وقال سبحانه: [وتلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.